ولعل بالحجاز

الحجاز واليمامة(1) بلاد جافة وأرض جرداء لا زرع فيها ولا ضرع غالباً، خصوصاً في التاريخ الغابر حيث كان يقل ماؤها، ولا عيون فيها إلا نادراً.
ومثل هذه البلاد من الطبيعي أن يشكو أهلها الجوع والبؤس..
لكن لم يكن قد مضى على تأسيس الإسلام بعدُ نصف قرن حيث قال زعيم الدولة الإسلامية وإمام المسلمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة خطبها على جماهير المسلمين وهو يذكر سبب تقشفه وزهده: «ولعل بالحجار أو اليمامة من لا طمع لـه في القرص ولا عهد لـه بالشبع»(2).
فالإمام عليه السلام وهو زعيم أكبر دولة على وجه الأرض ذلك اليوم، لايلقي الكلام بجزم أن هناك في زوايا دولته المترامية الأطراف شخصاً فقيراً واحداً لم يشبع طيلة حياته، ولا إنساناً واحداً لا يطمع في تحصيله على قرص خبز، من أجل عدم التأكد لهذه الدرجة من الفقر، فيلقي الكلام بـ (لعل) وبذلك يذكر السبب لزهده وعدم شبعه من الأكل، لأن الإمام ينبغي لـه أن يواسي أضعف الرعية، وكيف يشبع الإمام علي عليه السلام وربما يوجد في الرعية من لم يشبع.
أما مسألة الموت من الجوع مثل هذا الذي كثر اليوم في بعض بلاد العالم، فذاك ما لا يذكر تاريخ الإسلام الصحيح لـه مورداً واحداً.

وفي السويد

تعتبر السويد اليوم من أرقى بلدان العالم حضارة وتقدماً، ولكنها لا تزال تعاني فقراً شديداً، ويعيش فيها فقراء في منتهى الجوع والبؤس.
ففي استوكهولم عاصمة السويد، تقول عنها بعض الصحف:
في برد السويد ينام البعض من الفقر تحت الثلج، وبعضهم يلتحف بأوراق الصحف ليجدهم الكناسون صباحاً موتى من البرد(3).
فإذا كان في أرقى بلاد العالم ـ كما يقولون ـ يعيش بعض الناس هذه الحالة التعيسة من الفقر فكيف بباقي بلاد العالم..
أليس عظيماً اقتصاد الإسلام الذي ينفي الفقر ـ قبل ثلاثة عشر قرناً ـ حتى لاتكون مسألة الفقر ووجود من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع في طول البلاد وعرضها شيئاً مؤكّداً وحتمياً؟

نصوص الشريعة

النصوص الكثيرة في الشريعة الإسلامية، والأحكام الشرعية، وعمل زعماء المسلمين من النبي والأئمة الطاهرين عليهم السلام هي التي خلقت ذاك الجو الذي لم ير الجوع فيه موضع قدم واحدة، وإليك نماذج من الكثير الكثير:
فعن النبي صلی الله عليه و آله أنّه قال:
«ما آمن بي من أمسى شبعاناً وأمسى جاره جائعاً»(4).
وجاء في (نهج البلاغة) من كلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
«إنّ الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك»(5).
وقال الإمام الصادق عليه السلام في حديث لـه:
«… وإنّ الناس ما افتقروا، ولا احتاجوا، ولا جاعوا، ولا عروا إلا بذنوب الأغنياء»(6).
وقال الإمام الباقر عليه السلام في حديث لـه:
«… ولأن أعول أهل بيت من المسلمين، أُشبع جوعتهم، وأكسو عورتهم، وأكف وجوههم عن الناس أحب إليّ من أن أحج حجّة، وحجّة.. حتى انتهى إلى عشر وعشر مثلها، حتى انتهى إلى سبعين»(7).

الكرامة الاقتصادية

هناك قاعدة معروفة تقول: (الكرامة الاقتصادية تورث الكرامة الاجتماعية).
هذه حقيقة ثابتة في المجتمعات التي لم يكتمل فيها الوعي والفهم في كل الأبعاد.
ولأنّ الكثير من المجتمعات في العديد من مقاطع التاريخ هكذا كانت… ولاتزال.. وربما ستكون أيضاً.
فلم يتغافل الإسلام الاهتمام بها لكي لا يكون المؤمنون والأخيار في ذيل المجتمع لا يعبأ بهم؟ ولا يقدر جانبهم.
من أجل ذلك نرى التحريض الكبير والمؤكّد في المتواتر من روايات أهل البيت عليهم السلام على تحصيل الكرامة الاقتصادية أكثر وأكثر. وأبواب التجارة من كتب (وسائل الشيعة) و(مستدرك الوسائل) و(بحار الأنوار) و(جامع الأحاديث) ونحوها من موسوعات الحديث تطفح بهذه الروايات الشريفة المروية عن النبي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام .
وهناك ملاحظات لطيفة ودقيقة في هذا المجال ـ في ثنايا الأحاديث الشريفة ـ نذكر واحدة منها.

