الفصل الأول: المحاضرات
:. المقدّمة
:. 1. العلم والأخلاق
:. 2. العلم نور
:. 3. العلم النافع
:. 4. الفرق بين الأخلاق والعلوم الأخرى
:. 5. بالعمل يكون التأثير للقول
:. 6. تذليل الصّعاب في طلب العلم
:. 7. التبليغ
:. 8. الإنفاق وتربية النفس
:. 9. في التعامل مع الناس
:. 10. المداراة من طرق هداية الناس
:. 11. الحرص والكفاف
:. 12. قيمة السكوت
:. 13. الترويض والهداية وجمال التعبير
:. 14. مسؤولية العلماء في عصر الغيبة
:. 15. الإخلاص شرط القبول
:. 16. الاخلاص وآثاره
:. 17. ثمن الجنة
:. 18. حبّ الذمّ وكراهة المدح
:. 19. النظر إلى ملكوت الله
:. 20. الابتعاد عن هوى النفس
الفصل الثاني: الوصايا
:. 1. الاقتداء والاعتبار
:. 2. تعلّم محاربة «الأنا» من العلماء
:. 3. العلماء وإقامة الدين
:. 4. لنتعلم من ورع العلماء
:. 5. التأسي برسول الله في صموده وأخلاقه
:. 6. طلب العلم فريضة
:. 7. كيف نحظى برعاية صاحب الزمان؟
:. 8. ليكن يومنا خيراً من أمسنا
:. 9. التأسي بالصديقة الزهراء
:. 10. السعي في قضاء حوائج الناس
:. 11. الأجر على قدر المشقّة
:. 12. هكذا تطول الأعمار
:. 13. منهل السعادة
:. 14. سرّ النجاح
:. 15. العمل من أجل إيجاد مجتمع مؤمن
:. 16. شروط الرقيّ
:. 17. من سمات الأولياء
:. 18. مسؤولية العلماء
:. 19. شهر رمضان فرصة للتزكية والهداية
:. 20. شهر رمضان وتعميم الثقافة القرآنية
:. 21. الدعاء مفتاح لحلّ المشكلات
:. 22. هكذا تحبط الصدقات
:. 23. هنا تكمن السعادة
:. 24. التبليغ والمنبر الحسيني
:. 25. حسِن الخلق يحوز خير الدارين
:. 26. الثقافة هي الاساس
:. 27. التبليغ رسالة العلماء
:. 28. نشر مبادئ أهل البيت
:. 29. وصايا عامّة للمبلّغين
:. 30. وصايا عاشورائية لعامّة المؤمنين
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عدّة خطَب في استقبال شهر رمضان المبارك،
منها الخطبة المعروفة التي مطلعها: «أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله
بالبركة والرحمة والمغفرة»(1).
ويمكن أن يُستظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يستقبل شهر
رمضان من كلّ سنة بخطبة خاصّة، إمّا في أوّل الشهر أو قبل حلوله. فهناك عدّة خطَب
مرويّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في استقبال هذا الشهر الفضيل، منها هذه
الخطبة التي يرويها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه والتي ينتهي بسندها إلى الإمام
الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهم، والتي تبدأ بقوله صلى
الله عليه وآله: «أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله...» ولعلّ العديد منكم
يحفظها فأنتم أهل علم ووعظ وإرشاد.
لست الآن بصدد تفسير الخطبة وبيان مفرداتها، فهي خطبة عظيمة وتحتاج إلى بيان وتفسير واسعين، وإن كان يمكن أن يقال بشأنها وحول بنودها مطالب وبحوث كثيرة، لكنّي أريد هنا أن أذكر شيئاً واحداً وهو: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر للمؤمنين في هذه الخطبة عشرين بنداً ـ أو ما ينيف ـ وحثّ المؤمنين عليها وشجّعهم على امتثالها، ولكن حينما توجّه إليه أمير المؤمنين سلام الله عليه في نهاية الخطبة بسؤال عن أفضل الأعمال في هذا الشهر ـ علماً أنّ سؤال الإمام ليس لنفسه وإنّما هو لي ولك ولعامّة الناس ـ لم يذكر النبيّ صلى الله عليه وآله في جوابه أيّاً من البنود التي جاء على ذكرها ضمن فقرات خطبته، أي لم يقل له مثلاً: إنّ قراءة القرآن أفضل الأعمال في هذا الشهر أو الإطعام أو أيّ شيء آخر، بل أجابه بأمر آخر لم يكن ضمن بنود الخطبة الشريفة؛ إذ قال له: «الورع عن محارم الله».
