أمير المؤمنين بين الناس دائماً

عادة أصحاب السلطات يعيشون بعيدين عن المجتمع، ويترفعون عن ممارسة الحاجات الصغيرة بأنفسهم لعدّة أسباب:
1. للجبروت والطغيان.
2. للخوف من المجتمع الذي يمارسون الظلم معه.
3. للفرار من كثرة تراكم الأعمال عليهم.
أما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فهو أبعد ما يكون عن هذه الأسباب كلها.. فعلي عليه السلام أبعد ما يكون عن الجبروت والطغيان.
وأمير المؤمنين عليه السلام لا يظلم أحداً حتى يخافه في دخول المجتمع.
وسيد الوصيين عليه السلام يبحث عن التعب والمشقة في سبيل الله، فكيف يفر عن ذلك.
لذلك كان عليه السلام يمارس الأعمال الصغيرة بنفسه الكريمة بجنب ممارسة الأعمال الكبيرة، ويقضي حاجات الناس بشخصه، يبحث عنها بين الناس ليلاً نهاراً، وفي الحرّ والبرد. وهذا هو الذي كان يطمئن الضعفاء والمساكين والمستضعفين، إلى أن لا يخشوا ظلم الناس لهم، لأنّهم يعلمون أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي بنفسه يبحث في الأزقة والأسواق، والطرق العامّة والمجتمعات الجامعة.. فيسعفهم، ويدفع عنهم كل حيف.
وهذا هو الذي يصد ـ أيضاً ـ الطغاة والمستكبرين عن الظلم وإيذاء الناس، لأنهم يعلمون أنّ علياً عليه السلام لهم بالمرصاد، وهو بشخصه موجود بين أفراد المجتمع، فلا يأمنون في كل لحظة وفي كل مكان أن يكون علي عليه السلام هو الشاهد والحاضر يقبض عليهم متلبسين بالجريمة.
وفيما يلي نذكر نماذج من حضور أمير المؤمنين عليه السلام بين الناس دائماً ليعتبر به قادة المسلمين، فلا يتركوا الشعوب لينعزلوا في الأبراج العاجية بعيدين عن المجتمع فيأمن الظالمون ردعهم، ويخاف المظلومون ظلم الظالمين.

الشفاعة إلى القصّاب

نقل العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) عن كتاب (الخرائج) قال:
روي أنّ قصاباً كان يبيع اللحم من جارية إنسان وكان يحيف عليها، فبكت وخرجت فرأت علياً عليه السلام فشكته إليه.
فمشى عليه السلام معها نحوه، ودعاه إلى الإنصاف في حقها، وكان يعظه ويقول له: «ينبغي أن يكون الضعيف عندك بمنزلة القوي فلا تظلم الناس»(1).

والشفاعة إلى التمّار

نقل ابن شهر آشوب في (المناقب) عن أبي مطر البصري قال:
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرّ بأصحاب التمر، فإذا هو بجارية تبكي، فقال: يا جارية ما يبكيك؟
قالت: بعثني مولاي بدرهم فأبتعت من هذا تمراً، فأتيتهم به فلم يرضوه فلما أتيته به أبى أن يقبله.
قال عليه السلام للتمار: يا عبد الله إنها خادم، وليس لها أمر فاردد إليها درهمها وخذ التمر.
فقام إليه الرجل فلكزه(2).
فقال الناس: هذا أمير المؤمنين.
فربا الرجل(3) واصفر وأخذ التمر ورد إليها درهمها،ثم قال: يا أمير المؤمنين ارض عني!
فقال عليه السلام : ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك.
أو قال: ما أرضاني عنك إذا وفيت الناس حقوقهم»(4).
يظهر من القصّة: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ربما كان جديد النزول بذاك البلد ـ البصرة أو الكوفة ـ أو كان الرجل بائع التمر جديداً بها، فلم يعرف أمير المؤمنين عليه السلام ، ولذلك لكز الإمام.
ولم يعاقبه علي عليه السلام على اللكزة لأنّها قضية شخصية في نظر الإمام، ولايعبأ علي عليه السلام بشخصه من حيث هو شخصه..
ثم إنّ مهمة الإمام عليه السلام الساعة هي ردّ الحيف عن الجارية، وهذه المهمّة ربما تضمحل إذا حاسب الإمام الرجل على اللكزة.
هذه القضايا على صغرها هي التي تربي المجتمع من نواح عديدة، بسبب حضور الرئيس الأعلى للمسلمين بين الناس، يقضي حوائجهم بشخصه وينصح الظالمين، ويأخذ بحق المظلومين.

