غير أنّ السياسة الإسلامية تباين السياسة العالمية ـ اليوم ـ وتختلف عنها في
أصولها وفروعها، فالسياسة الإسلامية هي غير السياسة المعاصرة التي تمارسها الدول
تماماً، وذلك:
لأن الإسلام يتبع في سياسته مزيجاً من: الإدارة والعدل، والحب الشامل، وحفظ كرامة
الإنسان، وحقن الدماء. فهو يسعى في أن لا تراق قطرة دم بغير حق، أو تهان كرامة شخص
واحد جوراً، أو يظلم إنسان واحد.. بل وحتى حيوان(1) واحد.
أما السياسة ـ بمفهومها المعاصر ـ فهي القدرة على إدارة دفّة الحكم وتسيير الناس
والأخذ بالزمام مهما كلّفت هذه الأمور من: إهدار كرامات.. وإراقة دماء.. وكبت
حريات.. وابتزاز أموال.. وظلم وإجحاف.. ونحو ذلك، فمادام الحكم لـلحاكم والسلطة
خاضعة لأمره ونهيه فهي الغاية المطلوبة لتبرر الواسطة، وإن كانت الواسطة إراقة دماء
الألوف.. بل وحتى الملايين جوراً وظلماً.. هذا هو منطق السياسة التي تمارس في بلاد
العالم اليوم.
ولكي يظهر لنا مفهوم السياسة في الإسلام ومفهوم السياسة المعاصرة في أغلب البلاد في
العالم، ولكي ينجلي لنا البون الشاسع بين السياستين، نضع أمامنا أمثلة وممارسات
واقعية لكل واحد من السياستين.
فالسياسة الإسلامية كما أسلفنا بنيت على أسس العدل الكامل.. والكرامة الإنسانية.. والعفو بجنب الصمود والقوّة:
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حينما كان على عرش الرئاسة الكبرى
للدولة الإسلامية العظمى التي كانت قد ضربت بأطرافها الممتدة على أعظم رقعة من
المعمورة، والتي كانت تحسب لها الحساب كل الدول في العالم آنذاك، تراه يعرف قاتله،
ويذكر لـه أنه هو القاتل له، لكنه لا يمد إليه يداً بعنف أبداً، لفلسفة العدل، وهي
مادام أنه لم يمارس جناية فلا يستحق القتل.
انظر النص التالي:
كان علي عليه السلام يقول لعبد الرحمن بن ملجم: أنت قاتلي وكان يكرر عليه هذا
البيت:
|
أريـد حيـاتـه ويـريـد قتلي |
عذيـرك من خليلك من مراد |
فيقول لـه ابن ملجم: يا أمير المؤمنين إذا عرفت ذلك مني فاقتلني.
فيقول له: إنّه لا يحلّ ذلك أن أقتل رجلاً قبل أن يفعل بي شيئاً.
فسمعت الشيعة ذلك، فوثب مالك الأشتر، والحارث بن الأعور، وغيرهما من الشيعة، فجردوا
سيوفهم وقالوا: يا أمير المؤمنين من هذا… الذي تخاطبه بمثل هذا الخطاب مراراً وأنت
إمامنا وولينا، وابن عم نبينا، فمرنا بقتله؟.
فقال لهم: اغمدوا سيوفكم، وبارك الله فيكم، ولا تشقوا عصا هذه الأمة… أترون أني
أقتل رجلاً لم يصنع بي شيئاً(2)؟
هذه فلسفة العدل والإنسانية..
إنها فلسفة الحكم والسياسة الإسلامية عند رئيس الدولة الإسلامية الإمام أمير
المؤمنين عليه السلام .
«أترون أني أقتل رجلاً لم يصنع بي شيئاً».
فإن منطق الإسلام ليس فيه قانون: «الغاية تبرر الوسيلة» مطلقاً..
بل فيه قانون بالعكس تماماً: «لا يطاع الله من حيث يعصى».