والورع أفضل الأعمال في كلّ وقت وزمان وإن خُصّ في هذا الشهر الكريم بالذات. إذاً،
فما هو المقصود من الورع؟ وما ينبغي لنا فعله ـ نحن الخطباء والوعّاظ وطلاّب العلوم
الدينية خصوصاً ـ صيانة لأنفسنا في هذا الشهر العظيم تحديداً؟
إنّ أوّل مقتضيات الورع أن يجتنب الإنسان عن المحرّمات فلا يقربها.
ولاشكّ أنّ كلّ إنسان تتناسب تكاليفه وواجباته مع مقدار معرفته ومدى فهمه وعلمه،
فكلّما ازداد الإنسان علماً ومعرفة تضاعفت مسؤولياته وواجباته.
ولكي يكون الورع حليتنا ـ أعني، أهل العلم والمرشدين المتصدّين لهداية الناس¬ـ
يتحتّم علينا واجبان أساسيان، بدونهما لا يتحقّق الورع عندنا:
لا يمكن للنفس البشريّة أن تستقيم هكذا بسهولة وبسرعة من دون حاجة إلى ترويض
ومقدّمات. بل هي بحاجة إلى رياضة مستمرّة، وكما يقول مولانا أمير المؤمنين صلوات
الله وسلامه عليه في بعض كلماته:
«وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر»(2).
فترويض النفس إذاً من أهمّ الواجبات العينية بالنسبة إلى كلّ فرد، ويتأكّد بالنسبة
لنا ـ نحن الوعّاظ والمبلّغين وعلماء الدين ـ لأنّ كلّ واحد منّا يتعلّم منه أفراد
وربّما جماعات ويتلقّون منه ويقتبسون ويقتفون أثره، ويتأثّرون بكلامه وتصرّفاته.
فإنّك وإن كنت فرداً في وجودك الخارجي لكنّك لست كذلك في العمل؛ لأنّ هناك مَن
يعتبرك مرشداً وهادياً ويقتدي بأفعالك سواء كنت خطيبا ً أو عالماً.
أنقل لكم قصّة عن أحد العلماء الماضين رضوان الله عليهم، كما رواها لي بنفسه؛ قال:
لما عدت إلى قريتي ومسقط رأسي لزيارة أهلي وذويَّ بعد أن فارقتهم لسنوات عدّة من
أجل الدراسة، جاء أهل القرية بدورهم لزيارتي والاحتفاء بي. وفي أحد الأيّام سألني
قريب لي قائلاً: هل يستحبّ تقديم الرجل اليمنى إذا أريد الدخول في خزانة الماء في
الحمّامات؟
يقول العالم: قلت له: لا. فهذا الحكم ـ أي تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند
الخروج ـ مختصّ ببيت الخلاء، أمّا بالنسبة لغيره كالحمّامات وأحواض الماء فلم يُروَ
مثله.
فقال لي مستغرباً: إنّ فلاناً ينقل عنكم ذلك!
قلت له: أنا لا أعلم هذا الشيء، فكيف ينُقل عنّي؟!
قال: لكنّ فلاناً ملتزم به طول هذه المدّة، وهو ينقله للآخرين حتى صاروا متعبّدين
به لأنّه ينقله عنكم!
يقول العالم: عجبتُ من الأمر، لأنّني لم أرَ هذا الحكم طيلة حياتي ولا سمعت به،
فكيف ينقله هذا الشخص عنّي وينسبه لي، ولم أكن قد قلته له لعدم علمي به؟
يقول العالم: فطلبت ذلك الشخص، وسألته: أ أنت نقلتَ عنّي استحباب تقديم الرجل
اليمنى عند دخول خزانة الحمّام، وتقديم اليسرى عند الخروج؟ قال: نعم.
قلت: متى قلت لك هذا؟
قال: إنّك لم تقله لي مباشرة، ولكنّي نظرت إليك عندما جمعني الحمّام وإيّاك ذات
يوم، فلاحظتُك تعمل هكذا ـ أي تقدّم رجلك اليمنى حين الدخول، واليسرى حين الخروج ـ
.
