البداية

نقل هذه الوصية مع أسانيدها العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار؛ قال:
قال أبو الأسود الدؤلي:
قدمت الربذة، فدخلت على أبي ذر، جندب بن جنادة رضي الله عنه، فحدّثنـي أبو ذر قال:
دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده، فلم أرَ في المسجد أحداً من الناس إلاّ رسول الله صلى الله عليه وآله وعليّ إلى جانبه جالس، فاغتنمت خلوة المسجد، فقلت:
يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أوصنـي بوصية ينفعنـي الله بها.
فقال: «نعم، وأكرِم بك يا أبا ذر، إنّك منّا أهل البيت، وإنّـي موصيك بوصيّة فاحفظها، فإنّها جامعة لطرق الخير وسبله، فإنّك إن حفظتها، كان لك بها كِفلان...»(1).
إنّه لمن النادر أن يتفق فيكون النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله جالساً أو ماشياً أو واقفاً منفرداً في المدينة، فإنّ الناس كانوا دائمي المراجعة له لإدارة شؤونهم الماديّة والمعنويّة، وكان صلى الله عليه وآله يستقبل الناس جماعات أو فرادى بثغر باسم وخُلُق عظيم، ليعلّمهم ويزكّيهم ويحلّ مشاكلهم.
فقد تكون هذه الفرصة الثمينة التي تحدّث عنها أبو ذر رحمه الله ـ حيث رأى النبيّ منفرداً ـ الفرصة الوحيدة خلال صحبته فاغتنمها وطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يوصيه بما ينفعه بها الله تعالى.
وقد جاء في الروايات حثّ الإنسان المؤمن على اقتناص فرصة رؤية العالم للسؤال منه عن أحكام الدين، وأنّ فيه الثواب الجزيل(2). لذلك؛ فإنّ على المؤمنين أن يحرصوا شديد الحرص على الاستفادة العلميّة من العلماء، وأن لا يضيّعوا أعمارهم في لهو الحياة ولعبها.


(1) أي ضعفان من الأجر والثواب.
(2) عن أمير المؤمنين سلام الله عليه: لقاء أهل المعرفة عمارة القلوب ومستفاد الحكمة.
وروي أيضاً: زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثواً على الركب. تحف العقول ص393.