التعارض بين الروايات

للعمل بقواعد التعارض، ينبغي أن نعلم أنّه لابدّ من توافر شروط التعارض والتي من أهمّها وثاقة سنديهما(1)، وعلى فرض صحّة سند كلا الحديثين، فإنّ إعمال الترجيح بينهما هو الذي سيكون حاكماً، حيث يتمّ عرضهما على الكتاب الكريم ومقارنتهما به، فيؤخذ بما يتطابق معه(2).
ولو تجاوزنا هذه المرحلة وتبيّن لنا ـ على سبيل الفرض ـ أنّ كلتا الروايتين مطابقتان للكتاب، يأتي دور مطابقة الرواية مع ما ورد من السنّة القطعية. ثم يأتي دور عنصر الدلالة والظهور، فنختار الرواية الأصرح، وإذا كانتا متساويتين في هذين الجانبين أيضاً، نصل إلى مرحلة التساقط، بناءً على قاعدة «إذا تعارضا تساقطا»، فتكون الروايتان كأن لم تكونا من الأساس في هذا الشأن، وهذه قاعدة اُصولية فقهية معمول بها في باب تعارض الروايات عند الفقهاء. وبناءً على ذلك يكون الأخذ بالرواية الصحيحة السند والموافقة للكتاب والسنّة مأموراً به؛ ولذلك نرجع إلى أنّ سيرة الإمام المهدي
عجّل الله تعالى فرجه تطابق سيرة أجداده الكرام سلام الله عليهم لأنهم كلّهم نور واحد وأنّ شريعة الله تعالى واحدة، وأنه إذا أريد التعرّف على سيرة الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه، فينبغي النظر إلى سيرة أجداده الكرام لاسيّما سيرة جدّيه الرسول الكريم والإمام أمير المؤمنين لنرى كيف كانت سيرتهما صلّى الله عليهما وآلهما.


نماذج من سيرة النبيّ والإمام أمير المؤمنين صلّى الله عليهما وآلهما

ما أكثر ما ورد في التاريخ وفي الروايات الشريفة بشأن مكارم أخلاق النبي وسيرته صلّى الله عليه وآله وبيان عدله وسموّ مجده، بل ها هو القرآن الكريم ينطق باللسان الأفصح عن سيرة الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله، ويرسم له لوحة تعبّر عنها الآية الكريمة أصدق تعبير في قوله تعالى: ()فبما رَحمةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لهم ولَو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفَضّوا من حولكَ)(3).
وفي آية أخرى: ()لقد جاءكُم رسول من أنفسكُم عزيزٌ عليهِ ما عنِتّم حريص عليكم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيم)(4).
إنّ محبّة الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وشفقته على الآخرين كانت عظيمة لدرجة استغلّها بعض ضعاف النفوس من الأعداء كسلاح لمحاربته به، قال تعالى:
()ومنهم الذين يؤذونَ النبيّ ويقولونَ هو اُذُنٌ قل اُذُنُ خيرٍ لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمةٌ للذين آمنوا منكم)(5).
فقد ورد في تفسير هذه الآية الكريمة: أنّه كان سبب نزولها أنّ عبد الله بن نفيل كان منافقاً وكان يقعد لرسول الله صلى الله عليه وآله فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين وينمّ عليه ، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد، إنّ رجلاً من المنافقين ينمّ عليك وينقل حديثك إلى المنافقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من هو؟ فقال: الرجل الأسود الكثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنّهما قِدران، وينطق بلسان شيطان. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره. فحلف أنّه لم يفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد قبلتُ منك، فلا تقعد. فرجع إلى أصحابه فقال: إنّ محمّداً أذُن؛ أخبره الله إنّي أنمّ عليه وأنقل أخباره فقبل، وأخبرته أنّي لم أفعل ذلك فقبل! فأنزل الله على نبيّه: )(ومنهم الذين يؤذون النبيّ ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) أي يصدّق الله فيما يقول له، ويصدّقك فيما تعتذر إليه في الظاهر ولا يصدّقك في الباطن(6).
نعم، هذه هي سيرة الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وفعاله، والإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه يشبه جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله. وعليه، فإنه سيتبع خطى جدّه الكريم لا يحيد عنها قيد أنملة، حيث سيعامل الكافرين بالعدل، فكيف بالمسلمين؟ وهو الذي جاء أصلاً لإقامة أركان العدل، الذي يشكّل تطبيقه مطلباً طبيعياً وفطرياً للإنسان. لذا، فمن غير المعقول أن يسلك نهجاً ينفّر الناس عنه ويجعلهم يتمنّون لو لم يروه، أو أن يدفعهم إلى التشكيك في انتسابه إلى النبي صلّى الله عليه وآله بسبب ما يصدر عنه من العنف والشدّة.
كما أنّ المتمعّن في سيرة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه يجد نفس العدل والرحمة في نهجه عندما يسمع كلمته الرائعة: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور»(7). ولاشكّ في أن يسلك الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه ـ وهو الثمرة الطيبة لهذه الشجرة المباركة ـ ذلك النهج ويقتفي آثار أجداده الأطهار الكرام، لا أن يقيم أسس حكمه على قواعد الشدّة والعنف.
إنّ الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه هو امتداد وشبيه لرسول الله صلى الله عليه وآله في كلّ شيء عدا مقام النبوّة، وللإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في كلّ شيء عدا مقام أبوّة الأئمّة سلام الله عليهم، فجدير بمن يحمل بين جنباته طهر الشجرة المباركة أن يكون الأمثل في تطبيق العدل والرحمة في دولته المباركة.
لقد دعا النبيّ صلى الله عليه وآله ربّه تعالى وسأله هدايته للجهلة من قومه. فحينما ترك المسلمون النبي المصطفى صلى الله عليه وآله في معركة أحد وانساقوا وراء جمع الغنائم، واقتنص المشركون هذه الفرصة وحاصروا الرسول الأكرم وانهالوا عليه بسيوفهم ورماحهم حتى كسروا رباعيّته، قال صلى الله عليه وآله داعياً ربّه المتعال: «اللهمَّ اهدِ قومي، فإنّهم لا يعلمون»(8).
وكذلك الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه تعرّض بدوره لأنواع الأذى والمضايقة خصوصاً في أيّام دولته، إذ طالما أصرّ أعداؤه ومناوئوه على انتهاك حرمته، والتظاهر ضدّه، ولكنه سلام الله عليه كان يردّ على ذلك بالرحمة والكفّ والحوار، ولم يحبّذ أبداً مواجهتهم بالعنف والاعتقال والقتل والإبادة، وكان هذا السلوك الطيّب والحكيم منه سلام الله عليه في الوقت الذي كانت فيه مقدّرات أعدائه ومعارضيه الاقتصادية والاجتماعية طوع يديه، ولو أراد قطْعها عنهم لقطعها تحت ذريعة جملة من مبرّرات الدولة واجتهادها في فعل أيّ شيء، ولكنّه أبى إلاّ أن يسير في الناس بسيرة أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله.


