الفصل الأول: المحاضرات
:. المقدّمة
:. 1. العلم والأخلاق
:. 2. العلم نور
:. 3. العلم النافع
:. 4. الفرق بين الأخلاق والعلوم الأخرى
:. 5. بالعمل يكون التأثير للقول
:. 6. تذليل الصّعاب في طلب العلم
:. 7. التبليغ
:. 8. الإنفاق وتربية النفس
:. 9. في التعامل مع الناس
:. 10. المداراة من طرق هداية الناس
:. 11. الحرص والكفاف
:. 12. قيمة السكوت
:. 13. الترويض والهداية وجمال التعبير
:. 14. مسؤولية العلماء في عصر الغيبة
:. 15. الإخلاص شرط القبول
:. 16. الاخلاص وآثاره
:. 17. ثمن الجنة
:. 18. حبّ الذمّ وكراهة المدح
:. 19. النظر إلى ملكوت الله
:. 20. الابتعاد عن هوى النفس
الفصل الثاني: الوصايا
:. 1. الاقتداء والاعتبار
:. 2. تعلّم محاربة «الأنا» من العلماء
:. 3. العلماء وإقامة الدين
:. 4. لنتعلم من ورع العلماء
:. 5. التأسي برسول الله في صموده وأخلاقه
:. 6. طلب العلم فريضة
:. 7. كيف نحظى برعاية صاحب الزمان؟
:. 8. ليكن يومنا خيراً من أمسنا
:. 9. التأسي بالصديقة الزهراء
:. 10. السعي في قضاء حوائج الناس
:. 11. الأجر على قدر المشقّة
:. 12. هكذا تطول الأعمار
:. 13. منهل السعادة
:. 14. سرّ النجاح
:. 15. العمل من أجل إيجاد مجتمع مؤمن
:. 16. شروط الرقيّ
:. 17. من سمات الأولياء
:. 18. مسؤولية العلماء
:. 19. شهر رمضان فرصة للتزكية والهداية
:. 20. شهر رمضان وتعميم الثقافة القرآنية
:. 21. الدعاء مفتاح لحلّ المشكلات
:. 22. هكذا تحبط الصدقات
:. 23. هنا تكمن السعادة
:. 24. التبليغ والمنبر الحسيني
:. 25. حسِن الخلق يحوز خير الدارين
:. 26. الثقافة هي الاساس
:. 27. التبليغ رسالة العلماء
:. 28. نشر مبادئ أهل البيت
:. 29. وصايا عامّة للمبلّغين
:. 30. وصايا عاشورائية لعامّة المؤمنين
ورد في الحديث الشريف: «ليس العلم بالتعلّم وإنّما هو نور يقع في قلب مَن يريد الله أن يهديه»(1).
يتناسب حظّ الإنسان طردياً في الوصول إلى غاياته مع ما يبذله من جهد غالباً؛
فالساعي وراء المال يحصل على كمّية مضاعفة لو ضاعف من ساعات عمله، وهكذا الحال في
الأمور المعنوية، فإنّ مَن يتعب نفسه أكثر في سبيل العلم والمعرفة فإنّ نصيبه يكون
أكبر في ذلك السبيل.
غير أنّ الفارق بينهما، أنّ الأمور المعنوية يعتبر فيها الكيف أهمّ من الكمّ. فلو
أراد شخص مثلاً أن يكون محبوباً لدى شخص آخر، وصار يطيل الجلوس عنده؛ طمعاً في لفت
انتباهه ليقرّبه إليه، فإنه ربّما يواجه بردّ فعل معاكس من قبل ذلك الشخص؛ وقد يثير
بذلك نفوره منه فيزداد بذلك بعداً عنه. وربما لو جلس مدّة أقصر، لكان أفضل؛ ما يعني
أنّ الأمور المعنوية يكون المقياس الأهمّ فيها هو الكيفيّة لا التعب والكمّ.
لا شكّ أنّ على طلاّب العلوم الدينية أن يجدّوا ويجتهدوا ويتعبوا أنفسهم ويفرغوا
طاقاتهم في سبيل العلم، حتى قيل: إنّ لسان حال العلم لطالب العلم هو: «أعطني كلّك
أُعطك جزئي» ولكن حيث إنّ المطلوب هو العلم النافع (وهو العلم الذي ينتفع منه طالبه
كما ينتفع منه غيره، في الدنيا والآخرة) لذا صار لا يقاس بالتعب وكثرة التعليم وإن
كانا مطلوبين أيضاً.
