استحالة أداء حقوق الله كلّها

العجب بالعبادة

عبادة عابد بني اسرائيل

عبادة أمير المؤمنين

نعم الله لا تُحصى

نعمة التوبة

نعمة الولاية

«يا أبا ذر، إنّ حقوق الله جلّ ثناؤه أعظم من أنْ يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن امسوا وأصبحوا تائبين».
يثير النبي المصطفى صلى الله عليه وآله في هذا المقطع من الوصيّة انتباه أبي ذر رضوان الله تعالى عليه إلى ثلاث قضايا، وهي: العبادة، والشكر، والتوبة.
كما يؤكّد صلى الله عليه وآله بأنّ حقوق الله سبحانه وتعالى على درجة من العظمة بحيث تعجز جميع المخلوقات عن أدائها، وإن استخدموا مطلق قابليّاتهم وواصلوا العبادة والشكر طيلة أعمارهم.
ومن لا طاقة له على تقديم الشكر المطلوب، يفترض به أن يلتزم بواجب التوبة والاستغفار والتضرّع إلى الله تعالى، لعلّه يجبر ضعفه وعجزه عن أداء حقّ الشكر لربّه.
ولعلّ إحدى فوائد وآثار الإقرار بالعجز عن أداء الشكر لله تعالى أن لا يصاب المرء بالغرور والعجب بطاعاته وعباداته.

العجب بالعبادة

من مؤامرات الشيطان ومكائده أنّه يستهدف عبادة ابن آدم ليمزج معها العجب والغرور، بمعنى أنّه قد لا يوسوس للعابد ـ في بعض المرّات ـ بارتكاب هذا الذنب أو ذاك، وإنّما يقصد العبادة بحدّ ذاتها ليصيبها في الصميم، ويأتي على إيمان الإنسان ويهدمه من أسسه.
فقد يقوم المؤمن بأداء صلاته بنيّة خالصة وحضور قلبيّ مقترن بالخضوع والخشوع، ولكنّ الشيطان يدخل عليه من نافذة صلاته ليقول له: لا أحد يصلّي مثلك، ويمتدح ما عنده من الخشوع والتوجّه، حتى يلقي في روعه العُجب والغرور، فيعبّد جادة الانحراف في قلبه وعقله.
عن الإمام الصادق سلام الله عليه قال: قال رسول صلّى الله عليه وآله: بينما موسى عليه السلام جالساً إذ أقبل إبليس وعليه برنس(1) ذو ألوان، فلما دنا من موسى عليه السلام خلع البرنس وقام إلى موسى فسلّم عليه. فقال له موسى: من أنت؟ فقال: أنا إبليس، قال: أنت فلا قرّب الله دارك. قال: إنّي إنّما جئت لأسلّم عليك لمكانك من الله. قال: فقال له موسى عليه السلام: فما هذا البرنس؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم. فقال موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسُه، واستكثر عملَه، وصُغر في عينه ذنبه(2).
وروي عن الصادق عليه السلام أيضاً أنّه قال:
يدخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق(3) فيخرجان من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق، وذلك أنّه يدخل العابد المسجد وهو مدلّ بعبادته ويكون فكره في ذلك ويكون فكرة الفاسق في التندّم على فسقه؛ فيستغفر الله من ذنوبه(4).
والعلّة في ذلك تكمن في أنّ الرجل الصالح قد أدّى عبادةً معيّنة في المسجد، ولم يظلم أحداً، ولكنّه حينما همّ بالخروج، خرج وهو «مدلّ بعبادته» أي أنّه قد دخله العجب واغترّ بعبادته، وهذه الحالة لا تحتاج إلى حركة أعضاء وجوارح، وإنّما الله (يَعلَمُ السِرَّ وَأخفى)(5) ولذلك خرج الصالح فاسقاً بعد أن كان عابداً.
ولكن الفاسق دخل المسجد فرأى صاحبه العابد بحالة من الخضوع والخشوع يتعبّد ويستغفر، ففكّر في نفسه وقال: إذا كان هذا الصالح يتعبّد ويستغفر ويخشع ويخضع، فالويل لي مما ارتكبت من الذنوب، ثمّ تكرّست في ذاته حالة من الندم والتوبة، علماً أنّه لم ترد في الرواية كلمة تشير إلى أن الرجل الفاسق قد مارس الصلاة أو الدعاء داخل المسجد، وإنّما تمّت الإشارة فيها إلى مجرّد الندم والتوبة القلبية، وهذا ما اعتبرته الرواية الكريمة عبادة حقّة.
أجل، لا ينبغي الاغترار بالعبادة، لاسيّما وأنّ حقّ الله تعالى كبير إلى حدّ يعجز فيه العقل عن حدّه والعلم عن وصفه؛ مهما عظما واتسعا، كما تعجز كلّ عبادة وكلّ شكر عن مجاراة عظيم حقّ الله تعالى أو الدنوّ منه.
ولوصف المعنى نقول: لو أنّ رجلاً فاحش الثراء استضافه صديق له فقير، فإنّ هذا الأخير سوف لا يسعه تقديم ما يناسب صديقه الثريّ من طعام ومجلس مهما جهد وسعى، رغم أنّه قد يبذل الكثير من الطاقة والجهد، فتراه يجد نفسه مضطراً إلى الاعتذار إليه على قصوره أو تقصيره، رغم علمه بأنّه حرص على أن لا يبدو مقصّراً، ذلك لأنّ له عقلاً يميّز به حقيقة أنّ ما قدّم غير لائق بضيفه.
وكذلك شأن العبادة، فمهما بدت لصاحبها متكاملة إلا أنّها غير لائقة على سبيل الحتم بمقام الربوبيّة الأجلّ الأقدس، هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى قد قبل عبادات الأنبياء والصالحين وكثير من العباد، وهو غير محتاج لهم أو لعباداتهم.
ولكن لشديد الأسف نرى الشيطان لا يسمح للناس بالتنبّه والالتفات، فهم يتذكّرون ربّهم عند سماعهم موعظة واحدة، ولكن ما إن ينقضي عنهم وقت ليس بالكثير حتى تراهم ينحرفون عن جادة الحقّ، ويعودون بأمسّ الحاجة إلى موعظة أخرى تعيدهم إلى الصواب.
إنّ غواية إبليس لا تختصّ بذنوب الإنسان الظاهريّة فحسب، لأنّ لمؤامراته ومكائده فيما يخصّ الذنوب الخفية والباطنية فاعلية أكبر، لذلك تراه يحرص أكثر ما يحرص على إفساد وتخريب باطن الإنسان وجوهره.
روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه قال لعبد الله بن جندب في معرض تحذيره له من الشيطان:
يا عبد الله؛ لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور، فما يقصد فيها إلاّ أولياءنا(6).
إنّ من المفترض بمن تلقّى بعض العلم، وكان يتمتّع بذهنيّة وقّادة أن يحذر من مرض العجب والغرور، وأن يدرك أنّ ذهنيتّة هذه إنّما هي نعمة ربانيّة قد منحت له من الله تعالى بلا مقابل. وبهذه الذهنيّة التي وهبها الله إيّاه استطاع أن يكون محطّ حاجة الناس، ولكنه بدلاً من أن يلبّي للناس حاجاتهم العلمية والثقافية، تراه ممتلئاً غروراً وعجباً، وهذا من حبائل الشيطان.
إن الشيطان لا يصارح الإنسان بهدفه ونيّته، وإنّما يتسلّل إليه شيئاً فشيئاً، فليقّنه الغرور كلمة كلمة، ويغذّيه بالعجب لقمةً لقمة، وما يحول دون الإصابة بهذه الجراثيم القاتلة هو العلم بأن حقوق الله لا يمكن للإنسان تأديتها على الوجه المطلوب، وأنّ أعماله غير لائقة في محضر الله وساحته القدسية، وأنّ من المفترض به أن يسعى إلى اجتناب المحارم، وإذا ارتكب ذنباً عليه أن يفرّ من ارتكابه ثانية ويتّجه إلى ربّه وحاميه. وإذا عصى الله وارتكب موبقة ـ ولو ـ أربعين مرّة، فما هو المبرّر والداعي لأن يصرّ على الموبقات ويعود لارتكابها ثانية؟! وكذلك لو عصى ألف مرّة، فعليه أن يهجر الذنوب ويحذر من ارتكاب المعصية الأولى بعد الألف!
تستحبّ «الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم» بعد تكبيرة الإحرام في الصلاة وقبل بسملة سورة (الحمد) المباركة. وينبغي أن تقال بكلّ إصرار وعزم؛ ليكون المصلّي في مأمنٍ من الشيطان وإلقاءاته.
لقد كان بمستطاع الله عزّ وجل أن لا يخلق الشيطان؛
(لَوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)(7)
ولكنّه خلقه ليمتحن الناس ويفتنهم، ليُعلم مدى تمسّكهم بأوامر الله تعالى وابتعادهم عن نواهيه.
إنّ الله وهب الإنسان العقل، وغرس فيه الشهوة، وخلق الشيطان يوسوس له، ومنح الإنسان أيضاً الإرادة، ليكتشف ذاته ويرى ماذا يعمل ويختار!
فكما أنّ السوق يعتبر ساحة للتنافس بين التجّار، وكما أنّ من لا يرغب في المنافسة، فليس له دخول مضمار السوق، كذلك هي ساحة الدنيا ومضمار الكدح إلى الله تعالى، فكيف يصحّ تصوّر إنسانٍ في الحياة الدنيا، وهو يرفض الالتزام بقوانين المضمار أو يتجاهل حقيقة الهدف؟
إنّ الإنسان المؤمن يمتاز حتى في الأمور المادية بالسعي للحصول على الثواب من عند الله تعالى؛ بسبب نيّته، على الضدّ من الإنسان غير العارف بربّه، إذ لا شكران لسعيه مهما بنى وشيّد وجمع وفرّق.
إنّ المدرسة والمسجد والحسينيّة وغيرها من مصاديق الخير مضامير السباق إلى كسب رضا الله تعالى واكتساب الفضل والنعم الإلهيّة الكبرى، ومن يتقدّم على منافسه هو الذي يجاهد الشيطان فعلاً، ويجاهد بما أوتي من إمكانات.
صحيح أنّ الناس لا قدرة لهم على أداء حقّ الله تعالى في العبادة، إلا أنّ الله تعالى قد جعل لهم من الخصائص والفرص ما تقرّبهم إليه زلفى، ومنها: أنّه تبارك اسمه قد شرع للمسلمين صوم شهر رمضان ومنحهم فرصة شهر رمضان؛ ليعبّدوا به طريق الوصول إلى الجنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
«أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة»(8).
ففي كلّ نفس للإنسان ثواب، وفي كلّ نومة جزاء حسن.
وأكثر من ذلك: أنّ الله يحبس(9) الشيطان في هذا الشهر المبارك.
وهذه كلّها امتيازات وألطاف إلهية غير متناهية على الناس، يتوجّب عليهم الاستفادة القصوى منها.
روي عن الإمام الحسين عليه السلام، قوله:
إنّ الله عزّ وجلّ اخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في الحسنات، فلا يستصغرنّ أحد منكم حسنة، لأنّه لا يدري فيم رضا الله تعالى. وأخفى سخطه في السيئات، فلا يستصغرنّ أحدكم سيّئة، فإنّه لا يدري فيم سخط الله...(10).
فلا يستصغرنّ المرء أيّة عبادة، مثل الاستغفار قبل الشروع بالدرس، أو قراءة صغار السور القرآنية قبيل النوم.
ومن ناحية أخرى، لا يجدر بالفرد العاقل استصغار أيّ نوع من المعاصي، وإنّما المفترض المحافظة على النفس في مواجهة الشيطان ومنعه دون اقتحامه القلب واحتلاله.