إصلاح بين زوجين

ونقل في (المناقب) أيضاً عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قال في خبر:
«إنّه رجع علي عليه السلام إلى داره في وقت القيظ، فإذا امرأة قائمة تقول:
إنّ زوجي ظلمني، وأخافني، وتعدّى علي، وحلف ليضربني!
فقال عليه السلام : يا أمة الله اصبري حتى يبرد النهار، ثم أذهب معك إن شاء الله.
فقالت: يشتد غضبه وحرده عليّ.
فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول:
لا والله، أو يؤخذ للمظلوم حقّه غير متعتع.
أين منزلك؟
فمضى عليه السلام إلى بابه فوقف فقال: السلام عليكم.
فخرج شاب.
فقال علي عليه السلام : يا عبد الله، اتق الله، فإنك قد أخفتها وأخرجتها.
فقال الفتى ـ وهو لا يعرف أمير المؤمنين عليه السلام ـ: وما أنت وذاك؟! والله، لأحرقنها لكلامك.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر، تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف؟
قال: فأقبل الناس من الطرق ويقولون: سلام عليكم يا أمير المؤمنين.
فسقط الرجل في يديه.
فقال: يا أمير المؤمنين أقلني عثرتي؟ فوالله، لأكونن لها أرضاً تطأني.
فاغمد علي عليه السلام سيفه وقال: يا أمة الله أدخلي منزلك، ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا وشبهه»(5).

لأعين مظلوماً

نقل الشيخ الجليل محمد بن محمد بن النعمان المفيد رحمه الله في كتابه (الاختصاص)، في حديث طويل عن ابن دأب جاء فيه:
قال: ذكر الكوفيون: إنّ سعيد بن قيس الهمداني رآه ـ يعني علياً عليه السلام ـ في شدّة الحرّ في فناء حائط.
فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟
قال عليه السلام :

«ما خرجت إلا لأعين مظلوماً أو أغيث ملهوفاً»(6).

من هو أضعف مني

ونقل المفيد رحمه الله أيضاً، قال: «وذكروا أنّه عليه السلام توضأ مع الناس في ميضاة المسجد، فزحمه رجل، فرمى به.
فأخذ الدرّة فضربه بها، ثم قال لـه: ليس هذا لما صنعت بي، ولكن يجيء من هو أضعف مني فتفعل مثل هذا، فتضمن»(7).

المنع عن المشي خلفه

نقل العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار)(8)، عن (الكافي) و(المحاسن) بأسانيد صحيحة، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «خرج أمير المؤمنين عليه السلام على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال:لكم حاجة؟
فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولكنا نحب أن نمشي معك.
فقال لهم: انصرفوا، فإنّ مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلّة للماشي.
قال: وركب مرة أخرى فمشوا خلفه فقال عليه السلام :
انصرفوا، فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكى»(9).
النوكى، جمع الأنوك: الأحمق.
وأخرج في (المناقب) عن زاذان: «إنّه عليه السلام كان يمشي في الأسواق وحده..
وهو ذاك يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ:
(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(10)»(11).
وهكذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام بين الناس دائماً، وفي أوساط المجتمع، يعيش مشاكلهم ويحل معضلاتهم، ويؤدّبهم بلسانه وعلمه، وسيرته وأفعاله.


(1) بحار الأنوار: ج41 ص203ـ204 ب110 ح18.
(2) المناقب: ج2 ص112 فصل في حلمه وشفقته. لكزه يلكزه لكزاً: هو الضرب بالجُمع في جميع الجسد، وقيل: اللكز هو القرجء في الصدر بجمع اليد، وكذلك في الحنك. انظر لسان العرب: ج5 ص406 مادة لكز.
(3) خروج النفس بصعوبة لعلة تحدث في الصدر من شدة الخوف.
(4) المناقب: ج2 ص112.
(5) المناقب: ج2 ص106 في المسابقة بالتواضع.
(6) الاختصاص: ص157 من كتاب ابن دأب في فضل أمير المؤمنين عليه السلام .
(7) الاختصاص: ص159 من كتاب ابن دأب في فضل أمير المؤمنين عليه السلام .
(8) بحار الأنوار: ج41 ص55 ب105 ح2.
(9) النوكى: يعني الحمقى، بحار الأنوار: ج41 ص55 ب105 ح2.
(10) سورة القصص: الآية 83.
(11) المناقب: ج2 ص104 فصل في المسابقة بالتواضع.