الشيخ محمد شريف المازندراني الملقّب بشريف العلماء هو أحد علمائنا الأجلاّء، عاش
قبل قرن ونصف، وقيل إنّه هو أوّل مَن أسّس أو روّج درس «بحث الخارج»(2) في الحوزات
العلمية، بالنحو الذي نعهده اليوم، حيث يبحث الأستاذ المجتهد في القرآن الكريم
والتفاسير وكتب الأحاديث والدراية وأصول الفقه وكتب الرجال وغيرها، كما يستعرض
أقوال الفقهاء المختلفة ثم ينقل ما وصل إليه بحثه الفقهي إلى الطلاب الذين يحضرون
درسه.
وممّا يزيد في مقام هذا الرجل أنّه بلغ مرتبة عالية في العلم وهو في عمر الشباب،
فلم يعمّر أكثر من خمس وثلاثين سنة، ومع ذلك كان يحضر درسه نحو ألف مجتهد، وربى
تلاميذ فطاحل يكفي أن نعرف أنّ من بينهم الشيخ مرتضى الأنصاري رضوان الله عليه الذي
ما زالت الدراسات الحوزوية في الفقه والأصول تدور على كتبه.
وكان من تلاميذه أيضاً عالِم آخر زميل للشيخ الأنصاري وبمستواه العلمي ـ على
التقريب، ولا أريد أن أذكر اسمه لأنّ به مدار الاعتبار في هذه القصّة ـ قد بلغ في
العلم والتحقيق درجة بحيث استطاع أن يستخرج من رواية واحدة سبعمئة قاعدة في الفقه
والأصول.
قد يُتعِب العلماء أنفسهم ويأتون لاستدلالهم بطائفة من الآيات القرآنية والأحاديث
والروايات مع مناقشة جادّة لأقوال الفقهاء حتى يستخرجوا قاعدة واحدة من القواعد
الفقهية أو الأصولية كأصل الاستصحاب، أو أصل الصحّة، أو قاعدة التجاوز أو قاعدة
الفراغ، أو البراءة أو غير ذلك؛ في حين إنّ هذا الرجل استطاع أن يستنبط من رواية
واحدة ـ حسب ما جاء في حالاته ـ سبعمئة قاعدة فقهية وليس قاعدة واحدة وحسب.
أمّا الرواية التي استنبط منها سبعمئة قاعدة فهي المنقولة عن الإمام الباقر عليه
السلام من قوله: «رأى رسول الله صلى الله عليه وآله نخامة في المسجد فمشى إليها
بعرجون من عراجين ابن طاب فحكّها ثم رجع القهقرى فبنـى على صلاته»(3). ولقد نظم
السيّد بحر العلوم(4) قدس سره إجمال ما يُستفاد من هذه الرواية في منظومته الفقهية وقد
جاء فيها:
|
ومشيُ خير الخلق بابنِ طاب |
يُـفتح منـه أكـثـر الأبـواب(5) |
أي: إنّه يمكن الاستفادة من هذه الرواية عدّة أمور؛ منها مثلاً أنّه يجوز للمصلّي
أن يمشي وهو في حال الصلاة، ومنها أنّه يجوز له أن ينحني ـ لا بقصد الركوع ـ لحمل
شيء أو وضع شيء وتبقى صلاته صحيحة، وهكذا.
والذي يُذكر أنّه أخذ هذا المعنى من حديث الإمام الصادق عليه السلام في قوله: «وهذا
يفتح من الصلاة أبواباً كثيرة»(6)، كما أخذه هذا العالم أيضاً وتوسّع فيه وتعمّق
زماناً حتى استخرج منه سبعمئة قاعدة في الفقه والأصول، فهل يُشكّ في علميّته بعد
ذلك؟!
إنّنا لم نسمع مثل هذا التعمّق حتى عن الشيخ الأنصاري مع أنّهما كانا زميلين يحضران
درس أستاذ واحد في وقت واحد ويجلسان معاً تحت منبر واحد. ولكن العجيب أنّ علم هذا
العالِم فُقد بينما علوم الشيخ الأنصاري ملأت الحوزات العلمية يتلقّاها الطلاّب
جيلاً بعد جيل.
وهنا محلّ الاعتبار. فأين التعب الذي تعبه ذلك العالِم؟ ولماذا لم يعُد له عين ولا
أثر. أنا شخصياً عندما قرأت ذلك في سيرة حياته بحثت كثيراً لعلّي أعثر على كتابه أو
إفاداته ولكن دون جدوى!
أمّا الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه فحتى الكرّاس الصغير الذي كتبه في العدالة، قد
لا تجد فقيهاً لا يشير إليه عند بحثه في باب العدالة رغم صغر حجمه ومرور أكثر من
مئة سنة عليه، ولكن بقي مع ذلك مصدراً يشار إليه، بينما ذهب علم ذلك العالِم
بذهابه! مع أنّه كان عبقرياً في فكره، وما أصعب أن يُستنبط من الحديث المذكور آنفاً
سبعمئة مسألة؛ فكيف بسبعمئة قاعدة، ولم يبلغنا أنّ أحداً من العلماء الكبار الذين
نقلوا هذا الحديث إلينا منذ ألف سنة ـ كالشيخ المفيد والشيخ الكليني والشيخ الطوسي
والعلاّمة الحلّي والمحقّق الحلّي والعلاّمة المجلسي رضوان الله عليهم أجمعين ـ
استنبط منه سبعمئة قاعدة.
