كثيرة هي الأحاديث الموضوعة في مجال أسلوب الإمام المهدي
عجّل الله تعالى فرجه في إقامة دولته، ناهز عددها الخمسين حديثاً، نُسب سند أكثر من
ثلاثين منها إلى شخص يُدعى محمد بن علي الكوفي، وهو وضّاع سيّئ الصيت اشتهر بعدم
الثقة لدى العلماء.
ويستدلّ على عدم وثاقة محمد بن علي الكوفي هذا من قول الفضل بن شاذان(1) فيه: بأنّه
«رجل كذّاب»(2).
وقال فيه في مناسبة أخرى: «كدت أن أقنت عليه»(3) أي أوشكت أن أدعو عليه في قنوتي.
وفيما يلي نستعرض بعضاً من هذه الروايات:
«... بإسناده رفعه إلى أبي بصير عن أبي جعفر سلام الله عليه في خبر طويل، إلى أن
قال:
وينهزم قومٌ كثير من بني أميّة حتى يلحقوا بأرض الروم فيطلبوا إلى ملكها أن
يدخلوا إليه. فيقول لهم الملك: لا ندخلكم حتى تدخلوا في ديننا و تنكحونا و ننكحكم
وتأكلوا لحم الخنازير وتشربوا الخمر و تعلّقوا الصلبان في أعناقكم والزنانير في
أوساطكم، فيقبلون ذلك فيدخلونهم.
فيبعث إليهم القائم عليه السلام أن أخرجوا هؤلاء الذين أدخلتموهم.
فيقولون: قومٌ رغبوا في ديننا وزهدوا في دينكم.
فيقول عليه السلام: إنّكم إن لم تخرجوهم وضعنا السيف فيكم.
فيقولون له: هذا كتاب الله بيننا و بينكم.
فيقول: قد رضيت به.
فيخرجون إليه، فيقرأ عليهم، وإذا في شرطه الذي شرط عليهم أن يدفعوا إليه من دخل
إليهم مرتدّاً عن الإسلام و لا يردّ إليهم من خرج من عندهم راغباً إلى الإسلام.
فإذا قرأ عليهم الكتاب ورأوا هذا الشرط لازماً لهم، أخرجوهم إليه، فيقتل الرجال
ويبقر بطون الحبالى ويرفع الصلبان في الرماح...»
(4).
عن كتاب الغيبة للنعماني وطبقاً للأسانيد التالية:
«عن علي بن الحسين(5) عن محمد بن يحيى العطار, عن محمد بن الحسن الرازي (غير معروف)
عن محمد بن علي الكوفي, عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي, عن عبد الله بن بكير,
عن أبيه, عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر سلام الله عليه: أيسير (الحجّة) بسيرة محمّد
صلّى الله عليه وآله؟ فقال:
هيهات، هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته!
قلت: جُعلت فداك لِمَ؟
قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله سار في أمّته بالمنّ ؛كان يتألّف الناس،
والقائم يسير بالقتل»(6).
وهي عن محمد بن علي الكوفي, عن البزنطي, عن العلاء، عن محمد؛ قال: سمعت أبا جعفر
سلام الله عليه يقول:
«لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج، لأحبّ أكثرهم أن لا يروه؛ ممّا يقتل من
الناس...
... حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد صلّى الله عليه وآله. لو كان من آل
محمّد صلّى الله عليه وآله لرحم»(7).
وما ذلك إلاّ بسبب إسرافه في القتل! وكأنّ هذه الرواية تتحدّث عن الحجّاج بن يوسف
الثقفي!!
عن محمد بن علي الكوفي, عن البزنطي, عن عاصم بن حميد الحنّاط, عن أبي بصير قال:
قال أبو جعفر سلام الله عليه:
«ليس شأنه إلا بالسيف، لا يستتيب أحداً»(8).
محمد بن علي الكوفي، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة البطائني(9)، عن أبي
بصير عن أبي عبد الله سلام الله عليه أنّه قال:
«ما تستعجلون بخروج القائم! فوالله ... و ما هو إلا السيف، والموت تحت ظلّ السيف»(10).
عن علي بن أبي حمزة البطائني، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله سلام الله
عليه أنّه قال:
«إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف ما يأخذ منها إلاّ
السيف»(11).
كان ما تقدّم بعض الروايات الواردة في هذا الشأن تنتهي كلّها إلى محمّد بن علي
الكوفي والبطائني، وعدا الكوفي والبطائني، هناك غيرهما من الرواة لهذا النوع من
الروايات، التي لا اعتبار لها.
بالإضافة للإشكالات الواردة في أسانيد هذه الروايات؛ لوجود أمثال محمد بن علي
الكوفي وعلي بن أبي حمزة البطائني فيها، فهي أيضاً تتناقض وأساسيات الدين والشرع،
ولا يمكن قبولها وتبريرها.
فمن المعلوم أنّ مهمّة الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه هي إقامة العدل
وطيّ بساط الظلم والجور. وعلى هذا الأساس، فمن غير المعقول أن يحقّق الإمام سلام
الله عليه العدل بسلوك طريق الظلم، أو أن يحيي سنّة جدّه المصطفى
صلّى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين علي سلام الله عليه بإحياء البدع. فسنّة
رسول الله
صلّى الله عليه وآله تحرّم بوضوح إقامة الحدّ على المرأة الحامل، بينما نرى هذه
الروايات تنسب إلى الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه أنّه يفعل ذلك ـ والعياذ
بالله ـ مع المرأة الحامل التي تضطرّ للدخول في الدين المسيحي خوفاً ورهبة منه!
