الفصل الأول: المحاضرات
:. المقدّمة
:. 1. العلم والأخلاق
:. 2. العلم نور
:. 3. العلم النافع
:. 4. الفرق بين الأخلاق والعلوم الأخرى
:. 5. بالعمل يكون التأثير للقول
:. 6. تذليل الصّعاب في طلب العلم
:. 7. التبليغ
:. 8. الإنفاق وتربية النفس
:. 9. في التعامل مع الناس
:. 10. المداراة من طرق هداية الناس
:. 11. الحرص والكفاف
:. 12. قيمة السكوت
:. 13. الترويض والهداية وجمال التعبير
:. 14. مسؤولية العلماء في عصر الغيبة
:. 15. الإخلاص شرط القبول
:. 16. الاخلاص وآثاره
:. 17. ثمن الجنة
:. 18. حبّ الذمّ وكراهة المدح
:. 19. النظر إلى ملكوت الله
:. 20. الابتعاد عن هوى النفس
الفصل الثاني: الوصايا
:. 1. الاقتداء والاعتبار
:. 2. تعلّم محاربة «الأنا» من العلماء
:. 3. العلماء وإقامة الدين
:. 4. لنتعلم من ورع العلماء
:. 5. التأسي برسول الله في صموده وأخلاقه
:. 6. طلب العلم فريضة
:. 7. كيف نحظى برعاية صاحب الزمان؟
:. 8. ليكن يومنا خيراً من أمسنا
:. 9. التأسي بالصديقة الزهراء
:. 10. السعي في قضاء حوائج الناس
:. 11. الأجر على قدر المشقّة
:. 12. هكذا تطول الأعمار
:. 13. منهل السعادة
:. 14. سرّ النجاح
:. 15. العمل من أجل إيجاد مجتمع مؤمن
:. 16. شروط الرقيّ
:. 17. من سمات الأولياء
:. 18. مسؤولية العلماء
:. 19. شهر رمضان فرصة للتزكية والهداية
:. 20. شهر رمضان وتعميم الثقافة القرآنية
:. 21. الدعاء مفتاح لحلّ المشكلات
:. 22. هكذا تحبط الصدقات
:. 23. هنا تكمن السعادة
:. 24. التبليغ والمنبر الحسيني
:. 25. حسِن الخلق يحوز خير الدارين
:. 26. الثقافة هي الاساس
:. 27. التبليغ رسالة العلماء
:. 28. نشر مبادئ أهل البيت
:. 29. وصايا عامّة للمبلّغين
:. 30. وصايا عاشورائية لعامّة المؤمنين
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «العلم نور يقذفه الله في قلب مَن يشاء»(1).
ينبغي لأهل العلم أن يعرفوا أنّ الدراسة شيء والعلم الذي يبتغيه الله تعالى شيء
آخر، فإنّ الدراسة مهما كانت واسعة وعميقة ومستوعبة فإنّها تصلح بحدّ ذاتها أن تكون
مقدّمة للعلم فقط. فلو أنّ شخصاً درس عشرات السنوات وتعلّم العربية والمنطق والفقه
والأصول والفلسفة والبلاغة وغيرها، يكون قد حصل على معلومات، أمّا العلم الذي يريده
الله وتواترت الأحاديث الشريفة في فضله، فهو ذلك النور الذي يقذفه الله في قلب مَن
يشاء؛ والله تعالى يقول: (وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن
نُورٍ)(2).
قد يكون شخصٌ شديد الذكاء وكثير الدراسة ويعرف أموراً كثيرة، أمّا أن يُكتب عالماً
عند الله ـ وحسب ما وردت به الأحاديث الشريفة ـ فليس بالضرورة؛ فقد نقل في الحديث
أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»(3)،
فهل يعقل أن يكون هذا الفضل العظيم لصاحب المعلومات الكثيرة فقط؟!