فلماذا إذاً لم يبق علم هذا العالم وذهبت أتعابه دون أن تصل إلينا؟ إذا أردتم أن
تعرفوا الجواب فسأذكر لكم قصّة أخرى عنه ذُكرت في سيرته أيضاً ولعلّها السبب في
الحيلولة دون وصول علومه للأجيال التي تلته.
ممّا يروى في أحوال شريف العلماء رضوان الله عليه أنّه كان يستغلّ كلّ أوقاته في
مجال العلم، حتى أوقات سفره لم تكن ترفيهية محضة، بل كان إذا أراد السفر أخبر
تلاميذه ليرافقه جماعة منهم لكي يستثمروا الزمن الذي يقطعونه في السفر بالبحث
والنقاش العلمي المثمر.
وفي إحدى سفراته لزيارة الإمامين العسكريين سلام الله عليهما ومقام الحجّة المنتظر
عجّل الله تعالى فرجه الشريف في مدينة سامراء المشرّفة ـ مروراً بالإمامين الكاظمين
سلام الله عليهما في بغداد ـ اكترى تلاميذه الدوابّ والخيام وأخذوا معهم الغذاء
والماء استعداداً للسفر، وتحرّكوا في مجمع علميّ ـ أو قل مدرسة متنقّلة ـ من كربلاء
المقدّسة(7) إلى الكاظمية ومنها إلى سامرّاء المشرّفتين. وكانوا كلّما نصبوا في الطريق
خيامهم للاستراحة وتناول الغذاء وما أشبه، طرح شريف العلماء بحثاً بينهم للمناقشة.
يقول الراوي: عندما خيّموا في إحدى المناطق على طريق سامرّاء ـ وكانت الخيام قد
بلغت العشرات ـ كان كلّ جماعة في خيمة، يستفيدون من وقت استراحتهم في النقاش
العلمي، وبينما هم كذلك إذ احتدم النقاش بين صاحب السبعمئة استنباط قاعدة من رواية
واحدة وبين تلميذ آخر من تلاميذ شريف العلماء، ولكن النقاش خرج عن السياق العلمي
وتحوّل إلى صراخ فسباب فعراك، حتى اضطرّ أن يفرّ محاوره من خيمته ليلوذ بخيمة
أستاذهما شريف العلماء، لكن صاحبنا (العالِم!) حمل عليه بالسكّين حيث ملاذه مما حدا
بالأستاذ أن ينهره ويردعه عن سوء فعله، حتى خجل ورجع!
ربما لمثل هذا السبب وغيره لم تعد قواعد هذا العالم وعلومه موجودة، أمّا آثار الشيخ
الأنصاري فقد بقيت متلألئة دون أن تبلى؟!
إذا أردتم أن تزدادوا معرفة بالأسباب التي ميّزت الشيخ الأنصاري قدس سره عن غيره،
فانظروا إلى عباراته في ردوده على مَن لا يتّفق معه في الرأي ـ كما تظهر في كتبه ـ
وقارنوها بعبارات الردود الأخرى التي تلاحظونها عند غيره، سواء في ذلك علماء الفقه
والأصول أو سائر العلوم.
إنّ الشيخ رضوان الله عليه يردّ بأدب بالغ وتواضع جمّ، فتراه رغم قناعته التامّة
بصواب رأيه وخطأ رأي المقابل، إلاّ أنّه لا يستخدم ألفاظاً من قبيل: «خطأ» أو
«اشتباه» أو «سوء فهم» أو «قبيح» أو ما أشبه بل يستعمل عبارات من قبيل: «هذا ما
أفهمه»، أو «يرِد عليه كذا». إلى غير ذلك من الألفاظ الحسنة.
حدّثني أحد العلماء المعاصرين، قال: كنت في شبابي أحضر درس الأستاذ الفلاني ـ
وسمّاه ـ لكنّي بعد مدّة انقطعتُ عن الحضور، ثم لقيني الأستاذ ذات مرّة وسألني عن
سبب غيبتي، فقلت له: شبهة حصلت عندي. قال: وما هي؟ قلت: لأنّكم عندما تناقشون الرأي
المخالف لرأيكم تناقشونه بأسلوب يترك لدى السامع انطباعاً أنّ صاحب ذلك الرأي ليس
عالِماً أصلاً! أي يخلق تشكيكاً بعلميّته؛ حتى لو كان الشيخ الطوسي أو الشيخ المفيد
أو العلاّمة الحلّي أو الشيخ الأنصاري. فخشيت أن يتزلزل اعتقادي بعلم كلّ العلماء
جرّاء ذلك، ولذلك تركت الحضور عندك!
