بالعمل يكون التأثير للقول

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾(1).
المفهوم من الآية الكريمة أنّ الله تعالى يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون. بيد أنّ ههنا مسألتين لا ينبغي الخلط بينهما:
الأولى: أخلاقية، وهي قبح مناقضة القول للعمل.
أمّا المسألة الثانية: فهي مسألة شرعية، وهي عدم سقوط وجوب القول بذريعة عدم العمل به.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان حتّى على الشخص الذي لا يعمل بالمعروف ولا ينتهي عن المنكر. ولنأخذ الصلاة مثالاً للمعروف، وشرب الخمر مثالاً للمنكر. فإنّ على كلّ مكلّف في كلٍّ منهما واجبين: الإتيان بالصلاة والأمر بها، وترك شرب الخمر والنهي عنه. فمَن ترك الصلاة ولم يأمر بها ارتكب إثمين، ومَن شرب الخمر ولم ينه عنه أتى بمعصيتين، وإن كان مَن يأمر بالصلاة وهو تارك لها، أو ينهى عن الخمر ولا ينتهي عنه، قد استحقّ سخط الله؛ لقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾، إلاّ أنّ ذلك لا يعني سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحال، فهما واجبان برأسهما يحاسب المكلّف على تركهما كما يحاسب على ترك سائر الواجبات وارتكاب سائر المحرّمات.

اقتران القول بالعمل

ذكرنا هذا لبيان حقيقة شرعية قد تغيب عن بعض الأذهان. أمّا الحقيقة الأخلاقية التي ينبغي الإشارة إليها في ظلّ الآية المباركة فهي أنّ القول الذي لا يعمل به صاحبه لا يكون منبعثاً من القلب، وما لم يكن منبعثاً من القلب لا يقع في القلب، أي لا يؤثّر غالباً.
وقيّدنا بـ «غالباً»، لما روي في الحديث الشريف: «أنّ أناساً من أهل الجنّة اطّلعوا على أناس من أهل النار، فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنّة. فقالوا: كنّا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها»(2). وهذا يدلّ أنّ القول قد يؤثّر أحياناً وإن لم يكن صاحبه عاملاً به.
ولكن ينبغي أن يُعلم أنّ هذا الحديث لا يتنافى مع الأحاديث التي تقول: إنّ القول الذي لم يعمل به صاحبه لا يؤثّر في غيره؛ ذلك أنّ المقصود منها الغالب، أو أنّ مثل ذلك القول بمفرده لا يربّي.
ولكن يبقى هذا الحديث نذيراً لأهل العلم والمتصدّين لهداية الناس، بل هو من قواصم الظهر حقّاً إن لم يُلتفت إليه!
إنّ كثيراً من العبارات الجميلة التي تُنسب لبعض الحكماء أو المفكّرين ترى لها أصلاً في كلمات أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم، فإن لم تكن بالنصّ فبالمعنى؛ ذلك أنّ أهل البيت سلام الله عليهم ما تركوا شيئاً حسناً وجميلاً إلاّ أمروا به ودعَوا إليه، وما من سيّئة إلاّ ذمّوها ونهوا عنها، ولذلك يجد الباحث كلّ العبارات الصائبة والجميلة للحكماء مقتبسة من كلمات الرّسول وأئمّة الهدى عليهم الصلاة والسلام.
إنّ الناس لا يكونون كما تقولون، بقدر ما يكونون كما تكونون، إنّهم يأخذون من سيرتكم أكثر ممّا يأخذون من أقوالكم.
وهذا ما يراه كلّ منّا في نفسه، فإنّ الأشخاص الذين نراهم طيّبين ـ أو كنّا نراهم كذلك وانتقلوا إلى الدار الآخرة ـ إنّما تأثّرنا بسيرتهم أكثر ممّا تأثّرنا بكلماتهم، وما تأثُّرنا بكلماتهم إلاّ لأنّها طابقت أفعالهم. وبعبارة: إنّ كلماتهم التي نعتقد أنّها تتطابق مع سيرتهم هي التي أثّرت فينا وربّما غيّرتنا.

بين التربية والترويض

إنّ الآية التي صدّرنا بها الكلام لا تعني الكفّ عن القول مطلقاً بل هي بصدد تحريضنا على العمل إلى جانب القول. فالقول شيء سهل، ولكن الالتزام به والعمل بمقتضاه ربّما كان صعباً يحتاج إلى إرادة قوية وممارسة وسعي دون يأس أو فتور إلى جانب الاستعانة الصادقة بالله سبحانه وتعالى.
روى الديلمي في «إرشاد القلوب»؛ قال: «كان بعض العلماء يقدّم تلميذاً له على سائر تلاميذه. فلاموه على ذلك، فأعطى كلَّ واحد منهم طيراً وقال: اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد، فجاءوا كلّهم بطيورهم وقد ذبحوها، لكن ذلك التلميذ جاء بطيره وهو غير مذبوح، فقال له: لِمَ لم تذبحه؟ قال: لقولك: لا تذبحه إلاّ في موضع لا يراك فيه أحد، وما من مكان إلاّ يراني فيه الله. فقال له: أحسنت. ثم قال لهم: لهذا فضّلته عليكم وميّزته منكم»(3).
يظهر أنّ هذا الأستاذ كان مربّياً وليس أستاذاً في الدروس المقرّرة كالفقه والأصول والنحو حسب، فلم يكن يرى واجبه منحصراً في إلقاء الدروس وإنما بتربية التلاميذ أيضاً. ولهذا كثيراً ما نقرأ عن بعض العلماء الماضين رضوان الله تعالى عليهم كيف أنّه كان متعايشاً مع تلاميذه في السفر والحضر، أو أنّ التلميذ كان يرى نفسه خادماً بين يدي أستاذه، كنتيجة حتميّة للتفاعل الروحي الذي يكون سائداً بين أستاذ كهذا وتلاميذه.
فهذا الطراز الرفيع من الأساتذة كان يربّي ذلك الطراز الجيّد من التلاميذ؛ والذين كان منهم ذاك التلميذ الذي ضرب أروع مثل في تنبيه الغافلين عن الله تعالى.
وقد يكون الأستاذ جيّداً، لكن يوجد في تلاميذه من ليس بجيّد. فهل هناك معلّم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ ومع ذلك نرى في أصحابه مَن له القِدم وليس له القَدم، أي ليس على شيء، فمع أنّ بعضهم صحب الرسول صلى الله عليه وآله أكثر من عشرين سنة، إلاّ أنا نراه داخلاً في قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾(4)، فكان من المنقلبين. فربّ أستاذ جيّد وتلميذه رديء، وربّ أستاذ غير لائق لكن تلميذه يلتقط الدرر، لما لديه من استعداد نحو الرفعة والسموّ.
فإذا أردت أن يكون كلامك مؤثّراً فانظر إن كنت قد عملت به فبها، وإن لم تكن قد عملت به بعدُ فحاول أن تعمل به قبل أن تتفوّه به، وكرّر المحاولات ولا تيأس، لأنّ الأمر ممكن وإن كان لا يخلو من صعوبة. ولو راجع كلّ منّا نفسه بعد كلّ قول يقوله ونظَر إن كان قد عمل به أم لا، لتعجّب من كثرة ما يصدر عنه من أقوال مغايرة لأفعاله! وسيشعر حينها بمسؤولية الكلمة ومدى خطورتها، محاولاً لأن يقترن كلامه مع عمله.
فالآية الكريمة تحرّضنا على أن نعمل بما نقول، دون أن تنهانا عن القول وإن كنّا لم نعمل به بعدُ؛ وذلك أنّ القول الحقّ بحدّ ذاته واجب سواء في الواجبات أو المحرّمات، وهو ما يعبّر عنه الشرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنْ أمَر المكلّف بالمعروف ونهى عن المنكر ولم يكن ممتثلاً بنفسه، خاطبتْه الآية محرّضة إيّاه على العمل بما يقول، مضافاً إلى أنّ قوله قد يكون قليل التأثير ما لم يكن مقترناً بالعمل.
ولا ينبغي الاستهانة بالتأثير لأنّ كلامنا إذا أثّر في إنسان وعمل خيراً، فهذا يعني امتداد الثواب لنا مادام أثره باقياً. فلو أنّ شخصاً اهتدى بكلماتك وتربّى بسببها، فهذا يعني حصولك على الثواب كلّما عمل بها عملاً صالحاً دون أن ينقص من ثوابه شيء. فلو استفاد من كلامك الناس واستمرّوا لآلاف السنوات فإنّه يُكتب لك ثواب ذلك كلّه دون أن ينقص من ثوابهم شيء.

