المساواة في سياسة أمير المؤمنين

الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بنى سياسته ـ كنبي الإسلام صلی الله عليه و آله ـ على المساواة العادلة بين مختلف أفراد الأمّة في تقسيم أموال الأمّة ـ التي هم فيها سواء ـ عليهم بالسوية..
وكان ذلك من السمات البارزة له عليه السلام حتى ورد في عدّ صفاته النادرة في بعض زيارته:
«القاسم بالسوية، والعادل في الرعية»(1).
وتطبيق ذلك كلّف الإمام عليه السلام الكثير من المتاعب، والانشقاقات والحروب وتفرق بعض الرؤوس عنه. لكن أمير المؤمنين عليه السلام لم يعبأ بكل ذلك مقابل تطبيق الإسلام، تطبيقاً كاملاً.
وفيما يلي نذكر نماذج من مساواة أمير المؤمنين عليه السلام مما حفظه التاريخ.

يبدأ بنفسه

بدأ أمير المؤمنين عليه السلام في المساواة بنفسه الكريمة أوّلاً، ثم طبقّها على غيره، لكي لا يكون للناس حجّة.
عندما قُتل عثمان، وبايع المسلمون أمير المؤمنين عليه السلام .. صعد المنبر في مسجد رسول الله صلی الله عليه و آله وخطب في الناس خطبة ذكّرهم بتقوى الله، وشرح لهم سياسته في البلاد والعباد، ثم نزل عن المنبر وأمر بفتح بيت المال، فقال لعمّار: «يا عمّار قم إلى بيت المال، فأعط الناس ثلاثة دنانير لكل إنسان، وارفع لي ثلاثة دنانير. فمضى عمّار وأبو الهيثم مع جماعة من المسلمين إلى بيت المال، ومضى أمير المؤمنين عليه السلام إلى مسجد قبا يصلّي فيه...
فأبى طلحة والزبير وعقيل أن يقبلوها»(2).

سهل وغلامه واحد

سهل بن حنيف من أصحاب رسول الله صلی الله عليه و آله من الأنصار، وقد شهد مع النبي صلی الله عليه و آله بدراً..
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : أنّه ذكر سهل بن حنيف فقال:
«كان من النقباء».
ثم قال عليه السلام :
«ما سبقه أحد من قريش ولا من الناس بمنقبة وأثنى عليه»(3).
وهذا الحصر إضافي ـ على حدّ تعبير الفقهاء ـ بالنسبة للبدريين، أو الأنصار، أو من بقي منهم، غير أهل بيت النبي صلی الله عليه و آله.
وقد روي في تعظيم أمير المؤمنين عليه السلام لسهل هذا أنه عليه السلام كبر عليه لما مات خمساً وعشرين تكبيرة.
فقد ذكر الشيخ الكليني قدس سره عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«كبّر رسول الله صلی الله عليه و آله على حمزة سبعين تكبيرة.
وكبّر علي عليه السلام على سهل بن حنيف خمساً وعشرين تكبيرة.
قال: كبر خمساً، خمساً.
كلّما أدركه الناس قالوا: يا أمير المؤمنين، لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبّر عليه خمساً. حتى انتهى إلى قبره خمس مرات(4).
هذا الرجل العظيم، في هذه المنزلة الجليلة لم يدع أمير المؤمنين عليه السلام المساواة في العطاء بينه وبين عبد أسود لـه قد أعتقه.
فقد روى الشيخ المفيد قدس سره في (الاختصاص)، عن ابن دأب قال:
«ولى علي عليه السلام بيت مال المدينة عمار بن ياسر، وأبا الهيثم بن التيهان فكتب: العربي والقرشي والأنصاري والعجمي وكل من في الإسلام من قبائل العرب وأجناس العجم سواء.
فاتاه سهل بن حنيف بمولى لـه أسود فقال: كم تعطي هذا؟
فقال لـه أمير المؤمنين عليه السلام : كم أخذت أنت؟
قال: ثلاثة دنانير، وكذلك أخذ الناس.
قال عليه السلام : فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة دنانير»(5).
وفي (المناقب): «قام سهل بن حنيف فأخذ بيد عبده فقال: يا أمير المؤمنين، قد أعتقت هذا الغلام، فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف»(6).

