سرّ النجاح *

يخاطب الله تعالى نبيّه في القرآن الكريم بقوله عزّ من قائل:
(فَبمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(1).
وفي آيات أخرى يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يتعلّموا من النبيّ ويقتدوا به في حياتهم ويتّخذوه أسوة لهم؛ قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(2).
لو أردنا أن نبحث عن الإنسان الناجح والموفّق في حياته، فلا ريب أننا سنجده في ذلك الذي اقتدى بالنبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته سلام الله عليهم، ولاغرو أن يكون أحسن الناجحين والموفّقين في الحياة؛ وذلك لأنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كان المثل الأعلى للإنسان في قوله وصمته، وسرّه وجهره، وفي فعله وتركه، وفي كلّ أحواله، بل فاق وسما على كلّ الشخصيات في العالم منذ بدء الخلق وحتى انتهائه، بشهادة المؤمنين به وغيرهم.
لقد ألّف كاتب مسيحيّ كتاباً دوّن فيه أسماء أعظم مئة شخصية في تاريخ العالم أو (المئة الأوائل) كما سمّاهم، وذكر في المقدّمة أنّه جعل الترتيب حسب الأولوية من حيث نجاح الشخصية في حياتها وتحقيقها للأهداف التي كانت تصبو إليها، وليس حسب التسلسل الزمني، فجعل ـ رغم أنّه رجل مسيحيّ ـ اسم نبيّنا أوّل الأسماء إذ عدّه صلى الله عليه وآله الشخصية الأنجح.
فما هو السرّ وراء نجاح النبيّ صلى الله عليه وآله في حياته، رغم كلّ الحروب والضغوط التي تعرّض لها من قومه وغيرهم منذ أن أعلن دعوته حتى استشهاده صلوات الله عليه وآله؟
من الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء هذا النجاح الباهر ما ذكره القرآن الكريم في مواطن عديدة؛ منها الآية التي صدّرنا بها الكلام أعني قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) أي لينه صلى الله عليه وآله.
لقد كان رسول الله ليّناً، ولم يكن فظّاً مع أيّ أحد، ليس فقط كنبيّ في تعامله خلال دعوته، بل كزوج مع زوجته وكأب مع أولاده، وهكذا كقائد مع جنده. فرغم أنّه كان يمثّل القائد الأعلى للقوّات المسلحة وكانت إشارة واحدة منه تكفي لإيقاف القتال أو استمراره، لكنّه لم يستعمل الشدّة في الحديث مع أحد من جنده وأصحابه، بل حتى مع أعدائه، وإنما كان عذب اللسان رحب الجنان دائماً.
أمّا في مجال تبليغ رسالته، فرغم كلّ الضغوط والصعوبات التي تعرّض لها من قومه، ومعارضتهم الشديدة لدعوته، حتى شنّوا عليه الحروب في بدر وأُحُد وغيرهما، وهو من عُرف بينهم قبل ذلك بالصادق الأمين، رغم كلّ ذلك لم يُعهد أنّه صلى الله عليه وآله تعامل بفظاظة مع أحد منهم طيلة حياته المقدّسة، مع أنّه لم يكن ـ حاشاه ـ إنساناً ضعيفاً من حيث القوّة البدنية أو النفسية، فكان يتألّم ويغضب كسائر البشر، بل كان يملك من القوّة البدنية ما يعادل قوّة أربعين رجلاً ـ كما ذكرت الروايات(3)ـ ولكنه كان يحظى بأخلاق عالية جداً، ولذلك كان يعامل المسلمين، بل حتى أعداءه بالمحبّة والأخلاق الحسنة، فكان بأخلاقه العظيمة يكسب أعداءه ويحوّلهم إلى أصدقاء، ويزيد من محبّة أصدقائه له.