قلت: هذا شيء عادي وليس بعنوان كونه مستحبّاً.
والآن أيّها الإخوة، انظروا إلى قصّة هذا العالم واعتبِروا! لقد اتّخذوه أسوة حتّى
في العمل العادي؛ ممّا يثبت لنا أنّنا لسنا أفراداً في العمل وإن كنّا كذلك في
وجوداتنا الخارجية، بل إنّ كلّ واحد منّا هو مرجع تقليد بمستوى تأثيره ونسبة حضوره.
لا فرق في ذلك بين طالب العلم والخطيب، وعالم القرية والمدينة، فكلّ على قدره
ومستواه؛ ممّا يكشف أنّنا غير مسؤولين عن أنفسنا فحسب، بل حتى عن أولئك الذين
يتعلّمون منّا، حين يلاحظوننا في كلّ شيء، حتّى في أعمالنا وحركاتنا الصغيرة
والعفوية.
ما ذكرته لا ينحصر بذلك العالِم ولا بالعلماء والمراجع وحدهم، بل يشمل كلَّ من له
تأثير في المجتمع وإن كان في مستويات أقلّ.
فإذا كان تغيير النفس من الواجبات العينية بالنسبة لنا، فهذا يعني أنّ على الإنسان
أن يمهّد لها السبل والأساليب التي تجعله لا يعصي الله تعالى، وهذا أمر لا ينبغي
الاستهانة به، بل لابدّ له من تهيئة مقدّمات وتمهيدات تساعده على ذلك، وكما قال
الإمام سلام الله عليه: «أروضها».
إنّ رياضة النفس أكثر صعوبة في مواجهة النوازع والغرائز الشهوانية التي تعتري
الإنسان بحكم تعايشه مع البيئة والمجتمع، وهي موانع قوية جدّاً من قبيل: الأنا
والهوى وما يستتبعهما وكما قال الشاعر:
|
إبليس والدنيا ونفسي والهوى |
كيف الخـلاص وكلّهم أعدائي(3) |
هذه الموانع جميعها تواجهنا وبقوّة، ولكي نسيطر عليها ونكبح جماحها يتطلّب الأمر
منّا همّة قويّة معاكسة للتغلّب عليها. وشهر رمضان مناسبة جيّدة جدّاً؛ وكما ورد في
هذه الخطبة المباركة نفسها من قول المصطفى صلى الله عليه وآله: «والشياطين مغلولة
فاسألوا ربّكم أن لا يسلّطها عليكم» فلنكن حذرين، يقظين، منتبهين جدّاً.
فما من فرصة للرياضة الروحية وترويض النفس أعظم من الصوم؛ فالإنسان الخاوي البطن
تقلّ شهواته، وتتقاعس رغبات نفسه الأمّارة بالسوء، كلّ حسب استعداده في تقرّبه إلى
الله تعالى. وهذه الأجواء الرائعة متوافرة في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور
والأيّام، أي: إنّ أجواء هذا الشهر تساعد الإنسان على ترويض نفسه، فلنتّخذ من هذا
الشهر الكريم مناسبة لتغيير أنفسنا فيه حقيقة.
وهذا شيء ممكن، وهو في هذا الشهر أسهل؛ لأنّ الإنسان مهما يكن بعيداً ـ والعياذ
بالله ـ عن الخير والصلاح والتقوى، يمكنه أن يستفيد من أجواء هذا الشهر لتغيير
نفسه، فإنّ الله تعالى قد أودع هذه القدرة في الإنسان، وفرض عليه الصوم في شهر
رمضان كي تكون له فرصة مناسبة جدّاً لإتمام هذا الأمر.
من الممكن أن يغيّر الإنسان نفسه ولو خطوة خطوة. وشهر رمضان مناسبة جيّدة جدّاً
للتغيير.
لا تقولوا: نحن طلاّب علوم دينية نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن وندرس وندرّس ونخطب
ونكتب؛ واعلموا أنّ الشيطان يركّز عليكم أكثر، ولا حاجة به إلى غيركم لطمعه فيكم،
فأنتم همّه الأوّل والأكبر.
روي عن أبي جعفر سلام الله عليه قال: «إنّ الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع
أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدّد، ثمّ قال: فُزت»(4).
