الفصل الأول: المحاضرات
:. المقدّمة
:. 1. العلم والأخلاق
:. 2. العلم نور
:. 3. العلم النافع
:. 4. الفرق بين الأخلاق والعلوم الأخرى
:. 5. بالعمل يكون التأثير للقول
:. 6. تذليل الصّعاب في طلب العلم
:. 7. التبليغ
:. 8. الإنفاق وتربية النفس
:. 9. في التعامل مع الناس
:. 10. المداراة من طرق هداية الناس
:. 11. الحرص والكفاف
:. 12. قيمة السكوت
:. 13. الترويض والهداية وجمال التعبير
:. 14. مسؤولية العلماء في عصر الغيبة
:. 15. الإخلاص شرط القبول
:. 16. الاخلاص وآثاره
:. 17. ثمن الجنة
:. 18. حبّ الذمّ وكراهة المدح
:. 19. النظر إلى ملكوت الله
:. 20. الابتعاد عن هوى النفس
الفصل الثاني: الوصايا
:. 1. الاقتداء والاعتبار
:. 2. تعلّم محاربة «الأنا» من العلماء
:. 3. العلماء وإقامة الدين
:. 4. لنتعلم من ورع العلماء
:. 5. التأسي برسول الله في صموده وأخلاقه
:. 6. طلب العلم فريضة
:. 7. كيف نحظى برعاية صاحب الزمان؟
:. 8. ليكن يومنا خيراً من أمسنا
:. 9. التأسي بالصديقة الزهراء
:. 10. السعي في قضاء حوائج الناس
:. 11. الأجر على قدر المشقّة
:. 12. هكذا تطول الأعمار
:. 13. منهل السعادة
:. 14. سرّ النجاح
:. 15. العمل من أجل إيجاد مجتمع مؤمن
:. 16. شروط الرقيّ
:. 17. من سمات الأولياء
:. 18. مسؤولية العلماء
:. 19. شهر رمضان فرصة للتزكية والهداية
:. 20. شهر رمضان وتعميم الثقافة القرآنية
:. 21. الدعاء مفتاح لحلّ المشكلات
:. 22. هكذا تحبط الصدقات
:. 23. هنا تكمن السعادة
:. 24. التبليغ والمنبر الحسيني
:. 25. حسِن الخلق يحوز خير الدارين
:. 26. الثقافة هي الاساس
:. 27. التبليغ رسالة العلماء
:. 28. نشر مبادئ أهل البيت
:. 29. وصايا عامّة للمبلّغين
:. 30. وصايا عاشورائية لعامّة المؤمنين
هناك فروق واضحة بين الأخلاق والعلوم الأخرى، نذكر فيما يلي بعضها:
إنّ مَن يتخصّص في علم واحد ويستفرغ كلَّ وسعه وجهده يبلغ أعلى الدرجات فيه
ويتفوَّق غالباً على مَن كان ذلك العلم أحد اهتماماته، والأخلاق تحتاج إلى التفرّغ
والجدّ والمثابرة من أجل بلوغ المراتب العالية فيها. فالمستوى الذي يبلغه الأخلاقي
ـ وطالب العلم الدينيّ خاصة ـ يؤثِّر في أداء دوره في المجتمع. فقوله وفعله وسيرته
وتاريخه يشجِّع الناس نحو الفضائل الأخلاقيّة والاجتناب عن رذائلها إذا كان هو من
أهل الفضيلة، ولكن إن كان عكس ذلك فسيدفع الآخرين إلى العكس أيضاً.
يقول الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي(1) قدس سره الشريف في كتابه منية المريد(2):
«واعلم أنّ المتلبّس بالعلم» أي طالب العلم الديني «منظور إليه» أي ينظر إليه الناس
«ومتأسّىً بفعله وقوله وهيئته» أي يُتخذ أسوة وقدوة «فإذا حسن سمته، وصلحت أحواله،
وتواضعت نفسه، وأخلص لله تعالى عمله، انتقلت أوصافه إلى غيره من الرعية، وفشا الخير
فيهم وانتظمت أحوالهم. ومتى لم يكن كذلك» أي لم يلتزم بالفضائل «كان الناس دونه في
المرتبة التـي هو عليها» أي أنّ الناس لا يلتزمون حينئذ حتى بالواجبات والمحرّمات،
«فكان مع فساد نفسه، منشأً لفساد النوع وخلله» خلافاً لعامّة الناس. «وناهيك بذلك
ذنباً وطرداً عن الحق وبعداً».
ثم يقول بعد ذلك:
«وقد قال بعض العارفين: إنّ عامّة الناس أبداً» أي دائماً «دون المتلبّس بالعلم
بمرتبة» أي: هم أدنى منه بدرجة.
«فإذا كان» طالب العلم «ورعاً تقيّاً صالحاً» أي ملتزماً بالفضائل فوق التزامه
بالواجبات والمحرمات «تلبّست العامّة بالمباحات، وإذا اشتغل بالمباح تلبّست العامّة
بالشبهات، فإن دخل في الشبهات تعلّق العامّي بالحرام، فإنْ تناولَ الحرام كفَر
العامّيُّ»(3).
إذاً لا ينبغي لطالب العلم أن يفعل المكروهات بدعوى أنّ كلَّ مكروه جائز، ولا يترك
المستحبّات بدعوى أنّ كلّ مستحبّ جائز الترك؛ لأنّ ذلك سيكون سبباً في تساهل
العاميّ حتى في الواجبات والمحرّمات.
أمّا إذا عمل طالب العلم بالفضائل ـ أي إنه ترَك المكروهات وأتى بالمستحبّات ولم
يتوقّف عند مستوى التقيّد بالواجبات والمحرّمات فقط ـ فهذا يوجب أن تكون العامّة
عدولاً، أي ملتزمين بالحدود الشرعية بأجمعها.
لا ينبغي لطالب العلم الديني أن يقول: إنّ حسن الخُلق جيّد ولكنه ليس بواجب فلماذا
ألتزم به؟ أو إنّ سوء الخُلق في حدود منه مكروه، فلماذا ألتزم بتركه؟ والصلاة في
أوّل الوقت فضيلة ولكنه ليس بواجب، فلا يخلّ بعدالتي لو تسامحتُ به، وهكذا...
متذرّعاً بالقول: «إنّ أتقى الناس مَن عمل بالواجبات».
فلو توقّف العالِم أو طالب العلم عند هذا الحدّ، فإنّ الوسط الذي يعيش فيه والأشخاص
الذين يشهدون سيرته لا يتوقّفون عند ذلك الحدّ، لأنهم دونه بدرجة، وليست تلك الدرجة
هنا إلاّ التورّط بالمعاصي وترك الواجبات؛ لأنّ العامّي إذا رأى قدوته يصلّي صلاة
الصبح قبيل طلوع الشمس بلحظات ـ مثلاً ـ فسيستهين هو بالواجب نفسه، وإذا رآه يفعل
مكروهاً، فإنّه سيتهاون بالحرام ولسان حاله يقول: هذا رجل عالِم أو سيّد فاضل وهو
يفعل كذا أو يترك كذا، فماذا يُنتظر مني؛ وأنا شخص عادي؟
أمّا لو تورّط المتلبّس بلباس أهل العلم بترك الواجب أو فعل المحرّم، كما لو قتل
إنساناً ظلماً أو اغتاب أو اتّهم مؤمناً، فإنّ عامّة الناس سيكفرون حينئذ.
إذاً على طالب العلم أن يولي الالتزام بالفضائل والأخلاق عناية خاصّة لأنّه كلّما
ارتفع مستواه فيهما ارتفع مستوى التزام الناس بهما بالتبع.
وهذا أحد الفروق التي تميّز الأخلاق عن سائر العلوم والفنون كالفقه والأصول
والبلاغة والفلسفة والخطابة وغيرها.
الفرق الآخر بين الأخلاق والعلوم الأخرى يكمن في صعوبته قياساً بها، فالرقيّ في
الأخلاق أصعب منه في العلوم الأخرى. فهو أصعب حتى من الفقه الذي يُعدّ من أصعب
العلوم؛ لسعة آفاقه وكثرة مسائله. ولذلك ترى الفقيه يتفرّغ خمسين سنة للفقه ومع ذلك
عندما تسأله عن بعض المسائل يقول لك يلزم أن أراجع. ونادراً ما تجد فقيهاً مجتهداً
بالفعل في جميع مسائل الفقه ـ أي يملك قوّة استنباط فعلية ـ بحيث عندما تعرض عليه
أيّة مسألة يتمكّن أن يخرجها حالاً.