يعني: السياسة الإسلامية التي هي طاعة لله تعالى، لا يجوز تحصيلها من طرق معصية
الله، وإراقة الدماء البريئة، وهدر الكرامات..
وأما مسألة علم الإمام عليه السلام فهذا بحث طويل، وله مجال آخر.
وإجماله:
هو أن علم الإمام الغيبي الإلهي الماورائي لا يؤثّر في سلوكه وعمله الخارجي ـ عادة
ـ وإلا لم يتم الامتحان الذي لأجله خلق الله تعالى الخلق، ولم تتم الحجّة التي
لأجلها جعل الله تعالى الإمام.
فالسلوك الخارجي للإمام عليه السلام ـ في نفسه ومع المجتمع ـ يكون عادياً كسائر
الناس، كما أنّ طبائعه البشرية إنما هي كسائر الناس عادة.
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)(3).
(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)(4).
(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ
تَعْمَلُونَ)(5).
تماماً مثل سلوك الله تعالى مع البشر، وهو القادر على كل شيء، والعالم بكل شيء.
فلو أراد الله سبحانه أن يدفع الظلم عن المظلوم، ويأخذ بيد الظالم حتى لايظلم فكيف
يتم امتحان الناس؟
وكذلك تكون تصرفات النبي والإمام الذين ـ بقدرة الله تعالى وتعليم الله لهما ـ علما
الغيب.
وقد ذكر في الأحاديث الشريفة: أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام هدده بعض
الخوارج بالقتل فتركه وشأنه.
فقد أورد صاحِبُ المستدرك عن دعائم الإسلام:
أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أُتيَ برجل سُمِعَ وهو يتواعده بالقتل، فقال عليه
السلام :
«دعوه، فإن قتلني فالحكم فيه لولي الدم»(6).
أي عفو عظيم هذا؟
أية سياسة إنسانية هذه؟
الرئيس الأعلى للبلاد الإسلامية ـ وبيده كل حول وطول ـ يهدده بالقتل شخص عادي لم
يستحق أن يسجل اسمه في التاريخ.
ثم لا يفعل به شيئاً؟
يؤتى به، وهو بين أمره ونهيه ثم يقول: دعوه!
وكم فرق بين مثل أمير المؤمنين عليه السلام وبين قادة الدنيا الآخرين؟
فقد نقلوا أن أحد الحكام تلقى تهديداً بالقتل، فاعتقل في ساعته من شارع واحد مائتي
شخص، ثم توالت الاعتقالات على إثر ذلك حتى نقل أنها بلغت في تلك القصة خمسة آلاف
شخص، ثم أعدم جماعة منهم، وأودع السجن آخرين، وتولى تعذيب فئة ثالثة منهم، وبالتالي
أطلق سراح عدد منهم..
فكم من فرق بين هاتين السياستين: سياسة الإسلام، وسياسة الشيطان؟
وقد تحدثت الأخبار والأحاديث الشريفة: أنّ رسول الله صلی الله عليه و آله كان
أحياناً يخبر عن شخص بأنّه سيحدث فتنة بين المسلمين أو سيبدع ديناً باطلاً، ثم
لايعمد إلى قتله، ولا يجيز للمسلمين أن يقتلوه.
وهذا يدخل في سياسة العفو العظيمة لرسول الله صلی الله عليه و آله وبعد مداه، مما
أتاح لـه تأسيس الحكومة الإسلامية في وسط عظيم من عواطف الناس.
فلو كان النبي صلی الله عليه و آله يقتل هذا ويقتل ذاك، ولهذا السبب وذاك، لما قام
الإسلام، ولا استحكمت أصوله.
انظر إلى النصوص التالية:
أوّلاً: روى المفيد رحمه الله في (الإرشاد) قال: «ولما قسّم رسول الله صلی الله
عليه و آله غنائم حنين، أقبل رجل طوال أدم، أجنأ، بين عينيه أثر السجود، فسلّم ولم
يخصّ النبي صلی الله عليه و آله ثم قال: قد رأيناك وما صنعت في هذه الغنائم.
