قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً»(1).
الحريات التي سنّها الإسلام للمسلمين ولعامّة الناس لم ير التاريخ الطويل للعالم
لها نظيراً ولا مثيلاً، وحتى هذا اليوم الذي يسمّى أحياناً بـ(عصر الحرّية).
فإنّ الإسلام يعطي لكل فرد من المسلمين، بل وحتى لغير المسلمين من سائر البشر، كامل
الحريّة في جميع المجالات المشروعة، مادام لا يضر بحريّة غيره(2).
وأول ما يبدأ الإسلام بتحرير الناس فيه: الفكر، واختيار الدين. فإنّ الإسلام لايجبر
الناس على دين معيّن أبداً، ولو كانوا في بلاد الإسلام وتحت رعايته وحمايته.
وقد أعلن القرآن الحكيم هذه الحرّية الفكرية بقوله تعالى:
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(3).
وقد نفّذ ذلك رسول الله صلی الله عليه و آله في كل حروبه الدفاعية، وغزواته..
فكانت الانتصارات تلو الانتصارات التي حققها الله تعالى لرسوله الكريم صلی الله
عليه و آله لا تحمله على إجبار الناس باعتناق الإسلام، بل يعرض عليهم الإسلام، فمن
قبله، فهو، ومن لم يقبله، فلا جبر عليه بالقبول.
ومن أبرز الشواهد على ذلك (فتح مكّة).
فمكّة ضغطت على رسول الله صلی الله عليه و آله ثلاثة عشر عاماً بمختلف أنواع
الضغوط: من قتل المسلمين، وتعذيبهم، وشتمهم، وإهانتهم، ومقاطعتهم، وترك مناكحتهم،
وترك مبايعتهم، وترك التكلّم معهم، وتهجيرهم، وسجنهم..
ومكة هي التي تآمرت على قتل رسول الله صلی الله عليه و آله حتى أمره الله تعالى
بالخروج منها ليلاً، فخرج صلی الله عليه و آله منها خائفاً يترقّب.
ومكّة هي التي قادت المسيرة ضد رسول الله صلی الله عليه و آله طيلة عشرين سنة
تقريباً.
ومكّة هي التي أقامت العشرات من الحروب الدموية الطاحنة لتحطيم الإسلام والمسلمين.
وهكذا دواليك..
ثم جاء دور انتصار الرسول صلی الله عليه و آله على مكّة، ووصل زمن وعد الله تعالى
للرسول الأعظم صلی الله عليه و آله:
(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)(4).
وللمسلمين المهجّرين، والمهاجرين، والمعذّبين في سبيل الله:
(لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ)(5).
فدخل رسول الله صلی الله عليه و آله هذا البلد، ودخل معه الجيش الإسلامي.
أترى أجبر النبي صلی الله عليه و آله أحداً من المشركين على الإسلام؟
كلا!
فحرّية العقيدة من دستور الإسلام.
وهذا الموقف من رسول الله صلی الله عليه و آله تجاه أهل مكّة فريد في تاريخ
الفتوحات، والإنتصارات. إلا اللهم في تاريخ الأنبياء والمرتبطين بالله تعالى من
الأوصياء والأولياء عليهم السلام.
وفعل النبي صلی الله عليه و آله ـ تعميقاً في الخير والحب العام ـ أكثر من ذلك.
فإنه کما ذكرنا سابقاً، إنّ شخصاً ممّن کان في جيش النّبي أخذ راية بيده وجعل يدور
في أسواق وسكك مكّة ويصيح:
«اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة»(6).
فبلغ ذلك رسول الله صلی الله عليه و آله فأمر الإمام علياً عليه السلام أن يأخذ
الراية بيده ويعلن بضد ذاك النداء.
فأخذ علي عليه السلام راية الإسلام بيده وجعل يصيح في طرق وشوارع مكّة:
«اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرمة».
أترى أي فاتح ـ غير الرسول صلی الله عليه و آله ـ في مثل مكّة وموقفها من الرسول
صلی الله عليه و آله فعل مثل ذلك؟
إنّه الإسلام الذي جاء لإسعاد البشر حتى الذي لا يؤمن بالإسلام يريد لـه الخير ويحب
لـه النجاة..