إنّ الشيطان يحاول أن يؤثّر فينا مهما وسعه، ثمّ يتشجّع للتقدّم أكثر. فلو استطاع
أن يؤثّر في مجموعنا بنسبة الواحد في المئة كان ذلك العمل عنده خطوة إلى الأمام،
فيطمع بالاثنين في المئة حتّى يصل ـ لا سمح الله ـ إلى التسعة والتسعين في المئة.
إذاً نحن ـ جميعاً ـ بحاجة إلى ترويض وانتباه بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج
منه يكون قد تغيّر ولو قليلاً، وملاك التغيّر هو العمل بالمستحبّات وترك المكروهات.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم»(5).
وقال صلى الله عليه وآله: «وما منكم أحد إلاّ وله شيطان». فقيل له: وأنت يا رسول
الله؟ قال: «وأنا، ولكنّ الله تعالى أعاننـي عليه فأسلم»(6).
يقول رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة الشريفة: «فإنّ الشقيّ مَن حُرم
رضوان الله»(7).
إنّ الألف واللام الداخلة على كلمة «شقيّ» في هذه العبارة تدلّ ـ كما تعرفون في علم
البلاغةـ على الحصر، أي: إنّ مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر فهو الشقيّ لا غير.
إذاً هذا الشهر مناسبة جيّدة للتغيير.
فإذا انتهت هذه المناسبة ومرّت دون أن يحصل الشخص على شيء فإنّ رسول الله صلى الله
عليه وآله قد وصفه بالشقيّ؛ لأنّ عشرات الأبواب بل مئات بل ألوف الأبواب فُتحت
لصلاح الإنسان في هذا الشهر، لكن هذا الفرد لم يحصل على شيء منها ولا استفاد من أيّ
باب، فهو الشقيّ إذاً.
إنّ زمام الأمر بأيدينا نحن وليس بأيدي غيرنا، وكلّ واحد منّا زمام نفسه بيده، وهذا
معنى قوله صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة: «إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكّوها
باستغفاركم...».
فكما أنّ أحدكم إذا رهن داره إلى غيره لا يستطيع أن يتصرّف فيها ما لم يفكّ رهنها
بالمال، فكذلك أنفسكم رهينة بأعمالكم، أي هي رهينة هذه النظرات والكلمات والأفكار
والرواح والمجيء والنوم واليقظة.. إنّ أنفسكم مرهونة بهذه الأشياء، ففكّوها
باستغفاركم. أي مع قولكم: «أستغفر الله ربّي وأتوب إليه»، ينبغي أن يقترن به ترويض
النفس أيضاً، وهو من الواجبات العينية ـ كما قلنا ـ وكلّ ما علينا أن نعزم ونهمّ
بالأمر، والتوفيق من الله.
إننا في أيّ مرتبة كنّا من مراتب التقوى والورع والرياضة النفسية فهناك المزيد من
المجال للتحوّل والارتقاء. وعلينا أن ننتهز الفرص كشهر رمضان، فهو كما قلنا أحسن
فرصة لترويض النفس وتغييرها.
أشار رسول الله صلى الله عليه وآله في الخطبة نفسها قائلاً: «وجعل لمن تطوّع فيه
بخصلة من خصال الخير والبرّ كأجر من أدّى فريضة من فرائض الله، ومن أدّى فيه فريضة
من فرائض الله، كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور». وهذا معناه أنّ كلّ
فريضة في شهر رمضان لها ثواب سبعين فريضة في غيره. أي: أنّك لو أمرت بالمعروف في
هذا الشهر أو نهيت عن المنكر فثواب عملك سيكون سبعين ضعفاً.
ولو ألّفت كتاباً في شهر رمضان أو خطبت خطبة أو أسّست مكتبة أو هيئة لإرشاد الناس،
أو قمت بالتدريس، أو ساعدت المحتاجين في هذا الشهر، أو سعيت لترويض نفسك وتغييرها،
فثوابه عند الله يعادل سبعين مرّة ما لو عملت مثله في غيره من الشهور. فمجلس واحد
في شهر رمضان يعادل سبعين مجلساً في غيره وهكذا.
