على امتداد حياته المليئة بالبركة والرحمة، زوّد الرسول الأكرم صلى الله عليه
وآله بعض أصحابه بمواعظ ووصايا، كان كلّ منها بحراً من الحكمة والموعظة الحسنة.
إحدى هذه المواعظ هي وصيّة النبيّ صلوات الله عليه وآله لصاحبه الجليل أبي ذر
الغفاري رضي الله عنه الزاخرة بالمضامين الأخلاقية الرفيعة والبنّاءة.
تمتاز هذه الوصية بأمور، منها أنّها من الوصايا الطوال، ومنها أنّها وصية زاخرة
بالمضامين الرفيعة؛ الأمر الذي يُعدّ بحدّ ذاته دليلاً على صدورها عن النبيّ الأعظم
صلى الله عليه وآله، مضافاً إلى أنّها ـ من حيث السند ـ تعدّ من النصوص المعتبرة،
حيث رواها العديد من أعاظم العلماء:
منهم الشيخ الطبرسي(1) في كتابه الشهير (مكارم الأخلاق). فمع أنّ الروايات التي يرويها
في هذا الكتاب مرسلة في الغالب ومذكورة بحذف السند، ولكنّه رحمه الله نقل هذه
الرواية بعدّة أسانيد(2).
كما نقل الوصيّة الأمير الزاهد ورّام بن أبي فراس(3) في كتابه المعروف بـ (مجموعة
ورّام)(4). علماً أنّ هذا العالم الجليل يُعدّ ثقةً عند الفقهاء، وأقواله وأفعاله
معتبرة لديهم، حتى أنّ العديد من أعاظم الشيعة اعتبروا سيرته حجّة، في بعض الموارد
التي لم تبلغهم فيها رواية عن المعصوم.
فمثلاً جرت سيرة المتشرّعة على وضع فصّ عقيق في فم الميّت، مع أنّه لم ترد في كتب
الأحاديث رواية على ذلك، والدليل أنّ صاحب «الحدائق»(5) وصاحب «المستدرك»(6) لم يذكرا
شيئاً عن هذه المسألة. ولكن مع ذلك نلاحظ أنّ صاحب «الجواهر»(7) وصاحب «العروة»(8) ذكرا
هذه المسألة في كتابيهما «جواهر الكلام» و«العروة الوثقى» باعتبارها مسألة مستحبّة.
ونحن نعلم أنّ استحباب عمل ما لابدّ أن يكون مسنداً إلى المعصوم سلام الله عليه
قولاً أو عملاً أو تقريراً، ولكن فيما يخصّ هذه المسألة، فإنّ السند الوحيد هو
تصريح السيد ابن طاووس(9) الذي قال فيه:
«وكان جدّي ورّام بن أبي فراس قدّس الله روحه، وهو ممن يُقتدى بفعله، قد أوصى أن
يجعل في فمه بعد وفاته فصّ عقيق عليه أسماء أئمّته صلوات الله عليهم. وقد تقبّل
الفقهاء التالون له استحباب هذا العمل دون أن يصرّحوا بأن لا دليل لهم عليه، وذلك
لأنّ نقل ورّام بمثابة الدليل والحجّة لديهم»(10).
كما قام الفقهاء بنقل مقاطع من هذه الوصية في كتبهم واستدلّوا بها على أنّها من
وصية النبي صلّى الله عليه وآله لأبي ذرّ؛ فقد أشار المحقّق الحلّي(11) في كتابه
(المعتبر) إلى أجزاء من الوصيّة النبويّة الشريفة لأبي ذرّ، واستدلّ بها وصرّح
بأنّها وصيّة النبيّ صلوات الله عليه وآله. والمحقّق رحمه الله معروف بالدقّة
العلميّة الكبيرة ومشهور بجلال المقام ورفعة المنزلة.
أمّا العلاّمة الحلّي(12)؛ فقد تطرّق إلى ذكر هذه الوصيّة الشريفة في مواقع عديدة وكتب
متعدّدة.
كما نقل كاشف اللثام(13) في كتابه المعروف (كشف اللثام) مقتطفات من هذه الوصيّة ونسبها
إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله.
أمّا المحقّق القدير الحاج رضا الهمداني(14) فقد نسب هذه الوصيّة إلى النبيّ الأكرم صلى
الله عليه وآله بعد أن ذكرها في جملة من كتبه.
كما ذكرها العلاّمة المجلسي في كتابه (عين الحياة) قائلاً: «إنّ هذه الوصيّة من
جملة الأخبار المشهورة»(15).
نقل سند هذه الوصيّة الشيخ الجليل رضي الدين، أبو نصر، الحسن بن الفضل الطبرسي في
كتابه «مكارم الأخلاق» قال:
«يقول مولاي أبي طوّل الله عمره الفضل بن الحسن: هذه الأوراق من وصيّة رسول الله
صلى الله عليه وآله لأبي ذر الغفاري، التي أخبرني بها الشيخ المفيد أبو الوفاء، عبد
الجبار بن عبد الله المغربي الرازي، والشيخ الأجلّ الحسن بن الحسين بن الحسن بن
بابويه رحمه الله إجازة، قالا: أملى علينا الشيخ الأجلّ أبو جعفر محمد بن الحسن
الطوسي، وأخبرني بذلك الشيخ العالم الإمام الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني في مشهد
الرضا سلام الله عليه، قال: أخبرنا الشيخ أبو جعفر رحمه الله قال: حدّثنا أبو
الحسين رجاء بن يحيى العبرتائي الكاتب سنة أربع عشرة وثلاثمائة، وفيها مات، قال:
حدّثنا محمد بن الحسن بن شحون، قال: حدّثني أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبي
الأسود(16)...»(17).
