الإنفاق وتربية النفس

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(1).

الإنفاق الذي يربّي النفس

غاية الأخلاق تتلخّص في مسألة واحدة وهي تربية النفس وإصلاحها، وهي من أعقد المسائل وأصعبها، لأنّ كثيراً من الناس قد ينجحون في مسائل صعبة ولا ينجحون في هذه المسألة، بل يمكن القول إنّها ركيزة أساسية ضمن ركائز الهدف من خلق الله تعالى للكون والحياة والإنسان وبعث الرسل والأنبياء وجعل الأوصياء؛ ولهذا نلاحظ اهتمام القرآن الكريم والأحاديث الشريفة في الغالب في الدعوة إلى تحقيقها؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
إنّ الإنسان إذا أنفق الرديء أو ما فاض من ماله فهو وإن كان إنفاقاً لبعض المال وقد ينفع من أنفق عليه، غير أنّه لا يمكن أن يصل بصاحبه إلى ساحل البرّ والإحسان، بينما لو كان إنفاق الإنسان ممّا يحبّ ولا يستغني عنه، فهذا بعينه هو الذي يربّي النفس ليصل بها إلى ما تنشده الآية الكريمة.
إنّ الله لا يحتاج إلى الإنفاق ولا إلى المنفق، لأنّه تعالى قادر على إغناء الناس فلا يكون فقير واحد محتاج للإنفاق، ولكنّه سبحانه جعل هناك فقيراً وآخر غنيّاً، ومحتاجاً ومنفقاً، لكي يكون هناك امتحان وتربية.
ولا شكّ أنّ هذه التربية لا تتحقّق فيما لو كان هناك فقير جائع وأعطيتَه أرغفةً من الخبز لا تحتاج إليها، وإن كان هذا إنفاقاً أيضاً ويعدّ عملاً صالحاً تثاب عليه، ولكن إن استطعت أن تعطيه أرغفة الخبز مع حاجتك إليها فهذا يعني أنّك بلغت مرحلة عالية من تربية النفس. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾(2) أي إنّهم يُطعِمون الطعام مع حبّهم له ـ بناءً على بعض التفاسير التي تُرجع الضمير في «حبّه» إلى الطعام ـ(3).
وهذا لا يتحقّق من خلال تقديم الطعام الزائد عن الحاجة الذي لا تجد النفس رغبة فيه، بل لابدّ أن يكون الإنسان محتاجاً لذلك الطعام الذي يقدّمه وراغباً فيه ومع ذلك يقدّمه لغيره، وهذه الحالة هي التي تساهم في تربية النفس وتُعَدّ من الفضائل؛ لأنّ المراد من الفضائل والأخلاق تربية الإنسان نفسه، وأن يكون هو القائد لها المسيطر عليها وليس العكس.
إن السيطرة على النفس تحناج إلى ترويض وتمرين قد يستغرق عقوداً من السنين. وما من أحد غالباً إلاّ ويحبّ أن يكون ذا أخلاق محمودة، وأن يكون مالكاً لزمام نفسه، وأن يكون هو المسيِّر لها لا المسيَّر من قِبلها، وإنّ أغلب الناس لا يحبّ أن يكون عبداً لشهواته. فكلّ إنسان يحبّ أن يكون صالحاً إلاّ القليل من ذوي النفوس السيّئة، والكثير قد يتصوّر أنّ بلوغ هذا الأمر شيء سهل وأنّه لا يحتاج إلى مثابرة وترويض؛ مع أنّه أصعب وأعمق شيء ولا ينال بسهولة. هذا ما يدلّ عليه التركيز المستمرّ من الآيات والأحاديث على مسألة تربية النفس، والإرشاد إلى كيفيتها.

الأشقّ على النفس أنفع

روى زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «والله ما عرض لعليّ عليه السلام أمران قطّ كلاهما لله طاعة إلاّ عمل بأشدّهما وأشقّهما عليه»(4).
فمع أنّ كلا العملين فيهما مرضاة الله تعالى، إلاّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يختار الأشقّ؛ لأنّ تربية النفس تكون في اختيار الشيء الأصعب.
قد لا يُقصد بالأشقّ هنا الأشقّ على البدن فقط، بل المقصود به الأشقّ روحياً أيضاً، فإنّ الإنسان لا يحسّ أحياناً بالمشقّة البدنية بسب راحة الروح، ومثاله السّهَر، فقد يكون شاقّاً بدنياً على مَن اعتاد أن ينام الليل ـ كما هو حال أغلب الناس ـ ولكنّه روحيّاً لا يعود كذلك بالنسبة لمن حضر عنده صديق حميم أو ذو رحم قريب بعد غياب وفراق طويل، فإنّ مثل هذا الإنسان قد لا يأتيه النوم أصلاً لأنّ الروح لا تستصعب السهر في هذه الحال، بل لا تشعر به لأنّها تعيش الأُنس بلقاء الحبيب الغائب. إذاً عمدة المقصود من الأشقّ ما هو أشقّ على الروح، وهو ما يربّي الإنسان ويقرّبه إلى الله عزّ وجلّ أكثر.
إنّ عامل البناء الذي يتقاضى أجراً مضاعفاً لقاء عمله في اليوم الممطر مثلاً، سيشعر بالأسف إذا فاته العمل في ذلك اليوم؛ لأنـّه سيخسر أكثر مما لو تغيّب عن العمل في يوم عادي. ولو قيل له: ينبغي أن تكون فرحاً لأنّك تخلّصت من عناء العمل في يوم ممطر. لقال في الجواب: ولكنّي فوتُّ أجراً مضاعفاً كنت سأحصل عليه لو كنت أعمل في هذا اليوم.
والحالة نفسها تصدق على العامل في سبيل الله، فإنّ المؤمن الحقيقي يبحث عن أشقّ الأعمال المحبوبة لله تعالى لينال قربه وأجره أكثر، و كما في الحديث: فإنّ «ثواب العمل على قدر المشقّة فيه»(5).

أفضلية الإنفاق على الأرحام

ولعلّ هذا أحد أسباب تأكيد الأحاديث بأنّ الإنفاق على الوالدين أفضل من الإنفاق على سائر الأرحام، وأنّ الإنفاق على الأرحام أفضل من الإنفاق على غيرهم، لأنّ أقارب الشخص ـ عادة ـ لا يستعظمونه إذا أنفق عليهم لأنّهم يعرفون في الغالب حدود قدرته المالية، فلو أنّ شخصاً دخله الشهري ألف دينار أعطى عشرة دنانير لقريب له محتاج فإنّ عطيته ستكون محتقرة وربما اعتبرها القريب إهانة لمعرفته المستوى المالي لقريبه، بينما لو أعطى ديناراً واحداً لمحتاج غريب فإنّ عطيته ستقع موقع الرضا والإعجاب من المحتاج لأنّه لا يعرف شيئاً عن مستوى المعطي، ولا يتوقّع منه المزيد.
هذا مضافاً إلى أنّ المنفِق قد يقابَل بالجفاء من قريبه لو أنفق عليه، لأنّ الإنسان يشعر في العادة بتصاغر أمام المنفِق عليه، وهذا الشعور يكون مضاعفاً إذا كان المنفِق قريباً للإنسان؛ فإنّه قد يتألّم ويغمره شعور بالضعة والحرمان وربما يندب حظّه قائلاً: لماذا أنا فقير محتاج، وفلان الذي هو من أقربائي غنيّ؟ ومن ثم يلجأ إلى الجفاء في محاولة لإطفاء نائرة تألّمه.
ومن الواضح أنّه تزداد الصعوبة عندما يكون الإنفاق على الوالدين، فإنّ توقّعهما ـ ولا شكّ ـ من ولدهما أكثر، خاصّة إذا كانا على اطّلاع بمستواه المالي الحقيقي؛ لأنّهما يعتقدان أنّ ولدهما وكلّ ما يملك هو ملك لهما(6)، وأنّ كلّ ما يقدّمه لهما فهو قليل في حقّهما، فمهما كان عطاؤه لهما، فهو قليل في نظرهما غير معظَّم من قِبلهما. وهكذا الحال بالنسبة للنقطة الثانية، وهي الشعور بالتصاغر الذي يشتدّ عند القرناء والأقرباء والتي تستتبع جفاءً وتعالياً، فهي الأخرى تكون في حال الإنفاق على الوالدين أشدّ لزيادة القرب، خاصّة وأنّ الأبوين لا يشعران أنّ ابنهما نظير لهما وحسب، بل يشعران بأنّهما أفضل منه، فيزدادان ألماً إذا كان غنيّاً ويعطيهما، مع فقرهما.
يقول بعض علماء الأخلاق: ربما لهذين السببين ـ توقُّع الأكثر، والجفاء ـ كان الإنفاق على الأقارب والأرحام أفضل، غير منكرين الأسباب الأخرى. وهذان السببان إنّما يصبّان في تربية النفس، لأنّ التغلّب عليهما يعني التغلّب عليها.
كما يمكن أن نضيف لهاتين النقطتين نقطة ثالثة في السياق نفسه وهي أنّه كثيراً ما نلاحظ قطيعة بين الأرحام، وفي مثل هذه الحالة يجد المنفِق صعوبة في التغلّب على نفسه والاستجابة لداعي الإيمان في الإنفاق على قريبه المعسر وإن كان قد أساء إليه، ولهذا عدّ الإنفاق على أُولي الأرحام أفضل من الإنفاق على مَن سواهم.

صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ

إنّ الإنفاق أمر حسن ومفيد، ولكن الأهمّ أن يربّي الإنسان نفسه لأجل ذلك. ولهذا ورد في الحديث: «صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ»(7).
إنّ صدقة السرّ تربّي المعطي مضافاً أنّ آخذها لا يشعر بالذلّ؛ فإنّ الإطراء أو الإعجاب الذي يحصل عليه المرء فيما لو أعطى على مرأى من الناس قد يخفّف من صعوبة الإعطاء والصدقة، لإحساسه بكونه قد اشترى بها سمعة وجاهاً، فلا يشعر بصعوبة بذْله. أمّا الصدقة في السرّ فتعني تغلّب المرء على صعوبة البذل لغياب التشجيع والإطراء والإعجاب وما أشبه. فصدقة السر تطفئ غضب الرب، لأنّها أقرب إلى الإخلاص؛ لأنّ الله تعالى ـ كما ورد في المأثور ـ سريع الرضا(8)، ولكنّه حليم، أي لا يغضب بسرعة. وهذا قد يبدو جمعاً للأضداد إذا ما قيس إلى حالتنا نحن البشر.
فالذين يحلمون ولا يغضبون بسرعة إنّما يكظمون غيظهم لا أنّهم لا يتأثّرون أساساً، وهذا يعني تراكماً في غيظهم حتى إذا امتلأ وفاض كان غضبهم شديداً وبطيء الزوال، وقديماً قيل: «نعوذ بالله من غضب الحليم»(9). أمّا الله تعالى فليس هكذا، فهو سبحانه حليم وهو سريع الرضا إذا غضب، لأنّه عزّ وجلّ هو الرحمة المطلقة، وقد سبقت رحمتُه غضبه، وقد خلقنا ليرحمنا؛ قال تعالى: ﴿... إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾(10)، أي ليرحمهم.
ولكن مع ذلك لا ينبغي للعبد أن يستصغر أيّة معصية، فلعلّ غضب الله فيها. وعلى العبد أيضاً أن يعمل ما من شأنه أن يزيل غضب الله تعالى، وممّا يطفئ غضبه سبحانه صدقة السرّ، والعلّة في ذلك أنّها تعني أنّ القائم بها قد نجح في ترويض نفسه وتعبيدها لله عزّ وجلّ، إضافة إلى أنّ آخذها لا يشعر بالضعة بين الناس.

الهدف من الفضائل الأخلاقية

إنّ من أهمّ الأمور في المقام هو أن يربّي الإنسان نفسه، فهذا هو الشيء الأساسي، وإن كانت الفضائل الأخلاقيّة في حدّ نفسها جيّدة ولازمة، من قبيل أن لا يؤذي الناس بلسانه أو خُلقه السيّئ أو سيرته السيّئة أو بخله. وما نقل من قصص العلماء والصلحاء في هذا المجال يدلّ على ضبط قويّ للنفس.
فما نراه من اهتمام الناس غالباً بقصص الذين ربّوا أنفسهم تربية صحيحة حتى أكثر من اهتمامهم بالمجتهدين رغم أنّ الاجتهاد ليس شيئاً سهل المنال بل يتطلّب من الشخص متوسّط الذكاء تفرّغاً للدراسة المتواصلة لمدّة زهاء عشرين سنة. فرغم هذا ورغم وجود الألوف من المجتهدين في الحوزات العلمية في طيّ الزمان ـ والحمد لله ـ ولكننا لم نرَ كتباً تهتمّ بإحصاء المجتهدين من الشيعة ـ مثلاً ـ، ولكنا نرى اهتماماً بنقل القصص التي تحكي جانب بناء النفس عند بعض العلماء مما يدلّ على أهميّته وندرته وصعوبته.

قصة فيها عبرة

حكي أنّه كان للشيخ الأنصاري زميل في الدراسة اسمه سعيد العلماء، وكانا يحضران معاً عند الأستاذ شريف العلماء ـ رحمهم الله جميعاً ـ وكان الشيخ الأنصاري ينحدر من مدينة شوشتر الإيرانية، فيما كان زميله سعيد العلماء من أهالي مدينة مازندران ـ الإيرانية أيضاً ـ . وبعد مرور عشر سنوات على الدراسة معاً استدعى المازندرانيون سعيد العلماء لكي يقيم لهم صلاة الجماعة ويفتيهم في المسائل الشرعية ويقضي بينهم ويقضي حوائجهم، فلبّى دعوتهم، فانتقل إلى مازندران وأسّس هناك حوزة وظل فيها، فيما بقي الشيخ الأنصاري في مدينة كربلاء المقدّسة ثم انتقل بعد وفاة شريف العلماء إلى النجف الأشرف وظلّ يواصل الدرس والتدريس والبحث والتحقيق طيلة مرجعية صاحب الجواهر رضوان الله عليه. ولما توفّي صاحب الجواهر كانت الأصابع تشير إلى الشيخ الأنصاري وتطالبه بالتصدّي للمرجعية والإفتاء وإصدار رسالة عملية لكي يقلّده الناس. ولكن الشيخ الأنصاري أجاب مناشديه بالتصدّي للمرجعية أنّه يشترط الأعلمية في مرجع التقليد. مشيراً الى أنّ زميله سعيد العلماء كان أذكى منه أيام دراستهما في كربلاء لدى شريف العلماء، مرشداً الأمّة لتقليده. وذهب وفد من العراق إلى مدينة مازندران في إيران وعرضوا الأمر على سعيد العلماء وطلبوا منه أن يصدر رسالة عملية ليتسنّى لهم تقليده، ولكنه امتنع معلّلاً بالقول: إنني انقطعت عن البحث والتحقيق منذ مغادرتي كربلاء لأتفرّغ لإمامة الجماعة وهداية الناس في مازندران فيما واصل الشيخ الأنصاري الدرس لدى شريف العلماء ومن بعده صاحب الجواهر وكان متفرّغاً للبحث والتحقيق، فصار أعلم منّي وإن كنت سابقاً أعلم منه.
ولما عاد القوم إلى الشيخ الأنصاري ونقلوا له مقالة سعيد العلماء أجابهم إلى طلبهم وكتب حاشيته على كتاب «نجاة العباد» الرسالة العملية لصاحب الجواهر.
إنّ هذه القصّة هي إحدى القصص الكثيرة التي تنقل عن الشيخ الأنصاري وتحكي سموّ روحه وتهذيب نفسه. وجدير بتلك القصص أن تكون مربّية للأجيال، ولذلك تراها تلتقط وتُدوّن وتتناقل وتذكر ويُتّعظ بها حتى مع تكرر سماعها، لأنّها نادرة وغير يسيرة التحقق عند كلّ أحد. فربّما احتاج المرء إلى خمسين سنة من التربية لتصل نفسه إلى هذه المرحلة بحيث يعرض عليه مثل هذا العرض و مع ذلك يتورّع وينجح في التنازل عنه، في حين إنّ بعض الناس إذا واجه فقيراً يحتاج إلى مساعدة، ربّما يتردّد في المبلغ الذي ينوي إعطاءه، أيعطيه ديناراً ـ مثلاً ـ أم نصف دينار أم ربع دينار؟ وربّما لا يعطيه في الآخِر ولا يتنازل حتى عن درهم من ماله.

تربية النفس أوّلاً

يُنقل عن المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري، عن أستاذه السيّد الفشاركي ـ الذي كان من العلماء الفطاحل والمجتهدين المحقّقين ومن تلامذة المجدّد الشيرازي رضوان الله عليهم جميعاً ـ أنّه قال: لمّا توفّي المجدّد الشيرازي(11) رجع كثير من الناس في تقليدهم إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي(12)، وكان والدي ـ أي والد السيّد محمد الفشاركي ـ مجتهداً ومرجعاً للتقليد أيضاً، فبعثني رسولاً إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي لأسأله إن كان يرى نفسه الأعلم أم والدي، قال والدي في رسالته إلى الشيخ: إنّ زوجتي وأولادي كانوا يقلّدون المجدّد الشيرازي وقد توفي، فهل تعتقد أنّك أنت الأعلم لكي يرجعوا في تقليدهم إليك، أم تراني أعلم منك لكي يتحولوا إليّ؟!
يقول السيّد الفشاركي: بعد أن نقلت تحيات الوالد وسؤاله للشيخ الشيرازي، فكّر قليلاً ثم قال لي: أبلغ والدك السلام وقل له: وما رأيه؟
يضيف السيّد الفشاركي: عدت إلى الوالد و أخبرته بمقالة الشيخ محمد تقي، فأرجعني للشيخ لأسأله هذه المرة عن رأيه في تفسير الأعلم، وهل هو الأكثر ذكاء وفطنة أم الأكثر تعمّقاً ودقّة أم الأقوى ذهناً من الناحية العرفية؟ ولمّا عدت للشيخ أرجعني بدوره إلى الوالد يسأله عن تحديده لمفهوم الأعلم. وبعد أن دقّق والدي في هذا الأمر كثيراً، أمر أهله بأن يقلّدوا الشيخ محمد تقي الشيرازي لترجيحه أن يكون هو الأعلم وفق تفسيره لمعنى الأعلم.
ويظهر ممّا ذُكر المدى الذي بلغه بعض مراجعنا في الورع وتربية النفس بحيث لا يتنافسون على المرجعية والزعامة، بل لا يتصدّون لها ولا يدّعونها إلاّ بعد تثبّت وتحفّظ وتدقيق، وبعد أن تقلّدهم الأمّة وعلماؤها المسؤولية وهم أهل لها من حيث العلم والورع والتقى والخلق والسموّ الروحي وتهذيب النفس والزهد في الدنيا ونبذ كلّ مظاهرها من شهرة وجاه ومال وغيرها. لأنّ الهدف من الفضائل الأخلاقيّة عندهم هو بناء النفس.
وتبقى قصصهم تربّي الأجيال، فربّ واحدة منها غيّرت مجرى حياة فرد وجعلته يستقيم؛ فهذه القصص إنّما جاءت كنتيجة لتربية تميّز بها أصحابها تحوّلت فيما بعد إلى صدقة جارية(13) تتناقلُها الكتب والألسن جيلاً بعد جيل.
أقول: إذا كانت «الكلمة الطيبة صدقة»(14) فكيف بالعمل والسيرة الطيبة؟ لا شك أنّها أوفر حظّاً، وأبلغ شأواً لاستحقاق الصدقة.
فلنحاول نحن أيضاً من الآن أن نسعى في تربية أنفسنا، فإنّ تهذيب النفس وتربيتها ينبغي أن يكون هو الهدف الأسمى من وراء الدراسة والمنبر والتأليف. إنّ تهذيب النفس هو هدف الأنبياء والأوصياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(15)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أدّبنـي ربّي فأحسن تأديبـي»(16).
فمن أتعب نفسه في هذا الطريق ووصل إليه ولو بعد حين، يكون قد وصل إلى الغاية التي من أجلها خُلق. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾(17).
بينما لو أصبح أكثر الناس مالاً، وأصحّهم جسماً، وأدقّهم نظراً دون أن يحقق هذه الغاية، فستذهب حياته كلّها سدى، ولا فائدة ترتجى من كلّ ما حصل عليه، كما صار إليه قارون، الذي حكى الله قصّته في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾(18).


(1) سورة آل عمران، الآية: 92.
(2) سورة الإنسان، الآية: 8.
(3) راجع تفسير نور الثقلين للحويزي: ج4 ص30، مورد تفسير سورة الدهر، الآية 8 .
(4) انظر شرح نهج البلاغة للمعتزلي: ج4 ص110.
(5) عيون الحكم والمواعظ للواسطي: ص218 ب4 ف3.
(6) رُوي أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لرجل جاءه يستعدي على والده: «أنت ومالك لأبيك» انظر الاستبصار للطوسي: ج3 ص48 رقم2.
(7) الكافي: ج4 ص7 ح1، فضل صدقة السرّ.
(8) كما ورد في كثير من الأدعية والأوراد. انظر مفاتيح الجنان للقمي، دعاء كميل مثلاً.
(9) من الأمثال العربية.
(10) سورة هود، الآية: 118ـ 119.
(11) هو: الميرزا محمد حسن الشيرازي الذي أفتى بتحريم التنباك أيّام ناصر الدين شاه حينما عقد معاهدة مع إحدى الشركات الأجنبية حول التنباك وكانت تضرّ بالأمّة الإيرانية. توفّي عام 1312ﻫ.
(12) صاحب الفتوى المشهورة في ثورة العشرين ضدّ الاحتلال الانجليزي للعراق عام1920م، توفّي عام1338ﻫ.
(13) لقوله صلّى الله عليه وآله: إذا مات ابن آدم، انقطع عمله الا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وعلم ينتفع به، غوالي اللئالي للاحسائي: ج1 ص97، الفصل السادس، ح10.
(14) انظر مكارم الأخلاق للطبرسي: ص468، الفصل الخامس، من وصية رسول الله صلّى الله عليه وآله لأبي ذرّ.
(15) سورة الحجرات، الآية: 13.
(16) بحار الأنوار: ج16 ص210 باب 9ـ مكارم أخلاقه صلى الله عليه وآله.
(17) سورة هود، الآيتان: 118ـ119.
(18) سورة القصص، الآية: 78.