أنتم طلبة فقه وأصول وتعرفون أنّ الواجب الكفائي قد ينقلب عينياً إذا لم يوجد مَن فيه الكفاية، ومن جملة الواجبات الكفائية هداية الناس وإرشادهم، ولكنّي أسأل: هل يوجد العدد الكافي اليوم لهداية كلّ الناس؟ فهذا الكمّ الهائل من الغافلين والجاهلين بفروع الدين وأصوله من أتباع الدين الإسلامي ـ ناهيك عن الديانات الأخرى¬ـ هل يوجد مَن فيه الكفاية لهدايتهم وإرشادهم؟ كلاّ. إذاً، التصدّي للإرشاد والهداية واجب عينيّ أيضاً. وله مقدّمتان كلتاهما مهمّتان:
إنّ الناس في هذا الزمان خصوصاً الشباب ولا سيّما طلاّب المدارس العامّة والجامعيين
منهم، هم بأمسّ الحاجة لمَن يقول لهم ما هي الواجبات وما هي المحرّمات، فأكثر هؤلاء
أذهانهم محشوّة بعشرات، بل مئات الأسئلة حول الإسلام وتشريعه، بانتظار مَن يجيبهم،
الأمر الذي يحتاج منّا إلى علم ودراسة عميقين، فلا يتمكّن كلّ شخص أن يجيب عن
أسئلتهم بسهولة ويعرّض نفسه للجواب والخطاب والكتاب والنقاش من دون علم، بل إنّ ذلك
يحتاج إلى أرضية وتعبئة علمية وافية.
كما لا يخفى أنّ مقدّمة الوجود للواجب المطلق ـ حسب اصطلاح العلماء ـ واجبة أيضاً.
فإذا وجب شيء على الإنسان، وتوقّف ذلك الشيء على شيء آخر، صار ذلك الشيء الآخر
واجباً عليه أيضاً.
فمَن وجبَ عليه الحجّ ـ مثلاً ـ لا يُقال له: يجب عليك ركوب الطائرة أو السيّارة أو
إعطاء النقود لهذا الغرض، بل هذه الأمور تجب عليه بداهة من باب وجوب الحجّ عليه
وتوقّف الحجّ عليها بحسب استطاعته.
وهكذا الأمر بالنسبة لإرشاد الناس وهدايتهم. فهو واجب كفائي، لمَن توجد فيه
الكفاءة، ولهذا الواجب مقدّمات قد تصبح واجبة من باب كونها مقدّمات وجود الواجب.
فالمهمّ والواجب هو أن يتمّ إرشاد الناس وهدايتهم ليتحقّق انتشالهم من الانحراف
والتيه والضلال، فإذا توقّف هذا المهمّ على مقدّماته كالتهيّؤ والاستعداد العلمي،
وجبت كذلك من باب الملازمة.
فنحن مهما أوتينا من العلم فهناك آلاف الأسئلة التي لا نعرف لها جواباً يلزم أن
نتهيّأ لها. وشهر رمضان مناسبة جيّدة لأن يستثمرها كلّ منّا حسب مقدرته، لأنّ كسب
المقدّمات يعدّ من الواجبات المهمّة في هذا المجال وغيره ممّا له صلة بالتقرّب إلى
الله سبحانه.
إنّ تهيئة هذه المقدّمات أهمّ من قراءة القرآن في شهر رمضان فيما إذا اقتصر الهدف
من القراءة على طلب الثواب والتبرّك، لأنّ قراءة القرآن بهذه الصورة المجرّدة تعتبر
مستحبّة لكنّ التهيّؤ العلمي للقيام بدور الإرشاد والتبليغ واجب.
لاشكّ أنّ قراءة القرآن مقدّمة لمعرفته، ومعرفته مقدّمة للعمل به ومقدّمة لتعليمه
للآخرين، وهي مقدّمة لإرشاد الناس إلى القرآن، بيد أنّ القراءة بذاتها مستحبّة،
وهذا الأمر ـ التحصيل العلمي ـ مقدّم عليها، إلاّ إذا كانت القراءة بتدبّر وتفكّر،
حينها ستكون هي الأخرى مقدّمة وتعبئة علمية، ضمن مقدّمات الوجود في مجال ترويض
النفس، فإذا روّض الإنسان نفسه بقراءة القرآن والتفكير عميقاً في معانيه والتأمّل
في آياته، مهّد لنفسه أساساً متيناً في أساليب ترويض النفس، يساعده أكثر في بلوغ
أهدافه ممّا إذا كانت قراءته للقرآن مجرّد قراءة وإن كانت مستحبّة.
