سياسة الشجاعة

وضرب الرسول الأعظم صلی الله عليه و آله المثل الأعلى في سياسته الشجاعة التي لاتعرف الجبن والتقاعس.
فهذا أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو الشجاع الذي لم، ولا، ولن يشق لـه غبار، الذي قال:
«والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها»(1).
يقول: «كنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس، اتقينا برسول الله صلی الله عليه و آله ولذنا به»(2).
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام :
«كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلی الله عليه و آله فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه»(3).
وعنه عليه السلام أيضاً:
«لقد رأيتنـي يوم بدر ونحن نلوذ بالنبـي صلی الله عليه و آله وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأساً»(4).
والنبي صلی الله عليه و آله في معركة حنين فر عنه معظم أصحابه، وجعل المشركون يقتربون من رسول الله صلی الله عليه و آله يريدون الوصول إليه وقتله، وكان يدافع عنه أمير المؤمنين علي عليه السلام في ذلك الموقف الرهيب..
في مثل هذا المأزق الذي انهزم فيه الشجعان خاض النبي صلی الله عليه و آله الساحة بشجاعة فائقة وهو يقول:
«أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب»(5).
وقد أنزل الله تعالى في ذلك آيات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله سبحانه:
(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون)(6).
والنبي صلی الله عليه و آله هو الذي قال في شجاعته عمران بن حصين كلمته المعروفة:
«ما لقي رسول الله صلی الله عليه و آله كتيبة إلا كان أول من يضرب»(7).
وقد كان صلی الله عليه و آله هو المقدم في كل فزع ونائبة ورعب.
فكان ذلك يبعث الشجاعة في المسلمين، فإن إقدام القائد الشجاع يجعل القاعدة شجاعة ذات إقدام وصمود.
روى الشيخ الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن أنس بن مالك أنه قال: «كان في المدينة فزع فركب النبي صلی الله عليه و آله فرساً لأبي طلحة فقال صلی الله عليه و آله: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحراً»(8).
وفي رواية أخرى عن أنس قال: «كان رسول الله صلی الله عليه و آله أشجع الناس، وأحسن الناس، وأجود الناس، قال: قد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق الناس قبل الصوت. قال: فتلقاهم رسول الله صلی الله عليه و آله وقد سبقهم وهو يقول: لم تراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة وفي عنقه السيف..
قال: فجعل يقول صلی الله عليه و آله للناس: لم تراعوا. وجدناه بحراً أو إنه لبحر»(9).
والذي يستفاد من ذلك: إن رسول الله صلی الله عليه و آله كان دائم الحذر، ودائم الانتباه لكل ما يحدث أو يجري حوله بحيث يكون هو أول من يصل مكان الحادث، ويأتي المسلمون فيصلون بعد رسول الله صلی الله عليه و آله إلى ذلك المكان، وهذه هي السياسة الشجاعة التي قلما يذكر التاريخ لـه نظراء في القادة والساسة.
وليس على قادة المسلمين ـ من أتباع الرسول صلی الله عليه و آله ـ إلا أن يتّخذوا مثل ذلك شعارهم الذي يعرفون به حتى يكون المسلمون باطمئنان في وصولهم إلى الغاية في مسيرتهم السياسية الطويلة والشائكة.
فالأمم ترمق إلى قادتها، وتتبلور في حياتها السياسية بأسلوب قادتها، فالقادة الشجعان تربي الأمة الشجاعة، والعكس بالعكس.


(1) نهج البلاغة، الرسائل: 45 ومن كتاب لـه عليه السلام إلى عامله عثمان بن حنيف الأنصاري، وكان عامله على البصرة.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج13 ص279 القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كل منهما.
(3) نهج البلاغة، غريب كلامه: 9.
(4) بحار الأنوار: ج16 ص232 ب9 في شجاعته.
(5) المناقب: ج1 ص211 فصل في غزواته صلی الله عليه و آله.
(6) سورة آل عمران: الآية 153.
(7) عيون الأثر: ج2 ص422 ذكر جمل من أخلاقه.
(8) مكارم الأخلاق: ص18ـ19 ب1 ف2 في شجاعته صلی الله عليه و آله.
(9) مكارم الأخلاق: ص19 ب1 ف2 في شجاعته صلی الله عليه و آله. (البحر) لـه معان، والمناسب منها لما نحن فيه هو: الفرس الواسع الجريء الذي فُسّر به في كتب اللغة. وبذلك فسر هذا الحديث الشريف في صحاح اللغة، راجع مختار الصحاح: (مادّة بحر).