إنّ التحصيل العلمي مقدّمة لحصول الإنسان على مطلق العلم. أمّا ذلك النور نفسه ـ
وهو ما تريده الأحاديث الشريفة ـ فهو شيء آخر، وهو من قبيل ما يدرَك ولا يوصف.
ويمكن تقريبه للذهن من خلال مثال: إنّ هناك فرقاً بين المأكل اللذيذ واللذّة؛ فإنّ
الأوّل مقدّمة للثاني، ولكن ليس بالضرورة أن تتحقق اللذّة كلّما توفّر الأكل
اللذيذ. كما لو جلس شخص إلى مائدة فيها ألذّ أنواع الطعام ولكنّه كان مشغول البال
أو يعصره ألم شديد لدرجة أنّه لا يدري ما يأكل، فهل مثل هذا الشخص تتحقق له لذّة من
تناول الأكل، مهما كان الطعام الموضوع أمامه لذيذاً؟ في حين إنّ الإنسان قد يلتذّ
أحياناً بتناول طعام بسيط كالخبز والملح، ويشعر نتيجة ذلك بلذّة عظيمة إذا كان
جائعاً وقنوعاً ومرتاح البال.
فكما أنّ هذه اللذّة قد تتحقّق عبرالطعام اللذيذ وقد لا تتحقّق، بل قد تتحقّق في
طعام بسيط، فكذلك حال العلم. فربّ إنسان أصبح عالِماً من خلال معلومات أقلّ من تلك
التي انطوى عليها شخص آخر ولم يصبح كذلك، بل ربّما كان هناك شخص عنده معلومات كثيرة
جداً ولا يعدّ عند الله عالماً، وذلك بسبب ما ركبه من هوى نفسه فاستلبه كلّ علمه،
فلم يعد يشعر به، فكان من الغاوين؛ قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ
آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ)(4).
إذاً، العلم ـ كما يستفاد من الأحاديث ـ هو أن يلتزم الإنسان بما عَلِمه جيّداً «من
عمل بما يعلم ورّثه الله علم ما لا يعلم»(5)، وإن لم يحصل هذا عند الإنسان، فهذا يعني
أنّ ذلك النور لم يحصل بعد، وتبقى معلوماته مجرّد قدرة وإمكانية محدودتين كالمال
والسلطة و…
فكما أنّ السلطة والمال يكسبان صاحبهما مكانة وشخصية خاصّة فكذلك حال صاحب
المعلومات ـ ومَن يُصطلح عليه بـ «عالم» تجوّزاً ـ إذا لم يكن عنده ذلك النور الذي
عبّرت عنه الأحاديث بأنّه «يقذفه الله في قلب مَن يشاء». ومشيئة الله سبحانه ليست
اعتباطية، فإنّ الله تعالى لا يشاء شيئاً من غير مرجّح، لأنه محيط بكلّ الجهات
وقادر على كلّ شيء.
ولنذكر هنا بعض قصص العلماء الماضين لنعتبر:
«جواهر الكلام» كتاب لا يستغني عنه أيّ فقيه إماميّ حتى اليوم، فهو دورة كاملة
وواسعة ـ أي مفصّلة ـ في الفقه الاستدلالي، إلى جانب كثير من الدورات الفقهية كشرح
اللمعة، ورياض المسائل وغيرهما، ولكن كتاب الجواهر إضافة إلى كونه دورة كاملة في
الفقه الاستدلالي فهو يمتاز بالسعة والتفصيل، وقد بذل مؤلّفه الشيخ محمد حسن النجفي
الجواهري قرابة ثلاثين سنة من عمره في تأليفه ـ كما يظهر من بعض التواريخ التي
سجّلها في نهايات فصول الكتاب ـ .
ويذكر أن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر كان عالِماً متبحّراً ذكيّاً حافظاً متقناً،
وكان هو المرجع الديني في النجف الأشرف. اتّفق يوماً أن جرى الحديث في مجلس كان
يضمّه وعلماء آخرين عن مسألة فقهية، فأدلى كلُّ عالم بدلوه وأعطى كلّ صاحب رأي
رأيه، لكنّ صاحب الجواهر اكتفى بالقول أنّه قد ذكر المسألة في كتاب الجواهر، وأنّ
رأيه موجود هناك.
وكان في المجلس عالِم ـ أو بالأحرى: دارس! ـ قد التفت إلى صاحب الجواهر وقال: لو
تعطي جواهرك للعطّارين ليستفيدوا من أوراقه في لفّ التوابل، يكون أفضل!
وكأنّه يريد بقوله هذا: إنّ كتاب الجواهر لا يستحقّ القراءة أو أن يُنقل عنه شيء،
وأنّ الأوراق التي كُتبت عليه خسارة وتبديد للثروة، لأنّ ما كُتب عليها لا ينفع.
لقد ذهب صاحب الجواهر ولكن بقي اسمه وكتابه الجواهر يدلّ على نور علمه، أمّا ذلك
الرجل فقد ذهب اسمه بذهابه، ولا يعرفه اليوم إلاّ من ينبش الكتب التي أرّخت لحياة
العلماء، فالملاحظ أنّ هذا الرجل مع أنّه كان عالِماً ـ وبتعبير أدق: دارساً ـ هو
الآخر، ولكنه كان يفتقد لذلك العلم الذي عبّر عنه الحديث بأنّه «نور يقذفه الله في
قلب مَن يشاء»؛ لأنّ ذلك العلم يكون مصاحباً للفضيلة، وصاحب الفضيلة لا يبخس الناس
أشياءهم ولا يقول مثل هذا القول لعالم أتعب نفسه زهاء ثلاثين سنة حتى كتب ذلك
الكتاب النادر في تاريخ الفقه.
دار في أحد الأيام نقاش بين أحد العلماء المجتهدين وبين أحد تلاميذه حول نصّ من
النصوص كان الأستاذ يعتقد أنّه ليس روايةً، وأنّه لم يجده في كتب الأحاديث، وكان
تلميذه يقول: إنّه مرويّ(6).
لم يتوقّف الأمر عند إبداء كلّ من الأستاذ والتلميذ لوجهتي نظرهما، بل أصرّ الأستاذ
على أنّه غير موجود وأنّه أتعب نفسه في كتب الحديث ولم يعثر عليه وأنّه لو كان
لوجده، فيما أصرّ التلميذ أنّه موجود وأنّه وجده بنفسه، وردّ على أستاذه بالقول:
إذا لم تجد شيئاً فإنّه لا ينبغي أن تقول أنّه غير موجود، وإنّما ينبغي أن تقول
أنّك لم تجده. وعاد الأستاذ للقول: لا بل إنّه غير موجود وإنّي أتحدّاك في ذلك.
وهكذا حدثت مشادّة كلامية بينهما. فما كان من التلميذ إلاّ أن ذهب على الفور وجاء
بالكتاب الذي يوجد فيه الحديث وأخرجه للأستاذ والتلاميذ!
ومن هنا أستطيع القول: إنّ نور العلم الذي جاء في الحديث لم يكن متوافراً ـ كما
ينبغي ـ لا عند الأستاذ ولا عند تلميذه!
فما كان ينبغي للأستاذ أن يتحدّى تلميذه ويقطع بعدم وجود الحديث هكذا وإن أمضى
عشرات السنين في البحث والتحقيق دون أن يعثر على ذلك الحديث، وكذلك ما كان ينبغي
للتلميذ أن يعامل أستاذه بهذه الكيفية وعلى مرأى ومسمع من الآخرين!
