قال رسول الله صلی الله عليه و آله: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها: فأوّلهن: نقض الحكم»(1).
ومن الأمور التي اعتنى بها الإسلام بالغ الإهتمام في تعديله وإصلاحه هي (الهيئة
الحاكمة)، ونعني بها: الذي يحكمون الناس، من مثل: الرئيس الأعلى للبلاد الإسلامية،
الذي يعبّر عنه بـ (الإمام) أو (الفقيه العادل) أو (شورى الفقهاء) وحكّام الإمام أو
الفقيه وولاته وعمال الولاة.
فانظر إلى الإسلام كيف يعيّن هؤلاء، وكيف أتقن في أمورهم.
فالرئيس الأعلى، يجب عليه أن يلاحظ جميع حاجات المسلمين، فيسدها ويغيث الضعفاء
والمضطهدين، ويستمع إلى الفقراء والمساكين، وإليك نقاطاً موجزة عن تاريخ الرئيس
الأعلى في الإسلام:
في مفتتح خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الظاهرية بعد مقتل عثمان خطب
الإمام عليه السلام خطبة ذكر فيها مسؤولية الرئيس الأعلى في الإسلام، جاء فيها ما
يلي:
«إني سمعت رسول الله صلی الله عليه و آله يقول: أيما وال ولي أمر أمتي من بعدي أقيم
يوم القيامة على حدّ الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فإن نجا فبعدله، وإن جار انتقض
به الصراط انتقاضة تزيل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو وعضو من أعضائه مسيرة
مائة عام، يخرق به الصراط، فأوّل ما يلقى به النار أنفه وحر وجهه»(2).
وفي سيرة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه لم يشبع من طعام قط، وكان يقول:
«ولعل بالحجاز أو اليمامة، من لا طمع لـه في القرص، ولا عهد لـه بالشبع»(3).
ومحاسبة الولاة والعمّال كانت في سيرة الإمام علي أمير المؤمنين عليه الصلاة
والسلام لكيلا يستغل بعضهم منصبه ومقامه فيجمع الأموال من أي طريق حصلت ويظلم
النّاس. وسيأتي قريباً نقل بعض رسائل الإمام عليه السلام في ذلك.
وغير هذه الأحاديث.. وغيرها.. كثير.
هذه نماذج من أُسلوب السلطة العليا في نظر الإسلام، وما هو تكليف إمام المسلمين.
وهكذا يجب أن يكون إمام المسلمين وخليفة الله، يهتم بأمور المسلمين.
بينما ترى أنّ معاوية ويزيد والوليد وأضرابهم، بسبب إنحرافهم عن القوانين
الإسلامية، كانوا يجمعون الأموال وينساقون وراء مشتهيات النفس وترك أحكام الله وكان
المسلمون يردّون عليهم ويقتلون بعضهم، ويثورون ضد آخرين منهم بسبب ذلك.
وهنا يجدر بنا أن نقتطف من سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام ما ورد عنه في هذا
الشأن:
«ألا وإنّ لكل مأموم إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه.
ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(4)، ومن طعمه بقرصيه(5).
ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع وإجتهاد، وعفّة وسداد(6). فوالله ما
كنزت من دنياكم تبراً(7).
ولا أدخرت من غنائمها وفراً(8).
ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً(9).
ولا حزت من أرضها شبراً.
ولا أخذت منها إلا كقوت أتان دبرة(10).
ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة»(11).
«بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها
نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك (12) وغير فدك، والنفس مظانها(13) في غد
جدث.
تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها، وأوسعت يدا حافرها،
لأضغطها الحجر والمدر(14) وسد فرجها التراب المتراكم.
وإنما هي نفسي أروضها(15) بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب
المزلق»(16).
«ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة، من لا طمع لـه في القرص(17)، ولا عهد لـه بالشبع. أو أبيت مبطاناً، وحولي بطون غرثى(18) وأكباد حرى (19) أو أكون كما قال القائل:
|
وحسبك داءً أن تبيت ببطنة(20) |
وحولك أكباد تحن إلى القد(21) |
«أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون
أسوة لهم في جشوبة(22) العيش؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همّها
علفها، أو المراسلة شغلها تقممها(23)، تكترش من أعلافها(24) وتلهو عمّا يراد بها(25).
أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة»(26).
«وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران، ومنازلة الشجعان. ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً، والرواتع الخضرة أرق جلوداً، والنابتات العذية(27) أقوى وقوداً، وأبطأ خموداً. وأنا من رسول الله صلی الله عليه و آله كالصنو من الصنو والذراع من العضد»(28).
