قال رسول الله صلی الله عليه و آله: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، قضاءً من الله
ورسوله»(1).
اتخذ الإسلام سياسة حكيمة، في ازدياد العمران والزراعة، التي بهما تكون رفعة الدولة
أو سقوطها، وذلك بإباحة الأراضي لمن عمّرها بالبناء، أو الزراعة، أو فتح قناة، أو
شق عين، أو تشييد المصانع والمعامل، أو غير ذلك. وبالتحبيذ إلى العمل والزراعة،
واتخاذ دور وسيعة، وغيرها. فعن النبي صلی الله عليه و آله:
«من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»(2).
وعنه صلی الله عليه و آله: «من أحاط حائطاً على أرض، فهي له»(3).
وعنه صلی الله عليه و آله: «من سبق إلى ما لا يسبقه إليه المسلم، هو أحق به»(4).
فإذا رأى الشخص، أنّ الأراضي مباحة، تعطى دون أي ثمن، وهو حرّ في أن يختار ما يريد
أن يصنع، أو ما يشاء أن يبني، ولا ضريبة عليه، ولا إجازة ولا رواح ومجيء، ولا
معارض، ولا، ولا…
فمن الطبيعي أن يتّخذ كسباً، أو يعمل عملاً، أو يخترع اختراعاً، أو يصنع صناعة.. أو
يعمّر دوراً، أو يتّخذ مزارع، و، و…
وبذلك تزدهر الدولة بالعمارات الكثيرة، والمزارع الوافرة، والصنائع والمخترعات،
وتتسع البلاد ، و، و… وتترقى، وتفوق.
وإليك ما كتبه بعض الکتّاب(5) عن ازدهار العمارات والزراعات في الدولة الإسلامية،
حينما كان يحكمها الإسلام ـ ولو نسبياً ـ، قال:
ولكن كثيراً من المدن الإسلامية أصبحت خراباً بعد ذلك بالقياس إلى ما كان عليه في
عهد الدولة الإسلامية، وخصوصاً العراق أو السواد(6) وعلى الأخص بغداد والبصرة والكوفة
وسائر مدن العراق.
وقد وصف الاصطخري(7) مدينة البصرة وصفاً بمثل ما كانت عليه أرض العراق من العمارة في
عصره، قال: «البصرة مدينة عظيمة، لم تكن في أيام العجم، وإنما مصّرها المسلمون،
وليس فيها مياه إلا أنهار».
وذكر بعض أهل الأخبار، أن أنهار البصرة عدّت أيام بلال بن أبي بردة فزادت على مائة
ألف نهر وعشرين ألف نهر، تجري فيها الزوارق(8). وقد كنت أنكر ما ذكر من عدد هذه
الأنهار في أيام بلال، حتى رأيت كثيراً من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية
سهم، عدداً من الأنهار صغاراً تجري في كلها زوارق صغار، ولكل نهر اسم ينسب به إلى
صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها، فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه
المسافة وعرضها.
فاعتبر المسافة التي تحفر فيها (120,000) نهر، أو ترعة، كم يمكن أن يكون سكّانها؟
وهذا مستغرب عند أهل هذا الزمان، لكنه يدل ـ على كل حال ـ على عمران تلك الأرض.
وأردف قائلاً:
وناهيك ببغداد.. فقد ذكر الإصطخري أيضاً في وصفها كما شاهدها في أيامه ـ في القرن
الرابع للهجرة ـ قال: وتفترش قصور الخلافة وبساتينها من بغداد إلى نهر بين فرسخين
على جدار واحد، حتى تتصل من نهرين إلى شط دجلة، ثم يتّصل البناء بدار الخلافة
مرتفعاً على دجلة إلى الشمّاسية نحو خمسة أميال(9)، وتحاذي الشمّاسية في الجانب
الغربي الحربية، فيمتد نازلاً على دجلة إلى آخر الكرخ… الخ.
ثم قال: فأين هذه العمارات مما صارت إليه بغداد عند اضمحلالها؟.
ثم قال: وقس على ذلك مدينة دمشق وغيرها من المدن التي ضعف أمرها اليوم(10)، وهناك مدن
أخرى كانت يومئذ أي، في الحكومة الإسلامية، في إبان مجدها، فأصبحت الآن اسماً بلا
مسمى، مثل الفسطاط في مصر، والكوفة في العراق، والقيروان(11) في أفريقيا، وبصرى في
حوران، وغيرها(12).
هذه بالنسبة إلى العمارات.
وأمّا الزراعات، فهي أيضاً كانت بكثرة هائلة منقطعة النظير ـ حتى بالنسبة إلى هذه
الأيام التي سهلت فيها الزراعات، وصنعت مكائن تعمل لإستخراج المياه ورش البذور
والحصاد وغيرها ـ.
فالعراق كان يسمّى بـ(أرض السواد) لأنّ الشخص في العراق أين ما كان يذهب أو يحل،
يبصر ـ بمرمى بصره ـ الزراعات، وكان يقول واصفو مزارع العراق: إنّها لا يوجد فيها
فدان غير مزروع.
ومصر كانت مزروعة خصبة في عهد الحكومة الإسلامية.
قال المقريزي ـ وهو من المؤرّخين ـ :
إن هشام بن عبد الملك سنة 107 هجرية، أمر عبد الله بن الحجّاب عامله على خراج مصر
أن يمسحها ـ أي، يستعلم مساحتها ـ فمسحها بنفسه، فوجد مساحة أرضها الزراعية، مما
يركبه النيل 30,000,000 فدان (ثلاثين مليون فداناً).
ويقول جرجي زيدان: مع أنّ مساحة الأرض الزراعية في وادي النيل سنة 1914 مع ما تبذله
الحكومة من العناية في إخصابها وتعميرها لم تتجاوز ستّة ملايين فدان كثيراً.. الخ.
ثم يقول: لأنّ مساحة مصر بما فيها من الواحات في صحراء ليبيا والأرض بين النيل
والبحر الأحمر، وبينه وبين بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) إلى العريش تزيد على
400,000 ميل مربع، وذلك يساوي نحو 187 مليون فدان، فلا غرابة ـ إذن ـ أن يكون
العامر منها (30) مليون فدان.
ثم يردف قائلاً: واعتبر نحو هذا العمران أيضاً في مدن الإسلام الكبرى في الأندلس
مثل: قرطبة وغرناطة وطليطلة، وفي العراق والشام بلاد لا تحصى، كانت في تلك الأيام
مدناً كبرى وأصبحت الآن قرى صغيرة(13).
وهذه الشواهد وإن كانت لا تعطينا صورة تفصيلية عن العمران والزراعة في ظل الحكم
الإسلامي في البلاد الإسلامية كلها، إلا أنها تكفي لأن تكون أنموذجاً عن ذلك.
وما هذا التدهور القهقرائي في الزراعات والعمارات في الدولة الإسلامية إلا من جراء
إزاحة الإسلام عن مجال الحكم والتنفيذ، ومن جراء استبدال الإسلام بقوانين ليست من
الإسلام ولا الإسلام منها، وجعل قيود ثقيلة على الزراعات والعمارات مضافاً إلى
الضرائب.
ولو رجعت الأنظمة الإسلامية ـ اليوم ـ إلى دست الحكم، وأبيحت الأراضي لمن عمّرها
وأحياها، ورفضت القوانين المقيّدة، والضرائب الباهضة، لساد البلاد الإسلامية
العمران الشامل، وأكثر من تلك الزراعات، وبهما تترقى الدولة الإسلامية، وتزدهر في
جميع النواحي، وتستطيع أن تجعل من نفسها أغنى دول العالم وأرقاها(14).