لقد رأيت عدّة مجتهدين معروفين بالفقه طُرحت عليهم مسائل ولم يتردّدوا في قول «لا
أدري»، مع أنّ بعضهم قضى ثمانين سنة في الفقه، فكيف لا يدري وماذا كان يعمل طيلة
هذه المدّة؟
الجواب: إنّ الفقه واسع وعميق، ولذلك ترى الألوف من طلاب العلوم الدينية يبدأون
دراستهم مؤمّلين أن يصبحوا فقهاء مجتهدين متبحّرين، ولكن كلّما يتقدّمون في مسيرتهم
يجدون صعوبات وصعوبات، فيتناقص العدد المتّجه إلى هذا الهدف، فينحو أكثرهم نحو
التخصّص في مجالات أخرى كالخطابة أو التأليف أو التدريس، مثلاً.
فلو فرضنا أنّ الذين بدأوا بهذه النيّة كانوا ألفاً فإنّ مئة منهم سيتركون مواصلة
الدراسة بعد مرور سنتين، وهكذا يستمرّ العدد بالتناقص مع مرور السنوات حتى لا يبقى
من الألف الذين بدأوا دراستهم بهذه النيّة سوى عشرين أو ثلاثين شخصاً فقط.
قال لي شخص قضى عشرين سنة في الدراسة: لقد يئست من أن أكون مجتهداً، لأن كلّ مسألة
أواجهها أجد فيها صعوبة بالغة. فقلت له: لا تيأس.
إنّ من جملة ما جعل مرتبة الاجتهاد الفقهي صعبة المنال كون النتيجة فيه لا تحصل
بسرعة، قياساً بالفنون الأخرى، فإنّ الدراسة والتفرّغ والتركيز لمدّة سنتين قد تكفي
لأن يصبح الشخص الذكيّ خطيباً يرتقي المنبر ويستمع إليه الألوف من الناس.
وهكذا الحال بالنسبة لوكلاء المراجع. فمَن أراد أن يصير وكيلاً في منطقته أو
مدينته، يأتي إلى إحدى الحواضر العلمية كقم المشرّفة فيدرس خمس سنوات أو عشراً ـ
مثلاً ـ يتعلّم خلالها الرسالة العملية وشرائع الإسلام والعروة الوثقى وبعض
الأخلاقيات ويصبح رجلاً صالحاً ثم يعود إلى بلده بعد أن يعطيه أحد المراجع وكالة
عنه، وهكذا يحصل على نتيجة أتعابه بعد عشر سنين.
أمّا إذا أردت أن تصير فقيهاً فإنّ ذلك يتطلّب منك دراسة متواصلة لمدّة عشرين
وربّما ثلاثين سنة، لا لكي تلمس النتائج بل لتواجه المشاكل أوّلاً. وهذا يتطلب ـ
حقّاً ـ شخصاً لا طمع له في أيّ نفع أبداً، بل يثابر على الدرس ولا ييأس. ومن هنا
كان الاجتهاد في الفقه عملاً بالغ الصعوبة.
ولكن رغم ذلك تجد أنّ الأخلاق أصعب من الفقه لأنّ الأخلاق تعني تهذيب النفس
وبناءها، وقد قال بعض اهل الخبرة: من الصعب أن يصبح المرء مجتهداً ولكن من الأصعب
أن يصير إنساناً. وبعضهم قال: بل من المستحيل. ولا شكّ أنّ المقصود بالاستحالة هنا
ليس الاستحالة العقلية بل كون القضية بالغة الصعوبة.
إنّ الارتقاء في الأخلاق والفضائل أصعب من الاجتهاد في الفقه؛ وإنّ ثمرته ونتيجته
أبعد منالاً وأعسر حصولاً من الفقه. فلا يلمس المرء نتيجة سعيه إلاّ عندما يصبح ذا
قلب سليم وتصبح الأخلاق والفضائل ملكات لديه، عندها يشعر بلذّة الأخلاق والوصول إلى
مراتبها العالية، وعندها يعرف قيمة ترويض النفس ومخالفة الشهوات.
