من سمات الأولياء *

في المأثور عَنْ عُبَادَةَ الْكُلَيْبِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَخِيهِ الْحَسَنِ سلام الله عليهم قَالَ: رَأَيْتُ أُمِّي فَاطِمَةَ عليها السلام قَامَتْ فِي مِحْرَابِهَا لَيْلَةَ جُمُعَتِهَا، فَلَمْ تَزَلْ رَاكِعَةً سَاجِدَةً حَتَّى اتَّضَحَ عَمُودُ الصُّبْحِ، وَسَمِعْتُهَا تَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَتُسَمِّيهِمْ وَتُكْثِرُ الدُّعَاءَ لَهُمْ، وَلا تَدْعُو لِنَفْسِهَا بِشَيْ‏ءٍ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ، لِمَ لا تَدْعُوِنَّ لِنَفْسِكِ كَمَا تَدْعُوِنَّ لِغَيْرِكِ ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، الْجَارُ ثُمَّ الدَّارُ»(1).
توجد أدعية كثيرة عن أهل البيت سلام الله عليهم صيغتها أن يبدأ الإنسان بالدعاء لنفسه أوّلاً ثم للآخرين، مثل: اللهم اغفر لي وللمؤمنين. واللهم اغفر لي ولوالدي، وهكذا(2).
لكنّ هذا الحديث المأثور عن مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها رغم قصره ينبئ عن سرّ خاصّ وأمر مهمّ جداً يرشد إلى الإيثار في الدعاء.
يمكن للكثير من الناس أن يسترخصوا من قيمة الدعاء كونه لا يحتاج إلى مال ولا جهود ولا وقت طويل. لكنّ سيّدتنا الزهراء سلام الله عليها تعرف قيمة الدعاء وتقدّر مدى تأثيره، كيف لا، وهو يعدّ مصداقاً لواحدة من الوسائل في التكلّم مع خالق كلّ شيء، والقادر على كلّ شيء وهو الله جلّ شأنه، معطي كلّ نعمة وصارف كلّ نقمة. لذلك آثرت سلام الله عليها الدعاء لغيرها على الدعاء لنفسها.
لاشك أنّ كل واحد منّا بحاجة للدعاء كما في قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ)(3) وفي الحديث النبويّ الشريف : «الدعاء مخّ العبادة»(4) والمخّ هنا معناه الأساس، لكن أن يؤثر المرء غيره حتّى في الدعاء، فهذا من الفضائل الرفيعة والراقية جداً والتي لا نجدها إلاّ عند أهل البيت. فهم سلام الله عليهم علاوة على إيثارهم برزقهم وبالحاجات الدنيوية قد آثروا غيرهم على أنفسهم في الدعاء أيضاً.
إذاً ينبغي أن نتأسّى بأهل البيت سلام الله عليهم ونتعلّم منهم كيفية إيثار غيرنا على أنفسنا حتى في الدعاء. فعلى المؤمنين أنّ يؤثروا أرحامهم على أنفسهم، وعلى الأولاد أن يؤثروا الوالدين على أنفسهم، وعلى الوالدين أن يؤثروا أولادهم على أنفسهم، وهكذا الجيران والأصدقاء وزملاء العمل ... علماً أنّ هذا الخصلة من الإيثار تعود على الإنسان بأمرين:
الأوّل: إذا دعوت لغيرك فهناك ملائكة ستدعوا لك بضعف ما دعوت لغيرك ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله سلام الله عليه، قال: «دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب يسوق إلى الداعي الرزق، ويصرف عنه البلاء، وتقول له الملائكة: لك مثلاه»(5) فمن يريد الرزق والذرّية الصالحة والتوفيق من الله تعالى فليدعُ بها لغيره حتى تعود عليه بأضعاف كثيرة.
الثاني: كما أنّ الإيثار له ثمرات وآثار إيجابية في الدنيا، كذلك له درجة رفيعة وأجر عظيم في الآخرة.


٭ حديث السيّد المرجع في جمع من المؤمنين والمؤمنات ضمن قافلة (أم البنين) من مدينة سيهات السعودية وفدوا على سماحته في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة.
(1) وسائل الشيعة: ج7 ص112 باب42، استحباب اختيار الإنسان الدعاء للمؤمن على الدعاء لنفسه، ح8884.
(2) راجع مستدرك سفينة البحار للنمازي: ج3 ص283ـ332، في الدعاء.
(3) سورة الفرقان، الآية: 77.
(4) عدّة الداعي لإبن فهد الحلي: ص29، الباب الأوّل في الحثّ على الدعاء.
(5) ثواب الأعمال للصدوق: ص153، ثواب دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب.