الفصل الأول: المحاضرات
:. المقدّمة
:. 1. العلم والأخلاق
:. 2. العلم نور
:. 3. العلم النافع
:. 4. الفرق بين الأخلاق والعلوم الأخرى
:. 5. بالعمل يكون التأثير للقول
:. 6. تذليل الصّعاب في طلب العلم
:. 7. التبليغ
:. 8. الإنفاق وتربية النفس
:. 9. في التعامل مع الناس
:. 10. المداراة من طرق هداية الناس
:. 11. الحرص والكفاف
:. 12. قيمة السكوت
:. 13. الترويض والهداية وجمال التعبير
:. 14. مسؤولية العلماء في عصر الغيبة
:. 15. الإخلاص شرط القبول
:. 16. الاخلاص وآثاره
:. 17. ثمن الجنة
:. 18. حبّ الذمّ وكراهة المدح
:. 19. النظر إلى ملكوت الله
:. 20. الابتعاد عن هوى النفس
الفصل الثاني: الوصايا
:. 1. الاقتداء والاعتبار
:. 2. تعلّم محاربة «الأنا» من العلماء
:. 3. العلماء وإقامة الدين
:. 4. لنتعلم من ورع العلماء
:. 5. التأسي برسول الله في صموده وأخلاقه
:. 6. طلب العلم فريضة
:. 7. كيف نحظى برعاية صاحب الزمان؟
:. 8. ليكن يومنا خيراً من أمسنا
:. 9. التأسي بالصديقة الزهراء
:. 10. السعي في قضاء حوائج الناس
:. 11. الأجر على قدر المشقّة
:. 12. هكذا تطول الأعمار
:. 13. منهل السعادة
:. 14. سرّ النجاح
:. 15. العمل من أجل إيجاد مجتمع مؤمن
:. 16. شروط الرقيّ
:. 17. من سمات الأولياء
:. 18. مسؤولية العلماء
:. 19. شهر رمضان فرصة للتزكية والهداية
:. 20. شهر رمضان وتعميم الثقافة القرآنية
:. 21. الدعاء مفتاح لحلّ المشكلات
:. 22. هكذا تحبط الصدقات
:. 23. هنا تكمن السعادة
:. 24. التبليغ والمنبر الحسيني
:. 25. حسِن الخلق يحوز خير الدارين
:. 26. الثقافة هي الاساس
:. 27. التبليغ رسالة العلماء
:. 28. نشر مبادئ أهل البيت
:. 29. وصايا عامّة للمبلّغين
:. 30. وصايا عاشورائية لعامّة المؤمنين
هناك أحاديث وروايات عديدة تؤكّد على الإنسان أن لا يُظهر للآخر كلّ ما في قلبه
من حبّ وعداء، وما يختلجه من أفكار تجاهه، إلاّ بمقدار ما يقتضيه الظرف، كالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر أو نحوهما ـ مما يُعرف من الأدلّة في مظانّها ـ كما في
رواية عن الإمام الصادق سلام الله عليه يرويها الشيخ الصدوق في «من لا يحضره
الفقيه»، ويؤكّد صحّة سندها المجلسي الأوّل في «روضة المتقين» وفيها: إنّ إسحاق بن
عمار ـ أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ـ يقول: قال لي أبو عبد الله عليه
السلام: «يا إسحاق، صانع المنافق بلسانك، وأخلص ودّك للمؤمن، وإن جالسك يهوديّ
فأحسن مجالسته»(1).