«والله لو تظاهرت العرب على قتالي، لما ولّيت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها،
لسارعت إليها...
إليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك(29) قد أنسللت من مخالبك(30)، وأفلَتُّ من حبائلك(31)،
واجتنبت الذهاب إلى مداحضك(32).
أين القرون الذين غررتهم بمداعبك(33).
أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك.
ها هم رهائن القبور، ومضامين اللحود، والله لو كنت شخصاً مرئياً، وقالباً حسياً،
لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك
أسلمتهم إلى التلف، وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر(34).
هيهات! من وطئ دحضك زلق(35)، ومن ركب لججك غرق، ومن أزور(36) عن حبائلك وفق، والسالم منك
لا يبالي إن ضاق به مناخه(37)، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه.
اعزبي عني(38) فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس(39) لك فتقوديني».
«وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيئة الله، لأروضن نفسي رياضة تهش(40) معها إلى
القرص، إذا قدرت عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب
معينها(41) مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة(42) من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة(43) من عشبها
فتربض(44)، ويأكل على من زاده فيهجع(45)، قرّت إذاً عينه، إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة
بالبهيمة الهاملة(46)، والسائمة المرعية!
طوبى لنفس أدت إلى ربّها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها(47)، وهجرت في الليل غمضها.. حتى
إذا غلب الكرى(48) عليها، افترشت أرضها، وتوسدت كفّها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم،
وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت(49) بذكر ربهم شفاههم، وتقشّعت(50) بطول استغفارهم
ذنوبهم.
(أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(51). فاتق
الله يا بن حنيف، ولتكفف أقراصك(52)، ليكون من النار خلاصك»(53).
ومن تكاليف الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية، أن تكون معيشته الشخصية ـ في مسكنه،
وملبسه، ومأكله، وغير ذلك ـ مثل أضعف الرعية اقتصادياً.
وهذا ما لا يوجد إلا في الإسلام.
فإنك لا تكاد تجد لذلك من نظير في غير الإسلام.
أما الإسلام فقد طبق ذلك في سيرة الرسول صلی الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه
السلام . ففي نهج البلاغة كلامٌ للإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، جاء فيه:
«إن الله تعالى فرض على أئمة العدل، أن يقدروا(54) أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ(55)
بالفقير فقره»(56).
وقد نقلنا في ما سبق قصّة استغراب أمير المؤمنين عليه السلام عندما سمع صوت المقلي
في بيته.
وبالفعل، فقد طبّق أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام هذه الحكمة الخالدة على
نفسه عندما تسلّم أزمّة الحكم في البلاد الإسلامية.
فقد ورد في الحديث الشريف أنّه عليه السلام كان لا يأكل اللحم في السنة إلا مرة
واحدة فقط وذلك في عيد الأضحى عندما يأكل جميع المسلمين اللحم(57).
أما طول السنة، فلم يكن علي عليه السلام ليأكل اللحم، لأنّ كل يوم من أيام السنة
فربما هناك بعض أفراد من المسلمين لا يجدون لحماً يأكلونه، وعلي عليه السلام يريد
مواساة أضعف رعيته دائماً وأبداً.
أما الولاة(58) وعمّال الولاة(59) وإن كانت أحكامهم أخفّ من الإمام عليه السلام ، ولكن يجب
عليهم أيضاً أن يتخذوا مسلك الإمام عليه السلام ويسيروا بسيرته.
فإذا كان وال أو عامل لا يمضي على حكم الإسلام كان يعزل.
فهذا الوليد حين كان والياً على العراق وشرب الخمر، عُزل وأُتي به إلى المدينة،
وأقام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عليه حدّ شرب الخمر، فضربه ثمانين جلدة.
وفوق هذا: إنّ عثمان بن حنيف الذي كان والياً على البصرة من قبل الإمام أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، حينما حضر مأدبة كان المدعوون فيها من
الأغنياء فقط، كتب إليه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يوبّخه على استجابته لهذه
الدعوة، ويصف لـه نفسه الشريفة ليتّخذها الولاة والعمّال أسوة:
«أما بعد يا بن حنيف، فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة
فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان(60)، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام
قوم عائلهم مجفو(61)، وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقمضه من هذا المقضم(62)، فما اشتبه عليك
علمه فالفظه(63)، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه»(64).
والحديث في هذا المجال طويل..
نكتفي بهذا المقدار المتناسب مع وضع الكتاب.