إن السياسة التي تفسر بـ : «تنظيم أمور دنيا الناس على أحسن وأرفه وجه». الذي هو
مضمون قوله تعالى في وصف الرسول الأعظم صلی الله عليه و آله:
(وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)(1).
هي من صميم الإسلام، ومن أسس الدين، التي يجب على كلّ فرد من المسلمين السعي
لتطبيقها على العالم كلّه، والجهاد ـ بمختلف الوسائل والسبل المشروعة ـ من أجل
تثبيتها، تحقيقاً لقوله تعالى:
(شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
الدِّينَ)(2).
ونظرة باحثة دقيقة على التاريخ الإسلامي المشرق الطويل عبر القرون المتمادية ـ
خصوصاً، تاريخ رسول الله وتاريخ وصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
وأولاده الأئمة الطاهرين عليهم السلام ـ تعطينا فكرة وافية عن مكان السياسة الصحيحة
في الإسلام.
ومطالعة القرآن الحكيم وكتب التفسير والحديث توقفنا على الرصيد الفكري السياسي
الضخم الذي تركه الإسلام للمسلمين، وللعالم أجمع.
وفي الشريعة الإسلامية نصوص كثيرة.. وكثيرة جداً، تدل على أن السياسة جزء لا يتجزأ
من الإسلام، بل الأصح في التعبير أن نقول: الإسلام والسياسة لفظان لمفهوم واحد،
فالسياسة هي الإسلام، والإسلام هو السياسة بمعناها الصحيح العام.
وهنا نذكر بعضاً من تلك النصوص غير ما ذكرناه في أول الكتاب، أو ما يأتي في مطاوي
الفصول المختلفة أيضاً:
جاء في الحديث الشريف في وصف الأئمة عليهم السلام بأنهم: «ساسة العباد»(3).
وجاء في حديث شريف آخر:
«الإمام عالم لا يجهل… مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة»(4).
وفي الحديث الشريف أيضاً:
«ثم فوض إلى النبـي صلی الله عليه و آله أمر الدين والأمة ليسوس عباده»(5).
وفي حديث آخر:
«كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم»(6).
وفي كتاب أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى مالك الأشتر النخعي رضوان الله عليه:
«فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة»(7).
وقال عليه السلام في الكتاب نفسه في محل آخر:
«فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك… واجمعهم علماً وسياسة»(8).
وقال عليه السلام أيضاً ـ كما في الغرر ـ : «خير السياسات العدل»(9).
وقال عليه السلام في كتاب لـه إلى معاوية ابن أبي سفيان:
«ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الأمّة؟»(10).
وهذا يدلّ على أنّ ساسة الرعية ليس بمعاوية ولا أسلافه وأضرابه، بل هو النبي صلی
الله عليه و آله والإمام عليه السلام ونوابهما.
وقد ورد عن رسول الله صلی الله عليه و آله يوم الغدير في خطبته العظيمة:
«يا أيها الناس، والله ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلا وقد
أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلا وقد نهيتكم عنه»(11).
وروي في الكافي بسنده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال:
«ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنّة»(12).
وروي أيضاً عن سماعة عن أبي الحسن موسى عليه السلام في حديث، قال: فقلت: أصلحك الله
أتى رسول الله صلی الله عليه و آله الناس بما يكتفون به في عهده؟
قال عليه السلام :
«نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة».
فقلت: فضاع من ذلك شيء؟
فقال عليه السلام :
«لا هو عند أهله»(13).
وروي أيضاً عن الصادق عليه السلام قال:
«إن الله أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه
العباد إلا بيّنه للناس، حتى لايستطيع عبد يقول: لو كان هذا نزل في القرآن إلا وقد
أنزل الله فيه»(14).
ومن الواضح أنّ المراد بذلك نزوله في عمومات القرآن، لا في خصوصاته.
وروي أيضاً عن الرضا عليه السلام قال:
«وما ترك ــ أي الرسول صلی الله عليه و آله ــ شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا
بيّنه، فمن زعم أنّ الله لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله عزّ وجلّ»(15).
وأخرج العلامة المجلسي قدس سره في (بحار الأنوار) عن (بصائر الدرجات)، بسنده عن أبي
جعفر الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:
«إن الله لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة إلا أنزله في كتابه
وبيّنه لرسوله، وجعل لكل شيء حداً وجعل عليه دليلاً يدل عليه»(16).
وهناك مئات النصوص بهذه المضامين تدل على أنّ السياسة من الإسلام، بل من صميمه
وواقعه، بالعمومات أو الخصوصات، زخرت بها كتب الحديث في موارد مختلفة.