من الطبيعي أنّ المؤمن لا يحبّ المنافق بل يبغضه ويكرهه، إلا أنّ الإمام يأمره هنا
بأن يصانعه بلسانه، أي يجامله في الحديث؛ لأنّ من الأخلاق الحميدة للمؤمن أن لا
يظهر كلَّ الكراهية التي يحملها في قلبه للشخص الذي لا يتوافق معه على حال، وإن كان
منافقاً، فكيف إذا كان مؤمناً؟
قد يختلف المؤمن عن أخيه المؤمن في أسلوبه أو خلفياته أو عاداته أو ذوقه أو بعض
صفاته، إلا أنّ هذه الفوارق ليس من شأنها أن تسلب المؤمن التزامه بالتعاليم
الإسلامية، فلا ينبغي للمؤمنين أن يتباغضوا فيما بينهم؛ ولذا أوصى الإمام سلام الله
عليه هنا بقوله: «وأخلص ودَّك للمؤمن»، أي عامله بما هو مؤمن، وأظهر حبّك له بغضّ
النظر عن شكله ولونه ولسانه أو ذوقه أو تربيته الخاصّة التي لا منافاة فيها مع
الموازين الإسلامية.
أمّا المنافق وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فإنّ الإمام يوصينا بمجاملته:
«وصانع المنافق بلسانك»، فهذا هو الخطّ العـام للأخلاق الإسـلامية، وهو أن تتـحـدّث
وتتعـامـل مع الناس ـ مؤمنهم، ومنافقهم، وكافرهم ـ بالحسنى، وإذا كانت هناك
مستثنيات واقتضاءات خارجية في بعض الموارد تستدعي تقديم الأهمّ على المهمّ، فيرجع
فيها إلى مظانّها، ولكنّ الذي يجب أن نفهمه في الخطّ العامّ هو أنّ على المؤمن أن
يكون مدارياً وإيجابيّاً في تعامله وكلامه مع الناس حتّى مع غير المؤمنين
كالمنافقين، واليهود الذين وصفهم الله تعالى بأنّهم أشدّ الناس عداوة للمؤمنين(2).
من يتتبّع تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار سلام الله عليهم
ومن بعدهم تاريخ العلماء الأخيار، سيجد هذا النهج الأخلاقي القويم في سيرتهم
وتعاملهم مع الناس. فقد ورد أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صافحه شخص، لا
يسحب يده حتى يكون ذاك هو البادي(3).
ومعلومٌ أنّه لم يكن كلّ الذين يصافحهم رسول الله صلى الله عليه وآله من المؤمنين،
بل كان فيهم ـ بلا شكّ ـ المنافقون، ومنهم من يعلم بحالهم النبي صلى الله عليه وآله
ممن يستحقّون القتل، ولم يقتلهم لئلاّ يقال: إنّ محمداً استعان بقوم، حتى اذا ظفر
بعدوّه قتلهم(4).
وهكذا كان أهل البيت سلام الله عليهم. فمن يتصفّح تاريخهم سيجد النهج نفسه. ومن
يطّلع على سيرة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، سيلاحظ أنّه كان يتعايش
مدارياً في أيّام حكومته حتى مع الخوارج والمنافقين، فكان لا يغلظ معهم في القول
حين يتعرّضون بالإساءة إليه بل كان يظهر لهم منتهى اللين والرفق(5).
قد يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موردٍ ما موقفاً خاصّاً ـ بحسب ما
يرجع فيه إلى تقدير الإنسان ومعرفته للحكم الشرعي ـ إلا أنّ الخطّ العام هو أن
يعامل الناس بالحسنى، أمّا المنافقون فلا يُظهر لهم ما في قلبه من بغض، بل يصانعهم
بلسانه، لأنّ هذه من الصفات التي كان أهل البيت سلام الله عليهم، يأمرون بها
أتباعهم، وهناك روايات عديدة في هذا الباب، فضلاً عمّا تقدّم(6).
إذا كان في الناس ـ عموماً فضلاً عن المؤمنين ـ انحراف، فهو في الغالب انحراف سطحيّ
في بداية أمره، لا يلبث أن يزول تدريجياً فيما إذا كان أسلوب مناصحتهم حسناً، ولكنه
يتعمّق بواسطة الأساليب الخشنة؛ فإنّ السلوك الحسن غالباً ما يؤثّر تأثيراً
إيجابياً في الإنسان المنحرف ويقوّم انحرافه. ومن النادر أن لا يؤثّر هذا الأسلوب
في التعامل مع الأفراد، خصوصاً إذا كانوا مؤمنين؛ ولذا عندما نبحث في بعض الجوانب
المهمّة من تاريخ علمائنا الماضين رضوان الله عليهم، نرى أنّ هذا الأسلوب من
الأخلاق في تصرّفاتهم هو الذي فسح لهم الطريق لأن يبدعوا في مجال أعمالٍ ضخمة قد
خلّدها التاريخ.