قال صلی الله عليه و آله: وكيف رأيت؟
قال: لم أرك عدلت.
فغضب رسول الله صلی الله عليه و آله وقال: ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من
يكون؟
فقال المسلمون: ألا نقتله؟
فقال صلی الله عليه و آله: دعوه فإنّه سيكون لـه أتباع يمرقون من الدين كما يمرق
السهم من الرمية، يقتلهم الله على يد أحب الخلق إليه من بعدي.
فقتله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فيمن قتل يوم النهروان(7) من
الخوارج»(8).
ثانياً: وفي (إعلام الورى) قال:
روى الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري قال:
بينا نحن عند رسول الله صلی الله عليه و آله وهو يقسم إذا أتاه ذو الخويصرة ـ رجل
من بني تميم ـ فقال: يا رسول الله اعدل.
فقال رسول الله صلی الله عليه و آله: ويلك من يعدل إن أنا لم أعدل، وقد خبت أو خسرت
إن أنا لم أعدل.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه.
فقال رسول الله صلی الله عليه و آله: دعه فإن لـه أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع
صلاته وصيامه مع صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما
يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد
فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه ـ وهو قدحه ـ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا
يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو
مثل البضعة تدردر، يخرجون على خير فرقة من الناس.
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلی الله عليه و آله وأشهد أنّ علي
بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه
على نعت رسول الله صلی الله عليه و آله الذي نعت(9).
وهكذا كان النبي صلی الله عليه و آله لا يقدم على قتل كل مفسد أو ضال أو مبتدع قبل
أن يتهيأ في الناس جو تحمل قتله، بظهور فساده وضلاله وبدعته.. لكي لا يسبب قتله
فساداً أكبر من وجوده.
وهذه هي الحكمة الإلهية في أن تخرج ضمائر الناس، فيتاح للجميع الامتحان.
ولذلك أمثلة عديدة في سيرة رسول الله صلی الله عليه و آله وسيرة أمير المؤمنين عليه
السلام يجدها المتتبع لهما، وسنذكر بعضاً منها في طي المباحث الآتية إن شاء الله
تعالى.
يعدّ الفرار من الزحف من المعاصي الكبيرة، وقد وعد الله تعالى عليها النار، قال
سبحانه:
(وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ
مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(10).
ومن يرتكب هذه المعصية الكبيرة يستحق التعزير شرعاً، لأنه لكل معصية حدّ، ولكن مع
ذلك عفا رسول الله صلی الله عليه و آله عن المسلمين الذين فروا من الزحف يوم أحد
وتركوا رسول الله صلی الله عليه و آله وحيداً في نفر قليل من أصحابه المخلصين. وهذا
أصل عظيم من أصول السماحة والعفو في الإسلام، يستبقي به المسلمون في الإسلام ويجلب
به الآخرون إلى الإسلام.
وقد أنزل الله تعالى في القرآن الحكيم العفو عنهم في آيتين من سورة آل عمران:
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم
مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(11).
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا
اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ
عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(12).
وقد ورد في الأحاديث الشريفة إن الفارين من الزحف عادوا إلى رسول الله صلی الله
عليه و آله واعتذروا منه لهذه الجريمة التي عرضَّت رسول الله صلی الله عليه و آله
لشج جبهته الكريمة وشق شفته، كما في عديد من الأخبار والأحاديث، ولقتل حمزة سيد
الشهداء عم رسول الله صلی الله عليه و آله وحنظلة غسيل الملائكة والعشرات من
المؤمنين المجاهدين. وهذه هي سياسة العفو العظيمة في الإسلام.