إنّ للمعلم حقّاً، يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عن ذلك الحقّ: «مَن
تعلّمتَ منه حرفاً صرتَ له عبداً»(7)، وكذا للتلميذ حق، ينبغي لمعلّمه ألاّ يوهن رأيه
أو يردّ استنتاجه بتهكّم؟
علينا أن نتعلّم من رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ونتأدّب
بآدابهم، لنحصل على نور العلم، (وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا
لَهُ مِن نُّورٍ)(8). وما لم يكن ذلك النور موجوداً فلا فائدة ترتجى وإن كانت الدراسة
متحقّقة عند الشخص وكان يجيد الكلام والمنطق ويتقن الخطابة أو التأليف ويملك
معلومات كثيرة وجيدة.
هناك أمثلة كثيرة لمَن درسوا حتى بلغوا مراحل عالية في الاجتهاد، ومن جملتهم أحد
مراجع التقليد ممّن أدركتُهم في النجف الأشرف، والذي كان قد ألّف ونشر في أيام
مرجعيّته كتاباً لا غبار عليه من الناحية العلمية.
ويذكر أنّ طالباً كان قد طالع الكتاب آنذاك فرأى ـ حسب زعمه ـ أنّ في الكتاب نقاط
ضعف، وربما تصوّر أنّه يمكنه إثارتها للتشكيك في علمية ذلك المرجع، فانتهز فرصة
جلوس المرجع في بيته لاستقبال الوافدين، إذ حضر هو أيضاً، ثم انبرى بعد أن استقرّ
به المجلس، مخاطباً المرجع بلهجة تهكّم، قائلاً: أتدري أيّ جناية ارتكبتَ بنشرك هذا
الكتاب؟ لقد شوّهت سمعة مدينة النجف الأشرف ومكانتها العلميّة التي اكتسبْتها من
كتب الشيخ الأنصاري وأمثاله!
يريد بذلك: أنّ الذي تخرّج من حوزة النجف الأشرف ينبغي أن تكون مؤلّفاته بمستوى
مؤلّفات الشيخ الأنصاري، أمّا هذا الكتاب فسوف يحطّ من مستوى حوزة النجف لعدم
ارتقائه لمستوى كتب الشيخ الأنصاري!
وأضاف: لقد تلاعبتَ ـ بكتابك هذا ـ بكرامة النجف العلمية وحوزتها الدينية!
أتدرون ماذا كان ردّ فعل ذلك المرجع؟
أجابه قائلاً: وأين أنا من الشيخ الأنصاري، بل إنّي لأفخر أن أفهم كلمات الشيخ
الأنصاري رحمه الله، وأستطيع أن أشرحها. لقد كان الشيخ الأنصاري أستاذ الفقهاء،
أمّا أنا فأتمنّى لو كنت تلميذاً للشيخ الأنصاري، وفي مثل هذه الحالة ربما صدرت
منّي هفوات أو نقاط ضعف لم أنتبه لها خاصّة وأنّي إنسان ولكلّ إنسان زلاّت. لذا
أرجو منكم أن تنبّهوني عليها وسأكون شاكراً لكم.
تأمّلوا فيما حدث: لقد ذهب هذا الرجل إلى المرجع لكي ينال منه ويقلّل من شأنه،
ولكنه خرج وهو يغبطه.
ومن يسمع بالقصّة يقول: إنّ تصرف هذا المرجع إنما ينمّ عن نورانية لا توجد عند بعض
من بلغوا مراحل عالية من العلم دون أن يحصلوا على نوره، فإنّه كان بإمكان هذا
المرجع أن يردّ ذلك الطالب ردّاً علمياً يؤهّله له مستواه، وردّاً اجتماعياً بسبب
المنزلة التي يحظى بها بين الناس، كأن يقول له: ومَن أنت لكي تزكّيني؟ أو هل فهمت
كتابي لكي تنتقده هذا الانتقاد؟ ولكنّه مع ذلك لم يقل له شيئاً من هذا القبيل، لأنّ
ذلك النور الذي غمره جعله يبتعد عن أمثال هذه الردود.
