وقد ضرب النبي صلی الله عليه و آله الرقم الأول في التاريخ كله في الرحمة بما لا
مثيل لها في تاريخ أي عظيم وقائد.
وفيما يلي نذكر أمثلة كنماذج من ألوف أمثالها المذكورة في كتب التاريخ:
وفد أعرابي على رسول الله صلی الله عليه و آله يطلب منه شيئاً، فأعطاه النبي صلی
الله عليه و آله وقال له: أحسنت إليك؟
قال الأعرابي: لا، ولا أجملت.
وذلك في مجلس النبي صلی الله عليه و آله وبمحضر من أصحابه المهاجرين والأنصار، فغضب
المسلمون، وشق عليهم تحمل هذه القسوة من الأعرابي، فقام إليه بعض الصحابة ليوبخه
ويؤنبه.
فأشار النبي صلی الله عليه و آله إليهم: أن كفّوا.
ثم قام صلی الله عليه و آله ودخل منزله وأرسل إليه وزاده، ثم قال صلی الله عليه و
آله لـه: أأحسنت إليك؟
قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فودّع الأعرابي وخرج.
ثم توجه النبي صلی الله عليه و آله إلى أصحابه قائلاً:
«مثلي ومثل هذا، مثل رجل لـه ناقة شردت عليه، فأتبعها الناس، فلم يزدها إلا نفوراً،
فناداهم صاحبها: خلوا بينـي وبين ناقتـي فإني أرفق بها منكم وأعلم. فتوجه إليها
ووقف بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها
رحلها واستوى عليها. وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار»(1).
يا لها من رحمة عظيمة، لا تجد نظيرها في غير تاريخ الرسالة أو الولاية.
لما كذَّب المشركون رسول الله صلی الله عليه و آله وآذوه، وألقوا ماء الفم في وجهه
الكريم، وقاطعوه، وقتلوا أصحابه، وعذبوهم، وشردوهم، وتتبعوهم تحت كل حجر ومد..
وفعلوا ما فعلوا طوال السنين الصعاب..
حينذاك نزل عليه جبرئيل من عند الله تعالى قائلاً:
«إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما
شئت فيهم».
فناداه صلی الله عليه و آله ملك الجبال وسلّم عليه وقال: «مرني بما شئت، إن شئت أن
أطبق عليهم الأخشبين».
فقال النبي صلی الله عليه و آله: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله
وحده ولايشرك به شيئاً»(2).
كان صلی الله عليه و آله إذا صلّى لوحده أطال في صلاته وأكثر في أذكار الركوع
والسجود، وقراءة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير..
وإذا صلّى جماعة خفف فيها. حتى ورد في الحديث الشريف:
«كانت صلاة رسول الله صلی الله عليه و آله أخف صلاة في تمام»(3).
وذكروا: أنّه صلی الله عليه و آله كان يخفف من صلاته رحمة بالأطفال الذين يأتون
المسجد مع أمهاتهم(4).
وذكروا: أنّه صلی الله عليه و آله كان يقصر من مواعظه خشية السآمة على أصحابه، فلا
يكثر عليهم المواعظ، وإذا وعظ لم يطل فيها، بل يقلل، وفي القليل يقصر(5).
نعم كان قد يطول أحياناً حسب المقام الداعي إلى التطويل.
وكان صلی الله عليه و آله يلاحظ أن لا يشق على المسلمين بفعل أو بقول، وقد ورد عنه
صلی الله عليه و آله في موارد عديدة:
«لولا أن أشق على أمتـي…»(6).
«لولا قومك حديثو عهد بشرك…»(7).
ونحو ذلك.
روى الشيخ الصدوق رحمه الله عن الإمام أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليه
السلام : أنّ رسول الله صلی الله عليه و آله رأى في بعض طريقه جارية قاعدة تبكي.
فقال لها النبي صلی الله عليه و آله: ما شأنك؟
فقالت: يا رسول الله إنّ أهلي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة، فضاعت، فلا
أجرأ أن أرجع إليهم.
فأعطاها رسول الله صلی الله عليه و آله أربعة دراهم، وقال: ارجعي إلى أهلك.
ومضى رسول الله صلی الله عليه و آله … فإذا بالجارية قاعدة على الطريق تبكي.
فقال لها رسول الله صلی الله عليه و آله: ما لك لا تأتين أهلك؟
قالت: يا رسول الله إني أبطأت عليهم وأخاف أن يضربوني.
فقال رسول الله صلی الله عليه و آله: مُرّي بين يدي ودلّيني على أهلك.
فجاء رسول الله صلی الله عليه و آله حتى وقف على باب دارهم ثم قال: السلام عليكم يا
أهل الدار.
قالوا: عليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فقال رسول الله صلی الله عليه و آله: إنّ هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤذوها.
فقالوا: هي حرة لممشاك(8).
أترى أي زعيم يتصدّى بنفسه لمثل هذه الحاجات الصغيرة لرعاياه، إلا رسول الله صلی
الله عليه و آله أو من كان على وتيرته.
وعمت رحمته صلی الله عليه و آله كل شيء حتى الحيوانات، فكان يوصي بها.
وقد أثر عنه صلی الله عليه و آله الكثير في ذلك، ومنه ما يلي:
«إن الله كتب الإحسان على كل شيء».
«فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة».
«وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة».
«وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»(9).