سياسة العطاء للصديق والعدو

كان رسول الله صلی الله عليه و آله مضرب المثل في العطاء والكرم والجود، حتى قيل عنه:
إنّه يعطي عطاء من لا يخاف الفقر(1).
فكان يعطي للمهاجرين.
ويعطي للأنصار.
ويعطي لأهل المدينة.
ويعطي لأهل القرى والأرياف.
ويعطي للمسلمين.
ويعطي للمنافقين.
ويعطي للكفّار أيضاً، تأليفاً لقلوبهم وردعاً لهم عن المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين.
وقد حفظ التاريخ للنبي صلی الله عليه و آله عطايا فريدة في بابها لأعدائه وأعداء الإسلام أمثال أبي سفيان وأولاده، ومن لفّ لفهم.
فقد ورد في الخبر: أنّه صلی الله عليه و آله أجزل العطاء من غنائم حنين حتى لأعداء الإسلام، أبي سفيان، وابنه معاوية، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وهمام ـ أخي سهيل ـ ومالك بن عوف، وعلقمة بن علاثة، فكان صلی الله عليه و آله يعطي الواحد منهم مائة من الإبل ورعاتها، وأكثر من ذلك وأقل(2).
وجاء في (أعلام الورى) وفي (السيرة النبوية) لابن هشام:
«ثم رجع رسول الله صلی الله عليه و آله إلى الجعرانة بمن معه من الناس، وقسم بها ما أصاب من الغنائم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيئاً قليلاً ولا كثيراً.
قيل: إنه جعل للأنصار شيئاً يسيراً وأعطى الجمهور للمنافقين.
قال محمد بن إسحاق: وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير.
ومعاوية ابنه مائة بعير.
وحكيم بن حزام ـ من بني أسد بن عبد العزى ـ مائة بعير.
وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة بعير.
وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي ـ حليف بني زهرة ـ مائة بعير.
وأعطى الحارث بن هشام ـ من بني مخزوم ـ مائة.
وجبير بن مطعم ـ من بني نوفل بن عبد مناف ـ مائة.
ومالك بن عوف النصرى مائة.
وأعطى علقمة بن علاثة مائة.
والأقرع بن حابس مائة.
وعيينة بن حصن مائة.
وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير.
وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير.
وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير.
وأعطى رسول الله صلی الله عليه و آله دون المائة رجالاً من قريش، منهم:
مخرمة بن نوفل الزهري.
وعمير بن وهب الجمحي.
وهشام بن عمرو ـ أخا بني عامر بن لؤي ـ .
وأعطى صلی الله عليه و آله سعيد بن يربوع بن عنكشة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطى السهمي خمسين من الإبل.
ثم ذكروا:
إنّ النبي صلی الله عليه و آله أعطى آخرين من المؤلفة قلوبهم ورؤوس الشرك ـ عند إسلامهم ـ تأليفاً لهم ولأقوامهم، ولسائر قريش من أهل مكّة، وهكذا أعطى آخرين من القبائل العربية، ذكر ابن هشام في سيرته منهم ما يلي:
طليق بن سفيان بن أمية.
وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد الدار.
وأبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة.
وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف.
وزهير بن أبي أمية بن المغيرة.
وخالد بن هشام بن المغيرة.
وهشام بن الوليد بن المغيرة.
وسفيان بن عبد الأسد.
والسائب بن أبي السائب بن عائذ.
ومطيع بن الأسود بن حارثة.
وأبو جهم بن حذيفة بن غانم.
وأحيحة بن أمية بن خلف.
وعمير بن وهب بن خلف.
وعدي بن قيس بن حذافة.
وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث.
ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر.
وعلقمة بن علاءة بن عوف.
ولبيد بن ربيعة بن كلاب.
وخالد بن هوذة بن ربيعة.
وعباس بن مرداس بن أبي عامر(3).
وهذا نموذج واحد من سياسة العطاء التي كان يمارسها رسول الله صلی الله عليه و آله في أيام تأسيس الحكومة الإسلامية الأولى على وجه الأرض.
ولعل هذا فريد من نوعه في تاريخ البشر عامة.
فإنّ البعير الواحد ذلك اليوم كان يعد ثروة للإنسان، تماماً مثل من يملك اليوم سيارة فخمة أو نحوها، بل وأكثر من ذلك.. فالبعير الواحد كان بمثابة سيارة، كما كان يؤكل لحمه، ويشرب لبنه، ويلبس وبره.
مثل ما لو أعطى شخص هذا اليوم لكل واحد من رؤساء المعارضة بعد خضوعهم وبعد قدرته عليهم خمسين سيارة أو نحو ذلك.
فهل يجد التاريخ لهذا نظيراً؟
هذه السياسة الإسلامية في تأليف الأعداء، وأقوام الأعداء، وأتباع الأعداء .. يجب أن يتبعها كل من يسير على خط رسول الله صلی الله عليه و آله ويريد تركيز الإسلام على وجه الأرض، بالحب والكلمة الطيبة، كما كان يفعل رسول الله صلی الله عليه و آله لابالعنف والسيف كما يفعله الاستعمار اليوم.

درعه مرهونة

ومن جزيل عطائه صلی الله عليه و آله ما حفظ التاريخ عنه، أنه صلی الله عليه و آله عند ما مات كانت درعه مرهونة على نفقة أهله.
فقد روي في (قرب الأسناد) عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام ، عن أبيه أبي جعفرٍٍ الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:
«إن رسول الله صلی الله عليه و آله لم يورث درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا وليدة، ولا شاة ولا بعيراً، ولقد قبض صلی الله عليه و آله وإن درعه مرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً شعيراً استلفها نفقة لأهله»(4).
وروى الشيخ الطبرسيقدس سره في (مكارم الأخلاق) عن ابن عباس أنّه قال: «إنّ رسول الله صلی الله عليه و آله توفي ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعاً(5) من شعير أخذها رزقاً لعياله»(6).
وسواء كانت السلفة عشرين صاعاً، أو ثلاثين صاعاً، أي ما يعادل تقريباً لستين أو تسعين كيلواً من الشعير يستلفها رسول الله صلی الله عليه و آله في آخر حياته ويرهن عليها درعه، هذا من أعاجيب التاريخ:
رسول الله صلی الله عليه و آله الذي يعطي المائة من الإبل، والمائة والمائة لأعدائه..
رسول الله صلی الله عليه و آله الذي خضعت لـه الدنيا!
رسول الله صلی الله عليه و آله الذي جرت الأموال الطائلة على يديه.
يموت ودرعه مرهونة على شعير لطعام عائلته.
إنّه كان صلی الله عليه و آله يعطي كل ما يحصل لـه من أنعام، وذهب، وفضّة، وطعام.. وغير ذلك، حتى لا يجد ما ينفقه على عياله..
ثم لا يجد ما يشتري به النفقة البسيطة لعياله.
كيلوات من الشعير لا يجدها ولا يجد ما يشتريها به.
ثم لا يجد ما يرهنه على سلفة كيلوات شعير، من لباس، وأثاث، وبضاعة حتى يضطر إلى رهن درعه.
أليس هذا من أعجب الأعاجيب في التاريخ.
فليقتد برسول الله صلی الله عليه و آله القادة من المسلمين.
فإنّه صلی الله عليه و آله أسوة حسنة لهم بنصّ القرآن الحكيم:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(7).

مات وهو مديون

«الدين همّ بالليل وذل بالنهار»(8).
هذا واحد من تصريحات رسول الله صلی الله عليه و آله.
لكن هذا هو الدَين الذي يستدينه الإنسان لشهواته.
وهناك دَين آخر هو عز بالليل، وفخر بالنهار.
وهو الدَين للإسلام والمسلمين.
ورسول الله صلی الله عليه و آله بالرغم مما كان يجبى إليه من الغنائم والهدايا بالملايين والملايين، مع ذلك كان مديوناً غالباً، وكثيراً ما كان يستدين لهذا وذاك.
وقد مات صلی الله عليه و آله حيث مات وكان مديوناً.
قال الصادق عليه السلام : «مات رسول الله صلی الله عليه و آله وعليه دين»(9).
حتى إنّ أمير المؤمنين عليه السلام جعل أناساً ينادون في أيام الحجّ في الشوارع والطرقات ويعلنون للناس بحثاً عن ديون رسول الله صلی الله عليه و آله ليؤدّيها…
إذ كان النبي صلی الله عليه و آله قد أوصى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ـ فيما أوصاه وعهد إليه ـ أن يقضي ديونه، فإنّه قال صلی الله عليه و آله:
«علي منـي وأنا منه ولا يقضي عنـي دينـي إلا أنا أو علي»(10).
وقال صلی الله عليه و آله:
«علي بن أبي طالب ينجز عداتي ويقضي دَينـي»(11).
قال قتادة: «بلغنا أنّ علياً عليه السلام نادى ثلاثة أعوام بالموسم: من كان لـه على رسول الله صلی الله عليه و آله دَين فليأتنا نقضي عنه»(12).
وقال بعضهم: ودين النبي صلی الله عليه و آله إنما كان عداته وهي ثمانون ألف درهم فأدّاها(13).
أقول: هذا الاجتهاد تأباه التصريحات الكثيرة التي عطفت العدات بالواو على الديون، أو بالعكس «ديوني وعداتي» أو «عداتي وديوني».
أضف إلى ذلك: تغيير التعبير في حديث واحد، بـ (ينجز) و(يقضي) الذي استفيض نقله.
مع إنّه صلی الله عليه و آله كان مديوناً لصوع من الشعير التي رهن درعه عليها.
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على جزيل عطائه صلی الله عليه و آله وجوده الغريب والفريد. فليتأس بالنبي صلی الله عليه و آله قادة المسلمين، وينتهجوا منهاجه ويسيروا على سيرته.

وعلي قتل وهو مديون

وتأسى برسول الله صلی الله عليه و آله وصيه وخليفته الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :
فقد حفظ التاريخ عنه أنه عليه السلام لما استشهد..
كانت ممتلكاته: سبعمائة درهم.
وكانت ديونه: ثمانمائة ألف درهم.
انظر إلى بعض نصوص التاريخ في ذلك:
نقل العلامة المجلسي قدس سره عن ابن شهر آشوب في (المناقب) قال:
ومعلوم أنّ أبابكر توفي وعليه لبيت مال المسلمين نيّف وأربعون ألف درهم، وعمر مات وعليه نيّف وثمانون ألف درهم، وعثمان مات وعليه ما لا يحصى كثرة، وعلي عليه السلام مات وما ترك إلا سبعمائة درهم فضلا عن عطائه أعدّها لخادم(14).
ونقل المجلسي أيضاً عن السيد ابن طاووس في كتاب (كشف المحجة) بسنده عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام قال:
«قبض علي عليه السلام ، وعليه دين ثمانمائة ألف درهم».
فباع الحسن عليه السلام ضيعة لـه بخمسمائة ألف درهم فقضاها عنه. وباع لـه ضيعة أخرى بثلاثمائة ألف درهم فقضاها عنه. وذلك أنه لم يكن يذر من الخمس شيئاً.
وكانت تنوبه نوائب(15).
هذا هو المثال الصحيح لإمام المسلمين.
ولم كانت هذه الديون؟
وفيم كانت تصرف؟
إنها لحاجات المسلمين، ومساكينهم، وأيتامهم، وأراملهم، وضعفائهم..
وإلا فعلي بن أبي طالب عليه السلام الذي لم يكن يملك للبسه سوى قطعتين فقط في الشتاء والصيف، قطعة يتزر بها، وقطعة أخرى يرتدي بها.
والذي لم يكن أكله سوى خبز الشعير والملح، أو اللبن.
ماذا يحوجه لأن يقترض لشخصه ونفسه.
هذا الذي تفتخر به أمة الإسلام من إمام، وقائد، وزعيم.

والحسن والحسين مديونان

واقتدى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام بجدهما وأبيهما: رسول الله صلی الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام ، حيث صرفا كل ما بأيديهما من الأموال في أمور الإسلام وحاجات المسلمين، ولم يفارقا الدنيا إلا عن ديون.
اقرأ النصوص التالية:
نقل العلامة المجلسي رحمه الله عن (الكافي) أنّه روى بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«مات الحسن عليه السلام وعليه دَين، وقتل الحسين عليه السلام وعليه دين»(16).
وروى السيد ابن طاووس رحمه الله عن أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام قال:
«إنّ الحسين عليه السلام قتل وعليه دين، وإنّ علي بن الحسين عليهما السلام باع ضيعة لـه بثلاثمائة ألف ليقضي دين الحسين عليه السلام وعدات كانت عليه»(17).
وفي حديث آخر:
«همّ علي بن الحسين عليه السلام بدين أبيه حتى قضاه الله»(18).
وفي حديث آخر أيضاً عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام :
«قد مات رسول الله صلی الله عليه و آله وعليه دين، وقد مات علي عليه السلام وعليه دين، ومات الحسن عليه السلام وعليه دين، وقتل الحسين عليه السلام وعليه دين»(19).


(1) انظر كشف الغمّة للإربلي: ج1 ص11، ذكر أسمائه صلی الله عليه و آله.
(2) راجع الإرشاد للمفيد: ج1 ص145، تقسيم رسول الله صلی الله عليه و آله لغنائم حنين واعتراض بعض الانصار.
(3) راجع أعلام الورى للطبرسي: ص118 الركن الأوّل ب4 غزوة حنين وسيرة النبي صلی الله عليه و آله لابن هشام: ج4 ص101، غزوة حنين.
(4) قرب الأسناد للحميري: ص44.
(5) كل صاع ثلاث كيلوات تقريباً.
(6) مكارم الأخلاق: ص25 ب1 ف2 في جمل من أحواله وأخلاقه صلی الله عليه و آله.
(7) سورة الأحزاب: الآية21.
(8) غوالي اللآلي للاحسائي: ج2 ص256 ب2 باب الدين ح1.
(9) المحاسن للبرقي: ج2 ص319 كتاب العلل ح46.
(10) المناقب للمازندراني: ج2 ص132 فصل في الاستنابة والولاية.
(11) بحار الأنوار للمجلسي: ج40 ص76 ب91 ضمن ح113.
(12) المناقب للمازندراني: ج2 ص132 فصل في الاستنابة والولاية.
(13) بحار الأنوار: ج38 ص74 ب60.
(14) بحار الأنوار: ج40 ص319 ب98 ح3.
(15) بحار الأنوار: ج40 ص338ـ239 ب98 ح23.
(16) بحار الأنوار: ج43 ص321 ب13 ح5.
(17) وسائل الشيعة للحر العاملي: ج18 ص322ـ323 ب2 ح12.
(18) راجع مستدرك الوسائل للنوري: ج13 ص392 ب4 ح2.
(19) راجع من لا يحضره الفقيه للصدوق: ج3 ص182 باب الدين والقرض ح3683.