عبادة عابد بني اسرائيل

ورد في الروايات:
«أنّ رجلاً في بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم قرّب قرباناً، فلم يُقبل منه، فقال لنفسه: ما أُتيت إلاّ منكِ، وما الذنب إلا لكِ. قال فأوحى(11) الله تبارك وتعالى إليه: ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة»(12).
ولم تكن عبادته بمعنى أنّه كان يصلّي إحدى وخمسين ركعة في اليوم، أو يصوم شهر رمضان في كلّ عام، وإنّما كان يطلق على العابد عابداً إذا صام نهاره وقام ليله، وقد يكون من السهل قول ذلك، ولكن أن يقوم رجل بهذا النوع من العبادة لمدّة أربعين سنة، فإنّنا لا نجد نظيراً له إلا بما لا يتعدّى رقمه رقم عدد أصابع اليد من بين الملايين من بني إسرائيل.
ترى ماذا لو أراد المرء أن يعبد على هذه الطريقة دائماً؟ إنّه سيتعب ولعلّه يمرض يوماً أو لا يجد ما يقتات به إذا ما واصل العمل بهذا الأمر. فالمهمّة صعبة للغاية، وهذا العابد زاول عبادته وقضى أيّامه المديدة بهذا الشكل من العبادة بمعناها الواقعي. وذات يوم قرّب قرباناً، وكانت الأمم السابقة تعرف قبول قرابينها بعلامات خاصّة بها، مثل أن تنزل ناراً فتحرق القربان، ولكن قربان هذا العابد لم يقع موقع القبول، أي أنّه رُفض بعد أربعين سنة من العبادة، وبعد أن علم العابد عدم تقبّل قربانه، عاد باللوم على نفسه وقال في نفسه: لابدّ من عيب في عبادتي، أو أنّها كانت غير خالصة، لأنّ الله تعالى لا يرفض أحداً أو طلب أحدٍ دون دليل وحكمة، فأعلمه الله تعالى له أنّ قيمة ملامته ومؤاخذته لنفسه أكبر من قيمة عبادته طيلة تلك السنوات.
فإذا كانت عبادة هذا العابد على امتداد أربعين سنة على هذا الشكل، فما أحرج موقع عوامّ الناس الذين لا يعرفون بم يفترون، ولأيّ سبب يتكبّرون؟!
لقد كان هذا العابد محظوظاً حين علم بعد أربعين سنة من العبادة أنّ أعماله غير ذات فائدة، ولكن ماذا يحلّ بالإنسان إذا جهل واقعه وواجهته الآخرة وهو لا يملك الفرصة في جبران مافاته؟
إنّ الأئمة المعصومين سلام الله عليهم حدّثوا أتباعهم بحكاية هذا العابد ليفتحوا عيونهم وآذانهم لدرك الحقائق الإلهيّة والمثوبة الخاصّة بالإنسان.

