أمّا جواب الملاحظة الأولى فيما يخصّ الكوفي: فإنّ الكوفي ليس ممن وصف بالكذب من
أجل غلوّه بل من أجل كونه وضّاعاً للحديث أو كونه مجهولاً أو مهملاً، وذلك لأن من
كان كذلك أي، بأن كان فاسد العقيدة ولكنه كان ثقة في كلامه وصادقاً في لسانه كان
معتبراً ـ على بعض الأقوال ـ .
وأمّا الذي ذُكر مؤيداً: من أنّ رواية أصحاب الإجماع عن المجهولين لا تضرّ بصحة
السند، فهو صريح في اعتبار شيوخهم، لأنه يقول: (رواية أصحاب الإجماع عن المجهولين)
لا تلاميذهم المجهولين الذين رووا
ـ بزعمهم ـ عن أصحاب الإجماع كالذي نحن فيه، فإن الكوفي ليس من شيوخ أحد من أصحاب
الإجماع، وإنما روى ـ حسب زعمه ـ عنهم.
وأمّا دعم التأييد بقوله: «خذوا ما رووا» فإنّه يصدق على فاسدي العقيدة،
الثقات في لسانهم ـ على بعض الأقوال ـ ولا يشمل ما نحن فيه وضّاع الحديث أو المجهول
أو المهمل. وأما الذي ذكر في كون المقنوت عليه إنساناً ثانياً غير ما نحن فيه، فإن
هذه الاثنينية لمحمد بن علي الكوفي، لا تجدي لتعديل ما نحن فيه على كل تقدير، وذلك
لأنه:
أ. هو اجتهاد من البعض، مع أنّ الأصحّ ـ تبعاً لجمهرة من أهل الخبرة ـ أنّهما
اسمان لشخص واحد.
ب. وعلى فرض الإثنينية، فالجهالة عمّا نحن فيه لا ترتفع بذلك. فيبقى محمد بن علي
الكوفي فيما نحن فيه مجهولاً أو مهملاً.
وأمّا جواب الملاحظة الثانية فيما يخصّ متن الرواية: فإنّ ظهور «يبقر بطون
الحبالى» ظهور قاس وجاف، يتجانس مع سيرة الفراعنة والأكاسرة، ولا يتجانس مع
سيرة الأنبياء والأوصياء الذين هم سفراء السماء ووسطاء الرحمة الإلهية الواسعة، فهي
أجنبية عن قاموس لغات الأحاديث، وبعيدة غاية البعد عن الكلمات والمعاني الرقيقة
العذبة التي تتّصف بها روايات أهل البيت
سلام الله عليهم ولذلك لا تصل النوبة في مثلها الى التوجيه والتأويل الذي ذُكر في
توجيهها وتأويلها، وعليه: فكما أنّ بقر البطون لا ثبوت له واقعاً، فكذلك لا إثبات
له ظاهراً أيضاً، إذ هم سلام الله عليهم مبرّؤون عن تطبيق مثل هذه الأمور غير
اللائقة بهم.
وأما الغلام الذي كان أبواه مؤمنين في قصّة الخضر مع موسى، فهي قصّة في واقعة، ولها
مقام إثبات قطعيّ ولا مقام إثبات هنا، ولا يقاس عليها سيرة خاتم الحجج الإلهية،
ومنهج حكومته العادلة التي هي مطلع حكومة الله على يد أمنائه في الأرض، والتي تريد
استقطاب كل الشعوب والأمم، والبقاء والاستمرار إلى يوم القيامة.
وأما جواب الملاحظة على الرواية الثانية فيما يخصّ عدم سيره بسيرة جدّه الرسول صلى
الله عليه وآله وما ذكر معاضداً لها من أنّه يسير بخلاف سيرة علي سلام الله عليه:
فإنه مخالف للعصمة، إذ المعصوم هو الصدّيق، وجاء في معنى الصدّيق: أنّه يصدّق
المعصوم الذي قبله في سيرته ولا يخطّئ شيئاً منها لا قولاً ولا فعلاً.
وبعبارة أخرى كما في زيارة الجامعة الكبيرة: «أشهد أنّ هذا سابق لكم فيما مضى،
وجارٍ لكم فيما بقي، وإنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة» فالسيرة التي مضى
عليها الرسول صلى الله عليه وآله وعلي سلام الله عليه هي نفس السيرة التي يجري
عليها الإمام المهدي سلام الله عليه، وذلك لأن أرواحهم ونورهم وطينتهم واحدة وهم
صدّيقون يصدّق اللاحق السابق منهم ويصدق السابق اللاحق منهم أيضاً.
وعليه: فعدم سيره بسيرة جده وأبيه في هذه الروايات سقيم لا مقام إثبات له، بينما
سيره بسيرة جدّه وأبيه في روايات أخرى مقام إثباته تامّ وصحيح، ولا تعارض بين
الصحيح والسقيم.
ومنه يُعرف أيضاً ما في: «بذاك اُمر في الكتاب الذي معه» إذ الله تبارك وتعالى لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، فهو أيضاً كما أنّه لا مقام ثبوت له لا مقام إثبات له.
