كيف ينبغي أن يكون المؤمن؟

العلاقة بين الارتكاض والارتكاب

لا تستصغرن ذنبك

الاضطراب لدى ارتكاب الذنب، من الإيمان

ليلة القدر

تزكية النفس واجب عيني

«يا أبا ذر، إنّ نفسَ المؤمنِ أشدُ ارتكاضاً من الخطيئة من العصفور حين يُقذف به في شركه».
في هذا القسم من الوصيّة الشريفة، يشير النبي صلى الله عليه وآله ـ استمراراً للحديث السالف عن الهلع من الذنب، واستفادة من مثالٍ جميل ـ إلى حالة المؤمن أثناء ارتكاب الذنب، حيث يؤكّد عليه وآله الصلاة والسلام أنّ قلب المؤمن حين اقتراف الخطيئة يرتجف أكثر من ارتجاف قلب العصفور الرقيق حين وقوعه في فخّ الصياد.
إنّ كلمة (ارتكاض) تعتبر كلمة غريبة ونادرة الاستعمال بين الكلمات الأخرى. فهذه الكلمة لا وجود لها في نصوص الروايات إلا ما ندر.
والارتكاض: يعني الاضطراب. ولكن للاضطراب مراتب ودرجات.
وحيث إنّ الارتكاض يقف على قمّة مراتب الاضطراب، فإنّه لا يستعمل في أيّ نوع من الاضطراب كان.
ومثال ذلك: إذا ألقيت على رجل من الأعيان تهمة السباب والفحش في القول، فإنّه سينزعج لذلك ويضطرب. وفي هذه الحالة لا يعبّر عن انزعاجه واضطرابه بالارتكاض. ولكن هذا الشخص نفسه إن اتّهِم بتهمة الفسق والفجور، فإنّ الارتكاض في هذه الحالة سيصدق تماماً على انزعاجه واضطرابه؛ لأنّ اضطرابه سيكون في أعلى درجاته، وقد يضطرّ إلى الهجرة عن محلّ سكناه؛ ومن ثم فإنّ الاضطراب ـ حسب أقوال علماء اللغة والبلاغة ـ ذو معنى مشكّك، وله درجاته الخاصّة به.

العلاقة بين الارتكاض والارتكاب

ثمّة قضيّة لطيفة في هذا الحديث الشريف، وهي أنّ النبي المصطفى صلى الله عليه وآله اعتبر حصول الارتكاض في قلب المؤمن من مجرّد ارتكابه الخطأ كافياً، أيّ إنّ المؤمن الحقيقي ـ وفق المنظار النبويّ ـ هو من يهتزّ وجوده لارتكابه الخطأ، وليس بالضرورة أن يكون خطؤه ذنباً أو معصية، ويتّبع ذلك الاضطراب بأشدّ صورة.
نعم؛ إنّ النصّ النبويّ الشريف لم يستخدم كلمة (ذنب أومعصية)، وإنّما استفاد من كلمة (خطيئة) وهي تعني في بعض الأحيان الاضطرار إلى المعصية، أو ترك الأولى، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ وراء انتخاب المعصومين سلام الله عليهم لهذه الكلمة دون غيرها حكمة بالغة وبلاغة فائقة، وهم سلام الله عليهم لا يستعملون الكلمات المترادفة أو القريبة من بعضها في المعنى إلا ضمن انتخاب دقيق وعناية خاصّة. وهكذا فإنّ النبي صلى الله عليه وآله حينما لم يستعمل كلمة (معصية) ولجأ إلى استخدام كلمة (خطيئة) يعني بأنّه كان بصدد تبيين وتأكيد مراتب خاصّة في هذه المعاني المتقاربة.
إذن فاستفادته صلى الله عليه وآله من كلمة (ارتكاض) في هذه الجملة كان هادفاً، وهذه البلاغة النبويّة الحكيمة إنّما كانت من أجل توضيح أهميّة الموضوع ودرجته، ولذلك أدرج صلوات الله وسلامه عليه في حديثه كلمة نادرة الاستخدام، وإلا كان بمستطاعه أن يأتي مثلاً بعبارة (أشد اضطراباً) لانسياقها في نفس المعنى.
والقضية اللطيفة الأخرى ـ في هذا الحديث ـ اختياره صلّى الله عليه وآله للعصفور في وصف درجة الاضطراب، ولاشك أنّ الطير بل الحيوانات جميعاً بما فيها الإنسان أيضاً، يصابون بالاضطراب جميعاً حينما يسقطون في فخّ من الأفخاخ، ولكن يبدو أنّ شدّة اضطراب العصفور آنذاك أكثر وضوحاً، لاسيّما أنه في تلك الحالة المزرية سيمتنع عن شرب الماء والتقاط الحبّ، بل عن كامل حريّته، فتراه يرتطم ببدنه بهذا الجانب وذاك لعلّه يتخلّص من فخّه أو شراكه.

