الملاحظات

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.
بكلّ تواضع وإجلال سيّدنا الموقّر، نورد على ساحة موفور علمكم بعضاً ممّا علق في أذهاننا عن معلومات اقترفناها من بعض جهودكم في التأليف والتحقيق، وهي بعض الملاحظات على مناقشاتكم للروايات الواردة عن الإمام خاتم الحجج عجّل الله تعالى فرجه والتي ذكرتموها في كتاب «عبير الرحمة»(1) تحت عنوان الروايات الموضوعة.


أما الرواية الأولى

فلنا فيها ملاحظتان، الأولى في السند، والثانية في الدلالة.
1. الملاحظة الأولى: فيما يخصّ محمد بن علي الكوفي.
ـ ذكر أهل الدراية: أن من وُصف بالكذب لنسبة الغلوّ فيه لا من جهة الضعف في نفسه، لا يمنع الاستماع إليه برواية جملة من الأجلاّء عنه (انظر معجم رجال الحديث للخوئي: 17/ 170).
ـ والذي يؤيده ما ذكرتموه في محاضرة «أحسن الأعمال» (في ظلال مكارم الأخلاق) قولكم في الحسن بن محبوب، أنّه من أصحاب الإجماع، حيث قلتم: كما قال جمهرة من الفقهاء إنّ رواية أصحاب الإجماع عن المجهولين لا تضرّ بصحّة السند.
ـ فضلاً عما روي عن الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه في قوله: «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا» والذي كان من مصاديقه بنو فضّال الذين توقّفوا عند الإمام الكاظم سلام الله عليه وزعموا فيه أنّه الخاتم من الأئمة سلام الله عليهم وقالوا فيه وغالوا وقصّتهم معروفة لديكم، مما يوحي من مفهوم الرواية أنّه يمكن غضّ الطرف عن السند أو التجاوز عند بعض رواته فيما إذا ما ستوفت الرواية شروطها الواقعية أو الحالية بعدم مخالفتها لكتاب الله المجيد؛ بدليل قولهم سلام الله عليهم: «ما آتاكم عنّا فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوا به وما خالفه فاطرحوه» (الاستبصار: 3/ 158).
ـ أما ما روي عن الفضل بن شاذان في كونه أوشك أن يقنت في صلاته، كما في السياق المرويّ عنه، إنّما كان هذا في خصوص محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى أبو جعفر القرشي مولاهم الصيرفي يكنّى أبو سمينة. كما عدّه أيضاً من أشهر الكذّابين (راجع ترجمته في اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي: 2/ 823، رقم 1033).
كما عدّه القهباني في أصحاب الإمام الرضا سلام الله عليه (راجع مجمع الرجال: 5/ 263).
ويذكر غالباً في المسانيد باسم محمد بن علي القرشي أو الصيرفي أو الكوفي ونادراً ما يأتي به. ويكنى أبو سمينة.
وذكره الطوسي في رجاله بصفة القرشي في قوله: محمد بن علي القرشي، حين ذكره في أصحاب الإمام الرضا سلام الله عليه (راجع رجال الطوسي: 387).
2. أما فيما يخصّ الدلالة أو متن الرواية، فأقول:
بلا خلاف، إنّها غير معارضة لكتاب الله المجيد. وجملة «يبقر بطون الحبالى» الواردة فيها والتي كان عليها مأخذكم، لا تشكّل إيهاماً البتّة! فهي أحد المصاديق العليا في إئتمار الإمام عجل الله تعالى فرجه بالكتاب الذي بين يديه، فضلاً عن علمه بضمائر الناس. وهذا الأمر لا يُنكر على آبائه وأجداده الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، فمن باب أولى لا ينكر على خاتم الحجج عجّل الله تعالى فرجه.
أما عدم معارضتها لكتاب الله المجيد فتظهره الآية بل الآيات المباركة التي تحكي قصة الخضر مع موسى سلام الله عليهما في قوله تعالى: ()فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال قتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكرا) وهذه الوقائع وبالذات تلك الواقعة المذكورة في الآية الكريمة آنفاً تعدّ مصداقاً حيّاً لمن يأتي من بعد لينكر على الإمام عجل الله تعالى فرجه عمله بعلمه الذي اُودع فيه.
هذه إذا سلّمنا أنّ مقصود الرواية يراد منه النساء الحوامل. وإن كان هذا بعيداً!
ثم إنّ عبارة «الحبالى» جاءت بمعنى العموم المظهر لإمكان إطلاقها على كل من يضمر في داخله شيئاً ما. لذا يمكن أن يوصف بها آل أمية الذين ما فتئوا يضمرون البغض والعداء لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم، والرواية ذاتها تبرز هذا الأمر من خلال هروبهم إلى النصارى، وتنصّرهم وأكلهم لحم الخنزير وشربهم للخمور حتى وصل الأمر أن علّقوا الصلبان وارتدّوا عن دينهم الإسلام ـ إن كان لهم دين ـ .
وهذا التوجيه للرواية يمكن أن ينهض بوجود الأدلّة أو القرائن، والتي منها:
أ‌. عدم اتيان لفظة النساء أو استبدال الحبالى بالحوامل إلى غير ذلك من المعاني التي يمكن أن لا توجب اللبس.
ب‌. يمكن أن يراد من الحوامل، المطايا والعربات التي تحمل الجنود، وبَقْرها يعني استنزاف ما بداخلها، إلى غير ذلك. ثم بأيهما أخذت سواء بمقصود النساء الحوامل أم غير ذلك فأنت مصيب ولم تكن قد جاوزت بها الحدّ.


