طلب العلم فريضة *

قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»(1). فكما أنّ الصلاة والصيام والحجّ والزكاة واجبة بشرائطها، كذلك طلب العلم واجب على الرجال والنساء.
إنّ علوم الإسلام الحقيقية ثلاثة، وهي:
1. أُصول الدين.
2. فروع الدين.
3. الأخلاق والآداب.
والمقصود من أصول الدين هو معرفة تفاصيل وأدلّة التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد. ومعرفة أصول الدين تبعث على الاعتقاد بالله تعالى والإيمان به وبملائكته وأنبيائه ورسله وأوصيائه، والتصديق بكتبه ورسالاته وصحفه. كما يمكن أن يُستدلّ من أُصول الدين على أنّ أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله هم اثنا عشر أوّلهم أمير المؤمنين الإمام علي سلام الله عليه وآخرهم الإمام المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وقد استشهد منهم أحد عشر، أمّا الإمام المنتظر فهو حيّ لكنه غائب وسيظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. هؤلاء الاثنا عشر مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها هم المعصومون الأربعة عشر، الذين عُصموا من السهو والنسيان، وهم أهل الكمال، وطاعتهم واجبة على الجميع.
وفروع الدين يمكن أن تجدوا تفاصيلها في الرسائل العملية. أما الأخلاق والآداب فهي ترتبط بسلوك الفرد والمجتمع وتعامل الإنسان مع نظرائه كالزوجة، والأولاد، والأقارب، والأصدقاء، والجار، وزملاء العمل و... الخ.
وكما أنّ معرفة أصول الدين قدر الحاجة واجبة على الجميع، ويمكن التعرّف عليها عبر مظانّها، فكذلك الأمر بالنسبة إلى فروع الدين، حيث يمكن الرجوع فيها إلى العالم الفقيه. كما يجب على كلّ فرد أن يعرف الواجب والحرام من الأخلاق والآداب وتتّبع موارد الابتلاء فيهما من خلال دراسة سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وسيرة آل بيته عليهم السلام. ومن الجدير تعليم هذه العلوم للآخرين بعد تعلّمها.
ولا بأس أن نذكر بعض الأمثلة التي لها ارتباط بالأخلاق والآداب حيث ذكر لنا التاريخ نساء كثيرات قمن بهداية الآخرين، منهن ديلم بنت عمرو، زوجة زهير بن القين أحد أصحاب الإمام الحسين سلام الله عليه.
فقد كان زهير عثمانيّ الهوى، وكان في طريقه إلى العراق من مكّة المكرّمة، فعلم أنّ الامام الحسين سلام الله عليه أيضاً في المسير نفسه، فكان زهير وكما نقل جماعته من فزارة ومن بجيلة، قالوا: كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكّة، فكنا نساير الحسين عليه السلام فلم يكن شي‏ء أبغض إلينا من أن ننازله في منزل، فإذا سار الحسين عليه السلام ونزل منزلاً لم نجد بدّاً من أن ننازله، فنزل الحسين عليه السلام في جانب ونزلنا في جانب، فبينما نحن جلوس نتغذّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلّم ثم دخل فقال: يا زهير بن القين! إنّ أبا عبد الله الحسين بعثني إليك لتأتيه، فطرح كل إنسان منّا ما في يده حتى كأنّ على رؤسنا الطير. فقالت له امرأته: سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟! لو أتيته فسمعت من كلامه، ثم انصرفت. فأتاه زهير بن القين. فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فقوّض، وحمل إلى الحسين عليه السلام، ثم قال لامرأته: أنت طالق، إلحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير، ثم قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فهو آخر العهد»(2).
فالمرأة المؤمنة تستطيع أن تبدّل وتغيّر حياة إنسان من عدوّ لأمير المؤمنين إلى محبّ وتابع له سلام الله عليه. وقد صار زهير ـ بفضل إرشاد وتذكير زوجته ـ ممن يخاطبهم يومياً الآلاف من الناس: بأبي أنت وأمّي.
ومن هذه النساء أم الأسود بنت أعين بن سنسن التي استطاعت أن تهدي إخوتها العشرة إلى طريق أهل البيت سلام الله عليهم، منهم الراوية زرارة بن أعين الذي خرج من نسله كبار المحدّثين الذين قدّموا خدمات جليلة للتشيع، منهم أبو غالب الرازي.
وهكذا بوسع المسلمين والمسلمات ممارسة ذات الدور في الأخلاق والآداب روماً في الوصول الى مرضاة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وآل بيت رسوله صلوات الله عليهم.


٭ حديث السيّد المرجع حفظه الله في جمع من طلاب العلوم الدينية من إفريقيا زاروه في ليلة السابع عشر من ربيع الأول عام 1427 هـ ذكرى ميلاد سيد الكائنات رسول الله صلى الله عليه وآله.
(1) مستدرك الوسائل: ج17 ص249 باب4، عدم جواز القضاء والافتاء بغير علم و...، ح17.
(2) الإرشاد للمفيد: ج2 ص72، ملاقاة الحسين سلام الله عليه لزهير بن القين.