ثمّ إنّ هناك أدلّة تدحض تلك الأقاويل، وهي الأحاديث الصحيحة والمعتبرة الواردة في هذا الشأن، والتي تنقل صورة مغايرة تماماً لما أوردته الروايات السابقة، حيث تؤكّد الروايات الصحيحة ـ بما لا يقبل اللبس والغموض ـ على مطابقة نهج الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه في الحكم لنهج جدّيه النبي المصطفى صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليّ سلام الله عليه، ونستعرض هاهنا بعضاً من هذه الروايات:
وهي صحيحة حماد بن عثمان التي نقلها الكليني عن البرقي عن أبيه عن محمد بن يحيى
الخزاز عن حماد بن عثمان عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه قال:
«إن قائمنا أهل البيت إذا قام لبس ثياب عليٍّ وسار بسيرة [أمير المؤمنين] عليٍّ»(1).
وهي صحيحة محمد بن مسلم التي نقلها الشيخ الطوسي في «التهذيب» عن محمد بن الحسن
الصفّار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير ومحمد بن عبد الله بن
هلال، عن العلا بن رزين القلا، عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر سلام الله عليه،
حيث سأله:
إذا قام القائم: بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال الإمام:
«بسيرة ما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يُظهر الإسلام»(2).
نقلها الشيخ المفيد(3) عن المفضل بن عمر عن الإمام جعفر الصادق
سلام الله عليه، وكذلك وردت بسند آخر عن أبي عمر عن جميل بن دراج عن ميسّر بن عبد
العزيز عن الإمام الصادق سلام الله عليه قال:
«إذا أذن الله عزّ اسمه للقائم في الخروج، صعد المنبر، فدعا الناس إلى نفسه،
وناشدهم بالله، ودعاهم إلى حقّه، وأن يسير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه
وآله، ويعمل فيهم بعمله...»(4).
وكذلك ورد وصف دقيق لسيرته عجّل الله تعالى فرجه في إحدى زياراته الشريفة التي
نقلها السيد ابن طاووس رحمة الله تعالى عليه، حيث جاء فيها:
«السلام على الحقّ الجديد... والصادع بالحكمة والموعظة الحسنة والصدق..»(5).
ولا شكّ أنّ الإنسان إذا طالع هذه العبارة وحدها ـ دون ملاحظة ما سبقها ولحقها
المخصّصَين للإمام سلام الله عليه ـ فإنّه سيظن بأنّ المقصود بها النبيّ الأكرم،
لأنه صلى الله عليه وآله ذُكر بمثل هذه العبارة مراراً.
وهي رواية موثّقة وحسنة عن كتاب الغيبة للنعماني، وهذا نصّها:
عن ابن عقدة، عن علي بن الحسن (ابن فضّال) عن أبيه، عن رفاعة عن عبد الله بن عطاء
قال: سألت أبا جعفر الباقر سلام الله عليه فقلت: إذا قام القائم
عجّل الله تعالى فرجه بأيّ سيرة يسير في الناس؟ فقال سلام الله عليه:
«يهدم ما قبله كما صنع رسول الله صلّى الله عليه وآله ويستأنف الإسلام جديداً»(6).
أي كما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هدم أركان الشرك واليهودية والنصرانية
والمجوسية من قبل، فإنّ الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه كذلك سيزيل عن الدنيا
كلَّ ما ينطق ظاهره باسم الإسلام ويستبطن خلافه، ليؤسّس بعد ذلك للإسلام الحقيقي
الأصيل دولته الحقّة.
ومن المعروف أنّ الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وتنفيذاً لأوامر القرآن الكريم،
في قوله تعالى: )(فَبِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً
غَليظَ القَلْبِ لانْفَضّوا منْ حَوْلكَ)(7) هدّم ما قبله بالحسنى واللين، مستخدماً
هذا النهج مع جميع الناس، وليس مع المسلمين وحدهم، وكذلك الأمر بالنسبة للإمام
المهدي
عجّل الله تعالى فرجه الذي سيطبّق النهج ذاته مع المشركين، فكيف بالمسلمين؟!
رواها بأسانيد عديدة جمهرة من المتقدمين والمتأخرين أمثال الصدوق والخزاز القمي
والطبرسي والإربلي وآخرين قدّست أسرارهم :
عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وآله قال:
«التاسع منهم ]من أولاد الحسين سلام الله عليه[ من أهل بيتي ومهديّ أمّتي، أشبه
الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله»(8).
وهل ثمّة أظهر من كلمة «أشبه الناس بي في أفعاله» تدلّ على شبه الإمام المهدي عجّل
الله تعالى فرجه النبي صلى الله عليه وآله في أفعاله؟
إذن سيسلك الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه مع الناس سلوك العفو والرحمة التامة
في عصر ظهوره المبارك، كما سلك جده النبي الأكرم صلى الله عليه واله مع كفار قريش
بعد فتح مكّة المكرّمة، وكما تصرّف أمير المؤمنين سلام الله عليه مع مناوئيه.
عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن حماد بن عثمان، عن الإمام الصادق
سلام الله عليه قال:
«غير أنّ قائمنا أهل البيت إذا قام لبس ثياب عليّ عليه السلام وسار بسيرة علي عليه
السلام»(9).
سند هذه الرواية صحيح لا تعتريه شبهة، وذلك لكون جميع رواتها من الثقات، كما أنّ
مضمونها مطابق لسيرة المعصومين سلام الله عليهم، وهذا المضمون يشير إلى أنّ لظهور
الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه في قلوب الناس عامّهم وخاصّهم، صغيرهم وكبيرهم
محبّةً وشوقاً كبيرين.
عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«أبشّركم بالمهدي يُبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل، يملأ الأرض قسطاً و
عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال
صحاحاً».
فقال رجل: ما صحاحاً؟
قال صلى الله عليه وآله:
«بالسوية بين الناس، ويملأ الله قلوب أمّة محمد غنىً، ويسعهم عدله، حتى يأمر
منادياً ينادي؛ يقول: من له في المال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول:
أنا. فيقول: إئت السادن "يعني الخازن" فقل له: إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً،
فيقول له: احثُ، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه، ندم، فيقول: كنت أجشع أمّة محمّد
نفساً؛ أعجز عمّا وسعهم. فيردّه ولا يقبل منه. فيقال له: إنّا لا نأخذ شيئاً
أعطيناه»(10).
كما جاء في رواية أخرى عنه صلّى الله عليه وآله:
«رجل من ولدي.. يرضى بخلافته أهل الأرض وأهل السماء، والطير في الجوّ»(11).
ومعلومٌ أنّ حبّ أهل الأرض إنّما يجتمع مع الرفق وما أشبه.
وعن أمير المؤمنين سلام الله عليه يصف سيرة ولده الحجّة الموعود بعد ظهوره:
«.. وتُخرج الأرض أفاليذ(12) كبدها، وتلقي إليه سلماً مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة،
ويحيي ميت الكتاب والسنّة»(13).