أما الرواية الثانية:

وهذا نصّها:
أخبرنا عليّ بن الحسين، قال: ثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن حسّان الرازي، عن محمّد بن علي الكوفيّ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبدالله بن بكير، عن أبيه، عن زرارة، عن أبي جعفر سلام الله عليه، قال: اسمه اسمي. قلت: أيسير بسيرة جدّه صلّى الله عليه وآله؟ قال: هيهات، هيهات يا زرارة، ما يسير بسيرته! قلت: لم؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله سار في أمّته بالمنّ، كان يتألّف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذاك أُمر في الكتاب الذي معه، أن يسير بالقتل لا يستتيب أحداً (غيبة النعماني: 231، ح14).
ـ أيضاً رواية أخرى بنفس السياق، تعضد الرواية الثانية من الكتاب «عبير الرحمة» وهي:
عن ابن عقدة، عن علي بن الحسين، عن محمد بن خالد، عن الحسن بن هارون ـ بيّاع الأنماط ـ قال: كنت عند أبي عبد الله سلام الله عليه جالساً، فسأله المعلى بن خنيس: أيسير القائم عجل الله تعالى فرجه إذا سار بخلاف سيرة علي سلام الله عليه؟ فقال: نعم. وذاك أنّ علياً سار بالمنّ والكفّ لأنّه علم أنّ شيعته سيظهر عليهم من بعده، وأنّ القائم عجّل الله تعالى فرجه إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي، وذلك أنّه يعلم أنّ شيعته لم يظهر عليهم من بعده أحد. (غيبة النعماني: 232، ح16).
وعلى كل التقادير فإنّ سياسة السيف لم تكن منافية قط لسياسة العدل والحقّ ما دام بقبضة يد العادل الحق، ولنا في طالوت وذي القرنين وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عيه وآله وعليهما أسوة حسنة فيما قصّه القرآن الكريم من حال كلّ منهم.
ـ فضلا عن ذاك فقد ورد في كتابكم الموقّر «المهدي في القرآن» أكثر من رواية استدللتم بها تشير إلى وضع السيف في الأمّة ومن خالفها ولم تعلّقوا عليها بالبطلان أو تعالجوها من خلال الحلّ والنقض! انظر الصفحات:
ـ 62 ـ 64 في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ...).
ـ 75 في قوله تعالى: (قال لو أنّ لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد).
ـ 153 في قوله تعالى: (ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى...)
ـ 209 في قوله تعالى: (لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا...)
ـ 225 في قوله تعالى: (يُعرف المجرمون بسيماهم...)
إلى غير ذلك. إلا أنّا توخّينا عدم الإسهاب.