ثم أضاف ـ ذلك العالم الذي حدّثني بهذه القضية ـ قائلاً: كنّا نحضر درس آية الله
البروجردي رضوان الله عليه، فكان إذا أراد أن يردّ علَماً قال: لا أدري هل هذا ما
يقصده الشيخ الفلاني ـ مثلاً ـ من عبارته؟ أو: لعلّي غير ملتفت لأبعاد رأيه..
وهكذا. فكان يعظّمه في نظرنا أوّلاً ثم يبيّن لنا رأيه المخالف بعبارات من قبيل:
يبدو لي كذا، أو أرى أنّ الصحيح كذا، والعلم عند الله. فكنّا ننفضّ من مجلس آية
الله البروجردي معتقدين بصواب رأيه، دون أن تتزعزع في أنظارنا المكانة العلمية
للعلماء الآخرين.
فعلى طالب العلم أن يتعب نفسه قدر الإمكان في سبيل الدراسة، ولا يكون كسولاً أو
خاملاً بل يعبّئ كلّ طاقاته كما ينبغي، ويسأل الله أن ينظر إليه بعين رعايته، فمن
دون هذه النظرة لا فائدة من كثرة التعلّم. ولا نريد بقولنا هذا ترك الدراسة، بل أنّ
الدراسة وحدها غير كافية وإنّما هي إحدى الأعمدة لرقيّ الإنسان، مادام يصحبها
بمكارم الأخلاق.
السيّد علي الشوشتري من تلاميذ الشيخ الأنصاري، وكان له في كلّ أسبوع يوم يلقي فيه
درسَ أخلاق، فكان الشيخ الأنصاري يحضر درسه الأخلاقي! فما أعظم تواضع الشيخ! ابحثوا
في كلّ كتب السير والتراجم، هل تجدون مثل هذا الأدب الذي وصل بصاحبه إلى نكران
الذات؟ ولو وُجدت حالة مشابهة، فتظلّ مع ذلك من الحالات النادرة؛ فعلى الرغم من أنّ
الشيخ الأنصاري كان مرجعاً عامّاً للشيعة، ومع ذلك كان يحضر درس الأخلاق لدى تلميذه
السيّد الشوشتري، ممّا يدلّ على أنّه قد وضع «الأنا» جانباً، الأمر الذي نفهم من
خلاله أنّ الشيخ الأنصاري لم يكن ليُعرف بالشيخ الأعظم اعتباطاً، ولا صار كذلك
بعلمه فقط، بل بالتسديد الذي يكون لأمثاله من الملأ الأعلى، نتيجة لما روّض عليه
نفسه.
كما ينقل التاريخ أنّه حلّ وباء حينذاك بمدينة النجف الأشرف، وكان مَن يُبتلى به
يموت عادة، وكان السيّد الشوشتري واحداً من الذين أصابهم الوباء، فأعجزه عن حضور
درسه الأخلاقي، وبعد أن أنهى الشيخ الأنصاري درسه في أحد الأيام قيل له: إنّ السيد
علي الشوشتري قد ابتلي بالوباء، فعزم مع بعض تلاميذه على زيارته وعيادته. وعندما
استقرّ بهم المقام عند السيّد الشوشتري ـ وكان أستاذاً أخلاقياً ألزم الشيخ
الأنصاري نفسه بحضور درسه مع أنّه كان أستاذه في الفقه ومرجع عصره، كما ذكرنا ـ
التفت السيّد الشوشتري للشيخ الأنصاري وقال له: إنّي ميّت اليوم أو غداً ولي عندك
رجاء وطلب، وهو أن تتولّى أنت الصلاة على جنازتي إذا أنا متُّ.
فحاول الشيخ أن يطمْئنَ السيد ويطيّب خاطره قائلاً له: لا تقل ذلك، ستشفى إن شاء
الله وتعود للدرس فنحضر درسك ثانية.
ولكن السيّد عاد في طلبه قائلاً: لا تبتعد عن الموضوع، إنّ هذه وصيّتي لك وأطلب منك
تنفيذها.
لم يقبل الشيخ الأنصاري بالوصية وظلّ يتعلّل، ويؤمّله ويدعو له ويقول ملاطفاً: ليس
كلّ مَن يُبتلى بالوباء يموت حتماً. ولكن السيّد الشوشتري رغم ذلك كان يصرّ على
الشيخ ولم يتخلّ عن طلبه.