ولا تصبح الأخلاق ملَكة عند الشخص إلاّ بعد أن يحارب نفسه ويخالفها، ويستمرّ في
مخالفتها حتى تنمو عنده ملَكة حبّ الخير في كلّ أبعاده. فإذا حصل على الملَكة شعر
باللذّة وبدأ يلمس نتيجة أتعابه في مجال الأخلاق والفضائل. وهذا لا يحصل بصورة
سريعة بل هو بحاجة إلى وقت يستغرق عمر الفرد؛ لذلك أصبح الارتقاء في مدارج الأخلاق
صعباً بل أصعب من الاجتهاد في الفقه. وخير دليل على ذلك، ما نلمسه في الواقع
الخارجي، حين نرى أنّ عدد مَن بلغوا مرتبة الإنسان المتّزن أندر من عدد المجتهدين.
فالتحلّي بالأخلاق أمر صعب وروّاده قليلون. وإلاّ فمَن من الناس لا يحبّ أن يصبح ذا
فضائل، ولكن صعوبة الطريق وطول أمده في الوصول إلى النتيجة المرجوّة تصرفهم عن
الاستمرار في المواصلة، لأنّ الإنسان بطبعه يتعجّل النتائج.
ولا نقصد بصعوبة الأخلاق صعوبة تلقّي دروسها كمطالعة كتاب جامع السعادات أو إلقاء
المحاضرات الأخلاقية أو الاستماع إليها.. فهذه إنّما تمثّل علم الأخلاق، ولكنّ
المقصود صعوبة العمل.
كما لا يعني أن ينصرف المرء عن الأخلاق لصعوبتها، وإنّما يلزم أن يهتمّ بها أكثر،
لأنّ الطالب إذا استسهل الأخلاق وتهاون بها، لا يستطيع مواصلة المشوار؛ لما سيواجه
من صعوبات. فإنّنا ننبّه في البداية على الصعوبات وطول الطريق ليأخذ الطالب
استعداده ويشمّر عن ساعد الجدّ ويحسب للأمر حسابه؛ فإنّ نتيجة الأخلاق لا تظهر
سريعاً، ولذّة الإحساس بالسموّ الروحي لا تحصل إلاّ بعد عناء وصمود.
من الفوارق الأخرى بين الأخلاق والعلوم الأخرى أنّ الإنسان قد جُبل على حبّ
التشجيع، ويكفي به وازعاً لتقدّمه في مختلف مجالات الحياة، غير أنّ مَن يسلك طريق
الرقيّ في الأخلاق عليه أن لا يترقّب التشجيع من أحد، بل ليتوقّع التثبيط أيضاً.
فهذا حال المجتمع في الغالب.
فطالب العلم قد يعكف على مادّة درسه عدّة ساعات حتى يتقنها، ثم يأتي في اليوم
التالي ليجيب على أسئلة أستاذه، فيعرف الأستاذ حينها ومن خلال الإجابة أنّ هذا
الطالب قد طالع درسه بدقّة حتى استوعبه، فيشجّعه بالقول: أحسنت، اِستمرَّ على هذا
المنوال، وكلّما حصل لديك سؤال حاول أن تطرحه للمناقشة. وهكذا يستمرّ الطالب
بالتشجيع حتى يتفوّق، ثم يقوم بتدريس المادّة نفسها بعد أن يبلغ فيها المستوى
المطلوب.
أمّا في الأخلاق والالتزام بالفضائل فالأمر مختلف تماماً، لأنّ معظم الناس يثبّطون
المرء ولا يشجّعونه في الاستمرار. مثلاً، لو حدث شجار بينك وبين أحد أرحامك، وأردت
أن تضغط على نفسك لتصله، وقرّرت أن تزوره لتسدل الستار على ما حدث بينكما، فإنّ
معظم من يحيط بك قد لا يشجّعك بل يضع أمامك مختلف الأعذار والعراقيل.
• يُذكر أنّ أحد مراجع التقليد ابتلي بشخص كان يشتمه ويسيء الأدب في الكلام معه حتى
في المجالس العامّة، ويبدو أنّه كان من حاشيته. فاتّفق يوماً أن رأى المرجع وحيداً،
فانتهز الفرصة وشكا له الحاجة إلى المال، حينها لم يبخل عليه المرجع بل أغدق عليه
ولم يردّه، ولكنّ العجيب أنّ هذا الشخص لم يكفّ عن سوء أدبه مع المرجع والجرأة على
انتقاصه، بل أخذ يقول: إنّ فلاناً أعطاني المال ليسدّ فمي، وإنّ عطاءه هذا لم يكن
لله، وليته يعلم أنّ فمي لا يغلقه المال!