أخته ومولاتها عطاء واحداً

نقل الشيخ المفيد قدس سره ، عن ابن دأب ـ في حديث طويل ـ: «... دخلت عليه عليه السلام أخته أم هاني بنت أبي طالب فدفع إليها عشرين درهماً، فسألت أم هاني مولاتها العجمية، فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين عليه السلام ؟
فقالت: عشرين درهماً.
فانصرفت مسخطة.
فقال لها علي عليه السلام : انصرفي رحمك الله، ما وجدنا في كتاب الله فضلاً لإسماعيل على إسحاق»(7).

ولم يفضل الأشراف

نقل العلامة المجلسي رحمه الله عن الشيوخ الأجلة: المفيد والكليني والطوسي وابن ادريس رضوان الله عليهم جميعاً بأسانيد مختلفة:
أنّه أتى أمير المؤمنين عليه السلام رهط من الشيعة ـ عند تفرّق الناس عنه، وفرار كثير منهم إلى معاوية طلباً لما في يديه من الدنيا ـ فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن يخاف خلافه عليك من الناس، وفراره إلى معاوية.
حتى إذا استوسقت الأمور عدت إلى أفضل ما عودك الله من القسم بالسويّة والعدل في الرعيّة.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ويحكم أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام؟
لا والله، لا يكون ذلك ما سمر السمير، وما رأيت في السماء نجماً.
والله، لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم»(8).

مناقشة لطلحة والزبير

طلحة والزبير امتعضا لصنع أمير المؤمنين عليه السلام معهما في المساواة بينهما وبين غيرهما من المسلمين في العطاء، وناقشا أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك، ولكن الحق كان أقوى منهما، وأولى بالاتباع في منطق أمير المؤمنين عليه السلام .
نقل في (مناقب آل أبي طالب) عن أبي الهيثم بن التيهان، وعبد الله بن أبي رافع قالا: إنّ طلحة والزبير جاءا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر.
قال عليه السلام : فما كان يعطيكما رسول الله صلی الله عليه و آله؟
فسكتا!!
قال عليه السلام : أليس كان رسول الله صلی الله عليه و آله يقسم بالسوية بين المسلمين؟
قالا: نعم.
قال عليه السلام : فسنّة رسول الله صلی الله عليه و آله أولى بالاتباع عندكم أم سنّة عمر؟
قالا: سنة رسول الله صلی الله عليه و آله.
ثم قالا: يا أمير المؤمنين، لنا سابقة وعناء وقرابة.
قال عليه السلام : سابقتكما أقرب أم سابقتي؟
قالا: سابقتك.
قال عليه السلام : فقرابتكما أم قرابتي؟
قالا: قرابتك.
قال عليه السلام : فعناؤكما أعظم من عنائي؟
قالا: عناؤك.
قال عليه السلام : فوالله، ما أنا وأجيري هذا إلا بمنزلة واحدة، وأومأ بيده إلى الأجير(9).
وهكذا جرت سيرة علي أمير المؤمنين عليه السلام لتكون نبراساً للأجيال الصاعدة وأملاً للمظلومين والمستضعفين، وكبحاً لجماح المستكبرين والطغاة، فلا يفضل غني على فقير، ولا أبيض على أسود، ولا عربي على عجمي، ولا شريف على وضيع.. إلا عند الله في القيامة بالتقوى.. لا بالمال في العطاء الذي جعلهم الله فيه سواءً في الدنيا.

عفو علي

يحق للحاكم الإسلامي الأعلى أن يعفو عن بعض المجرمين إذا كانت هناك مصلحة أهم من مصلحة تنفيذ العقوبة الإسلامية.
وهكذا يحق للحاكم الأعلى الإسلامي أن يخفف من مقدار العقوبة كماً أو كيفاً إذا دعت المصلحة الأهم إلى ذلك.
والأهمية في ذلك تكون نابعة من الشريعة الإسلامية التي مصدرها القرآن الحكيم، والسنّة المطهرة، وإجماع الفقهاء، والعقل.
والإمام أمير المؤمنين عليه السلام هو أعلم من يعرف هذه المصالح، وهذه الأمور الأهم، ومن أجل ذلك يلاحظ في تاريخه عليه السلام الموارد الكثيرة لعفوه عن المجرمين من تنفيذ العقوبات الإسلامية بحقهم قضاءً لهذه الأهمية.
وفيما يلي نذكر بعض هذه الموارد.

العفو عن مروان

مروان بن الحكم كان من رؤوس النفاق، وكان ممن جهز وشجع الجيش مع عائشة وطلحة والزبير في وقعة الجمل ضد أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان قد أشعل نار الحرب وحرّض أهل البصرة على أن يشقّوا عصا المسلمين..
هذه الحرب التي راح ضحيتها عشرات الألوف.. وعشرات الألوف من المسلمين المصلّين الصائمين..
لكن مع ذلك كلّه فقد عفا أمير المؤمنين عليه السلام عن مروان هذا بعد أسره.
ذكر العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) عن (المناقب) قال:
«وأسر مالك الأشتر يوم الجمل مروان بن الحكم فعاتبه عليه السلام وأطلقه»(10).
ونقل أيضاً عن (الخرائج) رواية أخرى في ذلك كما يلي:
«روي عن أبي الصيرفي، عن رجل من مراد قال: كنت واقفاً على رأس أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال: إن لي حاجة؟
فقال عليه السلام : ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها، تطلب الأمان لابن الحكم؟
قال: نعم، أريد أن تؤمنه.
قال عليه السلام : آمنته، ولكن اذهب إليه وجئني به ولا تجيئني به إلا رديفاً فإنّه أذل له.
فجاء به ابن عباس ردفاً خلفه فكأنّه قرد.
فقال لـه أمير المؤمنين عليه السلام : أتبايع؟
قال: نعم، وفي النفس ما فيها.
قال عليه السلام : الله أعلم بما في القلوب.
فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفّه عن كفّ مروان فنترها، فقال عليه السلام : لا حاجة لي فيها، إنها كفّ يهودية لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بإسته.
ثم قال عليه السلام : هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة»(11).
البغاة: هم الخارجون على إمام عادل.
وحكم أسراهم إذا كانت لهم فئة: القتل.
وكان أصحاب الجمل بغاة. وكانوا فئة. فكان الحكم الأوّلي لله قتل مروان.
لكن المصلحة الإسلامية ـ التي كان يراها أمير المؤمنين علي عليه السلام آنذاك ـ اقتضت العفو عنه بالرغم مما كان يعلمه أمير المؤمنين عليه السلام من خبثه، ولعن النبي صلی الله عليه و آله لـه ولمن في صلبه إلى يوم القيامة إلا المؤمن منهم وهم قليل، وعلمه عليه السلام كذلك: بما سيحدث مروان من فتن ومظالم(12).

وعن عائشة أيضاً

وعائشة أيضاً كانت باغية بنصّ القرآن الحكيم:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)(13).
وعائشة قاتلت خليفة الرسول صلی الله عليه و آله الشرعي المنصوب من عند الله ورسوله والمنتخب من الناس.
(إذن) فهي باغية، وحدّ الباغي والباغية القتل في الإسلام.
وكانت عائشة تتوقع ذلك من أمير المؤمنين عليه السلام ولذا لما رأت أمير المؤمنين عليه السلام بعدما انتصر عليها قالت لـه ـ في استعطاف ـ :
«ملكت فاسجح» يعني، اعف بفضلك، ولا تنفذ حكم الإسلام الأوّلي، بل استفد من صلاحية العفو التي لك، فعفا عنها أمير المؤمنين عليه السلام للمصلحة الإسلامية الأهم آنذاك من مصلحة قتل مثل عائشة وإن كانت باغية ورأساً للبغاة، وسبباً لإيجاد حرب طاحنة أبادت الكثير من المسلمين.
قال في (البحار): فجهزها أمير المؤمنين عليه السلام أحسن الجهاز، وبعث معها بتسعين امرأة أو سبعين(14) من البصرة إلى المدينة.