حقّاً عندما ينظر المرء إلى هذين العظيمين ثم ينظر إلى نفسه، يدرك السرّ في لطف
الله بهما وإفاضته ما أفاض عليهما.
لقد كان الشيخ الأنصاري يصلّي ـ في العادة ـ على الأموات، فما الذي يمنعه من
استجابة طلب السيد الشوشتري؟
عندما أصرّ السيد الشوشتري، قال الشيخ الأنصاري في جوابه: لقد سألتُ الله تعالى أن
تكون أنت الذي تصلّي على جنازتي، واستجاب الله دعائي!
لا غرابة في دعاء الشيخ الأنصاري سائلاً من الله تعالى ما سأل، فهذا أمر مفهوم
بالنسبة لنا، ولكن المثير للتأمّل هو قوله: «واستجاب الله دعائي»؛ فكيف عرف ذلك؟
من الواضح أنّ هذا لا يحصل بالتعب وحده وصرف المزيد من الوقت، ولا يأتي نتيجة
الدراسة وحدها مهما بلغت، بقدر ما يأتي عبر اقتلاع صفة الـ «أنا» من النفس وأن
يحاول الإنسان إصلاح نيّته، لا أن يكون باعثُه الحقيقي من العمل والسعي أن يُنشر
اسمه في الأرجاء أو تتناقله الألسن، أو تُجبى إليه الأموال أو تُقبَّل يداه أو يقوم
له الناس في حلّه وترحاله، بل إن خطر إلى ذهنه شيء من ذلك القبيل أنَّب نفسه وعاد
إلى ربّه.
قد ينجح الإنسان في غشّ من لم يعرف نواياه وما يدور في ذهنه، ولكن هيهات أن يغشَّ
من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور(8).
وإذا كنّا نتعامل فيما بيننا حسب قناعتنا الشخصية فلا نساوي بين مَن يخلص إلينا
ومَن يغشّنا، فلماذا نعترض على الله تعالى أن يعاملنا كذلك؟!
فمثلاً: لو أقسم لك شخصٌ قائلاً: إنّي مخلص لك. ولكنّك لم تكن مقتنعاً بصدقه؛ لما
ترى من سلوكه أو ما خبرته من نواياه، فهل ستعامله معاملة مَن تعتقد إخلاصه؟ كلاّ
بالطبع، بل ربّما تتظاهر معه وتجامله وتعامله بالمثل، ولكنّك في اللحظات المصيرية
والمواقف الحسّاسة سوف تعامله حسب قناعتك، فإن كنت شاكّاً به، فإنّك لا تودعه
أسرارك، ولو سألك عن السبب، فستحوّل مجرى الكلام، وقد تخبره أنّك لا تثق به.
فإذا كانت هذه موازيننا في تعامل بعضنا مع بعض ونرى أنّها حقّ، فلماذا نعترض على
الله في الحقّ نفسه، ونتوقّع أن يعاملنا معاملة المخلِصين، ونحن لم نخلص له في
نوايانا؟! لا شكّ أنّ الله سبحانه لا يساوي بين المخلص وغيره، فهل يحقّ أن يستوي
عنده سبحانه مَن يعمل وهدفه منافع دنيوية ـ أعمّ من أن تكون مالاً أو شهرة وسمعة أو
شيئاً آخرـ ومَن يكون عمله خالصاً لله وحده، ولا يفكّر في سواه؟
وقد يُسأل: إذا كان العلم نوراً ـ كما ورد في الأحاديث(9) ـ فلماذا لا يقذفه الله في
قلوب العباد كافّة، مع أنّ الله سبحانه وتعالى لا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً
وكرماً. ويداه مبسوطتان؟ إنّ أيّاً منا إذا أنفق، نقص منه شيء لا محالة، حتى لو
أنّه بذل نصف ساعة من الوقت في تدريس أو محاضرة فإنّ ذلك يعني نقصان نصف ساعة من
عمره، وكذا لو أعطى مالاً مهما قلّ فإنّه يعني نقصان أمواله بذلك المقدار، أمّا
الله سبحانه وتعالى فلا ينقص من ملكه شيء مهما أعطى. إذاً لماذا لا يقذف نور العلم
في قلوب كلّ عباده؟
الجواب: لأنّ «الناقد بصير»(10) أي الذي يتولّى النقد يميّز بين المخلص وغيره، فيعطي
مَن يخلص له ما لا يعطي غيره.
و«بصير» صيغة مبالغة لأنّه على وزن «فعيل» كما في ألفية ابن مالك:
|
فعال أو مفعال أو فعول |
في كثرة عن فاعل بديل |
|
فيستحقّ ما له من عمل |
وفي فعيل قلّ ذا وفـعل(11) |
فكيف نغفل عن هذه الحقائق ونتصوّر أنّا نخلص عندما نتظاهر بأنّ أعمالنا لله، مع
أنّنا نخدع أنفسنا في الواقع ولم نعمل لله؟!
