والقصّة التالية تدلّ بوضوح على مدى قدرة الإسلام في نفي الجرائم:
«في عهد المعتصم العباسي حيث كان المعتصم جالساً على أريكة الحكم، في مجلس ضخم
كبير، يضم كبار العلماء والفقهاء ومن بينهم الإمام محمد بن علي الجواد عليه
السلام(1)، وهو على أبواب العقد الثاني من عمره الشريف، يتراءى لهم طفلاً بعد، في
مثل ذلك المجلس، جاؤوا بسارق فتوجّه المعتصم إلى الفقهاء المحدقين به يستفسرهم عن
حكم السارق، فأجمع الكل على أنّ حكمه أن تقطع يده لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا)(2)، لكنهم
اختلفوا في أنّ اليد من أين تقطع؟
فقال بعض الفقهاء، ومنهم أبو داود: تقطع يده من الزند، لقوله تعالى في آية التيمم:
(فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)(3)، فأطلق القرآن كلمة (الأيدي)
وأراد بها من الزند.
وقال آخرون من الفقهاء: بل تقطع يده من المرفق، لقوله تعالى في آية الوضوء:
(فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(4).
فأطلق القرآن كلمة (الأيدي) وأراد بها من المرفق.
هذا كله.. والإمام الجواد عليه السلام لزم جانب الصمت ولم يتكلّم بشيء، ولم يؤيد
واحداً من هذه الآراء، فتطلّع المعتصم إلى رأي الإمام، حيث لم يؤيد هذه الأقوال،
فتوجه إلى الإمام قائلاً:
ماذا تقول أنت يا ابن العم؟!.
الإمام: قالوا وسمعت.
المعتصم: لا بدّ أن تقول رأيك، أي شيء عندك؟.
الإمام: إن كان لابدّ من ذلك، فإنّهم أخطؤوا فيه السنّة، فإنّ القطع يكون من مفصل
أصول الأصابع، ويترك لـه الكفّ.
المعتصم: ولم؟.
الإمام: لقول رسول الله صلی الله عليه و آله: «السجود على سبعة أعضاء، الوجه،
واليدين، والركبتين، وإبهامي الرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع، أو المرفق، لم تبق
لـه يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)
يعني به هذه الأعضاء السبعة (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)(5) وما
كان لله لم يقطع.
فأعجب المعتصم بذلك، وأخذ برأي الإمام عليه السلام(6).