عبادة أمير المؤمنين

دخل الإمام الباقر عليه السلام على أبيه الإمام السجّاد سلام الله عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخزم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال عليه السلام:
فلم أملك ــ حين رأيته بتلك الحال ــ البكاء، فبكيت رحمة له، فإذا هو يفكر فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي، فقال: يا بنىّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام. فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً، ثم تركها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه(13).
إنّ جميع أعمال الإنسان العبادية قاصرة في محضر الربّ الجليل. وإذا رسخت هذه القاعدة في الأذهان، فلا شك أنّ الذنوب ستتضاءل، هذا فضلاً عن أهميّة إدراك أنّ ما يقوم الأشخاص به من الأعمال، والموفقيّة التي تدفعهم إلى ذلك إنّما هي موفقيّة ربانيّة تقف وراءها الرحمة والنعمة والفضل الإلهي، فالدراسة والعبادة والذهنيّة الصالحة والسعي الدؤوب، إنّما هي توفيقات إلهيّة مباركة، ولولاها لاستحالت فرصة إنجاز أيّ عمل صالح.

نعم الله لا تُحصى

«إنْ تعُدّوا نعمةَ اللهِ لا تُحصوها»(14).
إنّ نعم الله تعالى على الوجود عموماً والإنسان خصوصاً من الكثرة بحيث يعجز العادّون عن حصرها، كما يعجز الإنسان عن إبداء الشكر لله تجاهها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«... وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد»
إنّ أكبر نعمة تفضل الله بها على المؤمنين هي نعمة الإيمان بالربّ الواحد الخالق المتفضّل العادل، ما يحتّم عليهم إبداء الشكر على أنّهم ليسوا من الكفّار. أما أولئك الذين عكفوا على عبادة غير الله طيلة أعمارهم فسيصابون بالحسرة العظمى في يوم القيامة، كما سيرى المؤمنون آنذاك عظمة نعمة الإيمان التي تفضّل الله بها عليهم.
فالإيمان نعمة كبرى، ولتحقّقها شروط كثيرة، مثل: الزمان المناسب، أو كون الأبوين مؤمنين، والمكان المناسب، فيتكوّن من هذه الشروط وغيرها مزيج رائع ينتج عنه انخراط الفرد في سلك الإيمان.

نعمة التوبة

قلنا: إنّ الإنسان أساساً يفتقر إلى القدرة على شكر النعم الإلهية. والأمر الوحيد الذي يستطيع إنجازه، هو السير على طريق التوبة والاستغفار «أمسوا وأصبحوا تائبين».
نعم؛ إنّ للتوبة أن تجبر النقائص والعيوب البشرية، وتغطّي أخطاء الإنسان.
لقد ورد في الأثر الموثّق:
أربع من كنّ فيه لم يهلك على الله بعدهنّ إلا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيّته. وإن هو عملها، كتب الله له عشراً. ويهمّ بالسيئة أن يعملها، فإن لم يعملها لم يكتب عليه شيء، وإن هو عملها أُجّل سبع ساعات...(15).
فإذا ما استلقى شخصان يريدان النوم، وكان في نيّة أحدهما أن يستيقظ في منتصف الليل ليتناول الخمر ـ والعياذ بالله ـ وكان في نيّة الثاني أن يقوم في الوقت ذاته لأداء صلاة الليل ولم يستيقظا، فإنّه سيكتب للثاني ثواب القيام بصلاة الليل، في حين لا يكتب للأوّل أيّ ذنب.
إنّ الذنب لا يدوّن في كتاب الإنسان حتى مرور سبع ساعات، حيث يعطى الفرصة الكافية، لعلّه يقوم بعمل صالح، فيمحى ما ارتكبه من السوء؛ قال الله سبحانه وتعالى:
(إنّ الحسناتِ يُذهبْن السيّئات)(16).