ومن هنا نستطيع أن نفهم السرّ الذي انتشرت به كتب الشيخ الأنصاري، وبقي اسمه، وكذلك
سرّ ما قاله للسيد الشوشتري: إنّ الله استجاب دعائي، والكيفية التي أدرك بواسطتها
أنّ الله قد استجاب دعاءه.
وبالفعل قد وقع ما قاله الشيخ الأنصاري، فقد شفى الله السيّد الشوشتري وتحسّنت
حالته واستأنف الدرس والتدريس، فحضر الشيخ الأنصاري محاضراته الأخلاقية، واستمرّ هو
يدرس عند الشيخ الأنصاري إلى أن توفّي الشيخ بعد مدّة وصلّى السيّد على جنازته، كما
أخبر الشيخ قدس سره.
فهل لله تعالى صداقة تربطه مع بعض عباده كالشيخ الأنصاري ليميّزه هكذا اعتباطاً؟ أم
أنّ الأنصاري ـ وهذا هو الصحيح ـ أخلص لله تعالى فكافأه الله كذلك؟ إنّ الشيخ
الأنصاري عرف الطريق المؤدّي إلى الله تعالى وسلكه، وهو طريق الإخلاص المقترن
بنكران الذات والتخلّي عن الأنا وتوابعها.
وكلّ مَن أراد أن يصل إلى ما وصل إليه الشيخ الأنصاري عليه أن يسلك الطريق نفسه،
فكما أنّ مَن يريد كسب المال ينظر إلى الناجحين في هذا المضمار فيذهب إلى السوق
ويبيع ويشتري ويتعب نفسه حتى يصل إلى مقصوده، أو مَن يريد أن يكون مدرّساً ناجحاً
أو طبيباً حاذقاً أو خطيباً مفوّهاً وهكذا في كلّ شؤون الحياة عليه أن يقتفي أثر
الناجحين في ذلك المضمار ويسلك طريقهم لكي يصل إلى ما وصلوا إليه، فكذلك هو الحال
من يريد أن يكون مستجاب الدعوة وموقناً بالإجابة، فليحذُ حذو الشيخ الأنصاري بعد أن
يقرأ سيرته ويطبّقها على نفسه، فلقد كان رحمه الله النموذج الناجح في هذا المجال.
وحياة الشيخ الأنصاري ـ كما تظهر لمن تتبعها ـ فيها بندان:
البند الأوّل: العلم.
البند الثاني: الصدق مع الله، المتمثّل بصدق الفطرة وصدق الوجدان وصدق القلب وصدق
النية.
فما أدرانا ـ والله العالم ـ بعدد الدعوات التي دعا بها الشيخ الأنصاري وعلِمَ من
الله استجابتها، ولكنّ الشيخ الأنصاري لم يصرّح بها، بل لولا اضطراره في المورد
المذكور آنفاً لما ذكر ذلك أيضاً، ولكن إصرار السيد الشوشتري وهو في حالة خاصّة
ألجأت الشيخ الأنصاري للتصريح بهذه الحقيقة.
أمّا لماذا لم يخبر الله عامّة الناس في حال استجابته دعوتهم كما أخبر الشيخ
الأنصاري؟ فلعلّه لو كان الشخص يعلم عن طريق الغيب بحادثة ستقع في المستقبل لما
استطاع الكتمان بل من المرجّح أنّه كان سيجعل من الأمر سوقاً رائجة لنفسه، فلا يدَع
أحداً إلاّ وأخبره، طمعاً في اشتهاره بين الناس، بينما الأمر عند الشيخ الأنصاري
سيّان، فلم يكترث سواء عرفه الناس أو لم يعرفوه، فلا تزيده معرفة مَن لم يعرفه
عزّة، ولا جهل مَن جهله وحشة.
فلا شكّ أنّ البند الثاني من حياة الشيخ الأنصاري ـ والذي عليه المعوّل ـ هو ذاك
الذي ضيّعهُ زميله ذو السبعمئة قاعدة؛ فضيّع بإضاعته كلّ أتعابه وآثاره، بينما بقيت
آثار الشيخ الأنصاري بحيث لا تجد كتاباً في الفقه والأصول إلاّ وفيه ذكر للشيخ
الأنصاري، ولا تحضر درس الخارج في الفقه والأصول لدى أيّ أستاذ إلاّ وتسمع فيه اسم
الشيخ الأنصاري يُذكر مجللاً.