لا تستصغرن ذنبك

يتفاوت الناس في طبيعة اضطرابهم للذنوب، كما يتفاوتون فيما بينهم بكثير من الأمور.
فتارة يقال لأحدهم: لماذا أذنبت؟ فيجيب بأنّه لا يرتكب كبائر الذنوب وإنّما يكتفي بصغائرها مشيراً إلى أمله لأن يحاسبه الله عليها فقط!!
وهذا النوع من التفكير في المحاسبة المأمولة في استصغار الذنوب قد عبّرت عنها الروايات الكريمة بأنّها ذنوب لا تُغفر، لأنّ الاستصغار بحدّ ذاته يعدّ من كبائر الذنوب؛ قال الإمام الصادق سلام الله عليه:
«اتقوا المحقّرات من الذنوب، فإنّها لا تُغفر»(1).
أي مع استصغارها والتهاون في الموقف منها.

الاضطراب لدى ارتكاب الذنب، من الإيمان

وفقاً لما تقدّم؛ إنّ الاضطراب لدى ارتكاب المعصية يعدّ الشرط الأوّل لوجود الإيمان في قلب الإنسان. أما من يقضي كلّ نهاره في ارتكاب الذنوب والمعاصي دون أن ترتجف له شعرة ثم ينام هادئ البال، فهو لاشكّ خارج عن دائرة الإيمان. بينما لو سمع هذا الشخص نفسه بأنّ من المقرّر اعتقاله أو اعتقال أحد أقاربه، فهل تراه ينام ليلته مطمئنّ البال؟ أم هل سيكون لنومه معنى؟ ولذلك فإنّ نومه الهنيء بعد ارتكابه للذنب يعني أنّه محروم من معرفة عظمة الله تعالى وخارج عن دائرة الإيمان.
إنّ على الإنسان أن يحيي في نفسه حالة الاضطراب حين ارتكابه الذنب، كما عليه أن يبذل قصارى جهده ليصل إلى درجة من الإيمان عبر التمرين والممارسة.
نعم، هكذا كان العظماء الصالحون الذين إنّما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الإيمان بوسيلة المراقبة التدريجيّة للنفس.
إنّ قلب المؤمن يشبه إلى حدّ كبير جداً وعاء الماء الذي يصلح بعد حدوث شرخ أو كسر فيه، فهو في ظاهره سالم من العيوب، وقد يحافظ على جميع قطرات الماء المسكوب فيه من الانسياب، ولكنّه في الوقت ذاته لا يبقى وعاءً سالماً.
إنّ أثر ذلك الشرخ في الوعاء يشابه اللوعة والألم للذين يحرقان قلب المؤمن جرّاء ارتكاب الخطيئة. لهذا فإنّ الإيمان لن يترك للمؤمن الحقيقي شعوراً مريحاً حين ارتكاب الذنب، بل إنّه سيستعذب الخير والصلاح ويكره الخطيئة كرهاً حقيقيّاً.
إنّ على الإنسان أن يعي الحكمة الأساسيّة من وجوده في الحياة الدنيا، ثمّ يتصرّف وفق ما يمليه عليه وعيه لفلسفة خلقته، كما عليه أن يعرف بأنّه سيغادر الدنيا لا محالة ذات يوم، وسيدخل عالماً ملؤه الهيبة وحاكميّة العدل.
فكلّ عام ينقضي، يغادر معه عدّة من الأشخاص الذين كانوا بين ظهرانينا، ونتحسّس نحن من جانبنا الفراغ الذي خلّفوه برحيلهم، وهذا كلّه لا يعدو أن يكون رسالة مباشرة لنا نحن الأحياء، ودليلاً على اقتراب يوم الهيبة والعدل.
وجميع الرسائل والإشارات والمواعظ الأخلاقيّة أمور منبّهة، ولكن المرجع في جميع ذلك هو مراقبة النفس ومحاسبتها المستمرّة، لئلا تنفلت من عقالها، ثمّ لا يستطيع صاحبها كبح جماحها أبداً.