القول إنّ سياسة السيف لم تكن منافية لسياسة العدل، والتمثيل له بطالوت وذي القرنين
وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله ففيه ما يلي:
1. إنّ سياسة السيف، يعني: سياسة القمع والإرهاب، لظهورها في ذلك، بينما سياسة
العدل، يعني: سياسة المنطق والإقناع، وهما متنافيان.
2. إنّ التمثيل لسياسة السيف بسياسة طالوت وذي القرنين وخاتم الأنبياء صلى الله
عليه وآله تمثيل غير تامّ، إذ المستشكل نفسه يعترف بأنّ سيرة النبي الخاتم صلى الله
عليه وآله كانت سيرة المنّ، وسياسته كانت سياسة المنطق والإقناع «لا إكراه في
الدين» وكذلك كان طالوت وذو القرنين حيث أنّه لم يثبت تاريخياً أنّهم تبنّوا
سيرة القمع وسياسة الإرهاب.
3. نعم، إنّهم لما كانوا يتواجهون مع العدو الظالم، الشاهر للسيف ليقضي على الرسل
وعلى رسالات السماء، كانوا يشهرون السيف في وجهه إعلاماً منهم باستعدادهم للمواجهة
والدفاع وليس أكثر، ولذلك كانوا لا يبدأون العدوّ بالقتال مع أنّ الغلبة ـ بحسب
الفنّ العسكري ـ لمن أطلق الرصاصة الأولى. وهم سلام الله عليهم أعرف من غيرهم
بالفنون العسكرية، فإنه مع ذلك كلّه كانوا يقدّمون للعدوّ النصيحة، ويدعونه
للإيمان، ثم للصلح والهدنة، فإذا أصرّ العدو على الحرب وبدأ القتال، تصدّوا له
بالردّ دفاعاً واحترازاً ليس أكثر.
وعليه: فأصل السيف (سيف العدل) في حالات الضرورة القصوى ولمجرّد الدفاع والاحتراز،
لا كلام فيه، ولكنه ـ كما ترى ـ أخصّ من هذه الروايات الضعيفة سنداً، والشاذة في
تاريخ جميع المعصومين سلام الله عليهم دلالة، حيث أنّها ظاهرة في سياسة القمع
والإرهاب المنفية قطعاً عن أهل بيت الرحمة سلام الله عليهم.
وأما الجواب على الاستشکال بالروايات التي وردت في كتاب «المهدي في القرآن» ونحوه، فإن الهدف في ذلك الكتاب كان مجرّد سرد الروايات، ولم يكن المقصود: التحليل والتحقيق، بينما في هذه الكلمات الهدف هو التحقيق والتحليل الفقهي، وذلك في ضوء الموازين الدقيقة وبحسب المقاييس المتقنة، الواصلة إلينا عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، والموافقة للعقل والمنطق.
وأمّا جواب الملاحظة على الرواية الثالثة فيما يخصّ كراهة أكثر الناس رؤيته، وتنظيره بكراهة معاصري الرسول صلى الله عليه وآله وعلي سلام الله عليه فهو: أنّه تنظير مع الفارق، إذ في الصدر الأول كانت الكراهة ـ كما في التاريخ ـ من عدل النبي ووصيّه صلوات الله عليهما وآلهما، بينما في هذه الرواية كراهة الأكثر من كثرة قتله سلام الله عليه للناس وسفكه للدماء، كما كان الناس يكرهون الحجّاج لعدم سلامتهم من سيفه وبطشه، إذ قد صوّرت الرواية سيرة الإمام سلام الله عليه في القتل وسفك الدماء سيرة الحجّاج الثقفي الذي كان الناس يكرهونه خوف القتل، وعليه: فالمقايسه الواردة في عبير الرحمة والمقارنة ـ بحسب تصوير الرواية ـ في محلّها، بعكس المقايسة المذكورة في الملاحظة فإنها في غير محلّها.
وأمّا الجواب عن الملاحظة على الرواية الرابعة فيما يخص دسّ الكوفي أسماء الثقات
ونسبة أكاذيبه إليهم وردّه بنقل الأجلاّء عنه كوالد الصدوق: فإنّه لا يؤخذ بذلك على
مثل والد الصدوق وجملة من الأجلاّء الذين رووا عنه، وذلك لأنّ الرواة عنه بذكرهم
الكوفي وبقية رجال السند، قد ألقوا عهدة التحقيق والتنقيب عن صحّة الرواية وسقمها
إلى المطالعين والقارئين.
وأمّا الجواب عن عدم الإستتباب فقد إتّضح ممّا سبق: من أنّه لا مقام إثبات له، وليس
من دأبهم سلام الله عليهم ولا من سيرتهم ذلك.
أما جواب الملاحظة على الرواية الخامسة ودعمها بروايتين مشابهتين: فهو أنّ «ما هو إلا السيف» لا مقام إثبات له، مضافاً إلى الروايات الصحيحة التي تعارضها من أنّه سلام الله عليه يسير بسيرة جدّه وأبيه صلوات الله عليهما وآلهما.
وأما جواب الملاحظة على الرواية السادسة وتأكيدها بروايتين مرفوعتين: فإنه مضافاً إلى أنّ: «ما يأخذ منها إلا السيف» لا مقام إثبات له، أنّ المرفوعة لا تقاوم المسندة الصحيحة السند.