وعندما بلغ الخبرُ بعض أصحاب ذلك المرجع، تأثّروا كثيراً وعقدوا العزم في انتداب
أحدهم ليكلّم المرجع.
وبالفعل توجّه المنتدَب إلى المرجع وسأله إن كان قد أعطى فلاناً مالاً؟!
فقال: ولِمَ؟ وما الذي حدث؟
عندها قال الشخص: أتعلمون سماحتكم أنّه كان يشتمكم؟
قال: نعم.
قال: وتدرون أنّه لا يزال يشتمكم ويدّعي أنّكم لم تعطوه المال قربةً لله بل ثمناً
لسكوته أو رياءً؟
وأضاف مسترسلاً: هب أنّا لا نقول أنّك عالِم دينيّ ومرجع تقليد، أفلا نقول أنّك رجل
مؤمن؟ أفيصحّ تشجيع مَن يسبّ مؤمناً؟ ألا يعدّ إعطاؤكم المال لذلك الشخص تشجيعاً
له؟! أليس في عملكم هذا اغواء له على إهانة العلماء وتشجيع للآخرين لكي يحذوا حذوه،
فتستمرّ هذه الطريقة حتى بعد وفاتكم؟ و… و…
وهنا رفع المرجع رأسه وقال: أنا أسألك عن شيء: هل هذا الرجل متزوّج؟
أجاب: نعم، وله أولاد.
قال المرجع: وكيف وضعه المادّي؛ أهو فقير أم غنيّ؟
قال: بل فقير، لا يملك داراً، بل هو مستأجر لها.
فقال المرجع: لنفرض أنّه ارتكب حراماً إذ شتمني، ولكن ما ذنب زوجته وأطفاله إذا كان
سيعود إليهم في المساء ولا مال عنده يقوتهم به؟!
• ثَمّ مثال آخر: لماذا نرى عدد طلاب العلوم الدينية قليلاً جداً بالقياس لعدد
طلاّب العلوم الحديثة؟ هل لأنّ الأمّة في غنى عن المرشدين وأنّ الحاجة إليهم أقلّ
من العدد الموجود؟!
إنّ السبب هو أنّ التشجيع نحو طلب العلم الديني أقلّ من التشجيع نحو طلب العلوم
الحديثة. فلو أراد أب إرسال ولده الى الحوزة لتلقّي العلوم الدينية فإنّ أغلب أفراد
العائلة والأقارب سيعارضون أو يبدون عدم ارتياحهم، وربما نجحوا في ثنيه عن قراره،
ولكن لو انصرف الابن إلى التحصيل في المدارس الحديثة وأراد أن يتعلّم إحدى المهن ـ
مثلاً ـ فإنّ جلّ أفراد العائلة والأقرباء يشجّعونه ويقولون: إنّ من الضروري له ذلك
لكي يتخرّج مهندساً أو طبيباً وما أشبه. وهذا يدلّ على أنّ التشجيع نحو المدارس
الحديثة موجود، خلافاً للمدارس الدينية حيث تنتظر التثبيط أكثر من التشجيع! ناهيك
عن الضمان الاجتماعي الذي تمنحه الدولة لموظّفيها، بينما هذا القدر غير متوفّر
لطالب العلم.
وهكذا هو واقع الحال بالنسبة للأمور الأخلاقية. فلو نوى الإنسان أن يصبر أو يصدق في
الحديث أو يفي بالوعد في الموارد التي تتزاحم مع مصالحه الشخصية، أو تتعارض مع
أهواء الناس وميولهم غير المشروعة، فإنّ معظمهم يحاولون ثنيه؛ ولذلك يحتاج الالتزام
بالأخلاق والفضائل والرقيّ فيهما إلى تقوى وصبر وصمود وتركيز ومثابرة.
فرق آخر بين الأخلاق وغيره هو مزاحمة الشبهات وانقلاب كثير من الفضائل رذائل، وهذا
ما يستغلّه المثبّطون عادة للتمويه على من يريد التحلّي بإحدى الفضائل إلى. فمثلاً
الصبر فضيلة ولكن قد يُقلب إلى ذلّ، والذلّ رذيلة. فإذا عزم المرء على الصبر في
موقف ما وكان صحيحاً وفي موضعه، قد يجد من يقول له: صحيحٌ أنّ الصبر حسنٌ ولكن هذا
ليس موضعه، بل هذا ذلّ منك، وربّما ذكر له الحديث المرويّ عن الإمام الصادق سلام
الله عليه: «إن الله عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يفوّض إليه أن يكون
ذليلاً»(4). حقّاً هذا هو الفخّ الذي هلك فيه خلق كثير.