ليلة القدر

طبقاً لإحدى الروايات الشريفة؛ فإنّ ليلة التاسع عشر من شهر رمضان تعتبر (ليلة التقدير) والليلة العشرين( ليلة القضاء) أما ليلة الثالث والعشرين فهي (ليلة الإبرام)، وهي كلّها ليالي القدر، ولكن مع تساويهن في هذا المجال إلا أنّ لكلّ واحدة منهنّ خصوصيّاتها التي تميّزها عن غيرها.
وحسب الروايات الكريمة بهذا الشأن؛ سمّيت الليلة التاسعة عشرة بـ (ليلة التقدير) أيّ أنّها الليلة التي تحدّد فيها حدود حياة الإنسان من حيث الكميّة، فتعرف فيها هيكليّة حياته من ناحية السعادة والشقاء، والراحة والألم، والطاعة والمعصية، والغنى والفقر، والصحّة والمرض.
وحينما تنقضي هذه الليلة بطلوع الفجر تُعيّن هيكلية حياة الإنسان وتعلم، وبكلمة: يجري التقدير فيها.
وكذلك يعلم في ليلة التقدير هذه تقدير ابن آدم من حيث الأعمال التي سينجزها، أو المراتب والدرجات التي سيرتقيها. أي أنّه سيعلم من هذه الليلة من هو: «أشد ارتكاضاً من الخطيئة».
وبعد مرحلة (التقدير) تحلّ ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك، والتي فيها يثبّت لابن آدم ما علم وحتم وقُدّر في الليلة التاسعة عشرة. أي أنّ التقدير لمّا عُلم، حلّت مرحلة تفعيل هذا التقدير. تماماً كما يطالع القاضي ملفّ موضوع الدعوى ثمّ يرجع الحق إلى أحد الطرفين في الدعوى، إلاّ أنّه يوكل إصدار الحكم النهائي إلى وقت آخر، فإذا ما سئل القاضي عن مضمون الحكم الذي لم يصدر بعد، فإنّه قد ينبئ به، ولكن صدور الحكم بشكل قاطع قد أرجئ إلى حين آخر.
أما الليلة الثالثة والعشرون؛ فتسمى ليلة (الإبرام) والإبرام لغةً يعني شدّ خيوط الحبل بعد أن كانت منفصلة ومنفكّة، وهنا يعني تأكيد الحكم الحتمي الذي كان قد صدر من قبل، فالتقدير والتثبيت يكون الحكم فيهما غير قابل للنقض في هذه الليلة، رغم إبرام الأحكام الصادرة في هذه المرحلة الحتميّة يمكن أن تبدل وتغيّر بواسطة الإرادة الإلهيّة المطلقة، وذلك طبقاً لمضمون هذه الرواية الشريفة. بعبارة أخرى: إنّ الإبرام والحتم وتحديد البركات والفيوضات هو من جانبنا نحن البشر، وليس من جانب الرب الخالق القادر والمتفضّل في واقع الأمر.
ولعلّ شهر رمضان المبارك وليالي القدر الشريفة ـ وأوقات أخرى مميّزة قد اختصّت لتحقيق هذا الأمر ـ تلزم الفرد المؤمن باستثمارها، باعتبارها فرصاً ذهبيّة.
وإنّنا نلاحظ ـ من جانب ثانٍ ـ أنّ الأئمة المعصومين سلام الله عليهم كانوا حريصين أشدّ الحرص على توضيح هذه الحقائق الرائعة للناس، وليست الروايات الشريفة والأدعية المباركة المخصّصة لهذه المناسبة أو تلك إلا وسائل وآليات كسبٍ واجتذاب للمسلمين كي يدركوا شرف تلكم المناسبات والاستفادة من فضائلها لتحقيق ما يتسنى لهم من الرقيّ والتقدّم في طبيعة النظرة إلى الاستغفار والتوبة، وصقل الشخصية الإيمانيّة باتجاه الحذر من الذنوب والخطايا.
نعم؛ إنّ الوقت المحدّد ومعرفة المناسبة الخاصّة لنهل الفيوضات الربانيّة المباركة قضية مهمّة للغاية ومثمرة في الحين ذاته. ورغم أنّ الله المتعال في شهر رمضان المبارك هو نفسه الرب الوهاب في فترة ما بعد هذا الشهر الفضيل وما قبله، ولكن لموسم الصوم خصوصية وميزة غير موجودة في غيره من المواسم والمناسبات، مثله في ذلك مثل الموسم الزراعي حيث تنشر البذور في الارض، ولو أنّك نثرت أضعافاً مضاعفة من البذور في غير الموسم الخاصّ، ما أينع زرع ولا اشرأبّت نبتة.
وقد نسبت في هذا المعنى أبيات شعرية لطيفة المعنى للإمام أمير المؤمنين علي سلام الله عليه، حيث جاء فيها:

إذا أنـت لــم تــزرع وأبــصرت حـــاصداً

نـدمتَ عـلـى الـتـفريط في زمن البذر

وما إن ليـوم البعث زاد سـوى التقى

تـــزودتـه حــتى القـــيامـة والحشر(2)

أقول: قد يتّفق أن يفتقر المرء إلى أرض زراعيّة، أو يكون عاجزاً عن امتلاك وسائل الزراعة، فتراه لايندم على شيءٍ لأنّه يفتقر إلى أصل القضيّة، وهو القدرة على أن يكون مزارعاً، ولكن النادم الأكبر هو من تتوافر لديه جميع الإمكانات، كالأرض والبذر والماء، غير أنّه لا يحرّك ساكناً ويترك الأرض يباباً، وهو الذي يوصف بأنّه مصاب بداء التفريط المروّع.
وبما أنّ الناس لا يشبه بعضهم بعضاً، كذلك فإنّ مسؤولياتهم متفاوتة في الدنيا، وليس موقف الأب والأخ والابن على حدّ سواء في يوم القيامة، إذ كلُّ له شأن يغنيه، وكلٌ له موقفه وموقعه الخاصّ به، ولعلّ العامل الأساسي في هذا التفاوت هو حجم الاستفادة التي اقتنصها من إمكاناته في دار الدنيا، وكذلك طبيعة أعماله التي قام بها أو لم يقم بها....
فإنّ مفهوم جملة (مثقال ذرة) كفيل بأن يؤثّر كلَّ التأثير في تحديد المصير، ولهذا أصبحت لحظة تدبّر وتعمّق وتفكّر واحدة قادرة على السموّ بالإنسان إلى منزلة وصفها النبي المصطفى صلى الله عليه وآله بقوله: «انصرف الرجل وهو فقيه...»(3).
إذاً؛ فهناك مقاطع زمنية ذات تأثير كبير ومباشر في تحديد ورسم مصير الإنسان، ومن أبرز مصاديق هذه المقاطع ليلة القدر التي بمقدور مختلف الناس أن يستثمروها حسب مستوياتهم، وما يهمّ في شأن هذه الليلة المباركة أن يعرف المحيي لها واجبه الذي عليه أن يودّيه فيها، وماذا عليه أن يحقّق في نفسه من الشروط والمؤهلات.