نعمة الولاية

أتباع مدرسة أهل البيت سلام الله عليهم يعيشون اليوم في عصر الغيبة؛ غيبة الإمام المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، وإنّ واحدة من نعم الله تعالى على الشيعة هي الوجود المقدّس لمولانا صاحب العصر والزمان صلوات الله عليه، الأمر الذي يوجب عليهم إبداء مزيد من الشكر تجاهه، وإن من أبرز مصاديق الشكر هو إدخال السرور على قلب الإمام؛ وهو حجّة الله في أرضه.
ولعلّ أكبر ما يدخل السرور على قلبه سلام الله عليه هو القيام بالمسؤوليات الشرعية، أي ضرورة أن نعي هذه المسؤوليات وندرك عمقها ومدى تأثيرها والعمل بموجبها.
وبهذا الصدد يُنقل عن الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله تعالى أنّه كان يعمل كاسباً لمدّة ساعتين كلّ يوم من أيام دراسته للعلوم الدينيّة، وذلك لكي يجني بعض المال الذي يضمن لنفسه إمرار معاشه أثناء دراسته.
وذات يوم شوهد إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف جالساً مع الشيخ الأنصاري الذي كان منهمكاً في بيع أحد الأقفال، فقال الإمام سلام الله عليه في معرض ثنائه على طريقة تعامل الشيخ أثناء البيع بشكل نابع من نفس مخلصة وسلوك ورع، قال لمن كان حاضراً: هكذا كونوا لأقدم بنفسي عليكم(17).
إنّ الشيخ الأنصاري رحمه الله لم يكن معصوماً، ولا ابن إمام معصوم، بل لم يكن من الذريّة الطيّبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، وإنّما قيل إن نسبه يعود إلى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله عليه، فكيف بلغ هذه المرتبة السامية؟ لغد بلغها رحمه الله بسبب النهوض بمسؤولياته كإنسان مؤمن تابع لمدرسة آل البيت سلام الله عليهم؟


(1) البرنس: قلنسوة طويلة، وكان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام. لسان العرب لأبن منظور: ج6، ص26، «مادّة برنس».
(2) الكافي ج2، ص314، ح8.
(3) لا يحكم بالفسق لارتكاب أيّ ذنب كان، ولكن يقال فاسق لمن يتعمّد عدم الاهتمام بأحكام دينه.
(4) بحار الأنوار ج96، ص316.
(5) سورة طه، الآية: 7.
(6) تحف العقول ص301، وصيّته عليه السلام لعبد الله بن جندب.
(7) سورة الرعد، الآية: 31.
(8) بحار الأنوار ج93، ص356، باب46.
(9) للحبس حدود، والحبس هنا بمعنى عجز الشيطان عن قصدنا، إن لم تقصده النفس والشهوة، وإلا فهو عاجز عن القيام بأيّ عمل. فالإنسان بذاته هو الذي يرتكب المعصية في شهر رمضان وغيره بسبب غلبة الشهوة والنفس الأمّارة بالسوء.
(10) الخصال ص209، ج31.
(11) إنّ القول بنوع هذا الوحي أمر جدير بالتحقيق، أكان وحياً خاصّة بهذا العابد، أم هو نوع الوحي الطبيعي الذي كان يحدث في فترات ما قبل الإسلام.
(12) الكافي ج2، ص73، ح3، باب الاعتراف بالتقصير.
(13) وسائل الشيعة الحر العاملي: ج1، ص8.
(14) سورة ابراهيم، الآية: 34.
(15) الكافي ج2، ص429، ح4، باب من يهمّ بالحسنة أو السيئة.
(16) سورة هود، الآية: 114.
(17) لقد رأى زملاء الشيخ الأنصاري رحمه الله إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف جالساً إلى جانب الشيخ، ولكنّهم لم يتعرفوا إليه بادئ الأمر، ثمّ حينما أمرهم بأن يتعاملوا كتعامل الشيخ الأنصاري، وأنه هو الذي سيبادر إلى زيارتهم... لم يتنبهوا إلى حقيقة القصد من هذا الوعد وشخص الإمام، إلا بعد مغادرته دكّان الشيخ وافتقادهم إياه، رغم أنّهم قد خرجوا للبحث عنه...