مسؤولية العلماء *

إنّ للعلم والعلماء مكانة شامخة في الإسلام كما نجد ذلك في قول الله سبحانه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(1). وهذه المكانة السامية تتبعها مسؤولية بحجم وبنسبة ما لها من الشموخ والسموّ.
روي عن الحارث بن المغيرة ـ وهو من أجلاّء وثقات أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه ـ أنّه قال:
لقيني أبو عبد الله الصادق سلام الله عليه في طريق المدينة فقال:« من ذا، حارث؟» قلت: نعم، قال:« لأحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم»! فأتيته واستأذنت عليه فدخلت فقلت: لقيني من ذلك أمر عظيم، فقال:« ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل ماتكرهون، ومايدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنّبوه وتعذلوه، تقولوا له قولاً بليغاً؟» فقلت له : جعلت فداك إذاً لايطيعونا، ولايقبلون منّا، فقال : «اهجروهم واجتنبوا مجالستهم»(2).
إنّ هداية الناس واجب شرعيّ مميّز، وواجبنا نحن أهل العلم لاينحصر بأنفسنا فقط بل نحن مسؤولون عن غيرنا أيضاً. وهذا يحتّم علينا حسب قدرتنا وإمكاننا أن نسعى في تهيئة الأجواء الصالحة لهداية الآخرين. فالأجواء الصالحة تربّي جيلاً صالحاً، والعكس بالعكس أيضاً.
كان في عصر الإمام الجواد والإمام الهادي سلام الله عليهما أخوان أحدهما تربّى في أحضان أهل البيت، فصار من الثقات ـ ويعتمد على رواياته كلّ فقهاء الشيعة بدءاً من الشيخ المفيد رضوان الله عليه وإلى علماء عصرنا الراهن ـ ذلكم هو محمد بن فرج الرخجي، بينما الآخر عمر بن فرج الرخجي الذي تربّى في أحضان حكّام بني العباس مع المأمون والمعتصم والمتوكّل فكان متناقضاً مع أخيه تماماً حيث لقي منه أهل البيت سلام الله عليهم وشيعتهم مظالم كثيرة، حتّى أودى به سوء فعله أن سلّط الله تعالى عليه من لا يرحمه، ذلك بعد ما عمل ما أثار به غضب المتوكّل فسجنه وصفّده بالحديد ثم قضى عليه . ولبيان مدى خبث هذا الشخص أذكر لكم الرواية التالية:
«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ (الهادي) سلام الله عليه فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! حَدَثَ بِآلِ فَرَجٍ حَدَثٌ؟ فَقُلْتُ: مَاتَ عُمَرُ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. حَتَّى أَحْصَيْتُ لَهُ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ مَرَّةً. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَسُرُّكَ لَجِئْتُ حَافِياً أَعْدُو إِلَيْكَ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَوَ لا تَدْرِي مَا قَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبِي (الجواد)؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: خَاطَبَهُ فِي شَيْ‏ءٍ فَقَالَ: أَظُنُّكَ سَكْرَانَ. فَقَالَ أَبِي: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أَمْسَيْتُ لَكَ صَائِماً فَأَذِقْهُ طَعْمَ الْحَرْبِ وَذُلَّ الأسْرِ، فَوَ اللَّهِ إِنْ ذَهَبَتِ الأيَّامُ حَتَّى حُرِبَ مَالُهُ وَمَا كَانَ لَهُ ثُمَّ أُخِذَ أَسِيراً وَهُوَ ذَا قَدْ مَاتَ ــ لا رَحِمَهُ اللَّهُ ــ وَقَدْ أَدَالَ اللَّهُ عَزّ وَجَلَّ مِنْهُ وَمَا زَالَ يُدِيلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ»(3).
إذاً علينا أن نعمل ما نهيّئ به الأجواء الصالحة في مختلف الأحوال وبشتّى الأساليب الشرعية، لكيلا نلام بعد ذلك؛ قال تعالى: (ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)(4).
إنّ المطلوب هو الالتزام العمليّ بما نعلمه من الدين ليقتدي بنا الآخرون، والالتزام بالأخلاق العملية واللفظية في ممارسة الهداية مع الناس، كما يفترض بنا ممارسة التبليغ والموعظة والإرشاد والتأليف والتربية لتتوافر أسباب الهداية المرجوّة، لنكون موفّقين وناجحين في إنجاز هذه المهمّة الجليلة إن شاء الله تعالى.


٭ حديث السيّد المرجع في جمع من أساتذة وطلاّب (المعهد الإسلامي) من مدينة بغداد.
(1) سورة الزمر، الآية: 9.
(2) أعلام الدين في صفات المؤمنين، للديلمي، ص236.
(3) أصول الكافي: ج1 ص496، باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني سلام الله عليهما، ح9.
(4) سورة الأنفال، الآية: 42.