كان أمير المؤمنين عليه السلام يطبق الإسلام تطبيقاً دقيقا في الأمور الصغيرة
والكبيرة، لأن الأمر الصغير كبير إذا كان حكم الله، والكبير كبير لأنه حكم الله.
فالمقياس حكم الله، وبحسابه يكون كل شيء منتسباً إلى الله تعالى كبيراً.
بهذا المنظار الواقعي العميق كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يقيم سيرته مع
الناس وفي مختلف أدوار الحياة، كما كان عليه السلام هكذا دقيقاً وعميقاً في حياته
الشخصية.
وفيما يلي نذكر بعض النقاط من ذلك ليكون خير أسوة للساسة المسلمين وقادة بلاد
الإسلام.
جاء في كتاب (المناقب) لابن شهر آشوب قدس سره عن ابن مردويه قال: «وسمعت مذاكرة:
إنّه عليه السلام دخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال، فطفئ السراج، وجلس
في ضوء القمر، ولم يستحلّ أن يجلس في الضوء من غير استحقاق»(1).
أترى كم كان يصرف من الزيت هذه اللحظات التي كان يكلّم فيها عمرو بن العاص؟ إنه شيء
يسير جداً.
ولكن علي بن أبي طالب عليه السلام أُسوة وقدوة، فإذا كان واقعياً دقيقاً إلى هذا
الحدّ في أموال المسلمين، فلا تصل النوبة إلى ما وصل اليوم إليه بعض رؤساء بلاد
الإسلام الذي يبذر المليارات.. وعشرات المليارات من أموال المسلمين اعتباطاً
وسرفاً.
ونقل (المناقب) أيضاً عن ابن مردويه قال:
«لما أقبل ـ يعني أمير المؤمنين عليه السلام ـ من اليمن، تعجّل إلى النبي صلی الله
عليه و آله واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه. فعمد ذلك الرجل فكسا كل
رجل من القوم حلّة من البز الذي كان مع علي عليه السلام .
فلما دنا جيشه خرج علي عليه السلام ليتلقاهم، فإذا هم عليهم الحلل.
فقال: ويلك ما هذا؟
قال: كسوتهم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس.
قال عليه السلام : ويلك من قبل أن تنتهي إلى رسول الله صلی الله عليه و آله؟
قال الراوي: فانتزع علي عليه السلام الحلل من الناس وردّها في البز، وأظهر الجيش
شكاية لما صنع بهم»(2).
قال أبو سعيد الخدري:
شكا الناس علياً إلى رسول الله صلی الله عليه و آله.
فقام رسول الله صلی الله عليه و آله خطيباً فقال:
يا أيها الناس لا تشكوا علياً، فوالله إنه لأخشن في ذات الله»(3).
ونقل في (المناقب) أيضاً عن زاذان قال:
«إن قمبراً قدّم إلى أمير المؤمنين عليه السلام جامات من ذهب وفضّة في الرحبة وقال:
إنك لا تترك شيئاً إلا قسّمته، فخبأت لك هذا.
فسلّ سيفه وقال: ويحك لقد أحببت أن تُدخل بيتي ناراً؟
ثم استعرضها بسيفه فضربها حتى انتثرت من بين إناء مقطوع بضعة وثلاثين وقال: عليّ
بالعرفاء.
فجاءوا، فقال عليه السلام : هذا بالحصص»(4).
جامات الذهب والفضّة قد تكون قيمتها أكثر وأكثر ما دامت جامات من قيمتها بعد
كسرها.. ولكن حيث إن أواني الذهب والفضة محرمة، لعلّه لذلك كسرها أمير المؤمنين
عليه السلام ووزعها غير محرم. وهكذا ضرب أمير المؤمنين عليه السلام الرقم القياسي
في التطبيق الدقيق للإسلام.