مثال آخر: الكرم خلق محمود. ولكن ما أكثر الحالات التي يقوم المرء فيها بعمل كريم
وفي موضعه، ولكن يرى كثيرين يصوّرونه له من الإسراف والتبذير الممقوت.
أتذكّر أن أحد الإخوان أهدى دورة من كتاب بحار الأنوار إلى مكتبة عامّة في كربلاء
المقدسة، ولم تكن الدورة مطبوعة بالكامل يومذاك بل لم تبلغ مجموع الأجزاء الصادرة
عشرين جزءاً، ولم تزد قيمتها على عشرة دنانير، وكان الراتب الشهري للطالب يومذاك
ديناراً واحداً، فكان ذلك الأخ يوفّر بعض راتبه لشراء الكتب ومنها اشترى هذه
الأجزاء التي أهداها للمكتبة. فانبرى شخص من أهل العلم موجّهاً الى الشخصَ المُهدي
تأنيباً شديداً قائلاً له: أتزعم أنّك قمت بعمل جيّد؟ وهل هذا مطلوب منك؟ من
المفترض أن تتعلّم موضع الكرم أوّلاً...! واستمرّ في تقريعه كأنّه ارتكب إثماً.
وهكذا الحال لو أراد الإنسان الإيثار أو التحلّي بأيّ من الأخلاق الحميدة، ربّما لا
يدَعه مَن حوله حتى يشتبه عليه الأمر.
وهذا الفرق يختلف عن السابق لأنّه كان تثبيطاً مجرّداً، أمّا هذا فتمويه أيضاً.
وهنا يكمن منشأ كثير من البدع الموجودة، وما نشهده من صراعات بين المؤمنين، فهل
تظنّون أنّ أطراف الصراعات كلّهم يدركون نتائج عملهم، ويعلمون أنّه عصيان؟! كلاّ،
بل كثير منهم يزيَّن له أسلوبه ويتصوّر أنّه على حقّ.
قيل: إنّ شخصاً كان يقول: أنا أتجاوز عن كلّ من يغتابني إلاّ الذي يفسّقني أوّلاً
ثم يغتابني، فإنّي لا أتجاوز عنه.
فبعض الناس لو قلت له: لماذا تغتاب، أجابك: ماذا نفعل وقد اعتدنا على ذلك، ثم
يستغفر الله تعالى. ولكن بعضاً آخر قد يدّعي أنّ هذا من مستثنيات الغيبة، وأنّ
الشخص الذي يغتابه فاسق متجاهر بالفسق وأنّه من الذين تجوز غيبتهم ليحذّر الناس
منه، أو يصوّر لك الرجل الذي يغتابه مبتدعاً ـ من دون قرينة أو دليل ـ وقد يأتيك
بحديث «باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلّموا من
بدعهم»(5), ليدعم به غيبته.
هذه بعض الفوارق بين علم الأخلاق وبين العلوم الأخرى، ولكي نجنّب أنفسنا من الوقوع
في الشبهات نحتاج مع السعي الى قسط وافر من التوسل إلى الله تعالى والاستمداد منه.
لأننا من دون عون الله تعالى وحفظه وعصمته، لا نستطيع أن نعمل شيئاً ولا أن نصل إلى
نتيجة.
وينبغي أيضاً أن نركّز على الأخلاق حتى نصبح كذي الفنّ الواحد، لنحصل على ملَكة
الفضائل، والقلب السليم، فإنّه الاستثناء الوحيد النافع في الآية المباركة: ﴿يَوْمَ
لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(6).
فبهذا القلب السليم نستطيع تخطّي تثبيط الناس وتمويه النفس الأمّارة بالسوء.
فمتى أيقنّا أنّ طريق الأخلاق صعب وشائك وأنّه بحاجة إلى صبر واستمداد من الله قبل
ذلك كلّه، وأنّ علينا أن نحذر الانزلاق دوماً، فلنعلم حينئذ أنّنا قد بدأنا بسلوك
الطريق، وأنّنا سوف نصل بالتوكل على الله تعالى إلى الغاية المتوخّاة من بعثة
الرسول الأعظم، فلقد قال صلى الله عليه وآله: «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم
الأخلاق»(7).