لقد عاش النبيّ في قومه أربعين سنة لم يُعرف عنه أنّه آذى أحداً، بل كان الوحيد الذي لُقّب من بين العرب بالصادق الأمين، ولكن ما إن أعلن دعوته حتى بدأت مضايقاتهم له ومقاطعاتهم وحروبهم التي استمرّوا عليها مدّة عشرين عاماً، تحمّل خلالها هو وأصحابه الجوع والشدائد وحوصروا في شِعب أبي طالب، وهاجروا إلى يثرب, وكم من محاولات قاموا بها لقتله صلى الله عليه وآله ولكن الله تعالى حفظه منها... ورغم كل ذلك استطاع النبيّ أن يبني دولته وينتصر على مشركي مكّة في جميع الحروب التي شنّوها عليه بقوّة الأخلاق قبل قوّة السيف؛ حتى جاء في الروايات أنّه:
«لما دخل النبـيّ صلى الله عليه وآله مكّة كانت إحدى الرايات بيد سعد بن عُبادة وهو ينادي: اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة، أذلّ الله قريشاً. فسمع أبو سفيان، ونادى: يا رسول الله أمرت بقتل قومك! إنّ سعداً قال كذا، وإني أُنشدك الله وقومك؛ فأنت أبرّ الناس وأرحم الناس وأوصل الناس. فوقف النبي صلى الله عليه وآله وقال: بل اليوم يوم المرحمة، أعزّ الله قريشاً. وأرسل إلى سعد وعزله عن اللواء، وقال لعلي عليه السلام: خذ منه الراية وناد فيهم. وأخذ عليّ سلام الله عليه اللواء وجعل ينادي: اليوم يوم المرحمة»(4).
إنّ مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وآله تكشف لنا أنّه كان بإمكانه أن يقتل أعداء الرسالة ـ ويحقّ له ذلك ـ لكنّه صلى الله عليه وآله مدّ لهم يده الرحيمة وأخرجهم بأخلاقه العظيمة مما هم فيه من هاوية الوثنيّة والشرك؛ لأنّه نبيّ الرحمة واللين، كما عبّر القرآن الكريم.
وبهذه المناسبة أوصي المؤمنين بثلاث وصايا، وهي:
1. إقامة الأفراح خلال أيّام السنة في ذكرى مواليد وأفراح أهل البيت سلام الله عليهم. فضلاً عن إحياء مراسيم الحزن خلال شهري محرم وصفر تطبيقاً لقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «إنّ الله اطلع إلى الأرض فاختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أنفسهم وأموالهم فينا، أولئك منّا وإلينا»(5).
2. تقديم الخدمات الاجتماعية، ومن أبرز مصاديقها المساعدة في تزويج الشباب لأنّ حالة الشباب في المجتمعات الإسلامية اليوم لا يرضي الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف بل يؤلمه جداً، وأداء هذه المسؤولية التي تمثّل تطبيقاً لوصية النبي صلى الله عليه وآله لا تقع على عاتق طبقة أو فئة من المجتمع بل هي مسؤولية الجميع كلّ من موقعه وحسب قدرته.
3. تحسين الوضع الاقتصادي والمعاشي للمؤمنين من خلال المعونة على المستويات كافّة، مثل افتتاح صناديق قروض بعيدة الأجل لمساعدة المحتاجين في حلّ مشاكلهم الاقتصادية والمعيشية.
إنّ مسؤولية كل فرد منكم اليوم هي المشاركة في إنشاء مؤسسات ثقافية تقوم بنشر ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم، سواء على الصعيد المالي أو الثقافي أو الدعم المعنوي والتشجيع واستثمار كلّ علاقاته وإمكاناته وصبّها في هذا المجال.


٭ جانب من حديث السيد المرجع حفظه الله في المواكب والهيئات الوافدة إلى مدينة قم المقدّسة بمناسبة ذكرى استشهاد النبي صلّى الله عليه وآله وسبطه الأكبر الامام الحسن عليه السلام في الثامن والعشرين من صفر عام 1426 هـ¬ ، حيث توافدوا بعد الانتهاء من مراسيم العزاء إلى بيت سماحته واستمعوا إلى توجيهاته ووصاياه.
(1) سورة آل عمران، آية 159.
(2) سورة الأحزاب، الآية 21.
(3) روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «أُنزلت عليّ هريسة، فأكلت منها، فزاد الله في قوتي قوّة أربعين رجلاً في البطش». انظر مستدرك الوسائل: ج16 ص255 باب 255 رقم1، استحباب أكل الهريسة.
(4) شجرة طوبى للحائري: ج2 ص303.
(5) غرر الحكم ودرر الكلم: ص 117 ح2050.