صحيح أنّ كلّ آية يقرأها الإنسان في شهر رمضان ـ كما ورد في الخطبة الشريفة نفسها(8) ـ
تعدل قراءة القرآن كلّه في غير شهر رمضان؛ لكنّ الحديث في مقدّمات الواجب. فإذا
كانت القراءة من باب المقدّمية للواجب، فهي واجبة بلا شكّ وإلاّ فـ «لا قربة
بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض»(9).
إذاً فإرشاد الناس يعدّ من الفرائض العينية فعلاً، وإن كان من الفرائض الكفائية
بذاته؛ لأنّ علماء الإسلام يُجمعون على أنّ الواجب الكفائي ينقلب عينيّاً إن لم
يوجد مَن به الكفاية على أدائه، وكلّ على قدر سعته.
أجل: إنّ هداية الناس أفضل من مجرّد القراءة للاستحباب، كما نقول: عليكم أنتم طلاّب
العلوم الدينية أن تكونوا مشغولين دائماً بالدراسة والتدريس والكتابة والتأليف،
وشهر رمضان أفضل مناسبة لهذه الأمور.
يعتبر القلم والبيان في هداية الناس وإرشادهم بمثابة إناء الإرشاد وظرفه ووعائه.
فالطعام مهما كان لذيذاً وطيّباً إلاّ أنّه قد لا يستساغ فيما لو وُضع في إناء أو
وعاء غير نظيف أو غير صحّي، فترى الإنسان لا يفكر أن يمدّ يده نحو مثل هذا الطعام
ليرى إن كان لذيذاً أم لا، وذلك لوجوده في وعاء غير مناسب. أمّا إذا جيء بطعام
عاديّ ولكن في إناء نظيف وجميل فسوف تتناوله الأعين قبل الأيدي بشوق وإن لم يكن
بمستوى الطعام الأوّل.
ووعاء الهداية والإرشاد هو القلم والبيان. فكلّما كانت الكتابة أجمل كان التأثير
أفضل وأحسن. انظروا إلى القرآن وكلام الرسول صلّى الله عليه وآله وأهل البيت سلام
الله عليهم، أوَليس كلّ ذلك قدوة لنا؟
إنّ القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، فلماذا يهتمّ بجمال الأسلوب والتعبير؟ نقول
في الجواب: إنّ ذلك جزء من عملية الهداية. وهكذا الحال بالنسبة لكلام المعصومين
سلام الله عليهم.
كثير من علماء المشركين والنصارى واليهود، اهتدوا عبر جمال التعبير في القرآن
الكريم.
إنّ الجمال مهمّ ومطلوب لهداية الناس، فلا يكفي أن يكون المطلب صحيحاً، بل لابدّ من
جمال الأسلوب والتعبير أيضاً.
إذا كان الناس يبحثون عن البروتين في اللحم فلماذا لايكتفون بتناوله وحده هكذا من
دون توابل ومرق و... مع أنّه هو الأساس، فنراهم يخلطون معه عشرات الأشياء لا لشيء
إلاّ ليصبح لذيذاً ومقبولاً؟ هكذا هو الحال مع المعنى الصحيح، فلابدّ أن تجعلوه في
وعاء جميل لكي يتقبّله الناس منكم.
وهذا الأمر بحاجة إلى تعلّم وتمرين، لأنّه لا يأتي هكذا عفواً، بأن ينام الشخص ـ
مثلاً ـ في الليل ويستيقظ في اليوم التالي وقد أصبح أديباً.
وشهر رمضان فرصة جيّدة لنا لتطوير قابليّاتنا في هذا المجال أيضاً. فبقدر ما
نستفيده في هذا الشهر من فيوض الرحمة وأجواء المغفرة، لنستفد أيضاً من هذين الأمرين
المهمّين: ترويض النفس، وإرشاد الناس.
أسأل الله سبحانه أن يوفّقنا في هذا الشهر جميعاً لكلّ الصالحات ولكلّ أمور الخير
لاسيّما هذين الأمرين: ترويض النفس، وهداية الناس.