إنّ للفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة والمنطق والفلسفة وغيرها من العلوم،
كتباً خاصّة، أمّا الصدق مع الله سبحانه فلا يدرَّس في الكتب، وإنّما يتلخّص في شيء
واحد، وهو التخلّص من عقدة الـ «أنا» وهذا أمر لا يخلو من صعوبة ولكنه في الوقت
نفسه ممكن تطبيقه، ولا يعني ذلك أن تذلّ نفسك عند هذا أو ذاك، بل المطلوب أن تُشعر
قلبك أنّك محتاج إلى الله دوماً وأنّ الآخرين غير قادرين على أن ينفعوك بشيء لم
يُرده الله، ولا أن يضرّوك إلاّ بإذن الله، لتقطع بذلك أمَلك عمّا سوى الله، وبعدها
لا تعود تفكّر في نيل الحظوة عند الناس، وأن تحذر الشيطان دوماً، فإنّك قد تريد
الخلاص من هاوية فيرديك في هاوية أخرى، فمثلاً تريد أن تتواضع وتتخلّى عن الكبر
فإذا به يوقعك في الذلّ والهوان.
إذاً، ليس المقصود من التخلّي عن «الأنا» امتهان الذات، بل المقصود أن يكون العمل
لله وحده. فلو أصبح أحدکم مدرّساً أو خطيباً أو إمام جماعة في يوم من الأيام، فعليه
أن يضع «الأنا» جانباً وبقناعة، لا أن يتظاهر بذلك وقلبه ممتلئ تكبّراً وحُبّاً
للظهور.
يحكى أنّ أحد العلماء الزهّاد سافر إلى بلد ما، وكان معروفاً فطلب منه أهل ذلك
البلد أن يؤمّهم في الجماعة طيلة المدّة التي يقيمها عندهم، فلبّى طلبهم وذهب
ليصلّي في المكان المقرّر، وكان المصلّى بعيداً عن بيته فاستقلّ دابّته واتّجه
لأداء الصلاة، ولكن الدابّة عثرت به وسط الطريق فسقط وشجّ رأسه، فعادوا به إلى
البيت، وضمّدوا جرحه، ومكث في البيت مدّة لا يستطيع الخروج ليؤمّ المصلّين.
وبلغه خلال هذه المدّة أنّ الحسّاد الذين كانوا منزعجين ومتضايقين لموافقته أن يكون
هو الإمام قد أشاعوا بين الناس أنّ الشيخ قد جُنّ على أثر الضربة التي أصابت رأسه
عندما عثرت به الدابّة!
وخبر كهذا عادةً ما يكون ثقيلاً على شخص كهذا؛ فبعد خمسين سنة من التعب والدراسة
وعناء الاستقامة ثم يقال عنه: مجنون. كما أنّ انطلاء مثل هذه الإشاعة على كثير من
الناس يكون أسرع من النار في الهشيم، لأنّ بعض صور الحدث كالسقوط وشجّ الرأس إضافة
إلى عدم حضوره للصلاة، يقوّي ميل كثير من الناس للتصديق بمثل هذه الإشاعات.
ولكن بعد أن تماثل الشيخ للشفاء وعاده بعض أصدقائه وعرضوا عليه أن يعود ويلبّي
طلبهم في امامة الجماعة، وطمأنوه أنّ الإشاعة لم تؤثّر في الناس، استجاب الشيخ
لرغبتهم وركب دابّته متّجهاً إلى المسجد، فهاله حشود الناس مجتمعين بأعداد غفيرة
على جانبي الطريق لاستقباله، فتوقّف قليلاً ثم طلب من مرافقيه أن يسمحوا له بالعودة
إلى بيته لتراجعه عن عزمه في إمامة المصلّين، ولم تنفع معه توسّلات المتوسّلين
وقولهم له أنّ الناس ينتظرونه ولا يصحّ منه التراجع. مكتفياً بالقول أنّ حاله ليس
على ما يرام، وأنّه لا يستطيع الاستجابة.
وبعد أن عاد إلى البيت جاءه بعض أصدقائه المقرّبين وسألوه عن السبب الذي دعاه
للانصراف، وأصرّوا عليه في ذلك. فقال في جوابهم: عندما خرجت من البيت متّجهاً لأداء
الصلاة، ورأيت الألوف من الناس بانتظاري قلت مع نفسي: أين أولئك الذين أشاعوا أنّني
صرت مجنوناً؟ فليأتوا ويروا بأمّ أعينهم كيف أنّ الجماهير لم تصدّق أكاذيبهم، ولم
تؤثّر فيهم إشاعتهم، وها هي تستقبلني بالألوف.
يقول: ثم انتبهتُ فجأة وخاطبتُ نفسي قائلاً: يا شيخ! أتصلّي لله أم للناس؟! فقرّرت
أن لا أحضر تلك الصلاة.
