شهر رمضان فرصة للتزكية والهداية *

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(1).
جاءت كلمة (لعلّ) في القرآن الكريم في موارد متعددة بمعنى الإيجاب، أي أنّ ما بعدها متحقّق. ومن تلك الموارد هذه الآية، فمعناها: إذا صمتم فستصيرون متّقين حتماً.
ولا يخفى أنّ للصوم مراتب، والصائم الذي يبلغ التقوى هو الذي يكون صائماً حقيقة، لا الذي يصفه الإمام عليّ سلام الله عليه بقوله: «كم من صائم ليس له من صومه إلاّ الظمأ والجوع»(2)، بل الذي يصوم وتصوم جوارحه أيضاً. فصوم كهذا لا شك سيكون سبباً لأن يصير إنساناً متّقياً، كما في الحديث عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «اذا صمتَ فليصُمْ سمعك وبصرك وشعرك وجلدك»(3).
وكذلك للتقوى مراتب، ومفتاح ذلك كلّه بأيدينا، فإنّ الله تعالى قد خلق فينا القابلية لأن نستفيد من الصوم أكثر، وذلك بأن يكون صومنا في اليوم الثاني من الشهر أفضل من صومنا في اليوم الأوّل، وهكذا.
كان النبيّ صلى الله عليه وآله يستقبل شهر رمضان من كلّ عام بخطبة يوجّه فيها المؤمنين إلى أهميّة هذا الشهر وضرورة الاستفادة منه؛ ولذلك فخُطَب النبي صلى الله عليه وآله وكذلك خُطَب الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في استقبال شهر رمضان كثيرة، ومنها الخطبة المشهورة التي رواها الإمام أمير المؤمنين عن النبيّ صلى الله عليه وآله، والتي يسأل فيها الإمام عن أفضل الأعمال في هذا الشهر، فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وآله بأنّه «الورع عن محارم الله تعالى». فحريّ بنا أن نقرأها ونتدبّر معانيها ونعمل بها ما وسعنا، والله سبحانه وتعالى يعيننا على ذلك.
إنّ الله تعالى يحبّ أن نتقرّب اليه أكثر فأكثر؛ لأنّه يحبّنا أكثر من حبّ الأمّ لابنها كما في بعض الروايات(4)، بل يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(5). والظاهر أنّ العلّة هنا منحصرة، واللام لام التعليل. اذاً ينبغي لنا أن نستفيد من هذا الشهر العظيم أكثر فأكثر ونزيد من اقتدائنا بأهل البيت سلام الله عليهم.
لقد كان الأئمّة سلام الله عليهم يدعون حتى لأعدائهم؛ فقد روي في المقاتل أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه وبعد أن نزلت به كلّ تلك المصائب واستشهد أصحابه وأهل بيته وذُبح طفله الرضيع... إلى ما غير ما مرّ به من المصائب، شوهد يبكي ـ ومن المعروف أنّ المُقاتِل لا يبكي في ساحة الحرب؛ لأنّ ذلك يعدّ علامة على الضعف والانكسار ـ فلماذا بكى الإمام الحسين سلام الله عليه؟ الجواب: لأنّه كان يرى أنّ هؤلاء الأعداء كلّهم سيكون مصيرهم إلى النار؛ فبكى لحالهم ومصيرهم الأسود!
هؤلاء أئمّتنا فلنكن من المؤتمّين بهم إن شاء الله تعالى، ولنتوسّل بهم في هذا الشهر أيضاً، فإنّ الله قد قرن عطاءهم بعطائه وفضلهم بفضله؛ قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ)(6) وقال تعالى:(وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ)(7)، وهذا يعني أنّ الله تعالى يعطي، والنبيّ صلى الله عليه وآله يعطي على نحو التفويض، لأنّ عطاء النبي هو من الله أيضاً، وهكذا الأئمّة الأطهار الذين هم امتداد لجدّهم صلى الله عليه وآله لأنّهم كّلهم نور واحد. ولا يوجد طريق غيرهم يؤدّي إلى الله تعالى؛ حيث قال الإمام الباقر سلام الله عليه: «شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت»(8).