وإليك مثلاً آخر لسياسة العدل العظيمة في الإسلام:
بعث رسول الله صلی الله عليه و آله خالد بن الوليد مع جماعة من المسلمين في مهمة
الدعوة إلى الإسلام إلى بني جذيمة ـ وهم من بني المصطلق كان قد سبق أن أسلموا ـ ولم
يأمرهم بقتال(13)، فأوقع بهم خالد، وقتل منهم جماعة لترة كانت بينه وبينهم، فبلغ الخبر
رسول الله صلی الله عليه و آله فبكى النبي صلی الله عليه و آله وقام وصعد المنبر
ورفع يديه إلى السماء وقال ثلاثا:
(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد).
(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد).
(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد).
ثم دعا النبي صلی الله عليه و آله علي بن أبي طالب عليه السلام فدفع إليه سفطاً
(صندوقاً) من الذهب، وأمره أن يذهب إلى بني جذيمة ويدفع إليهم ديات الرقاب وما ذهب
من أموالهم.
فجاء علي عليه السلام إليهم وقسم المال كما يلي:
1. دفع أولاً دية المقتولين ظلماً إلى ورثتهم، عن كل واحد منهم ألف دينار من الذهب(14).
2. ودفع إليهم ثانياً ثمن كل جنين غرة (يعني، عبداً أو أمة).
3. ودفع إليهم ثالثاً ثمن ما فقدوه من الميالغ والعُقل(15).
4. ودفع إليهم رابعاً ثمن ما ربما فقدوه مما لم يعلموا بفقده، مما يمكن أن أخذه
خالد أو من كان معه أو مما تلف أثناء القتال.
5. ودفع إليهم خامساً ثمناً لروعة نسائهم وفزع صبيانهم.
6. ودفع إليهم سادساً مقابل كل مال فقدوه مثله من المال.
7. ودفع إليهم سابعاً بقية المال ليرضوا عن رسول الله صلی الله عليه و آله.
8. ودفع إليهم ثامناً ما يفرح به عيالهم وخدمهم بقدر ما حزنوا.
ثم رجع علي عليه السلام إلى النبي صلی الله عليه و آله وأخبره بما فعل من توزيع
الذهب عليهم بثمانية أقسام، فقال: يا رسول الله صلی الله عليه و آله عمدت فأعطيت
لكل دم دية، ولكل جنين غرة، ولكل مال مالا، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم
وحبلة رعاتهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم، وفضلت معي فضلة
فأعطيتهم لما يعلمون وما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول
الله، فتهلل وجه النبي صلی الله عليه و آله وضحك حتى بدت نواجذه وقال:
يا علي أعطيتهم ليرضوا عني رضي الله عنك، ـ ثم قال صلی الله عليه و آله ـ: يا علي
إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي(16).
هذه هي فلسفة العدل والإحسان الذَين يأمر بهما القرآن الحكيم:
(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)(17).
وتلك هي الكرامة الإنسانية المترابطة بين قول الله تعالى في القرآن حيث يقول:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)(18) وبين ما يفرضه حكم الله وتشريع السماء حداً
لذلك.
دية للقتلى، ودية أخرى للجنين، وثمن لما فقد، وثمن آخر لما ربما كان فقد مما لا
يعلمونه،وثمن لروعة النساء وفزع الصبيان، وثمن ليرضوا عن رسولالله صلی الله عليه و
آله.
وماذا فعل النبي صلی الله عليه و آله من تقصير حتى يرضيهم؟
لا شيء أبداً، حاشاه.
كلما كان من تقصير فهو من خالد بن الوليد.
لكنه صلی الله عليه و آله نبي الرحمة.
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(19).
فباعتبار أنّ خالداً مرسل من عند النبي صلی الله عليه و آله يرى نبي الرحمة نفسه
مسؤولاً عن ذلك.
هنا يطرح سؤال: إذا كان خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة عملاً لأحنَّة كانت في
الجاهلية بينه وبينهم، فلماذا لم يقتص منه رسول الله صلی الله عليه و آله لهم،
ويقتله بهم قصاصاً مع أنّ الدية تلو القصاص في قتل العمد؟
والجواب عن ذلك بوجوه عديدة ذكرها بعض فقهاء الإسلام، نذكر عدداً منها:
1. إنّه يشترط في القصاص أن يكون بطلب من ولي الدم، وحيث إنّ بني جذيمة ـ وهم
أولياء الدم ـ لم يطلبوا القصاص انتقل الحكم إلى الديّة.