أمّا الذين لم يتوانوا عن إظهار ما في قلوبهم من مشاعر سلبية نحو هذا وذاك، فإنهم
لم يستطيعوا إنجاز ما حقّقه أولئك الذين سما بهم سلوكهم الأخلاقي الرفيع في الوصول
إلى ما وصلوا إليه.
فالسبب المهمّ الذي مكّن المجدّد الشيرازي رضوان الله عليه من محاربة الغزاة
المحتلّين في زمانه وتعبئة كلّ الطاقات الشعبية ضدّهم، هو تجنّبه عن الصغائر في
الأمور وابتعاده عنها، لعلمه مسبقاً أنّ الإنسان إذا اشتغل ـ وهو بهذا المقام
الرفيع ـ بنواقص فلان وفلان لا يسعه المجال لكي ينصرف لمكافحة الاستعمار.
بينما كان هناك عالمان من معاصريه يمثّلان الجهة السلبية، ولذلك لم يُنقل عنهما في
الميادين الاجتماعية شيء يذكر، ولو ذُكر اسميهما فلعلّ معظمكم لا يتذكر أنّه سمع
بهما، رغم ما توفّرا عليه من مكانة علمية قد ترتقي إلى مستوى علميّة المجدد
الشيرازي، إلا أنّ تعاملهما الاجتماعي السلبي قد أقصاهما عن التاريخ.
يُذكر أنّه كان في زمانهما شخص له مقدرة علمية يشار لها بالبنان، إلا أنّه كان
متهكّماً، تصدر منه تجاه العلماء الماضين بعض التعبيرات غير اللائقة عند مناقشة
آرائهم، فحضر هذا يوماً مجلساً كان يحضره أحد العالمين آنفي الذكر أيضاً ـ أعني أحد
الرجلين اللذين يرتقي مستواهما الى مستوى المجدّد الشيرازي ـ فلمّا قُدّم الشاي
لذاك الشخص وجاء صاحب المجلس ليرفع من أمامه صحن الشاي، ناداه ذلك العالم من جانب
المجلس: مرهم ليغسلوا هذا صحن الشاي! إشارة منه إلى كفر ونجاسة مستعمله ـ أي الرجل
صاحب التعبيرات اللاذعة ـ فلقِّب الرجل على أثر ذلك بالمكفَّر، أي من رُمي بالكفر،
ولكن بسبب السلوك التكفيري لم يستطع هذا المكفِّر على ما له من باعٍ في المقام
العلمي أن يبرز في الميادين الاجتماعية من تاريخه سوى في هذا الأمر، حتى عُرف
واشتهر به، أي لا يُنقل عنه من الأمور الاجتماعية سوى أنّه كفَّر فلاناً، بينما
عُرِف زميله المجدّد رضوان الله عليه بأنّه كافح الانجليز من خلال إحباطه
لمؤامراتهم ضدّ المسلمين، وخير شاهد على ذلك فتواه في تحريم استعمال التنباك والتي
عُرفت فيما بعد بـ «ثورة التنباك».
فإذا أخذ الإنسان المؤمن هذا الأمر بنظر الاعتبار، وأخلص ودّه للمؤمن وصانع غير
المؤمن من منافق أو كافر، أمكنه أن يقطع شوطاً في هداية الناس، فضلاً عن تقويم
نفسه. وهذا معناه أننا لو تعاملنا مع الناس بهذه النفسية ودارى كلّ واحد منّا مئة
منافق ـ مثلاً ـ فأغلب الظن أنّه سيعود تسعون منهم إلى جادّة الصواب ومنهل الخير
شيئاً فشيئاً. وينبغي أن لا يثنينا تخلّف الباقين، كما لا ينبغي أن نضحّي بالتسعين
ـ ما دام لديهم هذا الاستعداد في الميل نحو الهدى ـ بسبب امتناع أولئك العشرة
الباقين عن طريق الهدى والصلاح.
