القائد تكون أعمالُهُ درساً للشعب، ومنهاجاً للأجيال، ولذلك كان القائد متحملاً
لما يمارسه الشعب نتيجة تعلمه منه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
والحياة الشخصية للقائد أدق مدرسة للأجيال المتمسّكة بذلك القائد، ولهذا كان من
سياسة أمير المؤمنين عليه السلام بناء حياته الشخصية على الإيمان والزهد. وإليك
نماذج من ذلك:
ما كان أهون عند علي بن أبي طالب عليه السلام من الدنيا وما فيها.
فالمال، والحكم، والسلطة، والفرش، واللباس، والقصور، والأكل، والشرب.. كلها عند علي
عليه السلام لا شيء، إلا بمقدار الحاجة الضرورية. ولعل أعمق مثال للدنيا في منظار
أمير المؤمنين عليه السلام ما أفصح عنه في كلمته الخالدة:
«والله، لدنياكم هذه أهون في عينـي من عراق(1) خنزير في يد مجذوم»(2).
ما أعظمها من كلمة.
عراق خنزير، في يد مجذوم.
الخنزير لا يرغب فيه، فكيف بعراقه.
والمجذوم لا يرغب فيما بيده ولو كانت الدنيا برمتها، لأنّ الدنيا برمتها لاتساوي
عدوى الجذام الأكيد.
فكيف بعراق من خنزير وفي يد مجذوم.
من يرغب في مثل ذلك..؟
الإمام علي عليه السلام يعتبر الدنيا أهون من ذلك.
نقل العلامة المجلسي رحمه الله في (بحار الأنوار) عن (الكافي) رواية عن الإمام محمد
الباقر عليه السلام أنه قال:
«ولقد ولي علي عليه السلام خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا
أقطع قطيعة، ولا أورث بيضاء، ولا حمراء»(3).
ما وضع آجرة على آجرة: يعني، ما بنى بيتاً من آجر مطبوخ.
ولا لبنة على لبنة: يعني، ما بنى بيتاً من اللبن غير المطبوخة.
ولا أقطع قطيعة: يعني، لم يخص أرضاً وقطعة بنفسه.
ولا أورث بيضاء ولا حمراء: يعني، ما ترك إرثاً لورثته، لا فضّة ولا ذهباً.
نقل في (بحار الأنوار)، عن (المناقب)، عن مسند أحمد بن حنبل، عن أمير المؤمنين عليه
السلام أنّه كان يقول:
«ما كان لنا إلا إهاب(4) كبش أبيت مع فاطمة بالليل، ونعلف عليها الناضح بالنهار»(5).
وروى أيضاً:
إنّه رئي على علي عليه السلام إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم، ورئي عليه إزار مرقوع،
فقيل لـه في ذلك، فقال عليه السلام :
«يقتدي به المؤمنون، ويخشع لـه القلب، وتذل به النفس، ويقصد به المبالغ»(6).
تربية للنفس وتربية للمجتمع وقدوة وأسوة
وتوحيد المظهر والمخبر «أشبه بشعار الصالحين».
كلها تتجسد في إزار غليظ يلبسه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
هذا هو العمق المعنوي، والبعد الروحي، ونكران الذات، والتفاني في الله، كلها مجتمعة
في شخصية القائد الإسلامي.
وروى أيضاً: «إنّ علي بن أبي طالب عليه السلام نظر إلى فقير انخرق كمّ ثوبه، فخرق كمّ قميصه وألقاه إليه»(7).
أربع سنوات أو أكثر قضاها أمير المؤمنين عليه السلام بين الكوفة والبصرة، وهو
الرئيس الأعلى للبلاد الإسلامية الواسعة الأطراف.
خلال هذه المدة الطويلة لم يشتر من مال المسلمين ثياباً لنفسه، ولم يأخذ من أموال
البصرة والكوفة شيئاً لذلك.
بل ظل على ثياب المدينة كل هذه المدّة الطويلة، إلا إذا اشترى من عطائه الخاصّ
كأضعف مستضعف من مسلم آخر في طول البلاد الإسلامية وعرضها.
فاقرأ النصوص التالية:
نقل (المناقب)، عن الأصبغ بن نباتة قال: توجّه علي عليه السلام إلى أهل البصرة
وقال:
«يا أهل البصرة ما تنقمون مني، إنّ هذا لمن غزل أهلي ــ وأشار إلى قميصه ــ»(8).
وقال عليه السلام :
«دخلت بلادكم بأشمالي هذه، ورحلتي وراحلتي ها هي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما
دخلت فإنني من الخائنين»(9).
ونقل في (البحار)، عن (كشف الغمة)(10): قال هارون بن عنترة: حدّثني أبي قال: دخلت على
علي بن أبي طالب عليه السلام بالخورنق(11) وهو يرعد تحت سمل(12) قطيفة، فقلت: يا أمير
المؤمنين إنّ الله تعالى جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعم، وأنت تصنع بنفسك
ما تصنع. فقال عليه السلام :
«والله ما أرزأكم من أموالكم شيئاً وإنّ هذا لقطيفتـي التي خرجت بها من منزلي من
المدينة ما عندي غيرها»(13).
هل في هذه البلاد، وفيها مثل هذه السياسة الشخصية للقائد الأعلى، يصل الحيف بأحد؟
هل يعرى أحد في ظل مثل هذا النظام؟
هل يجوع أحد هكذا؟
إنّه الإسلام العظيم.
في الوقت الذي عمت الخيرات بلاد المسلمين وبفضل الإسلام، فكان المسلمون وغير
المسلمين يرفلون في نعيم من الطيبات.
وكانت الكوفة ـ عاصمة أمير المؤمنين عليه السلام ـ لا تجد بها إلا المنعَّم من
الناس.
في مثل هذا الظرف تجد سيد الكوفة، وسيد البلاد الإسلامية، وزعيم الإسلام: أمير
المؤمنين عليه السلام لا يأكل حتى ما يأكله أدنى الناس.
فانظر إلى النصوص التالية:
نقل المجلسي رحمه الله عن فضائل أحمد: قال علي عليه السلام :
«ما أصبح بالكوفة أحد إلا ناعماً، إن أدناهم منزلة ليأكل البر، ويجلس في الظل،
ويشرب من ماء الفرات»(14).
وقال الإمام الباقر عليه السلام في حديث:
«كان علي بن أبي طالب... ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله ويأكل خبز
الشعير، والزيت والخل»(15).
وعن سويد بن غفلة قال: «دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام العصر، فوجدته جالساً
بين يديه صحفة فيها لبن حازر أجد ريحه من شدّة حموضته، وفي يده رغيف، أرى قشار
الشعير في وجهه، وهو يكسره بيده أحياناً، فإذا غلبه كسره بركبته وطرحه فيه.
فقال عليه السلام : ادن فأصب من طعامنا هذا.
إلى أن قال: فقلت لجاريته وهي قائمة بقريب منه: ويحك يا فضة ألا تتقين الله في هذا
الشيخ؟
ألا تنخلون لـه طعاماً.
إلى قوله: قال علي عليه السلام لي: ما قلت لها؟
قال: فأخبرته.
فقال عليه السلام : بأبي وأمي من لم ينخل لـه طعام، ولم يشبع من خبز البر ثلاثة
أيام حتى قبضه الله»(16). يعني بذلك رسول الله صلی الله عليه و آله.
كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لايأكل اللحم في السنة إلا مرة
واحدة، في يوم عيد الأضحى وذلك لأنّ هذا اليوم هو اليوم الذي يأكل فيه كل المسلمين
اللحم، من وفور لحم الأضاحي..
فلكي يواسي إمام الأمة أضعف الأمة، يأكل اللحم في ذلك اليوم فحسب.
هذا في أيام خلافته الظاهرية التي كانت مسؤولية الأمة برمتها عليه.
وقد نقل العلامة المجلسي قدس سره في (البحار)، عن القطب الراوندي في (الخرائج) قوله
عليه السلام :
«واعلم أنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(17).. يسد فورة جوعه بقرصيه(18)..
لا يطعم
الفلذة(19) في حوله إلا في سنة أضحيته»(20).
الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام لا ينظر إلى أهل المدينة فحسب، الذين يجدون
غالباً اللحم فيأكلونه، ولا ينظر إلى أهل الكوفة فقط التي تتوفر فيها اللحوم من كل
الأنواع، من الغنم، والبقر، والإبل، والدجاج، والطيور، والأسماك.
وإنما ينظر إلى أقاصي بلاد الإسلام، وأهل الأرياف البعيدة، والفقراء الذين يسكنون
الأخبية، فكلهم لا يجد اللحم كل يوم ليقتات به.
وما دام علي عليه السلام إمامهم جميعاً.
فكما عليهم أن يقتدوا به في أفعاله، يحتم على نفسه أن يقتّر على نفسه في مطعمه
وملبسه ـ بل ومسكنه ـ كأضعف رعيته.
عظيم جدّاً هذا الإنسان.
وعظيمة جداً هذه السيرة.
وعظيم جداً الإسلام الذي يربي هكذا قائد.
من أغرب وأعجب ما حفظه التاريخ عن السيرة الشخصية لأمير المؤمنين عليه السلام أنّه
سمع ذات مرة صوت القلي في بيته فأنكر ذلك، لأنّه لم يكن قلي لحم في بيت علي عليه
السلام أيام خلافته.
روى الشيخ الجليل المفيد قدس سره بسنده عن ابن دأب في حديث مطول: «وسمع ـ يعني أمير
المؤمنين عليه السلام ـ مقلي في بيته فنهض وهو يقول: في ذمّة علي ابن أبي طالب مقلي
الكراكر(21)؟
قال: ففزع عياله وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزور في حيّها،
فأخذ لها نصيب فأهدى أهلها إليها.
قال عليه السلام : فكلوا هنيئاً مريئاً.
قال: فيقال: إنّه لم يشتك... وإنما خاف عليه السلام أن يكون ذلك هدية من بعض
الرعية، وقبول الهدية لوالي المسلمين خيانة للمسلمين»(22).
يعرف من هذا الحديث: إنّ وجود اللحم في بيت أمير المؤمنين عليه السلام أيام خلافته
كان شيئاً يدعو إلى العجب والغرابة.
ورقابة أمير المؤمنين علي عليه السلام للتصرفات الشخصية في بيته كانت دقيقة وحذرة،
بحيث يعتبر عليه السلام قلي كراكر مرّة واحدة أمراً يكون علي عليه السلام هو
المسؤول عنه، إذ يقول: «في ذمّة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر».
ثم يفزع عياله لذلك: لما يعرفون منه عليه السلام من الحزم والصرامة في الحق، ولكي
يخبروه عليه السلام بأنهم لم يخالفوا إرادته ولا أخفوا في بيته عنه ما لايرضاه.
ومع هذا كله: فلا يمانع صلة الرحم بين زوجته وأقربائها، بل يشجع ذلك ويدعو لهم..
ويخصّهم بدعائه، لأنّ علياً لا يأكل من ذلك في وقت ليس كل المسلمين يجدون مثله..
هل رأى التاريخ ـ بعد النبي صلی الله عليه و آله ـ عظيماً كهذا؟ فليعرفوه لنا!
كان علي أمير المؤمنين عليه السلام لا يحتكر أموال المسلمين، اقتداءً برسول الله
صلی الله عليه و آله، بل يعمد إلى توزيعها فور وصولها إليه.
وهكذا يجب أن يكون القائد الإسلامي.
انظر النصّ التالي:
روى ابن شهر آشوب قدس سره في كتاب (مناقب آل أبي طالب) عن سالم الجحدري قال: «شهدت
علي بن أبي طالب عليه السلام أتي بمال عند المساء، فقال: اقتسموا هذا المال.
فقالوا: قد أمسينا يا أمير المؤمنين فأخّره إلى غد.
فقال لهم: تقبلون لي أن أعيش إلى غد؟
قالوا: ماذا بأيدينا؟
فقال: لا تؤخّروه حتى تقسموه.
فأتى بشمع فقسموا ذلك المال من تحت ليلتهم»(23).
أي قائد في عالم اليوم يفعل مثل ذلك؟
لا أحد تجد هكذا.
إذن نعلم بحق كيف استطاع أمير المؤمنين علي عليه السلام بسيرته الوضاءة أن يحكم
التاريخ حتى اليوم وغدى بكل عظمة وإجلال نبراساً يقتدى به.
وربما ينبري سؤال: لماذا التقسيم في المساء ولا يستفيد المسلمون منه إلا في الغد؟
قد يجاب لأسباب:
الأول: زوال المسؤولية عن القائد المؤمن الذي يرى المسؤولية أعظم ما يثقل كاهله.
الثاني: اطمئنان بعض المحتاجين من المؤمنين إلى هذا المال فيقرروا مصير غدهم المالي
به.
الثالث: التعجيل في الخير مطلقاً الذي وردت به الآيات والروايات.
مثل قوله تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)(24).
وقوله سبحانه: (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)(25).
وقوله عزّ من قائل: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)(26).
وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)(27).
وقد ورد في الحديث الشريف: «فتعجّل الخير ما استطعت»(28).
وجاء في سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه كان يقسّم الأموال، ولا يأخذ
لنفسه منها شيئاً في حين أنه كان بحاجة إليها.
ذكر ابن شهر آشوب رحمه الله في (المناقب): أنّه عليه السلام كان يأتي عليه وقت
لايكون عنده قيمة ثلاثة دراهم يشتري بها إزاراً، وما يحتاج إليه، ثم يقسم كل ما في
بيت المال على الناس ثم يصلي فيه ويقول: «الحمد لله الذي أخرجنـي منه كما دخلته»(29).
البساطة في الحياة الشخصية مما عرف بها أمير المؤمنين عليه السلام فكان لايعبأ
بالتجملات إطلاقاً، ولا يصرف ثواني من وقته في سبيلها.
وهكذا ينبغي أن يكون القائد الإسلامي لكي يصرف أوقاته كلها في أمور المسلمين
والمستضعفين.
أورد المجلسي رحمه الله في (البحار) عن (المناقب)، عن أبي الجيش البلخي قال: «إنّ
علي بن أبي طالب عليه السلام اجتاز بسوق الكوفة فتعلّق به كرسي فتخرق قميصه، فأخذه
بيده، ثم جاء إلى الخياطين فقال: خيطوا لي ذا، بارك الله فيكم»(30).
وعن الأشعث العبدي قال: «رأيت علياً عليه السلام اغتسل في الفرات يوم جمعة، ثم
ابتاع قميصاً كرابيس بثلاثة دراهم، فصلّى بالناس الجمعة وما خيط جربانه بعد»(31).
وعن الزمخشري قال: «إنّ علياً عليه السلام اشترى قميصاً فقطع ما فضل عن أصابعه ثم
قال للرجل: حصه. أي، خط كفافه»(32).
«وجاء علي عليه السلام إلى الحلاق، فأراد أن يأخذ من شاربه، وكان عليه السلام
مشتغلاً بذكر الله تعالى تتحرك شفتاه، فقال لـه الحلاق: يا أمير المؤمنين كفّ عن
الذكر لحظة حتى يعتدل الشارب، فقال علي عليه السلام : الأمر أسهل من ذلك. ولم يترك
الذكر لحظة..».
نعم، في الحديث الشريف:
«إنّ الله جميل يحب الجمال»(33).
لكن الجمال ليس للمادّة فقط، بل للروح والمعنويات جمال أيضاً، وجمالهما أجمل من
جمال المادّيات.
والإمام أمير المؤمنين عليه السلام يعرف تماماً نسبة الجمال بعضه إلى بعض ويختار
الجمال الأهم على الجمال المهم..
فذكر الله لحظة جمال أهم.
وتجميل الشارب جمال مهم.
معظم الناس عندما يموتون تكون تركتهم أكثر من ديونهم، فتقضى الديون، وما يفضل يكون
إرثاً للورثة يوزع عليهم.
أما أمير المؤمنين عليه السلام فكان بالعكس تماماً، إنه قُتل وديونه أضعاف تركته.
ديونه كانت أكثر من مائة ضعف بالنسبة لتركته.
كانت تركته سبعمائة درهم فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها لأهله خادماً.
وكانت ديونه ثمانمائة ألف درهم(34).
وقد مر بيان ذلك عند ذكر سياسة النبي صلی الله عليه و آله.
نقل ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) عن مجمع، عن أبي رجاء، قال: أخرج علي عليه
السلام سيفاً إلى السوق فقال: من يشتري مني هذا، فوالذي نفس علي بيده لو كان عندي
ثمن إزار ما بعته.
فقلت له: أنا أبيعك إزاراً، وأنسئك ثمنه إلى عطائك.
فدفعت إليه إزارا إلى عطائه. فلما قبض عطاءه دفع إلي ثمن الإزار(35).
وكان من عادة أمير المؤمنين علي عليه السلام التي عرفت فأثرت عنه أنّه لم يكن
ليحتكر الهدايا الشخصية التي تهدى إليه لنفسه فقط، بل كان يوزعها على المسلمين
أحياناً، أو يشركهم مع نفسه فيها.
لنقرأ جميعاً النصوص التالية:
نقل العلامة المجلسي قدس سره في البحار عن (المناقب):
قال حكيم بن أوس: أتي إلى أمير المؤمنين عليه السلام بأحمال فاكهة فأمر ببيعها، وأن
يطرح ثمنها في بيت المال(36).
وقال أيضاً: كان علي عليه السلام يبعث إلينا بزقاق العسل فيقسم فينا، ثم يأمر أن
يلعقوه(37).
وعن عاصم بن ميثم قال: إنّه أهدي إلى علي عليه السلام سلال خبيص لـه خاصة، فدعا
بسفرة، فنثره عليها، ثم جلسوا حلقتين يأكلون(38).
وعن أبي حريز قال: إنّ المجوس أهدوا إلى علي عليه السلام يوم النيروز جامات من فضّة
فيها سكّر، فقسم عليه السلام السكّر بين أصحابه وحسبها من جزيتهم(39).
قال: وبعث دهقان إلى علي عليه السلام بثوب منسوج بالذهب، فابتاعه منه عمرو بن حريث
بأربعة آلاف درهم إلى العطاء(40).
عظيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعظيم… وعظيم جداً.
يُهدى إليه ثوب منسوج بخيوط الذهب، يساوى أربعة آلاف درهم، فيبيعه ليجعل ثمنه في
بيت المال.
ثم يشتري ثوباً غليظاً بثلاثة دراهم ويلبسه ويشكر الله.
أين يوجد لـه مثيل؟!
إنها مدرسة الإسلام، وتربية رسول الله صلی الله عليه و آله وسياسة السماء.
وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام كأقل الفقراء مالاً، يستقي الماء من البئر
بنفسه، ويحتطب بيديه الكريمتين، ليكون أسوة حسنة لعامّة المسلمين عبر التاريخ
الطويل، وقدوة عملاقة لزعماء المسلمين.. وكذلك كان يقوم بسائر شؤونه الشخصية بنفسه.
فقد نقل الشيخ الكليني رحمه الله في (الكافي) بسنده عن زيد بن الحسن، عن الإمام
الصادق عليه السلام قال:
«كان علي عليه السلام أشبه الناس طعمة وسيرة برسول الله صلی الله عليه و آله. كان
يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم. وكان عليه السلام يستقي ويحتطب»(41).
وكان يرقع مدرعته بنفسه.
وكان يخيط ثوبه بنفسه.
وكان يخصف نعله بنفسه(42).
وبكلمة مختصرة: كان عليه السلام لا يلقي كَلّه على أحد، وكان يزاول شؤونه الشخصية
بنفسه، فلا يترفع عن الناس في شيء، بل يعيش دون معيشة أغلب الناس، وهو الذي رفعه
الله تعالى على سائر الأولياء والأئمة والأنبياء عليهم السلام ـ ما عدا رسول
الإسلام صلی الله عليه و آله الذي قال عنه: «أنا عبد من عبيد محمد صلی الله عليه و
آله»(43)ـ وهكذا كانت السيرة الخالدة العملاقة لأمير المؤمنين عليه السلام تنتج
النتائج التالية:
1. جعلت علياً عليه السلام في رأس قائمة العظماء بعد رسول الله صلی الله عليه و
آله.
2. حطمت طواغيت البشرية في الماضي، والحاضر، والمستقبل.
3. علمت طريق الإنسانية والعظمة للقادة، وللشعوب.
وهكذا تربي السياسة الإسلامية مثل علي بن أبي طالب عليه السلام .
وقد ذكر هو عليه السلام فلسفة هذا الزهد فقال:
«إنّ الله جعلنـي إماماً لخلقه، ففرض عليّ التقدير في نفسي، ومطعمي ومشربي وملبسي
كضعفاء الناس، كي يقتدي الفقير بفقري، ولا يطغي الغني غناه»(44).
الهدية التي تهدى لأصحاب الحكم كثيراً ما يراد بها استمالة قلب الحاكم لكي يبطل بها
الحق، أو يحق الباطل.
ولذا كان التأكيد شديداً في الأحاديث الشريفة على تحاشي الحكّام والقضاة ومن بيدهم
الحول والطول، والحل والعقد، من قبول الهدايا. قطعاً لهذه الجذور التي تدع المجتمع
غير آمن من الظلم والحيف والإجحاف.
أورد العلامة المجلسي رحمه الله في (البحار) عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في
قول الله عزّ وجل: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)(45):
قال عليه السلام :
«هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته»(46).
وأورد أيضاً عن جابر بن عبد الله قال:
«هدية الأمراء غلول»(47).
ونقل الشيخ الأنصاري رحمه الله في (المكاسب) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
«وإن أخذ ـ يعني الوالي ـ هدية كان غلولا»(48).
وما ورد:
«إنّ هدايا العمّال غلول»(49).
وفي حديث آخر:
«هدايا العمّال سحت»(50).
والإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان سيّداً في كل الفضائل، لذلك كان لايقبل
الهدايا الشخصية لنفسه، كي لا يطمع فيه أحد، ولا يأمل أحد في إمكان استمالته عليه
السلام ..
وهو عليه السلام يذكر واقعة واحدة أهدى فيها إليه شخص هديّة فردّها عليه السلام ،
وهو يصيغ الموقف في هذه الصيغة الفولاذية التالية:
قال عليه السلام في بعض خطبه ـ بعد ما ذكر قصّة عقيل ورده عليه السلام لـه ـ :
«وأعجب من ذلك(51) طارق طرقنا بملفوفةٍ(52) في وعائها، ومعجونة شنئتها(53) كأنما عجنت بريق حيّة
أو قيئها.
فقلت: أصلة، أم زكاة، أم صدقة(54)؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت.
فقال: لا ذا، ولا ذاك، ولكنها هدية.
فقلت: هبلتك الهبول(55).
أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟
أمختبط أنت(56)؟
أم ذو جنة(57)؟
أم تهجر؟(58).
والله.. لو أعطيت الأقاليم السبعة ـ بما تحت أفلاكها ـ على أن أعصي الله في نملة
أسلبها جلب شعيرة(59) ما فعلته.
وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها»(60).
هكذا يعامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام نفسه حتى لا يخافه مظلوم،
ولا يطمع فيه ظالم.
وما دام الحق هو هكذا.
و«علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار»(61).
فلا غرو إذاً في مثل هذه الأساليب الشجاعة في تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام .
فعلى الحكّام، والقضاة، والرؤساء أن يطبقوا سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليه السلام في حياتهم الشخصية أوّلاً، لكي يأمن المجتمع من الظلم والحيف، ثم
يطبقوا سيرته عليه السلام في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية وما إليها.