ينقل أنّ الميرزا النائيني ذهب مرّة من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة ماشياً مع تلامذته. وقبل أن يصلوا إلى كربلاء المقدسة بحوالي ثمانية كيلومترات أمطرت السماء بشدّة وابتلّت ملابسهم جميعاً، ولما وصل الميرزا النائيني إلى كربلاء المقدسة مرض بسبب ذلك حتى أغمي عليه من شدّة الحمّى، ولما رأى الطلاب أنّه في سكرات الموت أسرع بعضهم لاستدعاء طبيب، فيما ذهب أحدهم إلى قبر الإمام الحسين سلام الله عليه ووقف تحت القبّة ودعا لشفاء الشيخ. وبعد أن تعب عاد إلى المدرسة ـ حيث يرقد الشيخ ـ وكان في حالة بين اليأس والرجاء من حال الشيخ؛ حيث لا يعرف أهو حيّ أم ميّت؟
وعندما وصل إلى المدرسة رأى الشيخ جالساً، فسأله عن صحّته؟ فقال: إنّه بخير وبصحّة تامّة! وقال: بينما كنت في تلك الحالة رأيت الموت بأمّ عيني ورأيت ملائكة الموت، ورأيتك أيضاً تحت قبّة الإمام الحسين سلام الله عليه تدعو لي، وأظن أنّ دعاءك هو الذي صار سبباً لشفائي.
وأضاف: أمّا الشيء الغريب الذي رأيته في تلك الحالة أيضاً، فهو أنّي رأيت الملائكة يأتون اليّ ويأخذون علومي واحداً واحداً، ولم يبق لي إلاّ القرآن وروايات أهل البيت سلام الله عليهم، وفي لحظة رأيت أنّي قد شفيت.
أجل إنّ الله سبحانه وتعالى لم يجعل لنا طريقاً صحيحاً إليه إلاّ طريق أهل البيت سلام الله عليهم ولا يقبل منّا غير هذا الطريق؛ قال تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ)(9) فعلينا أن نسعى لرضا الله سبحانه بجلب رضاهم، وأن نعرف كيف نرضيهم. فمن المسائل المهمّة عند أهل البيت سلام الله عليهم هي أن نكون في كلّ يوم أفضل من اليوم الذي سبقه. وهذا الشهر المبارك هو شهر التزكية فعلينا أن نزكّي أنفسنا فيه حتى نصير أمثال زرارة أو عليّ بن مهزيار أو سلمان المحمّدي، وهذا لا يحتاج إلى أكثر من أن نصمّم حتى نوفّق إن شاء الله تعالى.
المسألة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هو الاهتمام بهداية الشباب وإرشادهم في هذا الشهر، فإنّ النفوس تكون مهيّأة أكثر لاستقبال الموعظة، ولا تتصوّروا أنّ هؤلاء الشباب لا يهتدون، بل كثير منهم إذا وجد الطريق الصحيح سلكه وربما صار من العظماء وصار سبباً لهداية الآخرين مثل كثير من أصحاب الرسول الأعظم والأئمّة الميامين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
إذاً علينا أن نستثمر فرصة هذا الشهر الكريم من أجل هداية الشباب عبر تشكيل الجلسات لهم وأن نستمع إلى الشبهات التي تخالجهم فنرفعها، وأن نربّيهم في هذا الشهر على شيئين، هما:
1. العقيدة الصحيحة.
2. مكارم الأخلاق. فإنّ النبي صلى الله عليه وآله يقول: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»(10).
فلربما اهتدى شابّ واحد وصار فيما بعد سبباً لهداية المئات. والعكس صحيح أيضاً فربّ شاب فاسد صار سبباً لفساد المئات.
إنّ الانسان السائر في طريق الله سبحانه تشمله النصرة الإلهية؛ حيث يقول الله تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)(11) فلنزكِّ أنفسنا في هذا الشهر بالعمل الصالح، ولنعمل على هداية الشباب وإرشادهم إلى الطريق القويم.


٭ حديث السيد المرجع حفظه الله في جمع من أساتذة وطلاب الحوزة العلمية من مدينتي إصفهان وقم المقدّسة قبيل شهر رمضان المبارك عام 1427 هـ .
(1) سورة البقرة، الآية: 183.
(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص72 باب 12، بطلان العبادة المقصود بها الرياء، ح161.
(3) فروع الكافي: ج4 ص87، باب أدب الصائم، ح1.
(4) راجع روضة الواعظين للنيسابوري: ص503، مجلس في ذكر الرجاء وسعة رحمة الله تعالى، وفيه: قال صلّى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده، إنّ الله تعالى أرحم بعبده من الوالدة المشفقة بولدها.
(5) سورة هود، الآية: 119.
(6) سورة المائدة، الآية: 119.
(7) سورة التوبة، الآية: 59.
(8) الكافي للكليني: ج1 ص399، باب: إنّه ليس شي من الحقّ في يد الناس إلا ما خرج من عند الأئمة سلام الله عليهم، ح3.
(9) سورة المائدة، الآية: 35.
(10) مستدرك وسائل الشيعة، ج11 ص87 باب 6، استحباب التخلّق بمكارم الأخلاق، ح1.
(11) سورة غافر، الآية 51.