وكان الأَولى بذلك الطالب أيضاً أن يعرض ما بدا له من نقاط ضعف في الكتاب عرض
المستفهِم المؤدَّب، كأن يدوّنها ـ مثلاً ـ ثم يطلب من المرجع أن يلاحظها ليجيبه
عليها، فذلك خير من الاستخفاف بجهود مرجع أتعب نفسه عشرات السنين حتى توصّل إلى هذه
الآراء ثم طرحها في كتاب رجاء القبول! هب أنّ الحقّ مع المعترض في بعض ما زعم، ولكن
هل اعتبر نفسه معصوماً أو حاكياً عن اللوح المحفوظ، ليصدر حكمه بحقّ آراء الآخرين
ابتداءً! مع أنّه كان الأَولى به أن يعرض إشكالاته ويناقشها معه حتى يتبيّن له وجه
الصواب في كلّ نقطة على حدة. ولكن يبدو أنّه لم يكن متنوّراً بنور العلم، الذي لا
يأتي مع كثرة الدراسة ولا بكثرة التعلّم بقدر ما يأتي مع التحلّي بالفضائل والعمل
بمقتضاها.
وليس المقصود أن لا يبذل الطالب جهداً في الدرس، بل المقصود أن يؤطّر دراسته بمجمل
الفضائل التي ترقى به لأن يحصل على نور العلم.
كان الشيخ علي القميّ رحمه الله عالِماً زاهداً يعيش في النجف الأشرف، توفّي قبل
زهاء نصف قرن. ولم يكن مرجعاً لكنّه عُرف بالعدالة لدى كلّ العلماء وعامّة الناس
حتّى أنّ والدي رحمه الله نقل: أنّه مَن كان يتحفّظ في الصلاة خلف أيّ عالِم، لا
يتردّد في الصلاة خلف الشيخ علي القمّي، لما عُرف عنه من ورع وتقوى. فكان مسلَّماً
بعدالته لدى الجميع، ويظهر من كلمات السيّد الوالد رحمه الله أنّه كان ملتزماً
بالصلاة خلفه.
يقول الرجاليّ المعروف الشيخ آقا بزرگ الطهراني: لقد زاملت الشيخ علي القمّي رحمه
الله عشر سنوات ودرسنا معاً عند السيد محمد كاظم الطباطبائي صاحب (العروة الوثقى)
والشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية) والشيخ محمد تقي الشيرازي رضوان الله
عليهم جميعاً. وكنت أعرفه فقيهاً متبحّراً ومحقّقاً ولكنّه كان يتعمّد أن لا يشترك
في النقاشات التي تطرح في المجالس العامّة لكي لا يُظهر درجته العلمية ـ وهذا أمر
صعب جداً ـ فكان إذا سئل عن شيء أجاب، وإذا عرضتْ مسألة ودار حولها النقاش بقي
ساكتاً يظنّه الرائي أنّه إنسان عادي لا يعرف شيئاً ممّا يدور(9).
ثم يضيف الطهراني: كان الشيخ علي القمّي عالماً متبحّراً وأنا على معرفة تامّة به،
فهو زميلي، ولكنه لم يكن يتكلّم في مثل هذه المجالس حتى أنّ علماء النجف كانوا
يتصوّرون أنّه رجل عادل وزاهد ولكنّه ليس عالماً، لأنّه كان لا يُظهر من علمه شيئاً
إلاّ عند الضرورة.
