لنتعلم من ورع العلماء *

قبل زهاء أكثر من قرن كان الشيخ الآخوند الخراساني قدس سره يدرّس بحث الخارج في حوزة النجف، فعزم يوماً ما اثنان من تلامذته أن يحصوا عدد الحاضرين في الدرس، فوقف أحدهما على باب الدخول إلى قاعة الدرس والآخر على باب الخروج، وأمسك كلّ منهما بمسبحة للعدّ، فكان مجموع ما أحصوه (1200) طالب.
ولكن كم من هؤلاء بقي اسمهم في التاريخ؟ ربما مئة أو ـ على أكثر التقادير ـ مئتان.
لذا أوصي جميع طلاب العلوم الدينية خصوصاً، والمسلمين عموماً بوصيّتين هامّتين:
1. التعبئة العلمية، باغتنام الفرص وعدم تضييع الوقت بل استغلاله للعلم والتعلّم.
2. التقوى الحقيقية «الاحتياط في الدين».
لقد كان للشيخ مرتضى الأنصاري قدس سره زميل أيّام دراسته، يدرسان معاً، واتّفق في أحد الأيّام أنّ هذين الشخصين (الشيخ الأنصاري وزميله) لم يكونا يملكان أكثر من فلس واحد، فالتفت ذلك الزميل للشيخ الأنصاري وقال له: هل توافق على أن نشتري بهذا الفلس رغيفاً من الخبز نصفه لك ونصفه لي؟ فوافق الشيخ الأنصاري وذهب ذلك الزميل إلى السوق ليأتي بالرغيف ولكنّه في طريق عودته صادف بائع دبس فقال له: هل تعطيني من الدبس ما قيمته فلساً واحداً قرضاً؟
فوافق البائع وأعطاه الدبس، فوضعه الشخص وسط الرغيف وعاد إلى الشيخ.
وعندما رأى الشيخ الأنصاري الدبس في الخبز سأله مستغرباً: من أين لك بثمن الدبس ولم يكن عندنا سوى فلس واحد؟ فقال: أقرضَنيه بائع الدبس.
وهنا التفت الشيخ الأنصاري إلى زميله وقال: وهل تضمن بقاءك حياً لتفي له؟ وما كان ينبغي لك أن تفعل هذا؛ لأنّ رغيف الخبز وحده كان سيشبعنا أيضاً. أما إني فسآكل من أطراف الخبز التي لم يمسّها الدبس وأترك لك الباقي.
ومضت الأيام وانقضت على هذه الحادثة ثلاثون سنة. وعاد زميل الشيخ الأنصاري من إيران إلى النجف الأشرف وكان الشيخ الأنصاري يومذاك مرجعاً كبيراً يدرّس في الروضة العلوية المباركة. وعندما وصل الزميل كان الشيخ قد أتمّ الدرس توّاً والطلبة في حال الخروج من الروضة، وعندما ولج الزميل القديم الصحن الحيدري التقى الشيخ الأنصاري وهو في حال الخروج فسلّم عليه وخاطبه بلهجة الصديق القديم: ما ضرّ لو استمرّت رفقتنا؟ كيف بلغت أنت هذا المقام السامي في حين إني لم أبلغ شيئاً؟
فالتفت إليه الشيخ الأنصاري وأجابه بلهجة الصديق القديم والممازح: ربما لأني تخلّيت عن ذلك الدبس ولم تستطع أنت التخلّي عنه.
صحيح أنّ كلام الشيخ الأنصاري رحمه الله كان مزاحاً، ولكنه في الوقت نفسه لم يخل من الصدق، وإن لم يكن أيّ إشكال في الدَّين ولم يَقُلْ أحد بحرمته، إلاّ أنّ شدّة احتياط الشيخ الأنصاري لم تسمح له بذلك. وفي النتيجة كانت شدّة الورع لدى الشيخ هي السبب وراء خلود اسمه.
وعليه، فليفكّر كلّ منكم من الآن مع نفسه وليقرر أيريد أن يكون ضمن الألف المنسيّين أم القليلين الذين بقيت ذكراهم؟ فمن كان يحبّ أن يبقى اسمه حتى بعد مرور ألف سنة، فليعمل بهاتين الوصيتين على أفضل وجه.


٭ حديث سماحته في جمع من طلبة العلوم الدينية من النجف الأشرف وفدوا لزيارته في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة.