كان عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عصراً نعم فيه الناس بالحرية
الواسعة الإسلامية، خصوصاً بعد أن كان عهد عثمان بن عفان متميّزاً بالقسوّة
والفظاظة، حتى أنّ مثل الصحابي الجليل أبي ذر رحمه الله الذي أطرى عليه رسول
الإسلام صلی الله عليه و آله كرّات ومرات، كان لا يجد مجالاً للأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
وهذه الحرية الإسلامية التي فسح لها المجال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كانت
أشبه شيء بالحريات التي منحها رسول الله صلی الله عليه و آله للناس في صدر الإسلام،
فكما كان يعيش في المدينة المنورة وحواليها حتى وفاة النبي صلی الله عليه و آله
بجنب المسلمين، المشركون واليهود والنصارى والمنافقون، مختلطين في دورهم وأسواقهم،
يتعاملون ويمارسون حرّياتهم المتبادلة في ظلّ الإسلام العظيم.
كذلك كان المسلمون، واليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركون، بل كل البشر يعيشون في
ظلّ الإسلام عيشة محترمة هانئة، في عزّة ورفاه في عصر أمير المؤمنين علي عليه
السلام ، وقد أثر عنه عليه السلام في هذا المجال: «فإنهم ــ أي الناس ــ صنفان إمّا
أخ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق»(1).
هذه الكلمة الفذّة العظيمة الخالدة التي تفسح المجال لاحترام البشر بما هو بشر، لكي
ينظر إليه الناس من هذا المنظار فتجمعهم جميعاً كلمة العدل وحق الإنسانية.
وبحق نقول: إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو واضع الأسس العميقة
للحرية ـ بعد النبي صلی الله عليه و آله ـ بأقواله، ومنفذ ثابت للحرية بأعماله
وممارساته في أوساط الأمّة. ومما ورد في نهج البلاغة عنه عليه السلام في الحث
والتحريض على الحرية قولـه عليه السلام :
«ألا حرّ يدع هذه اللماظة»(2).
«لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»(3).
«أيها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإنّ الناس كلهم أحرار، ولكنّ الله خول
بعضكم بعضاً»(4).
وهكذا كان علي عليه السلام هو أول من طبق هذه الأقوال على حياته العملية وأسس حكومة
إسلامية عادلة حرة، الناس فيها أحرار، على وتيرة دولة رسول الله صلی الله عليه و
آله تماماً. وإليك بعض الأمثلة لذلك:
كان ابن الكوا رجلاً منافقاً خارجياً ملعوناً(5) مشاكساً لعلي بن أبي طالب عليه السلام
في أوج حكومته الواسعة التي كانت ذلك اليوم أوسع حكومة على وجه الأرض، وكان علي
عليه السلام ـ بالإضافة إلى أنّه إمام من عند الله والرسول صلی الله عليه و آله ـ
أكبر حاكم على الكرة الأرضية.. فكان يلقي اعتراضاته على أمير المؤمنين عليه السلام
في أوساط النّاس، وبصورة شرسة.
يذكر العلامة المجلسي رحمه الله عن كتاب (المناقب) بسنده: كان علي عليه السلام في
صلاة الصبح، فقال ابن الكوا من خلفه:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(6).
فأنصت علي عليه السلام تعظيماً للقرآن حتى فرغ من الآية.
ثم عاد علي عليه السلام في قراءته.
فأعاد ابن الكواء:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
فأنصت علي عليه السلام أيضاً تعظيماً للقرآن.
ثم عاد علي عليه السلام في قراءته.
فأعاد ابن الكوا:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
فأنصت عليه السلام أيضاً تعظيماً للقرآن.
فلما أتم ابن الكواء قراءة الآية للمرّة الثالثة قرأ علي عليه السلام .
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا
يُوقِنُونَ)(7).
ثم أتم السورة وركع عليه السلام(8).
أية حرية للناس هذه التي تسمح لرجل منافق أن يتهجّم على الرئيس الأعلى للعالم
الإسلامي وهو مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في حال الصلاة،
ويتعرّض لـه عليه السلام بالشرك والحبط..
ثم ينصت لـه الإمام عليه السلام تعظيماً للقرآن الكريم. ويتكرر الأمر ثلاث مرات.
ويتم الإمام عليه السلام صلاته دون أن يفعل بابن الكواء شيئاً.
ويعود ابن الكواء إلى مسيرته السابقة كأن لم يكن شيئاًٍ مذكوراً.
أين هذه الحرية من حرية البلاد الحرّة في عالم اليوم؟
وهل يجرأ إنسان عادي لمثل ذلك مع أي رئيس أو زعيم؟
وإن حصل هذا فهل يمرّ بسلام؟
لا يجيب عليه التاريخ إلا بالنفي، حتى في هذا اليوم، في أكثر بلاد العالم حرّية.
وهذا ما طبقه علي عليه السلام من الحرّية الإسلامية.
فليسمع الذين يقولون: لا حرّية في الإسلام.
كان أبو هريرة الذي تربى في بعض العهود السابقة على البذخ والترف، فجاءه عصر علي بن
أبي طالب عليه السلام بمرّ الحق ودقّة الإسلام وضبط العدل..
فلم يرقه ذلك، فوقف في وجه علي عليه السلام معاتباً مشاكساً يريد أن يعلّم علي بن
أبي طالب عليه السلام سياسة الإسلام وتطبيق حكم القرآن.
كأنه لم يسمع رسول الله صلی الله عليه و آله يقول في علي عليه السلام الكثير..
والكثير من الفضائل والحسنات.
مثل قوله صلی الله عليه و آله:
«علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار»(9).
وقوله صلی الله عليه و آله:
«علي وارث علمي وحكمتـي»(10).
وقولـه صلی الله عليه و آله:
«أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»(11). إلى المئات..
والألوف من نظرائها.
كل ذلك من أبي هريرة.
أمّا من علي عليه السلام فلم يؤثر ذلك كله في أن يغير موقفاً منه تجاه أبي هريرة.
بل بالعكس كان علي عليه السلام يقضي حوائج أبي هريرة بعد ذلك أيضاً، انظر هذه
القطعة التاريخية:
نقل العلامة المجلسي قدس سره عن (المناقب) قال:
«وجاء أبو هريرة إلى علي عليه السلام ـ وكان تكلّم فيه وأسمعه في اليوم الماضي ـ
وسأله حوائجه فقضاها.
فعاتبه أصحابه على ذلك فقال عليه السلام : إني لأستحي أن يغلب جهله علمي، وذنبه
عفوي، ومسألته جودي»(12).
وأبو ذر رحمه الله وهو الصحابي العظيم الجليل، يتكلّم بالحكم الشرعي في مجلس عثمان
ـ وهو الرجل المعروف ـ فلم يكن لـه جزاء سوى الضرب، والحبس، والتهجير، والجوع،
والإذلال، والموت.
أمّا أبو هريرة ـ وهو المعروف بأحاديثه الموضوعة على النبي صلی الله عليه و آله(13)ـ
أوّلاً: يجرأ أن يتكلّم على علي بن أبي طالب عليه السلام في وجهه.
وثانياً: هو يعلم بالحرّية الإسلامية التي يمارسها أمير المؤمنين عليه السلام
فلايخاف بطشاً ولا عقوبة.
وثالثاً: لا يعاقبه علي بن أبي طالب عليه السلام بالرغم من علمه بأنّ أبا هريرة عاص
ومذنب في هذا الصنيع، ساحق للحق، يبحث عن الباطل والظلم.
ورابعاً: يجرأ أبو هريرة في الغد أن يطلب إلى علي عليه السلام حوائجه.
وخامساً: بالفعل يقضي علي عليه السلام حوائجه.
كأن لم يكن شيئاً مذكوراً.
ثم يعاتبه أصحابه على ذلك، فيجيبهم بمنطق العلم والعفو والجود..
هذه هي حرية الإسلام، في هذا المستوى الرفيع.
الخوارج حاربوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
وشهروا السيوف عليه وعلى أصحابه.
وقتلوا الألوف من المؤمنين والمؤمنات من أصحاب علي عليه السلام وشيعته.
وأقاموا على علي عليه السلام حرباً عظيمة.
ومع ذلك كله حفظ التاريخ لأمير المؤمنين عليه السلام :
«أنه لم يقطع عطاء الخوارج من بيت المال»(14).
أية حرية هذه وفي أي بعد؟
أين يوجد نظير لهذه الحرية في التاريخ، ما عدا رسول الله صلی الله عليه و آله ومن
كان في خط الله تعالى وخط رسل الله وأوليائه؟
أجمعت الأمة على بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عثمان بيعة ثانية بعد ما
كانوا قد بايعوه ـ قبل خمسة وعشرين عاماً ـ في غدير خم بأمر رسول الله صلی الله
عليه و آله في منصرفه من حجّة الوداع(15).
وبايعه ثمانية من المنافقين فيمن بايعوه.
ثم خلعوا بيعته ـ بين أنفسهم ـ وبايعوا ضباً في الصحراء.
اقرأ القطعة التاريخية التالية:
نقل العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) عن ابن شهر آشوب في (المناقب)(16) والقطب
الراوندي في (الخرايج)(17)، والشيخ الصدوق في (الخصال)(18)، والصفّار في (بصائر الدرجات)(19)، وغيرهم بأسانيدهم عن الأصبغ بن نباتة قال:
أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير إلى المدائن من الكوفة فسرنا يوم الأحد،
وتخلّف عمرو بن حريث في سبعة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمّى الخورنق، فقال:
نتنزه فإذا كان يوم الأربعاء خرجنا فلحقنا علياً قبل أن يجمع ـ أي: قبل أن يصلي
صلاة الجمعة ـ.
فبينما هم يتغدّون إذ خرج عليهم ضب فصادوه.
فأخذه عمرو بن حريث فنصب كفّه ـ أي، كفّ الضب ـ وقال:
بايعوا، هذا أمير المؤمنين!!
فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم.
ثم أفلتوه وارتحلوا.
وقال: إن علي بن أبي طالب يزعم أنه يعلم الغيب، فقد خلعناه وبايعنا مكانه ضباً.
فقدموا المدائن يوم الجمعة وأمير المؤمنين عليه السلام يخطب.
ولم يفارق بعضهم بعضاً، فكانوا جميعاً حتى نزلوا على باب المسجد، فلما دخلوا، نظر
إليهم أمير المؤمنين عليه السلام من فوق المنبر وقد قطع حديثه، فقال:
«يا أيّها الناس إنّ رسول الله صلی الله عليه و آله أسرّ إليّ ألف حديث لكل حديث
ألف باب، لكل باب ألف مفتاح.
وإني سمعت الله جل جلاله يقول: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)(20).
وإني أقسم لكم بالله، ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر يدعون بإمامهم وهو ضبّ. ولو
شئت أن أسمّيهم لفعلت».
قال الأصبغ بن نباتة: فلقد رأيت عمرو بن حريث قد سقط كما يسقط السعفة حياءً ولؤماً،
وجبناً وفرقاً(21).
كيف يأمن هؤلاء الثمانية أن ينكثوا بيعتهم؟
بيعتهم لأمير المؤمنين عليه السلام الذي اعتبره القرآن الحكيم نفس رسول الله صلی
الله عليه و آله في آية المباهلة(22).
ثم يتمادوا في غيهم فيبايعوا ضباً إيغالاً منهم في إهانة أمير المؤمنين قسيم الجنّة
والنار.
وموقف أمير المؤمنين عليه السلام منهم موقف العطف والرحمة، يعرفهم، ويخبر عنهم، ومع
ذلك يحجم عن ذكر أسمائهم لكي لا يحطمهم الناس..
ومع ذلك كله يظل الثمانية على نفاقهم وضلالهم.
مثل هذه الحرّية لا توجد إلا في الإسلام.
ولا يمثلها إلا حاكم إسلامي عادل مثل رسول الله صلی الله عليه و آله وأمير المؤمنين
عليه السلام ، ومن كانت سيرته متابعة لسيرتهما.
كانت الكوفة تجمع خليطاً من العرب والفرس، وغيرهما من الأمم الذين دخلوا في الإسلام
في العصور المتأخرة عن وفاة رسول الله صلی الله عليه و آله..
وكانت القومية قد ركزت في قلوب بعضهم، نتيجة ضعف الإيمان في نفوسهم..
لذلك: جعل بعض العرب يمتنع عن تزويج غير العرب.
فجاء غير العرب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فذكروا لـه ذلك، وطلبوا إلى أمير
المؤمنين عليه السلام أن ينصحهم ويقوم بدور الوساطة في ذلك.
ففعل علي عليه السلام ذلك، ولم يستجب أولئك لعلي عليه السلام .
أية حريّة هذه التي يسعى أمير المؤمنين عليه السلام في التزويج، فلا تقبل وساطته،
ولا يحرّك ساكن؟
هذه هي حرّية الإسلام.
كان النبي صلی الله عليه و آله يصلّي نوافل شهر رمضان فرادى ولم يجز أن تُصلى
جماعة، حتى أنّ المسلمين اجتمعوا خلف رسول الله صلی الله عليه و آله في إحدى ليالي
شهر رمضان، فلما أتمّ الصلاة، خرج من المسجد وذهب صلی الله عليه و آله إلى البيت
ولم يسمح لهم في ذلك(23).
وكان الوضع هكذا في عهد أبي بكر.
وكذلك في فترة من عهد عمر بن الخطاب.
ثم رأى عمر أن تصلّى هذه النوافل جماعة وسميت بـ(صلاة التراويح) وجرى على ذلك عثمان
بن عفان.
فلما جاء أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى الحكم منع عن التراويح كما لم يسمح بها
رسول الله صلی الله عليه و آله.
غير أن جماعة من المسلمين حيث كانوا قد تعودوا صلاتها سنين طويلة خرجوا في مظاهرة
ضد المنع عن التراويح..
فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام أمر بأن يتركوا ليفعلوا ما شاؤوا(24).
وهذا من مصاديق الحرية في الإسلام حيث يدع الرئيس الأعلى للإسلام والمسلمين الناس
يخالفونه، ولا يعاقبهم بشيء.
نقل في (المناقب) عن مسند أحمد بن حنبل قال:
قال الجعد بن نعجة الخارجي لأمير المؤمنين عليه السلام : اتق الله يا علي إنك ميت.
قال عليه السلام له: «لا بل والله قتلا، ضربة على هذا ـ وأشار إلى رأسه الشريف ـ
قضاءً مقضياً، وعهداً معهوداً، (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى)» (25)،(26).
أترى من كان يجرأ في ذلك الزّمان أن يقول لحاكم يحكم أكبر دولة في العالم مثل هذا
القول إلا ويسجل القائل اسمه في سجل الأموات..؟
فلا جزاء لـه في المنطق غير الإسلامي، سوى السجن والتعذيب، والقتل في النهاية.
ولكن الرجل الخارجي يقول هذه الكلمة بكل حريّة واطمئنان دون وجل أو رعب، ويهين بهذه
الجملة مثل أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم لم يكن لـه جزاء من أمير المؤمنين إلا
فتح باب من أبواب الغيب الذي علّمه رسول الله صلی الله عليه و آله وإشفاعه بآية من
القرآن يكذّب به القائل (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى)(27).
فالرجل مفتر في قوله: إنك ميت، لأنّ الله تعالى يقول:
(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ
أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(28).
وهذا منطق الكلمة حيث يحلّ محلّ منطق السيف.
وهذه هي الحرية التي لا توجد إلا في الإسلام.
نقل المحدث القمّي رحمه الله عن عبد العزيز الجلودي في كتاب (الخطب) قال:
خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال:
«سلوني فإني لا اُسأل عن شيء دون العرش إلا أجبت فيه، لايقولها بعدي إلا جاهل مدع،
أو كذّاب مفتر».
فقام رجل من جانب مجلسه وفي عنقه كتاب كأنه مصحف ـ وهو رجل أدم ضرب، أي: خفيف
اللحم، طوال، جعد الشعر كأنه من مهودة العرب ـ فقال رافعاً صوته لعلي عليه السلام :
أيها المدعي ما لا يعلم، والمقلد ما لا يفهم أنا السائل فأجب.
فوثب إليه أصحاب علي عليه السلام وشيعته من كل ناحية، فهمّوا به.
فنهرهم علي عليه السلام ، فقال لهم: دعوه ولا تعجلوه فإن الطيش لا يقوم به حجج
الله، ولا به تظهر براهين الله.
ثم التفت عليه السلام إلى الرجل وقال لـه: سل بكل لسانك وما في جوانحك فإني أجيبك.
ثم سأله الرجل عن مسائل فأجابه.
فحرك الرجل رأسه وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله»(29).
هذا مفهوم الحرية عند علي بن أبي طالب عليه السلام .
منطق الكلمة.. لا منطق العنف.
منطق الحوار.. بدل منطق الرصاص.
حريّة الكلام سمحت للسائل المتعنت أن يخضع فيكون مؤمناً مؤدباً.
ومنطق البرهان فسح المجال لليهودي العنيد أن يكون مسلماً خاضعاً.
وهذا هو منطق الإسلام، ومفهوم الحريّة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه
السلام .
ذكر المؤرّخون في تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام عند ما كان بالكوفة أيام خلافته:
أنّه مرت امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ أبصار هذه الفحول طوامح، وإنّ ذلك سبب
هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنما هي امرأة كامرأته.
فقال رجل من الخوارج ـ وكان حاضراً هناك ـ:
قاتله الله كافراً، ما أفقهه.
فوثب القوم ليقتلوه.
فقال علي عليه السلام : رويدا إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب»(30).
هذا ما ذكر في التاريخ.
ولم أجد باقي القصة، وأن أمير المؤمنين عليه السلام ، هل رد عليه السب لقوله
تعالى:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ)(31).. أم عفاه وتركه.
والظاهر أنه قد عفا عنه، لأنه لو كان فعل علي عليه السلام معه شيئاً لاقتضى أن
يسجله التاريخ أيضاً، وعدم ذلك دليل العفو عنه ظاهراً.
ولولا حرية الكلمة لما تجرأ الرجل الخارجي للتطاول على أمير المؤمنين عليه السلام
ونسب الكفر إليه في وضح النهار، أمام عينيه وبمحضر أصحابه.
فالإمام عليه السلام بسياسته الرشيدة وحكمته السياسية، ترك الناس وما يقولون، لعلّه
يكون صمام أمان يتنفس به أصحاب الأمراض النفسية، كي لا تصل النوبة إلى حدّ السيف،
وقيام حرب ولو صغيرة داخل الكوفة.
وليس معنى ذلك أنّ الإسلام يجوّز لهذا الخارجي في أن يتفوّه بمثل هذه الجملة، كلا،
فهذا الذي تكلّم به الخارجي من أبشع الحرام، وأشنع الآثام، ولكن المقصود هو بيان ما
للحاكم الإسلامي الأعلى من سعة في منح الحرّيات للناس حتى لمثل هذا المنكر الفظيع.
وإلا فالحكم الأولي الشرعي لمثل هذا الإنسان القتل.
لأنّ ساب النبي صلی الله عليه و آله وساب الإمام عليه السلام حدّه القتل، كما ذكر
الفقهاء.
ونقل العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) بأسانيد عدّة عن ابن عباس: أنّه مرّ
بمجلس من مجالس قريش وهم يسبّون علي بن أبي طالب عليه السلام فقال لقائده ـ لأنّه
كان مكفوفاً وقتئذ ـ : ما يقولون هؤلاء؟
قال: يسبون علياً عليه السلام .
قال: قربني إليهم.
فلما أن وقف عليهم قال: أيكم الساب الله؟
قالوا: سبحان الله، ومن يسب الله فقد أشرك بالله.
قال: فأيكم الساب رسول الله عليه السلام ؟
قالوا: من يسب رسول الله فقد كفر.
قال: فأيكم الساب علي بن أبي طالب؟
قالوا: قد كان ذلك.
قال: فأشهد الله، وأشهد الله، لقد سمعت رسول الله صلی الله عليه و آله يقول:
«من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّنـي فقد سب الله عزّ وجلّ»(32).
وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام رواه عنه عبد الله بن سليمان العامري قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أي شيء في رجل سمعته يشتم علياً ويبرأ منه؟ قال:
فقال لي: «والله، هو حلال الدم»(33).
وروي أنّه من ذكر النبي محمداً صلی الله عليه و آله أو واحداً من أهل بيته عليهم
السلام بالسوء وبما لا يليق بهم، أو الطعن فيهم عليهم السلام وجب عليه القتل(34).
وفي (دعائم الإسلام) عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن رجل تناول علياً عليه
السلام .
فقال: «إنّه لحقيق أن لا يقيم يوماً».
ثم قال عليه السلام : «ويقتل من سبّ الإمام كما يقتل من سبّ النبي صلی الله عليه و
آله»(35).
والأحاديث الشريفة في ذلك تعدّ بالعشرات.
ولا أراني بحاجة في هذا المجال المختصر إلى سردها جميعاً.
لكن مع ذلك لم يقتل أمير المؤمنين عليه السلام الخارجي الذي سبّه ولم يأمر بقتله،
بل لم يدع أصحابه أن يقتلوه!!
ذلك للمصلحة الأهم، أو المفسدة في قتله، مما تخصّان أمير المؤمنين عليه السلام في
ظروفه الخاصّة آنذاك، أو تعمّ الإسلام والمسلمين في ذلك الجو الخاصّ المحيط بهم، أو
كلاهما.
وقد تكون تلك المصلحة مجرد إظهار عفو الإسلام وسماحته.
وربما تكون المفسدة تصور بعض الجهال عنف الإسلام وقسوته.
أو تمكّن نشر المغرضين واتباع الشيطان أن الإسلام قاس عنيد.
أو لغير ذلك.. فهذه الأمور هي أهم من تنفيذ حكم واحد من أحكام عقوبات الإسلام،
وأجدر بالاهتمام، وأولى بالتنفيذ.
فدعاية السوء تؤثّر سلباً ـ أحياناً ـ على الإسلام وعلى الأمّة أكثر مما يؤثّر ـ
إيجاباً ـ تنفيذ بعض أحكام الإسلام. وفي هذا المجال يقول المحقق القمّي رحمه الله
ما مضمونه: «الذي أفتى به العلماء، وادعوا عليه إجماع الفقهاء، وجاء به النصّ
الشرعي: أنّ سباب النبي صلی الله عليه و آله والأئمة عليهم السلام حدّه القتل. لكن
يشترط أن لا يكون في تنفيذ هذا الحكم خوف الفساد»(36).
ولذلك ورد الحديث الصحيح السند، في الكافي عن زرارة عن أحدهما ـ يعني، الباقر أو
الصادق عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله صلی الله عليه و آله: «لولا أنّي أكره أن
يقال: إنّ محمداً استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوّه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير»(37).
فدعاية السوء ضد رسول الله صلی الله عليه و آله أوجبت أن يترك النبي صلی الله عليه
و آله قتل كثيرين ممن كانوا يستحقّون القتل، أو يجب قتلهم.
وهذا أصل عميق من أُصول سياسة الإسلام يُستنبط منه الكثير من الأحكام السياسية
الداخلية والخارجية الإسلامية.
وليس معنى ذلك أنّ كل أحكام الله تعالى تتغير بإستهزاء المستهزئين، بل معنى ذلك أنّ
إستهزاءَ أو تهمةَ الإسلام، أو نبي الإسلام صلی الله عليه و آله، أو أئمة الإسلام
عليهم السلام بل وحتى مراجع الدين.. استهزاءً وتهمة ودعاية، تستوجب إضعاف الإسلام،
وتضعيف المسلمين وتخذيلهم وحملهم على الوهن أو الشماتة بهم ونحو ذلك.. وفي نفس
الوقت تشجيع الظالمين والكافرين وفتح ألسنتهم بالسوء على الإسلام والمسلمين.
فهذه الأمور تستوجب عدم تطبيق بعض المواد من العقوبات الإسلامية حفظاً على علو
الإسلام، وعظمته وشموخه..
لقول النبي صلی الله عليه و آله: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(38).
وبكلمة إذا ترتّب على تنفيذ عقوبة إسلامية، فساد عرف من جهة الشريعة، فإن مراعاته
إذاً أهم من مراعاة تلك العقوبة، ترفع اليد عن أجراء العقوبة.
وقد صرّحت بذلك الأحاديث الشريفة. من ذلك: الحديث الصحيح الإسناد الذي رواه الشيوخ
الثلاثة الأجلة، الكليني(39)، والصدوق(40) ، والطوسي (41) رحمه الله عن هشام بن سالم قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في رجل سبّابة لعلي عليه السلام ؟
قال: فقال لي: حلال الدم والله.
ثم قال عليه السلام : لولا أن تعمّ بريئاً.
قال: قلت: لأي شيء يعمّ به بريئاً؟
قال عليه السلام : يقتل مؤمن بكافر ولم يزد على ذلك.
وقد علّق العلامة المجلسي رحمه الله فيما نقل عن (مرآة العقول) هنا بقوله: «أي، أنت
أو البلية بسبب القتل من هو بريء منه»(42).
لهذه الأمور ترك علي عليه السلام قتل الذي سبّه ومنع من قتله.
وعندما نقيس قضية سبّ علي عليه السلام بمحضره وعفوه عن السابّ ـ على وجازتها ـ
بقضايا أُخرى لساسة معظم البلدان الإسلامية اليوم، تعرف البون الشاسع فيما بينهما..
فاليوم من يسبّ أحد رؤساء غالب البلدان الإسلامية، خصوصاً إذا كان في وجهه وبين
أصحابه، فأقل عقوبة لـه الحبس، والتعذيب، ومنعه عن حقوقه القانونية، وعن تجارته
وكسبه، ونحو ذلك، وقد يؤدّي به ذلك إلى الإعدام، أو الموت تحت التعذيب القاسي.
من هنا نعرف الحريّة في ظل أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو المطبق الدقيق
للإسلام العظيم.
بعد مقتل عثمان بن عفان، بايع المسلمون الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وتخلّف عن
البيعة عدد من المنافقين.
لكن أمير المؤمنين عليه السلام لم يلزمهم البيعة.
وقد أراد بعض أصحابه إلزامهم بالبيعة، واستجاز في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ،
لكنه لم يقابل من طرف الإمام عليه السلام إلا بالرفض الشديد.
وذلك تحقيقاً لممارسة الحرّية الإسلامية وإمعاناً من أجل منطق الكلمة، وكلمة
المنطق، لا كلمة السيف والعنف.
قال العلامة المجلسي رحمه الله في البحار(43):
فخرج علي عليه السلام إلى المسجد فبايعه الناس..
وجاءوا بسعد بن أبي وقاص.
فقال عليه السلام : بايع.
قال: لا حتى يبايع الناس.
فقال عليه السلام : خلوا سبيله.
وجاءوا بابن عمر، فقالوا: بايع.
فقال: لا حتى يبايع الناس.
قال عليه السلام : ائتني بكفيل.
قال: لا أرى كفيلاً.
قال الأشتر: دعني أضرب عنقه.
قال عليه السلام : دعوه، أنا كفيله.
وبايعت الأنصار إلا نفراً يسيراً منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وسلمة بن
مخلّد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وكعب بن
مالك، ونافع بن خديج، وفضالة بن عبيدة، وكعب بن عجرة، وكانوا عثمانية.
ولم يكن ردّ فعل أمير المؤمنين عليه السلام على هذه التخلّفات إلا النصيحة والدعوة
إلى الحق فحسب.
نقل العلامة المجلسي قدس سره في (البحار) عن (الإرشاد) قال: لما اعتزل سعد ومن
سميناه أمير المؤمنين عليه السلام وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال ـ
فيما قال ـ :
«وأيم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفن للمظلوم.
وقد بلغني عن سعد، وابن مسلمة، وأُسامة، وعبد الله، وحسان بن ثابت أمور كرهتها.
والحق بيني وبينهم»(44).
هذا هو كل ردّ فعل أمير المؤمنين عليه السلام تجاه من تخلّفوا عن بيعته بلا حجّة
لهم ولا منطق.
هنا تتجلّى الحرّية الإسلامية التي يمارسها الحاكم الإسلامي العادل، منطق الكلمة،
وسيف المنطق، لا منطق السيف.
بايع الزبير وطلحة في جمهور المسلمين الذين بايعوا علياً عليه السلام ثم طلبا من
أمير المؤمنين عليه السلام الإذن لهما في العمرة لمّا رأوا من عدم تفريق علي عليه
السلام في العطاء بينهما وبين سائر المسلمين، وعدم استجابته عليه السلام لهما في
تسليم الكوفة والبصرة إليهما، إذ علم الإمام عليه السلام بالمؤامرة التي تمت بينهما
وبين معاوية في ذلك.
وكان علي عليه السلام يعلم أنّهما لا يريدان العمرة، ولكنهما يريدان الغدر والحرب،
ومع ذلك لم يمتنع الإمام عليه السلام من الإذن لهما، قضاءً لممارسة الرئيس الحرية
الإسلامية الرائعة.
فقد قال عليه السلام لهما حين استأذناه في الخروج إلى العمرة:
«لا والله، ما تريدان العمرة، ولكن تريدان البصرة».
وقال عليه السلام لابن عباس وهو يخبره عن استئذانهما في العمرة:
«إني أذنت لهما مع علمي بما انطويا عليه من الغدر، فاستظهرت بالله عليهما، وإنّ
الله سيردّ كيدهما، ويظفرني بهما»(45).
قال ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) عند ذكره بعض أحوال شريح: «وأقرّ علي عليه
السلام شريحاً على القضاء مع مخالفته لـه في مسائل كثيرة من الفقه، مذكورة في كتب
الفقهاء.
وسخط علي عليه السلام مرة عليه فطرده عن الكوفة ولم يعزله عن القضاء، وأمر بالمقام
ببانقيا ـ وكانت قرية قريبة من الكوفة أكثر ساكنيها اليهود ـ فأقام بها مدّة حتى
رضي عنه، وأعاده إلى الكوفة»(46).