وذلك حسب رواية محمّد بن علي الكوفي.
ينبغي أن نعلم أوّلاً أنّ سيّدنا ومولانا المهديّ عجّل الله تعالى فرجه إمام، وهو
أدرى من أيّ فرد آخر بأحكام الإسلام التي تنصّ على أنّه في حال ارتكاب الحامل أية
جريمة توجب عليها الحدّ، كأن تكون زنت مثلاً وشهد أربعة شهود عدول على ذلك ـ فمع
هذا ـ يحرم إقامة الحدّ عليهـا ما لم تضع حملها. فهل يعقل أن يقوم الإمام المهدي
عجّل الله تعالى فرجه بهذا الانتهاك الفاضح للشريعة الإسلامية ـ وهو الأعلم بها
والأحرص عليها ـ فيبقر بطون الحبالى اللواتي اضطررن للدخول في الدين المسيحي؟ أليست
هذه الرواية من المصاديق الواضحة للكذب؟
وهكذا الحال بالنسبة للرواية الثانية ـ والروايات الأخرى المتقدّمة ـ إذ علاوة على
ضعف سندها، فإنّها تناقض الروايات الصحيحة التي تتحدّث عن محاكاة سيرة الإمام
المهدي عجّل الله تعالى فرجه لسيرة جدّه الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله والتي
سنذكرها لاحقاً إن شاء الله تعالى.
إنّ هذه الافتراءات المنسوبة إلى الإمام المعصوم سلام الله عليه من قِبل بعض
الوضّاعين مرفوضة جملة وتفصيلاً، لأنّنا لو فرضنا أنّ وضّاعاً افترى على مؤمن بأقلّ
من هذا لما قبلناه منه ولا سمحنا بنقله، فكيف إن كان الافتراء بتهمة إعمال القتل
الفظيع على يد الإمام المعصوم سلام الله عليه؟!
والمسألة المثيرة هنا أنّ محمد بن علي الكوفي هذا كان ينسب أكاذيبه إلى الثقات من
الرواة حتى يضفي عليها بعض المصداقية، وهو ما يظهر جلياً من خلال دسّ أسامي بعض
الثقات في سلسلة أسانيده، كما ذكر الحسن بن محبوب في الرواية الخامسة، وغيره في
غيرها.
من الأساليب التي انتهجها أعداءُ أهل البيت سلام الله عليهم تزويرهم للأحاديث
وتحريفها أو وضع أحاديث ونسبتها إليهم، ليقع بذلك التحريف في المعارف والمفاهيم
الإسلامية الصحيحة، وليسقطوا أيضاً العترة الطاهرة من أعين الناس؛ عبر إلصاق مثل
تلك الصور المزيّفة بهم، فيحصل لهم ما يتمنّونه، وهو إبعاد الناس عن التمحور حول آل
البيت النبوي الشريف.
وما أكثر الأكاذيب التي افتراها الوضّاعون ونسبوها للأئمة الأطهار عليهم السلام
وخاصّة للإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، والتمعّن في الروايات أدناه
يكشف عن ذلك:
روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه قال:
«فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي،
فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبينا محمد صلى الله
عليه وآله وسلم، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عزّ وجل، وقال رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم»(12).
«قال يونس: وافيت العراق ، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر سلام الله عليه، ووجدت
أصحاب أبي عبد الله سلام الله عليه متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها من
بعد على أبي الحسن الرضا سلام الله عليه، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من
أحاديث أبي عبد الله سلام الله عليه، وقال لي:
إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبدالله عليه السلام، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك
أصحاب أبي الخطاب، يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله
عليه السلام...»(13).
وعن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد الله سلام الله عليه يقول:
«كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه
المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ
فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه»(14).
هذان نموذجان من المزوّرين والكذّابين الذين ابتُليت بهم الأمّة الإسلاميّة. وما في
بطون الكتب من أمثالهما ما لا يسع المجال ذكرهم.
قال الشيخ الطبرسي(15) في كتابه إعلام الورى:
قالوا: إذا حصل الإجماع على أن لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله و أنتم قد
زعمتم أنّ القائم عجّل الله تعالى فرجه إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب،
وأنّه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقّه في الدين، ويأمر بهدم المساجد والمشاهد،
وأنّه يحكم بحكم داود عليه السلام لا يسأل عن بيّنة، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم،
و هذا يكون نسخاً للشريعة وإبطالاً لأحكامها، فقد أثبتّم معنى النبوّة وإن لم
تتلفّظوا باسمها، فما جوابكم عنها؟
الجواب: إنّا لم نعرف ما تضمّنه السؤال من أنّه سلام الله عليه لا يقبل الجزية من
أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين؛ فإن كان ورد بذلك خبر،
فهو غير مقطوع به.
فأمّا هدم المساجد والمشاهد؛ فقد يجوز أن يختصّ بهدم ما بُني من ذلك على غير تقوى
الله تعالى وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي صلى الله
عليه وآله.
وأما ما روي من أنّه عجّل الله تعالى فرجه يحكم بحكم آل داود لا يسأل عن بيّنة؛
فهذا أيضاً غير مقطوع به، وإن صحّ، فتأويله أن يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم
الإمام أو الحاكم أمراً من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل عنه، و ليس في هذا
نسخ الشريعة...»(16).
فالطبرسي ـ الذي يعدّ من أشهر علماء الحديث ـ يردّ اعتبار الروايات التي تفيد
استخدام الإمام عجّل الله تعالى فرجه للعنف بتلك الصُّور الفظّة.