الناس عموماً يُستمالون باللين، وتؤلّفهم الرأفة، وتنفّرهم الحدّة. فإذا استطاع
الإنسان كسب ودّ الناس واُلفتهم وعدم تنفيرهم عن نفسه، أصبح أكثر توفيقاً في أموره
وأعماله.
نحن نحبّ الحلم، ونحبّ الدفع بالتي هي أحسن وغيرهما من الأمور الحسنة، فهكذا
الآخرين. مثلاً: لو صدرت منّا زلّة، فماذا نُحبّ أن نُكافأ به، هل سوى الحلم
والصفح؟ كذلك لو صدرت من غيرنا تلك الزلّة، فإنّه يحبّ الشيء نفسه، ويُحبّ أن نحلم
ونصفح عنه.
فينبغي لنا دائماً أن نُحبّ لغيرنا ما نُحبُّه لأنفسنا، ونظهر لغيرنا من أنفسنا ما
نرجوه لنا من غيرنا، فالإنسان عند هذه الأمور التي تحدث، ينبغي له أن يضع نفسه مكان
غيره، وغيره مكان نفسه.
جاء شخصٌ يوماً إلى الشيخ محمّد تقي الشيرازي رحمه الله يطلب منه ما يُسمّى بالصلاة
والصوم الاستيجاري ـ وكان الشيخ يشترط العدالة في المستأجر لقضاء الصلاة والصوم عن
الميّت ـ فقال له الشيخ: الآن لا يوجد عندي شيء. فغضب الرجل وسبّ الشيخ ثم انصرف!
وبعد مدّة جيء بأموال إلى الشيخ لغرض قضاء صلاة وصوم، فقرّر إرسالها إلى ذلك الرجل
الذي سبّه. فقيل له: ألا تشترط العدالة فيمن يقضي صلاة أو صوماً عن ميّت؟ قال: نعم.
قالوا: إن كان ذلك الرجل عادلاً فقد فسق عندما سبّ مؤمناً. قال: غير معلوم أنّه كان
ملتفتاً إلى قوله، وذلك لشدّة حاله وفقره.
فهذا الخلق الرفيع لهذا العالم الجليل، حقيقٌ بالتمجيد والثناء، فلننظر لو وقعت لنا
القضية نفسها، فهل نفعل ما فعله الشيخ؟ أو أنّ سبّه يوجب شكّنا في عدالته على أقلّ
تقدير، فلا نسلّمه شيئاً يقتضي العدالة فيه؟ هذا إن لم نقل: إنّ مجرّد صورة اعتدائه
هذا نعتبره تجرّياً على العصيان والظلم. فطبيعة الإنسان كثيراً ما توحي إليه هذا
الإيحاء السلبي تجاه غيره لتميد به عن جادّة الأخلاق الحسنة.
فإن لم نحاول تغيير هذه الطبيعة فسنبقى نتصرّف مع الناس سلبيّاً حال وقوعنا في قضية
مشابهة، بينما لو حملنا الأمر على محامله الحسنة ـ لرؤيتنا له من زاوية أخرى ـ
لوضعنا له الحلول المناسبة وبحسب ما تقتضيه نفوسنا من حبّ الخير والصلاح، ولا
يتأتّى ذلك إلاّ إذا روّضنا النفس على التحلّي بالخصال التي تحلّى بها أئمتنا
الأطهار سلام الله عليهم وعلماؤنا الأبرار.