العلماء باقون ما بقي الدهر

علي بن الحسين بن بابويه القمي(5) أحد علمائنا، نلاحظ بقاء ذكر اسمه رغم مرور أكثر من عشرة قرون على وفاته ـ حيث كان يعيش في زمن الغيبة الصغرى ـ ويعلم الله كم من الناس اهتدوا خلال هذه السنين برسالته تلك وعملوا بما جاء فيها، وكم كُتب له جرّاء ذلك من ثواب عند الله، فبقي حيّاً عند الله وعند الناس أجمعين، فأيّة حياة أطول وأكبر من هذه الحياة.
هذا في حين نرى أنّ أكثر الناس يموت ذكره بموته، ولا يعود يعرفه أحد حتى من عقبه الخامس بل الرابع أحياناً! فلو أنّك سألت أكثر الناس عن اسم جدّه الخامس لما عرفه، بل إنّ بعض الأشخاص قد لا يعرف حتى اسم جدّه الرابع، فهو يعرف اسم أبيه وجدّه وجدّ أبيه (أي الجدّ الثاني) وجدّ جدّه (أي جدّه الثالث) ولكنّه لا يعرف أسماء مَن هم قبله مع أنّه قد لا يفصله عنه مئة وعشرون سنة. بل إنّ كثيراً من الناس قد لا يعرف حتى عن جدّه الثاني في أيّ يوم توفي وفي أيّة بقعة دُفن؛ مع أنّ الفاصلة الزمانية قد لا تزيد على خمسين سنة!

الخلاصة

يمكننا أن نُبقي سجلّنا مفتوحاً تدرج فيه الحسنات، ليبقى معه ذكرنا خالداً ونظلّ أحياء عند الله وعند الناس إذا ما استطعنا أن نؤثّر بأقوالنا، خصوصاً إذا كانت مقترنة بالعمل، فلنحاول دائماً أن نعمل بما نقول، لا أن نترك القول بذريعة عدم العمل، فيكون الحال كما ذكرته الآية الكريمة: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾(6). وإذا راجعنا أنفسنا بعد كلّ قول شعرنا بمسؤولية الكلمة من جانب، وجدّدنا سعينا للالتزام بما نقول أيضاً، فيكون ذلك ترويضاً لنا، ولا شكّ أنّ مَن أراد شيئاً وعمل من أجله مستعيناً بالله تعالى بلغه أو اقترب منه.
فلو أنّ الإنسان تمرّن وروّض نفسه استطاع أن يفكّر في كلّ كلمة قبل أن يطلقها، لشعوره بمسؤوليتها.


(1) سورة الصف، الآيتان: 2ـ3.
(2) انظر مجموعة ورّام لأبي فراس الأشتري: ج2 ص135.
وفي مجمع الزوائد للهيثمي: ج1 ص185: إنّ أناساً من أهل الجنة ينطلقون إلى أناس من أهل النار، فيقولون: لِمَ دخلتم النار؟! فوالله، ما دخلنا الجنّة إلا بما تعلّمنا منكم. فيقولون: إنا كنّا نقول ولا نفعل.
(3) إرشاد القلوب للديلمي: ج1 ص128.
(4) سورة آل عمران، الآية: 144.
(5) المدفون في مقبرة تُعرف بـ «مقبرة ابن بابويه» في قم المقدّسة، وهو شيخ القميين، ووالد الشيخ الصدوق. له رسالة حوت أحكاماً وسنناً وآداباً، قد تناولتها الكتب المعتبرة عندنا.
(6) سورة الصف، الآية: 3.