أما الرواية الثالثة:

فحوى هذه الرواية عدم استراحة القوم من وجود الإمام عجل الله تعالى فرجه وتمنّيهم عدم لقياه، وهذا لا يخلو عن نظرة سايكلوجية في البنية التربوية والعقائدية التي تجذّرت في نفوسهم واُشربت بها عقولهم فضلاً عن الموروث التكويني الذي انتقل إليهم عن أسلافهم أعداء الحقّ وأنصار الباطل. ونفس الأمر قد جرى على أنبياء الله ورسله سلام الله عليهم. وليس بمنسيّ ما جرى على المصطفى والمرتضى صلى الله عليهما وآلهما من بغض وشدّة كره من أتباع الشيطان وضلاّل الأمّة.
كما أنّ المقارنة بالمسرف الثقفي ليس لها محلّ في البين، للبون الشاسع بين سيف الحقّ وسيف الباطل الذي كان يحمله ذلك الحجّاج السفاح.


أما الرواية الرابعة:

فإذا كان من أمر المدعوّ محمد بن علي الكوفي أنّه قد دسّ اسم الحنّاط وغيره في مرويّاته تحت أسانيدها، فيا ترى من ذا الذي دسّ اسم علي بن الحسين ـ والد الصدوق ـ فضلاً عن جملة من الأجلاّء الذين رووا عنه؟!
كما أنّ عدم استتابة الإمام عجّل الله تعالى فرجه لأحد، لا يعدو عن كونه ائتماراً بالكتاب الذي معه. وأيضاً لعلمه عجّل الله تعالى فرجه بعدم جدوى الاستتابة في البين.


أما الرواية الخامسة:

ووردت عن إمامين معصومين سلام الله عليهما بالمثل أو بالنحو.
الأولى: وردت عن الإمام علي بن الحسين سلام الله عليهما كما في خرائج الراوندي، حيث قال: وقيل لعلي بن الحسين سلام الله عليهما: صف لنا خروج المهدي، وعرّفنا دلائله وعلاماته؟
فقال: «يكون قبل خروجه رجل يقال له (عوف السلمي) بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق... وقال: ما تستعجلون بخروج القائم عجل الله تعالى فرجه! فوالله ما لباسه الا الغليظ، وما طعامه الا الشعير الجشيب، وما هو الا السيف والموت تحت ظلّ السيف...». (الخرائج والجرائح: 3/ 1155، ح61).
الثانية: عن الإمام الصادق سلام الله عليه بطريقين، الأول: كما ورد في الكتاب. والثاني: عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: ثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب أبو الحسن الجعفي، قال ثنا اسماعيل بن مهران، قال ثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه ووهيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله
سلام الله عليه، أنّه قال: «إذا خرج القائم عجّل الله تعالى فرجه لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف، ما يأخذ منها إلاّ السيف. وما يستعجلون بخروج القائم عجّل الله تعالى فرجه! والله ما لباسه إلا الغليظ، وما طعامه إلا الشعير الجشب، وما هو إلاّ السيف، والموت تحت ظلّ السيف». (غيبة النعماني: 234، ح21).


أما الرواية السادسة:

فقد رويت بطريقين إضافة إلى ما ورد في طريق الكتاب.
الأول: عن أبي عبد الله الحسين بن علي سلام الله عليهما، أنّه قال:
«إذا خرج المهديّ عليه السلام لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف، وما يستعجلون بخروج المهدي! والله ما لباسه إلا الغليظ ولا طعامه إلا الشعير، وما هو إلا السيف، والموت تحت ظلّ السيف». (كلمات الإمام الحسين سلام الله عليه للقرشي: 663، ح16، باب 8 ـ في الأئمة من بعده سلام الله عليه، ونصه سلام الله عليه على إمامة علي بن الحسين سلام الله عليهما، عن عقد الدرر: 228).
الثاني: عن كتاب الفضل بن شاذان، يرفعه إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله سلام الله عليه أنّه قال: «إذا خرج القائم عليه السلام لم يكن بينه وبين العرب والفرس إلا السيف، لا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها الا به». (عنه بحار الأنوار: 52/ 389، ح210).
أقول قولي هذا بعد شكري وامتناني لموفور حظكم وسعة صدركم والحمد لله رب العالمين.
هذا من فضل الله ورسوله وآل بيت رسوله صلوات الله عليهم أجمعين.


(1) وهو تقرير لبعض محاضراته دام ظلّه.