وعبد الله بن الزبير

عبد الله بن الزبير كان من المبغضين لعلي عليه السلام وآل بيت الرسول صلی الله عليه و آله وهو الذي كان المحرّض لأبيه من أجل إشعال حرب الجمل، وقد روى فيه عن علي عليه السلام قوله:
«مازال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم عبد الله»(15).
وكان يبغض بني هاشم ويلعن ويسبّ علياً عليه السلام(16).
هذا الرجل الخارجي الذي جرد سيفه في وجه خليفة رسول الله صلی الله عليه و آله.
هذا الباغي في منطق الإسلام.
كان مستحقاً للقتل.
لكن أمير المؤمنين عليه السلام عفا عن عبد الله بن الزبير في وقعة الجمل.
نقل العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) عن (المناقب):
إنّ عائشة بعثت أخاها محمد بن أبي بكر إلى أمير المؤمنين عليه السلام تطلب منه الأمان والعفو لعبد الله بن الزبير. فآمنه أمير المؤمنين عليه السلام وآمن معه سائر الناس ممن اشتركوا في حرب الجمل(17).

عفوه عن موسى بن طلحة

قال في (البحار): «وجيء بموسى بن طلحة بن عبيد الله، فقال لـه أمير المؤمنين عليه السلام : قل: استغفر الله وأتوب إليه ثلاث مرات.
فقالها، وخلى علي عليه السلام سبيله.
ثم قال لـه: اذهب حيث شئت، وما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أو كراع فخذه واتق الله فيما تستقبله من أمرك واجلس في بيتك»(18).

العفو عن صاحب التآمر

نقل في (مناقب آل أبي طالب) عن الأصبغ بن نباتة قال:
«صلّينا مع أمير المؤمنين عليه السلام الغداة، فإذا رجل عليه ثياب السفر قد أقبل، فقال علي عليه السلام : من أين؟
قال: من الشام.
قال عليه السلام : ما أقدمك؟
قال: لي حاجة.
قال عليه السلام : أخبرني وإلا أخبرتك بقضيتك.
قال: أخبرني بها يا أمير المؤمنين.
قال عليه السلام : نادى معاوية يوم كذا وكذا، من شهر كذا وكذا، من سنة كذا وكذا: من يقتل علياً فله عشرة آلاف دينار.
فوثب فلان، وقال: أنا.
قال لـه معاوية: أنت؟
فلما انصرف إلى منزله ندم وقال: أسير إلى ابن عم رسول الله صلی الله عليه و آله وأبي ولديه فاقتله؟
ثم نادى مناديه اليوم الثاني: من يقتل علياً فله عشرون ألف دينار.
فوثب آخر فقال: أنا.
فقال معاوية: أنت؟
ثم إنه ندم واستقال معاوية، فأقاله.
ثم نادى مناديه اليوم الثالث: من يقتل علياً فله ثلاثون ألف دينار.
فوثبت أنت ـ وأنت رجل من حِمَير ـ.
قال الرجل: صدقت.
قال علي عليه السلام : فما رأيك؟ تمضي إلى ما أمرت به أو ماذا؟
قال الرجل: لا، ولكن انصرف.
قال عليه السلام : يا قنبر أصلح راحلته، وهيئ لـه زاده، وأعطه نفقته(19).
هذه واحدة أخرى من أمثلة العفو الرائعة التي ضربها علي عليه السلام في سيرته الوضّاءة. يعلم بمن أراد قتله. ويتركه ليذهب حيث شاء. ويضيف: أنه يصلح راحلته، ويهيئ زاده، ويعطيه نفقته..
أين تجد مثيل ذلك إلا في الإسلام الصحيح؟

العفو عن أسرى صفين

نقل في (المناقب) عن أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام قال:
«كان علي عليه السلام إذا أخذ أسيراً في حروب الشام أخذ سلاحه ودابته واستحلفه أن لا يعين عليه»(20).
محاربون، شهروا سيوفهم على أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد قتل بعضهم بعض المؤمنين من أصحاب علي عليه السلام ـ لكنه لا يعرف بذلك ولا يعترف به ـ وانكسر جيشهم، وظفر أمير المؤمنين عليه السلام بهم..
مع ذلك كله تركهم، وأطلق سراحهم.. في حين أنّ فئتهم كانت موجودة وهم معاوية وأصحابه.
وهذه من سياسة العفو الرائعة في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام ، يجلب بها الأعداء إلى الإسلام، ويحرض بها المنافقين والنفعيين على الالتحاق بصفوف المؤمنين، ويربط بها على قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم.