وهذا الأمر يتطلّب نورانيّة خاصّة تمكّن الإنسان أن يضبط نفسه هكذا، فلا يخوض في
حالات الجدل العقيم ولا يصرف الوقت والجهد على أمور لا ثمرة فيها، سوى رغبة كلّ طرف
في إظهار نفسه من خلال إثبات صحّة مدّعاه، كأن يقول شخص: إنّ النصّ الفلاني موجود
في الكتاب الفلاني، فيحاول الآخر أن يثبت أنّه موجود في غيره، مع أنّ الأمر لا
يغيّر من الواقع شيئاً، ممّا يكشف عن عدم وجود نور العلم وفضيلته. والله تعالى لا
يعطي هذا النور اعتباطاً ومن دون استحقاق، وكما في المرويّ عن أميرالمؤمنين عليه
السلام: «هيهات لا يُخدع الله عن جنّته»(10).
وليست العبرة في قصّة الشيخ القمّي أن لا نشارك في الحديث الذي يجري في النوادي
العلمية، إذا كان غايته إحياءً لأمر الشريعة، أو بقصد التمرّن ليعرف الطالب مواطن
الخطأ أو الضعف من مواطن الصواب أو القوّة، الذي تكشفه كثرة المناقشات والمباحثات،
وإنّما العبرة أن لا يكون الهدف إظهاراً للذات أو تخطئة المقابل بأيّ ثمن. فهذا هو
المراء بعينه والمشهور في فتاوى الفقهاء أنّه حرام، وإذا كان الشيء حراماً فارتكابه
مخلّ بالعدالة كسائر المحرّمات.
ومثاله: أنّك تقرأ مسألةً في كتاب ما كـ (العروة الوثقى) مثلاً، وتسمع بعد ذلك
زميلاً لك ينسب المسألة إلى كتاب آخر كـ (توضيح المسائل) فتقول له: إنّ هذه المسألة
موجودة في كتاب العروة وليس توضيح المسائل، ولكنّه يؤكّد لك أنّه قرأها في توضيح
المسائل فتأتيه بنسخة من الكتاب وتطالبه بأن يدلّك على موضع المسألة؛ فإن كان هدفك
في مثل هذه الحالة نبيلاً ـ كبيان حقيقة تتعلّق بذلك ـ فهذا مما لا إشكال فيه، أمّا
إذا كنت تريد في ذلك تسجيل فوز ونصر لذاتك، فذلك هو المراء السيّئ المشهور بين
العلماء أنّه من المحرّمات.
ولا شكّ أنّنا لا يمكننا أن نتّهم كلَّ مَن يريد إثبات شيء ما بالمراء؛ لأنّ نيّته
قد تكون سليمة وهدفه قد يكون صحيحاً، ولكن المهمّ أن نربّي أنفسنا على تجنّب المراء
والجدال الذي لا يراد به وجه الله تعالى. وهذا الأمر لا يتطلّب دراسة عميقة بل
تكفيه لحظات تأمّل والتفات مع مراقبة النفس وضبطها.
هذه قضيّة اُخرى أنقلها عن السيد الوالد رحمه الله: فقد تتلمذ المرحوم والدي عند
خاله الشيخ محمد تقي الشيرازي رحمه الله، وبعد وفاة خاله انتقل إلى النجف الأشرف
وحضر عند جملة من العلماء منهم الميرزا النائيني قدس سره.
عندما أصدر الوالد رسالته العملية استجابة لإصرار بعض مقلّديه، تعجّب أحد علماء
النجف الأشرف ممّن كان يحضر معه درس الميرزا النائيني وذلك عندما رأى رسالة السيّد
الوالد، وقال: لم نكن نتصوّر هذا الشخص عالِماً، فقد كنّا نراه يحضر درس الميرزا
النائيني يومياً ولكنه لم يكن يتكلّم بشيء من أوّل الدرس حتى آخره، بل كان يجلس
ويستمع فقط، فكنّا نتصوّره أحد قرّاء القرآن على القبور وقد آثر أن يحضر الدرس
للتبرّك مثلاً، فكيف استطاع أن يضبط نفسه كلّ هذه المدّة ولم يظهر شخصيته العلمية
مع أنّه كان في مستوى المراجع؟!