2. إنّ رسول الله صلی الله عليه و آله بما أنه هو الولي للجميع بالولاية المطلقة
حتى لأولياء الدم وذلك بحكم القرآن الحكيم:
(النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)(20)
فكان للنبي صلی الله عليه و آله أن يعفو عن القصاص إلى الدية.
3. إنّ تزاحم المهم والأهم اقتضى ذلك بتقديم ترك القصاص على ما ربما كان يترتب عليه
القصاص في تلك الظروف الخاصّة بالرسالة وبالرسول صلی الله عليه و آله حيث كان
المسلمون على أبواب الفتح الإسلامي والنصر الواسع ودخول الناس في دين الله أفواجاً
بعد فتح مكّة مباشرة، فمثل هذا القصاص في تلك الظروف ربما كان يؤدي إلى رعب
المسلمين وحدوث البلبلة فيهم مما كان أضر على حاضر الإسلام ومستقبله.
ولذلك نظائر في تاريخ الرسول صلی الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام مما
سنذكر طرفاً منه في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى، والله العالم.
نقل صاحبا الوسائل والمستدرك عن الشيوخ الكليني والطوسي والمفيد قدس سرهم في الكافي(21)
والتهذيب والإرشاد، عن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
«كانت امرأة تؤتى(22) فبلغ ذلك عمر فبعث إليها، فروّعها وأمر أن يجاء بها إليه، ففزعت
المرأة فأخذها الطلق فذهبت إلى بعض الدور فولدت غلاماً فاستهل الغلام ثم مات. فدخل
عليه(23) من روعة المرأة وموت الغلام ما شاء الله.
فقال لـه بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين ما عليك من هذا شيء.
وقال بعضهم: وما هذا ؟
قال: سلوا أبا الحسن عليه السلام .
فقال لهم أبو الحسن عليه السلام : لئن كنتم اجتهدتم ما أصبتم، ولئن كنتم برأيكم
قلتم لقد أخطأتم.
ثم قال عليه السلام : عليك دية الصبي(24).
فقال عمر لعلي عليه السلام : أنت نصحتني من بينهم»(25).
ونقل المستدرك عن (الدعائم) عن علي عليه السلام :
«إنه قضى في رجل استسقى قوماً فلم يسقوه وتركوه حتى مات عطشاً بينهم وهم يجدون
الماء، فضمّنهم ديته»(26).
وقد روى الوسائل والمستدرك أحاديث عديدة على أنّ الطبيب أو البيطار إن أخطأ في
تشخيص الداء، أو وصف الدواء، فمات المريض أو الحيوان كان ضامناً لدية المريض
والحيوان.
نقل صاحب الوسائل عن الشيخين الكليني والطوسي قدس سره بأسانيدهما عن الإمام الصادق عليه
السلام :
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
«من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلا فهو لـه ضامن»(27).
ونقل أيضاً عن الشيخ الطوسي رحمه الله بسنده عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:
«إنّ علياً ضَمّنَ خَتّاناً قطع حشفة غلام»(28).
ونقل المستدرك عن كتاب (الجعفريات) بسنده عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه
قال:
«إنّ علياً ضَمّنَ ختّانة ختنت جارية فنزفت الدم فماتت، فقال لها علي عليه السلام :
ويلاً لأمك أفلا أبقيت، فَضمّنها علي عليه السلام دية الجارية»(29).
فهل يوجد في تاريخ العالم نظير لذلك، إلا في الإسلام؟
وهل يتحمل قادة الدول مثل ما يتحمل القادة في الإسلام؟
فدونك التاريخ، قَلِّبْهُ ظهراً لبطن، لكي تتأكد من الجواب:
لا.. ولا..