كان أبوذر(18) رحمه الله رجلاً عارفاً فطناً، كما نلاحظه في هذه الوصيّة؛ حيث اغتنم
فرصة خلوة المسجد للاستفادة من النبيّ صلّى الله عليه وآله. وکان موضع احترام
وتقدير النبيّ وأهل بيته الطيّبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم. وطبقاً لرأي
العلاّمة المجلسي رحمه الله الوارد في كتاب «عين الحياة» فإنّ ما يستفاد من سياق
الأخبار والروايات الشريفة كون سلمان المحمّدي وأبي ذر الغفاري والمقداد هم أفضل
ثلّة بين أصحاب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، بعد طبقة المعصومين الأربعة عشر
(الذين لا يقاس الناس بهم) وبعد ذريّتهم الطاهرة مثل السيّدة زينب الكبرى وأبي
الفضل العباس عليهما السلام.
ولكي نعي عظمة منزلة أبي ذر رضوان الله تعالى عليه، علينا التدبّر في صدر هذه
الوصيّة النبويّة الشريفة، حيث جاء فيها:
«أكرم بك(19) يا أبا ذر، إنّك منّا(20) أهل البيت».
ثمّ إنّ النبيّ الأعظم طالما كرّر في مقاطع وصيّته الشريفة قول: «يا أبا ذر» فقد
تكرر حوالي مئة وخمسين مرّة(21)؛ ما يعكس مدى قرب هذا الصحابيّ الجليل من النبيّ الأكرم
صلى الله عليه وآله.
إنّ سيرة هذا الصحابي الكبير جديرة بالمطالعة والبحث والتأمّل، وحقّ أن تكون
نموذجاً وقدوة طيّبة.
لقد توصّل أبو ذر إلى هذه المنزلة الرفيعة لأنّه كان يتابع النبيّ الأعظم قولاً
وعملاً. ولا شكّ أنّ هذه المتابعة تعدّ إنجازاً صعباً؛ ذلك لأنّ الإنسان ـ في هذه
الحالة ـ سيكون بحاجة إلى توفير عناصر القوّة ليتسنّى له مواجهة شيطانه الداخلي
(النفسي) والخارجي (الاجتماعي) روماً في الانتصار عليهما.
فالفرد إذا ما أراد العمل بوصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله هذه ـ ولو ببند واحد
منها ـ طبقاً لمستوى وعيه وفهمه وقابليته فإنّ الشيطان سرعان ما ينبري إلى إعاقته
عن ذلك، كما أنّ الشهوات ستبدأ فعلها لتقييده. ولكنّ المؤمن الحذر مَن يطبّق تلكم
المواعظ الواردة في الوصيّة بالتدريج ليواجه الشيطان ونفسه الأمّارة بالسوء، ولا
شكّ أنّ هذه المهمّة ممكنة الإنجاز رغم صعوبتها.
إنّنا نعلم أنّ مرتبة العصمة ليست في متناول الجميع، وأنّها خاصّة بجملة من الأشخاص
معلومين، ولكنّ المراتب التالية للعصمة ممكنة للجميع، ولم يجعلها الله تعالى حكراً
على أحد.
أجل، ما يميّز الصحابيّ أبا ذر رضوان الله تعالى عليه أنّه كان بمستطاعه لقاء
الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في أيّ وقت يشاء، أمّا إنسان فترتنا الراهنة
فيفتقر إلى هذه الخاصيّة، ولكن ذلك ليس مبرّراً لئلاّ يكون كأبي ذر. فالمؤكّد في
الأمر قدرة الفرد المؤمن على الارتقاء إلى هذه المنزلة السامية، فإنّ أبا ذر قضى
ردحاً من حياته مشركاً، ومع ذلك بلغ ما بلغ لأنه قرّر لنفسه أن يكون أبا ذر
الصحابيّ المؤمن العظيم.
ولنا أن نتساءل عمّا قام به ورّام بن أبي فراس أو والد الشيخ الصدوق (أبو الحسن علي
بن بابويه)(22) من أعمال لتكون فتاواهما بمثابة السند المعتبر والمقبول لدى الفقهاء؟
إنهما لم يقوما بشيءٍ غير العمل بأوامر أولياء النعم السادة المعصومين سلام الله
عليهم.
وعليه؛ فإنّ الإنسان إذا ما قرّر اتِّباع أوامر المولى فسيلمس حقّاً ما يتبع ذلك من
توفيق ربّانيّ، ولاشكّ أن قدرة الله وتوفيقه أكبر وأقوى من الشهوة والشيطان، فإذا
ما اعتمد الفرد على ربّه وصمّم على المضيّ في هذا الطريق القويم، فسيؤيّده الله
تعالى ولن يسمح للنفس الأمّارة أو الشيطان أن يتغلّبا عليه. فالله سبحانه وعد
بالنصر والتوفيق عبادَه المخلصين.
إنّ الله تعالى جعل الدنيا دار بلاء وامتحان، كما خلق الإنسان حرّاً مختاراً،
ليتبيّن ما الذي سيقوم به.
(ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)(23)