ينقل عن العلاّمة الحلّي رضوان الله عليه قصّة في هذا المجال، وهي أنّ الفقهاء
كانوا يقولون: إنّ ماء البئر ينجس بملاقاة النجاسة، وذلك لعدم اعتبار ماء البئر
كرّاً أو جارياً. وكان العلاّمة على شكّ من هذه المسألة. فاتّفق أن سقطت نجاسة في
بئر بيته، فبادر إلى طمّها فوراً، ثم راجع المسألة بدقّة، وبعد أن عثر على الحكم
الشرعي، أفتى بطهارة ماء البئر، واعتبار حكمه حكم ماء الكر، وإن كان أقلّ منه، فلا
يتنجّس بملاقاة النجاسة من غير تغيير.
ربّما كان ضمن وجه عمله هذا هو أن لا تؤثّر مصلحته الشخصية ـ ولو قليلاً جداً ـ في
بحثه عن الأدلّة والشواهد التي انتهت به إلى طهارة ماء البئر وعاصميّته.
فقد روي عن أهل البيت صلوات الله عليهم، قولهم: «من اتّهم نفسه أمِنَ خدع الشيطان»(7)، و«من اتّهم نفسه فقد غالب الشيطان»(8)، فإذا أراد الإنسان أن يربّي نفسه، فعليه
أوّلاً أن يتّهمها دائماً في تصرّفاته الشخصية، وذلك بأن يجعل نفسه مكان غيره في
كلّ القضايا، وكذلك يجعل غيره مكان نفسه، لأنه في كثير من القضايا يحكم لنفسه بشكل،
ولغيره بشكل آخر، يعني نفس القضية إذا وقعت له يحكم لنفسه بشكل ينسجم مع غرائزه
وميوله، وإذا وقعت لغيره يحكم له بشكل آخر مغاير لما حكم به لنفسه.
يُنقل عن الشيخ نصير الدين الطوسي ـ وكان عالماً فيلسوفاً فقيهاً، وحاكماً أيضاً ـ
أنّ شخصاً كتب إليه رسالة فيها تأنيب وتقريع وإساءة أدب، ومن جملة ما كتب فيها (يا
كذا) فكتب له الشيخ الطوسي: ... وأمّا وصفك لي بـ (ياكذا) فهذا خطأ، لأنّ الـكلب
حيوان يمشي على أربع، وأنا أمشي على اثنتين، والـكلب يغطّي كلّ بدنه الشعر وأنا لست
كذلك، فضلاً عن ذلك فأنا حيوان ناطق ـ بحسب الفصل المنطقي ـ والـكلب حيوان غير
ناطق.
فهذا النفَس الأخلاقي في الردّ من جانب الشيخ الطوسي مدعاة لتمجيده والإطراء عليه؛
لما له من الثقة بالنفس وعدم المبالاة بما تعرّض له من قبل ذلك الشخص، والتركيز
بدلاً من ذلك على الأمور المهمّة الشرعيّة والاجتماعيّة.
أمّا لو وقعت لنا مثل هذه القضية وجاءنا البريد برسالة من شخص تحمل عبارات كتلك،
فهل نستطيع من دون تربية أنفسنا أن نجيب عليه بمثل جواب الشيخ الطوسي ولا نحاول
ردّه بالمثل ونحو ذلك؟
لا شكّ أنّ الناس غير متّفقين في الأذواق فضلاً عن الأخلاق، فينبغي لمن يتعامل معهم
أن يترفّع عن وضائع الأمور، وهذا الأمر يتأكّد بالنسبة إلى العلماء ورجال الدين
لأنهم مرتبطون ارتباطاً وثيقاً مع الناس، فيكونون عرضة للمشاكل أكثر من غيرهم،
فهناك من يعارضهم في مسألة أو يردّهم في رأي أو يختلف ذوقه مع أذواقهم، بل قد يصل
الأمر إلى وجود من يواجههم بالسبّ والشتيمة، لغاية ما. فلو انشغل رجال الدين بهذا
وذاك، ستتلف أعمارهم ويضيع تاريخهم وجهدهم دون جدوى.
لقد علّمنا أئمتنا سلام الله عليهم أن نصانع المنافق بألسنتنا ـ فضلاً عن ودّ
المؤمن ـ لنكون قادرين على تغيير المجتمع فضلاً عن تربية أنفسنا.