إنّها من أبعاد الحرّية في الإسلام.
وكانت سيرة رسول الله صلی الله عليه و آله عندما يفتح البلاد أن يرسل إلى أهلها
حاكماً، أو قاضياً، أو معلّماً للقرآن والأحكام..
فيقوم هؤلاء ببث الثقافة الإسلامية بين أهل تلك البلاد، فمن قبل وآمن فحباً وكرامة،
ومن ترك ولم يؤمن فشأنه.
ومن الشواهد البارزة لذلك: إنّ مكّة، والمدينة، وما حولهما من القرى والأرياف، كان يعيش فيها ـ بكثرة ـ اليهود، والنصارى، والمشركون، حتى وفاة الرسول صلی الله عليه و آله فلم يجبرهم على الإسلام، بل تركهم وشأنهم.
وأساس هذه الحرّية العميقة في القرآن الحكيم آيات عديدة منه، وقد عرض ذلك القرآن
بأسلوب إنساني وعاطفي غاية في اللطف والجمال، قال عزّ وجلّ:
(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ
يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم)(7)…
(وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ
إِلَى الظُّلُمَاتِ)(8).
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ
مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ
علَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي
كَانَتْ عَلَيْهِم)(9).
(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)(10).
(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا)(11).
(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى
رَبِّهِ سَبِيلا)(12).
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)(13).
والإنسان حرّ ـ بنظر الإسلام ـ في مزاولة كل أنواع الأعمال، بمختلف أشكالها،
وأحوالها، في أي زمان ومكان ـ ما لم يضرّ بالآخرين.
انطلاقاً من الآيات القرآنية الآنفة الذكر.
ومن قوله تعالى:
(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ…)(14).
والذي يستفاد منها أنّ كل إنسان ولي نفسه، وهو حرّ في جميع تصرّفاته في نفسه
وأمواله(15).
وقد استنبط فقهاء الإسلام من ذلك قاعدة ثابتة أساسية هي قولهم:
«الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم».
وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي صلی الله عليه و آله:
«إن الناس مسلطون على أموالهم»(16).
وورد عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
«لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً»(17).
فهذه الآيات والأحاديث الشريفة تؤكّد حرّية الإنسان في تصرّفاته الشخصية في جميع
أبعاد الحياة: في نفسه، وماله، كيف شاء، ومتى شاء، وحيث شاء، إلا أن يستغل ذلك في
المضرّات الشخصية كقتل نفسه وإسراف ماله، أو المضرّات الاجتماعية كقتل الآخرين
وظلمهم وغصب أموالهم ونحو ذلك.
وبكلمة واحدة: أي تصرف كان للشخص، في نفسه، أو في أمواله، أو في طاقاته، أو في
طاقات الكون ـ مما لا يزاحم حق إنسان آخر ـ فهو حلال، ولـه الحرّية الكاملة في
مزاولته.
فإن الإسلام يعطي لكل فرد من المسلمين حرية الكسب والتجارة، حرّية العمل والصناعة،
حرّية السفر والإقامة، حرّية الخطابة والكتابة، والحرّية في جميع الأمور.
فالتاجر ـ بحكم الإسلام ـ حر في التجارة من أية نقطة إلى أي بلد، دون حاجة إلى أخذ
إجازة أو رخصة، وليس عليه جمارك ومكوس، ولا للبلاد الإسلامية التي يتّجر فيها حدود.
والمسافر ـ بحكم الإسلام ـ حرّ في أن يسافر من أين شاء إلى حيث يريد، ويتوطّن أي
بلد أراده، دون أن يطالب بجواز سفر، أو إقامة، أو يسأل عن اسمه واسم أبيه وأمه،
وأسماء عشيرته وأقربائه وأصدقائه، أو يسأل عن غاية سفره أو هدفه.
والعمّال، والصّناع ـ بنظر الإسلام ـ أحرار في الأعمال التي يختارونها والصناعات
التي ينتخبونها دون أية معارضة أو منع أو حاجة إلى إجازة أو نحوها..
والكاتب ـ عند الإسلام ـ حرّ فيما يكتب، وما يبثّ وما ينشر، دون رقابة، أو إجازة،
إلا فيما يضرّ المجتمع.