تزكية النفس واجب عيني

إنّ أوّل شرط لسلوك هذا السبيل هو تزكية النفس، وهي الواجب الوحيد الذي يعتبر واجباً عينياً بما للكلمة من معنى، أي أنّه لا يقبل الاستنابة والبدل، حيث لا يتصوّر إلا صدوره من الإنسان نفسه، فهو واجب شخصيّ فردي مطلق. فلا يستطيع شخص آخر النيابة به عن الآخرين، ولا يستطيع صاحبه استبداله بغيره من الواجبات والفرائض.
لذلك أصبح هذا الأمر واجباً مباشراً، بأن يضع المرء قدمه على طريق إحراز التنفّر عن المعاصي، وهذا التنفّر هو المرحلة الأولى من مراحل تزكية النفس، حيث يرتفع بها ابن آدم درجات ودرجات نحو السمو والرقي ليصل بقلبه إلى قلب ذلك العصفور، بل أشدّ منه ارتكاضاً من الذنوب.
بلى؛ إنّ الهلع من الذنب أحد العوامل التي تقصّر الطريق على ابن آدم، فتأخذ بيده من حضيض المأساة والتخلّف إلى أوج الإدراك وقمّة التفقّه والوعي.
كما أنّ إحياء وتنمية صفة العدالة في الذات عامل آخر من عوامل الرشد والتكامل الحقيقي. فإذا تمكّن المرء من تنمية هذه الملكة الرائعة في نفسه وعجن ذاته بها، ونمت فيه شجرتها الضخمه الفارعة، كان لذلك كلُّ الأثر في صياغة ملكة العدالة عنده، وعليه أن يطمئنّ إذ ذاك إلى أنّه قد خطا خطوة مهمّة وواسعة على صراط الكمال.
ولعلّ اكتساب هذه الصفة والصفات الصالحة الأخرى يتأتّى بواسطة المراس والتمرين وقراءة الأدعية وإحياء ليالي القدر المباركة، والتوجّه الخالص الى الله تعالى عبر قراءة أدعية أبي حمزة الثمالي، والافتتاح، دعاء كميل، فهذه وغيرها تهيّئ الأرضيّة المناسبة واللازمة لغرس جذور الصفات الطيّبة في ذات وروح الإنسان. وبهذه الممارسات الراقية ترتقي النفس الإنسانيّة إلى مراحل أعلى وأعلى، ذلك لأنّ العدالة ـ وكذلك سائر الصفات المحمودة الأخرى ـ ذات مراتب مختلفة ونسبية، ولهذا ترى بعض الناس (عادلاً)، بينما غيره (أعدل)، والثالث أصبح (أعدل من ذاك الأعدل).
ولاشكّ أن سعي ابن آدم نحو الإصلاح لا يصحّ أن ينحصر بزمان دون آخر، أي أن تزكية النفس لابدّ أن تشكل مع ذات ابن آدم اندماجاً جوهرياً، مع جدارة الإشارة الى أنّ شهر رمضان المبارك وخصوصاً ليالي القدر، موسم لتركيز المساعي التي لا شكّ في كونها ستصبح أكثر إثماراً، وقد قال سبحانه وتعالى: (لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر)(4) بمعنى أنّ الفوائد المباشرة وغير المباشرة في هذه الليلة أفضل في واقعها وأرقى من العبادة طيلة ألف شهر.
لهذا ينبغي البحث عن أفضل وأحجى وأهمّ الأعمال في هذه الليلة، أي البحث عن أفضل المقدّمات العبادية الخاصّة بليلة القدر، من قبيل قراءة الدعاء، أو رفع المصاحف على الرؤوس، لإحراز أكبر قدر وأفضل نوع من التمهيدات التي تنتهي إلى صفاء القلوب والتوجّه التام إلى الله تعالى، ليتفضّل بعد ذلك بأحسن التقدير والقضاء والإبرام.
وقد أوصى المتقدّمون من العلماء ـ لمثل هذه الليلة ـ بالقيام بعملين لهما فائدة جمّة.