إنّ نكران الذات والإخلاص لله تعالى هو الانتباه لمثل هذه الحالات، فإنّ هذا العالم
إنّما رفض أن يؤمّ المصلّين الذين كانوا بانتظاره لمجرّد أنّ خاطراً شيطانياً خطر
إلى ذهنه، فحاربه لأنّه كان يدرك أنّ هذا هو الذي يهدم كلَّ ما بناه.
من أمثال هذا يمكن أن نفهم قول الإمام السجاد سلام الله عليه: «إنّ العلم إذا لم
يعمل به لم يزدد صاحبه من الله إلاّ بعداً»(12).
فإن كان العلم موجوداً ـ وهو نتيجة أتعاب خمسين سنة أو أكثر ـ ولكنّه كان من دون
عمل فإنّه سيكون وبالاً على صاحبه.
ولا نعني بالعمل أداء المستحبّات ـ فضلاً عن الواجبات ـ كصلاة الليل وزيارة
المعصوم، وإن كانت مطلوبة أيضاً، وإنّما المقصود اتّخاذ الموقف الصحيح المستند إلى
العلم، كما في المثال المذكور آنفاً، وإلاّ لو خُلّينا والفهم السطحي للحديث فإنّ
ذلك العالم كان تاركاً للعمل المستحبّ وهو إمامة الجماعة، ولكن الحقيقة أنّه كان
يعرف أنّ في عدم الذهاب محاربة لنفسه وعدم الاستجابة لخواطرها الشيطانية، وهذا هو
المقصود بالعمل في قول الإمام سلام الله عليه. فليكن الإنسان هو الحكم على نفسه ـ
فكلّ إنسان على نفسه بصيرة(13) ـ وليفكّر بعقله ويستنبط الموقف الصحيح ويحاول أن
يُطبّقه على نفسه، بمقتضى تشخيصه وعلى قدر وسعه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إلاَّ مَا آتَاهَا﴾(14). فإنّ الله لم يُرد من الشيخ الأنصاري ـ مثلاً ـ إلاّ بالمقدار
الذي كان يشعر به ويتوصّل إليه، وكذلك لا يريد منكم إلاّ المقدار الذي تتوصّلون
إليه؛ لأنّ المهمّ في الأمر أن يطبّق الإنسان علمه على نفسه متحرّياً الإخلاص في
كلّ حال وأن لا يكون همّه الناس وما سوى الله، وأن يَعلم بعد ذلك «أنّ الله يغفر
للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالِم ذنباً واحداً»(15). وليس المقصود بالعالِم
مرجع التقليد فقط بل كلٌّ عالم على قدره.
لقد ترك كلّ واحد منكم وراءه العشرات بل المئات من القضايا والاحتياجات المالية
والعائلية والاجتماعية وغيرها، إضافة إلى غضّ النظر عن أمور أخرى مختلفة، كلّ ذلك
في سبيل العلم، ونِعم ما تفعلون، وأبارك لكم هذا التوفيق، وحقّاً إنّه لتوفيق عظيم.
فما أكثر الناس المحرومين من هذا التوفيق الذي وفّقكم الله له، ولكن حاولوا أن
تستفيدوا من هذا العناء وهذه التضحيات، واعلموا أنّ ذلك لا يتأتّى عن طريق العلم
وحده، فليس بالعلم الاكتسابي فقط تُنال الدرجات، بل العلم الحقيقي هو ذلك النور
الذي يقذفه الله عزّ وجلّ في قلب من أراد الهداية وسعى لها.
المطلوب أن لا يستعظم الإنسان نفسه إذا ازداد علماً، بل عليه أن لا يجد فرقاً بين
اليوم الذي كان يدرس فيه كتب المقدّمات واليوم الذي أصبح فيه مرجعاً للتقليد أو
مدرّساً كبيراً في الحوزة العلمية أو غير ذلك.
قد يكون الإنسان ذكيّاً ولا يدَع أحداً من الناس يعلم أنّ فيه كبراً ـ مثلاً ـ
لكنّه هو يعلم ذلك من نفسه، فالله تعالى أعلم بما توسوس به نفوسنا، وكما ورد في
وصية لقمان لابنه: «الناقد بصير»(16) وإنّه سيكافَأ كلٌّ منّا على قدر
إخلاصه الذي يثبت عند الله وليس الذي يدّعيه الشخص أو يصوّره للناس، ولذلك اُعطِي
الشيخ الأنصاري ما اضطرّ إلى التصريح ببعضه مرّة ـ في قصّة السيّد علي الشوشتري كما
تقدّم ـ فهل نكون كذلك أم نصاب ـ لا سمح الله ـ بالغرور الذي يُنسي ذكر الله تعالى
فينسينا أنفسنا(17).