والأمثلة والنظراء لذلك كثيرة.. وكثيرة في تاريخ الإسلام، وليس هذا البحث المقتضب
مسرحاً لتفاصيل بيان الإنسانية التي تتجلى بوضوح في مختلف مجالات السياسة
الإسلامية.
بعدما لاحظت هذه النقاط في تاريخ الإسلام.. انظر نقاطاً من تاريخ الممارسة للسياسة
المعاصرة غير الإسلامية لترى الفرق الشاسع بين السياستين، وذلك بالإشارة الإجمالية
ـ دون التفصيل ـ إلى ذلك:
1. البريطانيون قتلوا في الهند ـ في قصة حرب الأفيون ـ حوالي عشرين مليون إنسان(30).
2. البريطانيون قتلوا في الهند أيضاً ـ أيام المطالبة بالحرية والخروج عن نير
الاستعمار ـ ثمانمائة ألف إنسان في صورة مجاعة اصطناعية(31).
3. من الجنايات العظيمة التي ارتكبها لينين(32) وحده من بين الشيوعية الأرقام التالية:
أ. لينين قائدة المسيرة الشيوعية السياسية أراد تطبيق نظام المزارع الجماعية، فلم
يخضع لـه الفلاحون والعمال، فأحدث إرهاباً عاماً في البلاد ومجاعة مصطنعة غريبة عام
(1921ـ1922م) والتي راح ضحيتها أكثر من خمسة عشر مليون إنسان(33).
ب. عاود لينين الكرة على العمال والفلاحين في إرغام الشعب على النظام الشيوعي عام
(1928ـ1930م) فكافح الشعب وكانت النتيجة ما يلي:
عملت منظمة (الجيبو) الإرهابية الشيوعية اللينينية في الناس ضرباً وقتلاً ونفياً،
وامتلأت السجون حتى بلغت الضحايا باعتراف التقارير الرسمية للحزب الشيوعي مائة ألف
قتيل.
ج. وبعد مضي سنتين، وفي عام (1932 ـ 1933م) بالضبط شن لينين نفس الغارة على الشعب
المسكين لتطبيق القانون الزراعي مهما كلف الأمر، وكانت النهاية كما يلي: ضحايا تقدر
بخمسة ملايين إنسان باعتراف الدوائر الرسمية الشيوعية(34).
وعند ذلك وضع لينين أسس (الكلوخوزات) أي: نظام المزارع الجماعية الاشتراكية(35).
وبعد هذه القسوة كلها يقف لينين ليعلن الدكتاتورية ويقيمها بكل وقاحة فيقول: من لا
يعترف بضرورة الدكتاتورية لكل طبقة ثورية لتأمين نجاحها لايعرف شيئاً من تاريخ
الثورة أو لا يريد أن يعرف شيئاً في هذا الحقل(36).
4. في الحرب العالمية الثانية راح ضحية الحكم والسيطرة فيها قرابة سبعين مليون
إنسان بين قتيل وجريح ومعدوم ومعاق.
5. الاستعمار الفرنسي قتل في الجزائر ـ في حرب التحرير ـ أكثر من مليون من البشر.
6. في الحرب الفيتنامية قتل الأمريكيون من قيادة واحدة لـ (جياب) قرابة نصف مليون
إنسان.
وعلى هذا فقس ما سواها.
أنظر الفرق الشاسع بين (السياسة الإسلامية) وبين (السياسة غير الإسلامية)؟ كيف أن
الإسلام في سياسته العملية لا يفوته ذعر امرأة، وهلع صبي، وعقال بعير، وميلغة كلب..
ولا يقتل الرئيس الأعلى قاتله قبل أن يظهر من القاتل ما يوجب القصاص.
هذا في الإسلام، وفي سياسته الإنسانية.
ورأيت كيف أن السياسة غير الإسلامية تستهين بالإنسان، والكرامة، والملايين،
الملايين من البشر.