يُنقل عن المجدد الشيرازي رضوان الله عليه أيضاً: أنّ مجموعة من الأعداء المنافقين
قتلوا له ولداً ـ وكان أكبر أولاده ـ فلم يتّخذ رحمه الله تجاههم موقفاً غير موقف
الحلم، فصفح عنهم صفحاً جميلاً! مع أنّه كان من حقّه شرعاً أن يطالب بدم ابنه وكان
يمكنه ذلك، لأنّ الأمور كانت مهيّأة له، إلاّ أنّه رحمه الله لم يفعل ذلك، وإلاّ لم
يكن ليستطيع تعبئة كلّ الطاقات في نفسه وفي المسلمين لمجابهة الاستعمار البريطاني
الذي كان قابعاً على صدر الأمّة آنذاك.
والأمر نفسه حدث للسيّد أبي الحسن الأصفهاني رحمة الله عليه حين قُتل ولده، فاعتُقل
قاتلُه، إلاّ أنّه وهو المفجوع بولده ـ الذي كان خير أولاده ـ طلب من المسؤولين
وبإصرار، أن يُخلوا سبيل القاتل، وهكذا أُخلي سبيل القاتل وترك. فهذا التوجّه
والخلق والاشتغال بالأمور المهمّة التي يُنظر فيها إلى المصلحة العامّة، هو الذي
أوصل السيد الأصفهاني رحمه الله إلى ما وصل إليه من علوّ شأن ورفعة.
فالإنسان إذا انشغل بالأمور الصغيرة، سوف لا يصل للأمور الكبيرة والمهمّة.
إنّ طالب العلم الديني عند بداية دخوله في مجال الدراسة أو التدريس أو الموعظة أو
التأليف، يدخل بآمال كبيرة ورؤى واسعة، غير أنّ انشغاله برطب الحياة ويابسها يعرقل
سيره ويحبط بالنتيجة آماله ورؤاه التي شرع في السير من أجلها.
لذا فعندما نمجّد الشيخ نصير الدين الطوسي أو المجدّد الشيرازي أو الشيخ محمد تقي
الشيرازي أو السيّد أبا الحسن الأصفهاني رحمهم الله وغيرهم من العلماء الأعلام، على
مثل تلك الأخلاق الرفيعة، فلا ينبغي أن نكتفي بذلك، بل علينا أن ننهج نهجهم وذلك
بترويض أنفسنا للوصول إلى مثل ذلك الخلق الكريم والسير بين الناس بالحسنى.
فإذا استطاع طالب العلم أن يكون بهذا المستوى عندها سيحقّق آماله وتطلّعاته التي من
أجلها بدأ، وقطع الأشواط أملاً في الوصول إليها، وإلاّ فلا يرجو أن يحقّق شيئاً،
لأنه سيبقى يدور في مجال محدود، ضمن محيط ضيّق وأعمال صغيرة، وإن كانت بعضها حسنة
في نفسها، ولكن قد لا تكون كذلك بلحاظ أمور أخرى، فيكون هذا الإنسان قد صرف عمره ـ
الذي كان ينبغي أن يصرفه لهداية الملايين من الناس ـ في هداية الآحاد وربما
العشرات، على أحسن التقادير، هذا إذا لم يكن قد صرفه في توافه الحياة وهوامشها.
ليس للإنسان عُمران في هذه الحياة، فلو صرف عمره في الأمور التي هي أقلّ أهمية،
فإنّه سيُصرف بذلك عن الأمور المهمّة، وبمقدار ما نتأخّر في الأمور المهمّة يتقدم
أعداؤنا فيها!
والتوفيق فيما ذُكر يحتاج إلى الاستعانة الدائمة بالله تعالى والاستعاذة به من
الزلل في المنعطفات الخطيرة، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى تركيز وجهد مع صبر، فالله
تعالى لا يقطع رجاء من يرجو فضله. نسأله سبحانه التوفيق بمنّه وفضله.