ذكر الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي، وتبعه في ذلك العلامة المجلسي في بحار الأنوار والشيخ عباس القمّي في مفاتيح الجنان، حيث أوصوا رضوان الله تعالى عليهم بأهميّة بحث القضايا العلمية الإسلامية والخاصّة بأصول وفروع الدين في هذه الليلة المباركة، ثمّ قال الصدوق: «ومن أحيى هاتين الليلتين بمذاكرة العلم، فهو أفضل»(5).
وطبعاً فإنّ إحياء ليالي القدر ومذاكرة العلوم المفيدة ينبغي أن يكونا بعد القيام بالعبادات التمهيديّة وإحراز وكسب الحالات الروحية.
والعمل الآخر: العبادة الخاصّة التي مارسها السيّد ابن طاووس وأوردها في كتابه القيّم (إقبال الأعمال)، وبناءً على القطع بتشرّف هذا العالم الجليل بلقاء مولانا بقية الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنّ من الممكن القول بأنّ هذا النوع من العبادة الخاصّ بليلة القدر المباركة كان موضع تأييد إمام الزمان سلام الله عليه ولكن حيث كان من واجب أصحابه في زمن الغيبة التكتّم على بعض الحقائق، فإنّه لا دليل على إثبات أمر في هذا الإطار.
قال السيّد ابن طاووس رحمه الله بخصوص أعمال ليلة القدر:
لقد نظرت في نفسي وإلى ما يمكن أن يكون الأفضل بين الأعمال في ليلة القدر، حتى توصّلت إلى أنّ أفضل الأعمال في هذه الليلة هو: الدعاء للكفار والمشركين وغير المسلمين لينعم الله عليهم بنعمة الهداية.
وعلى هذا الأساس، كان السيّد ابن طاووس يرفع يديه المباركتين بالدعاء ويطلب إلى ربّه المتعال أن يهدي فلاناً المشرك أو فلاناً الكافر أو فلاناً المسيحي أو فلاناً اليهودي إلى دين الإسلام القويم.
ولعلّ هذا الدعاء بحقّ الكفّار يعقبه ثواب أكبر للشخص الداعي من الأدعية بالشفاء أو الغنا لمريضٍ أو فقير، لأنّ مرض الفرد المسلم أو فقره، أمور مؤقتة، ومن الممكن جبرها بالصحّة والثروة فيما بعد، ولكن البقاء في نيران الكفر والإلحاد الدائمة، ليس أمراً مؤقّتاً ليمكن تجاهله والتغافل عنه.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


(1) الكافي ج2، ص287، باب الاستغفار من الذنوب.
(2) ديوان الإمام علي سلام الله عليه ص210.
(3) روي في بحار الأنوار أنّ رجلاً قصد النبي صلى الله عليه وآله ليعلّمه مبادئ الإسلام، فأحاله النبي صلّى الله عليه وآله على أحد أصحابه ليعلّمه القرآن، = = فكان أوّل ما علّمه سورة الزلزلة المباركة، وحينما بلغ قوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره» قال الرجل: يكفيني، وقام مغادراً، فقيل له: بقي الكثير ممّا تتعلّمه، فقال: لقد تعلّمت ما جئت لأتعلّمه واتضحت لي الحقيقة. فقال النبي الأكرم يصف هذا الرجل الذي استوعب في لحظة واحدة ما كان يتوقع أن يستغرق تعلّمه سنين: «انصرف الرجل وهو فقيه». بحار الأنوار ج89، ص107، باب: فصل التدبر في القرآن.
(4) سورة القدر، الآية: 3.
(5) أمالي الصدوق ص649، المجلس الثالث والتسعون.