(1) لا أن يكون في سند أحدهما مثل محمد بن علي الكوفي الوضّاع، وفي الآخر علي بن إبراهيم ومحمد بن مسلم اللذان هما من الثقات المعتمدين عند الأئمة سلام الله عليهم. فالمقارنة بين هذين السندين غير صحيحة عقلاً وشرعاً. وعليه؛ فإنّنا نواجه ومنذ الخطوة الأولى معضلة السند؛ وأيضاً فإنّ محمد بن علي الكوفي يرسم في رواياته عن الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه صورة السفّاح الذي يسرف في القتل ويعمّ الهرج والمرج في زمانه، بينما يقول الفقهاء إنّ الأحكام الشرعية تسقط في حال تسبّبها في إحداث الفوضى، فكيف للإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه وهو المحيط بجميع جوانب الدين وأحكامه أن يتسبّب في الهرج والمرج؟ إذن؛ فقد انتفت منذ البداية مسألة التعارض وبطلت، وأنّى لشخصٍ كذّاب أن يعارض فطاحل علم الحديث وثقاته؟
(2) وفي المقام، يكون الرجحان ـ دون شك ـ لتلك التي تصرّح بتشابه سيرة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه مع سيرة جدّه المصطفى صلّى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين علي
سلام الله عليه، لأنّها تتماشى مع ما أمر به الرحمن في كتابه الكريم بقوله تعالى لنبيّه الأعظم صلّى الله عليه وآله: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَليظَ القَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ).
(3) سورة آل عمران، الآية 59.
(4) سورة التوبة، الآية 128.
(5) سورة التوبة، الآية 61.
(6) راجع تفسير القمّي: ج1 ص300، مورد الآية.
(7) نهج البلاغة:ج2 ص 6، رقم 126 من كلام له عليه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء.
(8) بحار الأنوار: ج20، ص21. وهناك حادثة أخرى دعا النبي صلى الله عليه وآله خلالها لقومه في الصفا، وذلك أثناء مراسم الحج في العصر الجاهلي، حيث كان المشركون عاكفين على تقديس آلهتهم، إذ رأوا محمّداً صلوات الله عليه وآله يبلّغ جموع الحجيج الغفيرة ويقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. الأمر الذي أثار غيظهم، فهاجموه يقصدون قتله، ورجموه بالحجارة، حتى سال الدم من جوانب جسده الشريف، وحينما سمع أمير المؤمنين عليه السلام والسيدة خديجة الكبرى بالخبر، أسرعا إلى نجدته ومعالجة جراحاته العميقة والكثيرة.
وبخصوص ذلك، ورد في الرواية عن أمير المؤمنين سلام الله عليه:
«.. ومحمد صلى الله عليه واله صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كُذّب وشُرّد وحُصب بالحصى، وعلاه أبو لهب بسلا شاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال: أن شقّ الجبال، وانتهِ إلى أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأتاه، فقال له: إنّي قد أمرت لك بالطاعة، فإن أمرتَ أطبقتُ عليهم الجبال فأهلكتهم بها. قال صلى الله عليه وآله: إنّما بعثت رحمةً، ربِّ اهدِ أمّتي فإنهم لا يعلمون». بحار الأنوار: ج17، ص275 ـ 276.