مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده.
والصلاة على من لا نبي بعده.
وعلى خلفائه المعصومين عليهم السلام الذين جعلهم الله حكام أرضه بعد نبيه.
والسلام على الفقهاء الأمناء، نواب خاتم الأوصياء عجل الله تعالی فرجه الشريف .
الذين جعلتهم (القيادة المعصومة):
القضاة..
والحكام..
والحجّة..
أما بعد: فالسياسة بحث واسع مترامي الأطراف، وبحر عميق عريض لايبلغ غوره وسواحله إلا القليل القليل..
فهي كيفية إدارة شؤون الناس في السلم والحرب، والأخذ والعطاء، والشدة والرخاء، والاجتماع والافتراق، وغير ذلك.
وإذا علمنا أن الناس كما يختلفون في أشكالهم، وألوانهم، ولغاتهم.. كذلك:
يختلفون في أذواقهم، وعقولهم، وعواطفهم.
ويختلفون في إدراكهم، وفهمهم، وتحليلهم.
ويختلفون في خلفياتهم، ونظراتهم، ومعطياتهم.
فبين شباب لا ثقة لهم بفكر الشيوخ.
وبين شيوخ لا ثقة لهم بتجلد الشباب.
ومن هنا تلعب الأهواء، والميول، والاتجاهات.. في هذا المجال أدوارها الفعالة بين حسد، وغبطة، وتنازع على الصعود، وغير ذلك الكثير.. والكثير.. والكثير..
فإذا علمنا ذلك كله نستطيع أن نفتح على أذهاننا نافذة صغيرة أشبه شيء بالكوة إلى ما في عالم السياسة من المجال الواسع، الرحب، العريض.. الكبير.
هذا كله في السياسة المادية البحتة التي يمارسها ساسة الدنيا اليوم غالباً، في الغرب والشرق والوسط.
أما سياسة الإسلام المبتنية على إدارة الناس في كافة شؤونهم المادية والمعنوية، بالإضافة إلى الالتزام الكامل:
بالعدل والإحسان.
والإنسانية والعواطف الخيرة.
والفضيلة والأخلاق الكريمة.
واستقامة الفكر والعقيدة.
في كل الأدوار، وفي كل المستويات.
هذا المزيج من المادة والروح في كل الأبعاد، لكل منهما.
هذا هو من رابع المستحيلات في منطق السياسة المادية.
لكن الإسلام هو الذي جعل من هذا المستحيل ممكناً.
لا ممكناً فحسب.. بل طبقه رسول الله صلی الله عليه و آله وطبقه أمير المؤمنين عليه السلام .
هذا الأفق الواسع الذي يسمى بـ «سياسة الإسلام» يحتاج البحث الوافي عنه إلى عدة مجلدات ضخام تحتوي على ما يلي:
أولاً: تاريخ رسول الله صلی الله عليه و آله في كل الأبعاد، وتاريخ العترة الطاهرة عليهم السلام من أهل بيته الذين جعلهم الرسول صلی الله عليه و آله بأمر الله تعالى: «ساسة العباد، وأركان البلاد»(1).
ثانياً: تحليل هذا التاريخ العظيم الحافل، ودراسة ظروفه، وخلفياته، ومعطياته، وأبعاده..
ثالثاً: تطبيق واقعنا المعاصر على هذا التاريخ، في المنعطفات والفوارق بين ذلك اليوم.. وهذا اليوم.
رابعاً: ترجيح المتزاحمات بين هذه.. وتلك.
خامساً: استخلاص تجربة عملية عميقة مدروسة من القرآن والحديث والسيرة والتاريخ.
وهذا ما نرجو أن يوفق الله تعالى لإنجازه ثلة من فقهائنا العظام الذين يتميزون بالدقة والتعمق الموضوعي الشامل، وبعدم التحيز عن الحق لهذا وذاك، وهذان ما يؤهلهم لهذا الأمر العظيم والخطير في نفس الوقت.
لكي يعكسوا صورة واضحة حية أصيلة عن سياسة الإسلام وفلسفتها، وآفاقها وواقعها، يترآى من أطرافها الجمال والعظمة والإنسانية، وذلك: لتكون ربطاً لقلوب المؤمنين، وتثبيتاً لأفكارهم في كل مجالات الإسلام، مُرغباً عميقاً لغير المسلمين في الإسلام.. وكما كان ذاك وهذا في بدء الإسلام ومفتتحه، والذي أرعب كل كفار العالم بالفناء الدفعي عن التاريخ نهائياً، والقضاء عليهم فكرياً وعملياً بعمق ثابت حتى قال بعض قساوسة الكفار لبعض علماء المسلمين ما مضمونه:
إن لمعاوية ابن أبي سفيان حقاً كبيراً على الكفار في التاريخ بحيث يجب عليهم أن ينصبوا لـه تمثالاً من الذهب في ساحات البلاد الأوروبية، وذلك لأنه أشغل علي بن أبي طالب بالحروب الداخلية، فلم يترك مجالاً لعلي عليه السلام حتى يتفرغ لتعميم الإسلام على العالم، وإلا لما بقي اليوم كافراً واحداً على وجه الأرض(2).
ومثل هذا الأمر يتكفله مثل هؤلاء الفقهاء العظام.
أما كتابنا هذا، فهو أشبه ما يكون بإطلالة على هذا الفضاء الرحب الواسع، وفهرس موجز في هذا المجال.
والله المسؤول أن يوفق المسلمين لفهم سياسة الإسلام بعمق وموضوعية وشمول، وتطبيقها على العالم كله، لينعم المسلمون وغير المسلمين جميعاً بفضل الإسلام وسياسته الحكيمة الرشيدة تحقيقاً لقوله تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ واتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ…)(3).
وقوله عز من قائل في أهل الكتاب:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم…)(4).
وما ذلك على الله بعزيز، وهو ولي التوفيق، ونعم الوكيل.

صادق مهدي الحسيني الشيرازي
رجب المرجب 1386 للهجرة


(1) المقنعة: ص205، كتاب الصلاة ب20.
(2) (شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي) تأليف: محمود أبو رية (نقلاً) عن كتاب (الوحي المحمدي) ص232.
(3) سورة الأعراف: الآية 96.
(4) سورة المائدة: الآية 66.