كانت تلك قصص مَن مضوا، فلننظر كيف سنكون، ولنعلم أنّ العلم لا يأتي من فراغ، ولا
من كثرة الدراسة وحدها. نعم، قد تصلح الدراسة لجعل الإنسان متفوّقاً على أقرانك في
المباحثة، ولكنها لا تمنحه ـ منفردة ـ ذلك النور الإلهي المنشود، بل قد تكون في بعض
الأحيان وبالاً عليه والعياذ بالله.
لو نصحت أحداً يوماً ما، فحاول أن تطبّق ما نصحته به على نفسك أوّلاً، بل حاول أن
تطبّق كل ما تعتقده فضيلة ولا تيأس مهما فشلت في ذلك.
رأيت كتاباً مطبوعاً في الأصول واستفدت منه أيّام دراستي، ولكن ما لفت انتباهي فيه
أنّ مؤلّفه إذا جاء بابتكار من نفسه ـ أو تصوّر أنّه كذلك ـ يشيد به كثيراً ويقول:
إنّ هذا من ابتكاراتي التي حصلت عليها على أثر سهر الليالي، ثم يدعو بالويل والثبور
واللعنات وأن يفعل الله كذا وكذا بكلّ مَن ينقله دون أن يذكر اسمه (أي اسم
المؤلِّف)!
هب أن الإنسان قد ابتكر فكرة أو أفكاراً، فما الداعي لأن يتعامل معها هكذا، في حين
إنّ الشيخ الأنصاري قدس سره كان يطرح ابتكارات عظيمة ضمن بقيّة كلماته دون أن
يتباهى بها، ودون أن يُشعر القارئ بأنّها من ثاقب أفكاره، مع أنّها كانت تمثّل
عصارة علمه، وقد أتعب نفسه حتى وصل إليها، حتى إنّ الشيخ لم يضمّن كتاباته بكلمات
من قبيل: اغتنِم ونحوها
والآن عندما نلاحظ الواقع نرى أنّ كتب الشيخ الأنصاري تملأ الحوزات والمكتبات وما
تزال تُطبع كلّ عام في مختلف الأماكن بينما ذلك الكتاب الذي ذكرتُه لم يسمع به كثير
من أهل العلم مع أنّه حقيق بالدراسة أيضاً.
إنّ النور الذي أضاء جوانح الشيخ الأنصاري هو الذي جعل كلماته تدور على ألسن
العلماء، وكتبه تدرّس في كلّ الحوزات العلمية، وذِكرُه سائراً بين الناس.
هذا، ونور العلم ليس حكراً على الأسر العلمية، بل قد يكون الشخص سليل عائلة علمية
ولكن الله لا يمنحه هذا النور، وقد يقذف الله نور العلم في قلب ابن عطّار أو مزارع
أو بقّال أو تاجر أو حمّال! وهذا يتّضح لمن طالع تاريخ العلماء.
انظروا إلى كتب الشيخ الأنصاري وأمثاله من السلف الصالح فهي عبرة لنا، فهؤلاء
العلماء يبدأون كتبهم بالبسملة والحمد والصلاة على النبي وآله واللعن على أعدائهم،
ثم ينتقلون مباشرة إلى المطالب ويختمون الكتب بها دون أن يفخروا أنّها لهم.
والآن يمرّ أكثر من قرن على وفاة الشيخ الأنصاري وها هي كتبه في الفقه والأصول تدور
عليها كلّ الحوزات العلمية الشيعية.
إذاً، علينا أن نسعى لتحصيل ذلك النور إلى جانب تلقّي الدروس ومطالعة الكتب والحضور
عند الأساتذة؛ فإنّ المعلومات وحدها قد تجلب الغرور للإنسان، ولنعرف أنّ الغرور
ونور العلم لا يجتمعان، فلنحارب الغرور في أنفسنا ونتواضع لله سبحانه سائلين منه أن
يجعل لنا لسان صدق في الآخرين.