وكانت سياسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مختلف الأبعاد، وفي
كل أمر مارسه، سياسة حكيمة رشيدة، مقتبسة من سياسة الله تعالى خالق البشر والعالم
بأحسن سياسة لهم، والمنزّل للقرآن الحكيم، أجمع دستور حياة عرفه البشر..
ومتبعة لسياسة رسول الله صلی الله عليه و آله التي هي أول وأحكم وأعمق سياسة مارسها
إنسان على وجه الأرض.
لذلك كانت سيرة أمير المؤمنين عليه السلام كلّها سياسة رشيدة.
في أيام رسول الله صلی الله عليه و آله.
وفي أيام مَن قبله.
وفي أيام خلافته الظاهرية.
فلم يدع أمير المؤمنين عليه السلام علي مجالاً للمشعوذين والذين يريدون إلقاء
الخلاف بين المسلمين.
فقد نقل الإربلي قدس سره في كتاب (كشف الغمّة) بسنده عن الإمام الحسين عليه السلام
قال:
«جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسعى بقوم.
فأمرني أن دعوت لـه قنبراً.
فقال لـه علي عليه السلام : أخرج إلى هذا الساعي فقل لـه: قد أسمعتنا ما كره الله
تعالى فانصرف في غير حفظ الله تعالى»(1).
والعدل هو أساس سياسة أمير المؤمنين عليه السلام في كل أمر.
ومن ذلك ما أوصى به ولاته في أهل الكتاب ومنهم اليهود الذين وصفهم القرآن الحكيم
بأنّهم:
(أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ)(2).
فقد ذكر الشيخ الكليني قدس سره في (الكافي) بسنده عن رجل من ثقيف ـ وكان من عمال
أمير المؤمنين عليه السلام ـ قال:
«استعملني علي بن أبي طالب عليه السلام على بانقيا وسواد من سواد الكوفة فقال لي ـ
والناس حضور ـ: انظر خراجك فجد فيه ولا تترك منه درهماً. فإذا أردت أن تتوجه إلى
عملك فمرّ بي.
قال: فأتيته فقال لي: إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج، أو
تبيع دابّة عمل في درهم، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو»(3).
كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم أنّ معاوية لن يُقتل في صفّين وسيبقى ليعيث
الفساد في الأرض، وإنما حاربه لتصحيح خط المسلمين وليسلب الشرعية عن معاوية وحكمه
ومن يأتي من بعده ويبني على أسس معاوية.
وهناك نصوص عديدة في قضايا تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام تنصّ على ذلك.
فقد نقل ابن شهر آشوب رحمه الله عن مينا قال:
«سمع علي عليه السلام ضوضاء في عسكره فقال: ما هذا؟
فقيل: قُتل معاوية.
قال: كلا وربّ الكعبة، لا يقتل حتى تجتمع عليه هذه الأمة.
قالوا له: يا أمير المؤمنين، فلم تقاتله؟
قال: التمس العذر بيني وبين الله»(4).
و نقل أيضاً، عن مروان الأصفر قال:
«قدم راكب من الشام وعلي عليه السلام بالكوفة، فنعى معاوية، فأدخل على علي عليه
السلام فقال لـه علي: أنت شهدت موته؟
قال: نعم، وحثوته عليه.
قال: إنّه كاذب.
قيل: وما يدريك يا أمير المؤمنين أنّه كاذب؟
قال: أنّه لا يموت حتى يعمل ـ كذا وكذا ـ أعمالاً عملها في سلطانه.
فقيل له: فلم تقاتله وأنت تعلم هذا؟
قال: للحجّة»(5).
من سمات أمير المؤمنين عليه السلام الظاهرة في سياسته، بُعد النظر.
وقد دلّت على ذلك الأدلّة النقليّة الكثيرة مضافاً إلى دليل العقل الذي هو العصمة.
وقد وصف ضرار بن ضمرة به أمير المؤمنين عليه السلام عندما سأله معاوية ذلك بعد
استشهاد علي عليه السلام كان قوله: «كان والله بعيد المدى».
ولذلك: لم يول طلحة والزبير على الكوفة والبصرة.
ولذلك أيضاً: لم يبق معاوية على الإمارة.
لما كان يعلم به من تواطئهما مع معاوية ـ جميعاً ـ ضد أمير المؤمنين عليه السلام .
فإليك النصوص التالية:
نقل العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) عن ابن سحيم، عن أبيه أنّه قال: «لما
بويع علي عليه السلام جاء إليه المغيرة بن شعبة فقال: إنّ معاوية من قد علمت، وقد
ولاه الشام من كان قبلك، فولّه أنت كيما تتسق عرى الإسلام ثم أعزله إن بدا لك.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام ـ فيما قال ـ : «لا يسألني الله تعالى عن توليته
على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً».
ثم قرأ قوله تعالى:
(وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)(6)،(7).
ونقل في (البحار) عن ابن أبي الحديد: أنّ علياً عليه السلام قال للزبير يوم بايعه:
«إنّي لخائف أن تغدر بي فتنكث بيعتي؟
قال: لا تخافن فإنّ ذلك لا يكون مني أبداً.
فقال علي عليه السلام : فليَ الله عليك بذلك راع وكفيل؟
قال: نعم الله لك عليّ بذلك راع وكفيل».
وقال ـ بعد حديث ـ : «بعث معاوية رجلاً من بني عبس وكتب معه كتاباً إلى الزبير بن
العوام وفيه:
أما بعد: فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا، واستوثقوا الحلف فدونك الكوفة
والبصرة لا يسبقنك إليها ابن أبي طالب فإنه لا شيء بعد هذين المصرين، وقد بايعت
لطلحة بن عبيد الله من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن
منكما الجد والتشمير.
قال: فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سرَّ به وأعلم به طلحة واقرأه إياه فلم يشكّا
في النصح لهما من قبل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خلاف علي عليه السلام .
قال: وجاء الزبير وطلحة إلى علي عليه السلام بعد البيعة لـه بأيام فقالا لـه: يا
أمير المؤمنين، قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها، وعلمت أنّ رأي
عثمان كان في بني أمية، وقد ولاك الله الخلافة من بعده، فولنا بعض أعمالك.
فقال علي عليه السلام لهما: ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي، واعلما أني لاأشرك
في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي ومن قد عرفت دخيله. فانصرفا عنه وقد
دخلهما اليأس، فاستأذناه في العمرة.
وروي: أنهما طلبا منه أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة.
فقال: حتى أنظر، ثم لم يولهما»(8).
وهذا كله من بُعد نظر أمير المؤمنين عليه السلام في سياسة البلاد والعباد.
فلو كان قد ولى معاوية، وطلحة والزبير، لتآمروا على أمير المؤمنين عليه السلام ،
بعد ما كانت ورقة الشرعية بيدهم بتوقيع أمير المؤمنين عليه السلام .