العلماء وإقامة الدين *

قال الله تعالى: (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)(1)، وقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)(2).
من خلال إجراء مقارنة بين هاتين الآيتين المباركتين نستنتج أنّ الله تعالى أمرنا أن نفعل ما من شأنه إقامة الإسلام وإعلاء كلمته. ومن الواضح أنّ إقامة الإسلام تشبه إقامة عمارة أو بنيان؛ لأنّ الإسلام عنوان عام لمجموعة من الأخلاق، والعقائد، والقيم، والأحكام، والآداب المختلفة في حياة الإنسان، تحدّدها طائفة من الأحكام الشرعية.
والمقصود من إقامة الدين أن يلتزم به جميع الناس كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً وأن يعملوا بأحكامه. فإقامة الدين أعمّ من فهمه، وهي تتطلّب الإيمان والالتزام بقوانين الدين وتطبيق أحكامه جميعاً.

مقدّمات إقامة الدين

إنّ إقامة الدين تتطلب مقدّمات عدّة، أحدها تعلّم العلوم الإسلامية، والعلوم المتعلّقة بها كالعربية والبلاغة. وبعبارة أخرى: العلوم المعروفة بالعلوم الدينية أو الحوزوية. فالمتظلّع بالعلوم الإسلامية يمكنه أن يقيم مناظرة مع أصحاب الديانات الأخرى وخاصّة علمائهم، فيثبت بطلان عقائدهم ويُتمّ الحجّة عليهم ويهديهم إلى مذهب أهل البيت سلام الله عليهم.
لقد شاء الله تعالى أن يختار أهل الحقّ والهدى طريقهم في الهداية والصلاح عن علم ووعي، وأن يعي أهل الباطل أيضاً بطلان عقائدهم، كما اختاروا طريقهم عن علم أو بعد إتمام الحجّة عليهم؛ قال الله تعالى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)(3).
سألت أحد الفضلاء الذين يعيشون في إحدى الدول عمّا يقال من أن تلك الدولة قد أعدّت مليون ومئتي ألف كادر متعلّم لتبليغ مذهبهم الباطل؟ فقال: هذه الإحصائية تعود إلى ما قبل عدّة سنوات سابقة من الآن. أما الآن فقد بلغ عددهم مليون وخمسمئة ألف تشكّل النساء أكثر من مئة ألف منهم، وكلّهم منحرفون عن مذهب أهل البيت سلام الله عليهم!
ولكي ننجح في مواجهة هذا المدّ السلبيّ فلاشك أنه يجب أن يكون لنا أيضاً طاقات متعلّمة وكفوءة. ومقدّمة ذلك هو تعلّم العلوم الإسلامية.

واقعية التشيّع

إنّ هناك الآلاف من علماء المذاهب الأخرى وبعد عمرٍ من الاتّكاء على مسند التدريس والفتيا، قد استبصروا وتحوّلوا إلى مذهب التشيّع. وبعضهم حدث عنده هذا التحوّل الروحيّ المبارك بعد أن ناهز السبعين أو الثمانين من العمر.
من المسلّم أنّ الإنسان ما لم يكن عالماً لا يمكنه أن يناظر عالماً من مذهب آخر وأن يهديه إلى الصراط المستقيم.
فمن يدقق في بعض مناظرات علماء الشيعة مع علماء الأديان والمذاهب الأخرى، يجد روائع العلوم والآثار؛ خذ منها ـ مثلاً ـ مناظرة السيّد محمد باقر القزويني مع علماء اليهود في مدينة ذي الكفل ـ في العراق ـ قبل حوالي مئة وخمسين سنة والتي انتهت إلى اهتداء جملة منهم إلى نور الإسلام والتشيّع.

الخبرة في سوق العلم

ههنا أودّ أن ألفت نظركم إلى مسألة وهي كما توجد في عالم البضائع والاقتصاد والتعاملات التجارية ظاهرة باسم «الغش»، والتي تعرض فيها سلع مزوّرة بدل السلع الأصليّة، فكذلك الحال في سوق العلم أيضاً، وما أكثر الحالات التي تزيّف فيها الحقائق ويلبس فيها الباطل لبوس الحق، وتحلّ المغالطة ـ وهي الاستدلال الباطل الذي يظهر بمظهر الحق ـ محلّ البرهان والاستدلال الحقيقي.
وكما أنّ أهل الخبرة فقط هم الذين يستطيعون تمييز العقيق والياقوت وسائر الأحجار الكريمة عن غيرها من الأحجار العادية، فكذلك العلماء الدارسون والضالعون هُم فقط يمكنهم أن يفرّقوا في سوق العلم بين الحق والباطل، ويميّزوا الخبيث من الطيب، والمغشوش المزيّف من النقي الأصيل.
ثمّ إنّ الخسارة والغشّ في سوق العلم أعظم بكثير من الخسارة في الأمور المادّية؛ فلو أنّ أحداً اشترى ـ بدل العقيق ـ حجرة لا قيمة لها بثمن غال جداً من دون استشارة أهل الخبرة بالأحجار فإنّه سيخسر مبلغاً كبيراً من أمواله فقط، أما من ابتلي بالمغالطات المضلّلة فإنّه سيخسر دنياه وآخرته.
وصاحب العلم النزيه لا يقتصر ربحه على نفسه، بل يحول دون ضلال الآخرين أيضاً.
كما أودّ لفت انتباهكم إلى كثرة الخرافات الموجودة في الأديان غير السماوية، لذا يجب عليكم أن تطلبوا العلم عدّة سنين، وتتباحثوا فيما بينكم، وتعزّزوا من قدراتكم العلمية لئلا تشعروا بالعجز إزاء أية مغالطة قد تواجهكم ولكي تجيبوا على الشبهات بأسلوب علميّ صحيح. ففي هذه الصورة وحدها توفّقون في نشر الإسلام وإقامة الدين.

إقامة الدين مسؤولية عامّة

إنّ قوله تعالى (أقيمُوا الدين) أمر، والأمر يفيد الوجوب، أي يجب إقامة الدين. كما أنّ الله تعالى لم يقيّد إقامة الدين في الحجاز أو ايران أو في مكان آخر؛ أي إنّ في الآية إطلاقاً، وهذا يعني: وجوب إقامة الدين في كلّ مكان من العالم.
من هنا يجب على كلّ إنسان أن يعمل حسب طاقته من أجل إقامة الدين في كلّ مكان. وهذا الواجب لا يقتصر على الرجال وحدهم، فالرجال والنساء فيه سواء، والمسؤولية مشتركة، فإنّ الأمر القرآنيّ يشمل الرجال والنساء معاً. وما أكثر النساء اللواتي وقفن ـ عبر التاريخ ـ في وجه الشبهات والمغالطات ودافعن عن مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم وصنَّ المبادئ والمقدّسات.


٭ حديث السيد المرجع حفظه الله في وفد حوزة الزهراء سلام الله عليها العلمية وجمع من طالباتها في الخامس من صفر عام 1427 هـ.
(1) سورة الشورى: الآية 13.
(2) سورة آل عمران: الآية 19.
(3) سورة الأنفال: الآية 42.