تجارة الموالي

ذكر الكليني رحمه الله في (الكافي) بسنده عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام قال:
«أتت الموالي أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: نشكو إليك هؤلاء العرب، إنّ رسول الله صلی الله عليه و آله كان يعطينا معهم العطاء بالسوية.
وزوج سلمان، وبلالاً، وصهيباً.
وأبوا علينا هؤلاء، وقالوا: لا نفعل.
فذهب إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكلمهم فيهم.
فصاح الأعاريب: أبينا ذلك يا أبا الحسن، أبينا ذلك.
فخرج وهو مغضب يجر رداءه وهو يقول:
يا معشر الموالي: إنّ هؤلاء قد صيروكم بمنزلة اليهود والنصارى، يتزوجون إليكم ولا يزوجونكم.
ولا يعطونكم مثل ما يأخذون.
فاتجروا بارك الله لكم.
فإني سمعت رسول الله صلی الله عليه و آله يقول:
الرزق عشرة أجزاء تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها»(8).
هذا الحديث الشريف يحتوي على عدّة مواضيع إسلامية في الصميم ومهمة بالغة الأهمية وهي بإيجاز كما يلي:
1. شعبية الرئيس الإسلامي الأعلى حتى ليأتيه الموالي وهم مستضعفون في المجتمع لا قدر لهم ولا قيمة، فيفتح الرئيس صدره، ويستمع إليهم، ويفسح المجال لهم، كما يفسح المجال لغيرهم.
2. المساواة الإسلامية العظيمة، على أساس العدل والإنسانية حتى ليجرأ غير العرب، في بلاد العرب أن يرفعوا الشكوى إلى الرئيس الأعلى من أجل استحقارهم من قبل العرب، وهذا ما لا يوجد إلا في الإسلام.
3. قيام أمير المؤمنين عليه السلام وهو الرئيس الأعلى للدين والدنيا، بالوساطة لهم بنفسه ودخولـه على العرب لينصحهم في هذا الحكم الإسلامي المهم، وهو المساواة في الزواج بين العرب وغير العرب على أساس الإسلام والإنسانية.
4. الحرّية الإسلامية الرائعة التي تسمح لأناس عاديين أن يردّوا وساطة مثل أمير المؤمنين عليه السلام .
5. العدل الإسلامي العظيم الذي يتجلّى في عدم قيام أمير المؤمنين عليه السلام برد فعل تجاه ردّ هؤلاء لـه، وعدم قيامه بعتابهم، أو عقابهم، أو منعهم عن بعض حقوقهم، ونحو ذلك مما يفعله معظم الرؤساء في مثل هذه المواقف.
6. تشبيه أمير المؤمنين عليه السلام أولئك العرب الذين ردّوا العمل بحكم إسلامي عظيم جداً أو سياسي خطير باليهود والنصارى في هذا الموقف القومي البغيض الذي جاء الإسلام لرفضه ورفض أمثاله، تعميقاً من الإمام عليه السلام لهذه النقطة السياسية المهمة في الإسلام التي تجمع المسلمين على صعيد واحد ويبنى عليها الاتحاد الإسلامي الشامل.
7. تعليم الموالي طريق الكرامة الإجتماعية، الذي هو في مثل تلك المجتمعات غير المتشبعة بعد بروح الإسلام في كل الأبعاد: هو تحصيل الكرامة الاقتصادية..
لكي يتماسك المسلمون، وتتحد القوميات في ظل الإسلام، ولو عن طريق الكرامة الاقتصادية..
لأنّ القوميات تعشعش غالباً في المحيطات الفقيرة، فإذا كان الغنى وكانت الأراضي والسيارات، والتجارات والقصور.. ونحوها فإنّ القومية تنهار وتزول.
وبالفعل تعلّم أولئك الموالي من أمير المؤمنين علي عليه السلام هذه الحكمة الاجتماعية وسلكوا طريق التجارة، حتى أصبح الكثير منهم تجاراً، وأصحاب أموال، وتزوجوا ـ بعد ذلك ـ من العرب، وتزوج منهم العرب، وتماسك التلاحم العربي العجمي في ظل الإسلام العظيم.


(1) اليمامة: بلاد شرقي مكّة، وقيل: من اليمن، راجع القاموس، ومجمع البحرين.
(2) سيأتي نقل بعض الخطبة التي هذه الفقرة منها إن شاء الله تعالى.
(3) مجلة (الوطن العربي) الصادرة في فرنسا: العدد 94 عام 1978م.
(4) راجع وسائل الشيعة: ج9 ص52 ب7 ح11501 وفيه عنه صلی الله عليه و آله: «فما آمن بي من بات شبعاناً وجاره المسلم جائع..».
(5) نهج البلاغة، قصار الحكم: 328.
(6) وسائل الشيعة: ج9 ص12 ب1 ح6.
(7) وسائل الشيعة: ج9 ص373 ب2 ح1.
(8) الكافي: ج5 ص318ـ319 باب النوادر ح95.