رد أموال الخوارج إليهم

ونقل في (المناقب) أيضاً عن عرفجة، عن أبيه قال:
«لما قتل علي عليه السلام أصحاب النهر جاء بما كان في عسكرهم فمن كان يعرف شيئاً أخذه، حتى بقيت قدر ثم رأيتها بعد قد أخذت»(21).

أمر بالضرب ثم عفا

ونقل في (المناقب) أيضاً قال: «وبعث أمير المؤمنين عليه السلام إلى لبيد بن عطارد التميمي في كلام بلغه، فمرّ به أمير المؤمنين عليه السلام في بني أسد، فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فأفلته.
فبعث إليه أمير المؤمنين عليه السلام فأتوه به. وأمر به أن يضرب.
فقال له: نعم، والله إن المقام معك لذلّ، وإن فراقك لكفر.
فلما سمع ذلك منه قال: قد عفونا عنك، إنّ الله عزّ وجل يقول: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ)(22).
أما قولك: إنّ المقام معك لذلّ فسيئة اكتسبتها.
وأمّا قولك: إنّ فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها، فهذه بهذه»(23).
العفو ـ عندما تستوجبه المصالح التي هي أهم من غيرها ـ ينقض به حكم الحاكم، فإنّ العفو من حكم الله، والضرب من حكم الله والحكم الأهم ينقض به الحكم المهم. وبهذه السماحة واللطف والرفق يستبقي الإسلام على المسلمين، ويؤلّف قلوب غير المسلمين، ويستجلبهم إلى الإسلام.


(1) راجع بحار الأنوار: ج97 ص364 ب5 ح6.
(2) راجع المناقب: ج2 ص259 فصل في إخباره بالغيب، وكذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج7 ص37
(3) سفينة البحار: ج1 ص676 باب السين بعده الهاء.
(4) الكافي: ج3 ص186 باب من زاد على خمس تكبيرات ح3.
(5) الاختصاص: ص152 من كتاب ابن دأب في فضل أمير المؤمنين عليه السلام .
(6) المناقب: ج2 ص111 فصل في المسابقة بالعدل والأمانة.
(7) الاختصاص: ص151 من كتاب ابن دأب في فضل أمير المؤمنين عليه السلام .
(8) راجع بحار الأنوار: ج41 ص122 ب107 ح29.
(9) المناقب: ج2 ص110 فصل بالمسابقة بالعدل والأمانة.
(10) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ضمن ح2.
(11) بحار الأنوار: ج32 ص229ـ230 ب4 ح181.
(12) روي: أنّه لا يولد له لأحد مولود الا أتى به النبي صلی الله عليه و آله فدعا له، فادخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون. المستدرك للحاكم: ج4 ص479، إذا بلغت بنو أميّة أربعين...، وابن حمّاد في الفتن: ج1 ص131 رقم317. وفيه قوله صلی الله عليه و آله: اذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً، اتخذوا مال الله تعالى بينهم دولاً، وعباده خولاً، وكتابه دغلاً.
(13) سورة الحجرات: الآية 9.
(14) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ح2.
(15) ينابيع المودّة للقندوزي: ج1 ص450 الباب52. ورى ابن الأثير في أسد الغابة: ج3 ص162، وابن عساكر في تاريخ دمشق: ج18 ص404 مثله، وفي رواية البلاذري في أنساب الأشراف: ص255 قول علي للزبير: قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى نشأ ابنك، ابن السوء ففرّق بيننا وبينك.
(16) سفينة البحار: ج2 ص133 باب الغين بعده الباء.
(17) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ح2.
(18) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ضمن ح2.
(19) المناقب: ج2 ص260ـ261 فصل في إخباره بالغيب.
(20) المناقب: ج2 ص114 فصل في حلمه وشفقته.
(21) المناقب: ج2 ص114 فصل في حلمه وشفقته.
(22) سورة المؤمنون: الآية 96.
(23) المناقب: ج2 ص113 فصل في حلمه وشفقته.