هل من كاره

بعد ما تمت البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام وبايع جمهور المسلمين، عمد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عمل لم يسبق لـه في التاريخ مثيل.
فقد نقل ابن شهر آشوب في (المناقب) عن الراغب، عن عمّار، وابن عباس أنّه قال: لما صعد علي عليه السلام المنبر قال لنا:
«قوموا فتخللوا الصفوف ونادوا: هل من كاره؟
فتصارخ الناس من كل جانب: اللهم قد رضينا وسلّمنا وأطعنا رسولك وابن عمّه»(1).
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الخليفة بالحق من عند الله تعالى، ومع ذلك يمتنع عن البيعة في أول الأمر لكي لا يقال عنها بيعة إكراه وإجبار.
ثم يبايعه الناس باختيارهم، ومن لم يبايع، لم يجبره على البيعة ومع ذلك كله، يأمر بتخلل الصفوف لعل هناك من كاره فيمنحه أمير المؤمنين عليه السلام حرّية البيعة، وحرّية الكلام، وحرّية الحوار، وحرّية البحث..
أية حرّية رائعة هذه في الإسلام يمارسها الرئيس الأعلى بعد تمام البيعة؟
إنها من خصائص الإسلام العظيم.

موقف الحسن البصري

كان الحسن البصري، كما ذكره المؤرّخون:
ممن قيل فيه: إنّه يبغض علياً ويذمّه.
ويقول فيه: لو كان علي يأكل الحشف ـ يعني، أردى التمر ـ بالمدينة لكان خيراً لـه مما دخل فيه.
وكان من المخذّلين عن نصرة علي عليه السلام .
وكان يقول علي عليه السلام عنه: أما إن لكل قوم سامرياً، وهذا سامري هذه الأمة، إلا أنّه لا يقول (لا مِساس)(2) ولكنه يقول: لا قتال»(3).
هذا الرجل لقيه علي عليه السلام وهو يتوضأ في ساقية فقال له:
أسبغ طهورك يا فتى.
قال: لقد قتلت بالأمس رجالاً كانوا يسبغون الوضوء.
قال عليه السلام : وإنك لحزين عليهم!؟
قال: نعم.
قال عليه السلام : فأطال الله حزنك»(4).
وهذا كل ما قابل به علي عليه السلام الحسن البصري.
كلمة بكلمة.
وسبة بدعاء عليه.
وهذا مفهوم الحرية الإسلامية في عمقها العظيم.

موقف الأشعث

وذكر ابن شهر آشوب في (المناقب) قال:
«وروي عن الحسن بن علي عليه السلام ـ في خبر ـ أنّ الأشعث بن قيس الكندي بنى في داره مئذنة فكان يرقى إليها إذا سمع الأذان في أوقات الصلاة في مسجد جامع الكوفة، فيصيح من على مئذنته: يا رجل إنك لكاذب ساحر».
وماذا كان رد فعل الإمام عليه السلام لهذه الجريمة النكراء؟
إنه مجرد إخبار عن مصير هذا الرجل الوقح.
قال الإمام الحسن عليه السلام متابعاً: «وكان أبي يسميه: عنق النار.
وفي رواية: عرف النار.
فيسأل عن ذلك، فقال: إن الأشعث إذا حضرته الوفاة يدخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء فتحرقه فلا يدفن إلا وهو فحمة سوداء».
هذا كل رد فعل الإمام عليه السلام للأشعث بن قيس مقابل فعلته التي من يفعل مثلها في سلطان أي طاغوت فأقل ما يصيبه ـ كرد فعل ـ السجن والتعذيب والمنع عن الحقوق السياسية والإجتماعية.
أما أمير المؤمنين عليه السلام فهو سلطان حق، وخليفة الله، ورئيس مطبق للإسلام بدقة وإتقان.
«فلما توفي الأشعث نظر سائر من حضره إلى النار وقد دخلت عليه كالعنق الممدود حتى أحرقته وهو يصيح ويدعو بالويل والثبور»(5).

الدية لمقتول المعارضة

لما عزم أمير المؤمنين عليه السلام لصد معاوية ورده، والمسير إلى صفّين، خطب خطبة حرض فيها الناس على الجهاد، فعارضه رجل، فقتله الناس فوداه أمير المؤمنين عليه السلام .
أخرج العلامة المجلسي قدس سره في (البحار) عن (كتاب نصر بن مزاحم) عن معبد قال:
«قام علي عليه السلام على منبره خطيباً.. فسمعته يقول:
سيروا إلى أعداء الله
سيروا إلى أعداء القرآن والسنن
سيروا إلى بقية الأحزاب وقتلة المهاجرين والأنصار
فعارضه رجل من بني فزارة، ووطأه الناس بأرجلهم، وضربوه بنعالهم حتى مات، فوداه أمير المؤمنين عليه السلام من بيت المال.
فقام الأشتر وقال: يا أمير المؤمنين: لا يهدّنك ما رأيت، ولا يؤسينك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن»(6).
ويظهر من هذا الحديث أن الرجل كان قد خاشن الكلام مع أمير المؤمنين عليه السلام ، ومع ذلك اعتبره الإمام قتيل بيت المال، فدفع ديته من بيت المال.
أين توجد مثل هذه الحرّية في الكلام، والرأي، والتعبير إلا في الإسلام؟
أمير المؤمنين عليه السلام يدعو الناس إلى حرب عدو الله وعدو رسوله: معاوية بن أبي سفيان، فيعارضه الرجل، ويقتله الناس…
ومع ذلك يدفع أمير المؤمنين عليه السلام ديّته إلى ورثته؟
أين وفي أي أنظمة الأرض يوجد مثيل لذلك حتى في أكثر بلاد العالم حرّية هذا اليوم؟
وهكذا مثلت سيرة أمير المؤمنين عليه السلام الإسلام العظيم في كل الأبعاد بعمق وشمول، وفي بعد الحرّية ـ أيضاً ـ، ومنح الناس ذلك في مختلف المستويات وشتى الأمور وضرب علي عليه السلام الرقم القياسي وهكذا ليسير الحكام في الإسلام بسيرته الوضّاءة، ويصححوا سياستهم بسياسة علي عليه السلام الرشيدة في كل الأصعدة.


(1) المناقب: ج2 ص259 فصل في إخباره بالغيب.
(2) سورة طه: الآية 97.
(3) سفينة البحار: ج1 ص262 باب الحاء بعده السين.
(4) سفينة البحار: ج1 ص262 باب الحاء بعده السين.
(5) راجع المناقب: ج2 ص263.
(6) بحار الأنوار: ج32 ص398 ب11 ح370.