فصل: في المستحبات قبل الدفن وحينه وبعده
وهي أمور:
الأول: أن يكون عمق القبر إلى الترقوة أو إلى قامة، ويحتمل كراهة الأزيد.
الثاني: أن يجعل لـه لحد ممّا يلي القبلة في الأرض الصلبة: بأن يحفر بقدر بدن
الميّت في الطول والعرض، وبمقدار ما يمكن جلوس الميّت فيه في العمق. ويشقب في الأرض
الرخوة وسط القبر شبه النهر فيوضع فيه الميّت ويسقّف عليه.
الثالث: أن يدفن في المقبرة القريبة على ما ذكره بعض العلماء، إلا أن يكون في
البعيدة مزيّة بأن كانت مقبرة للصلحاء أو كان الزائرون هناك أزيد.
الرابع: أن يوضع الجنازة دون القبر بذراعين أو ثلاثة أو أزيد من ذلك، ثمَّ ينقل
قليلاًويوضع، ثمَّ ينقل قليلاً ويوضع، ثمَّ ينقل في الثالثة مترسّلاً ليأخذ الميّت
أُهبته، بل يكره أن يدخل في القبر دفعة فإن للقبر أهوالاً عظيمة.
الخامس: إن كان الميّت رجلاً يوضع في الدفعة الأخيرة بحيث يكون رأسه عند ما يلي
رجلي الميّت في القبر، ثمَّ يُدخل في القبر طولاً من طرف رأسه، أي: يدخل رأسه
أوّلاً، وإن كان امرأة توضع في طرف القبلة، ثمَّ تُدخل عرضاً.
السادس: أن يغطَّى القبر بثوب عند إدخال المرأة.
السابع: أن يُسلّ من نعشه سلاً فيرسل إلى القبر برفق.
الثامن: الدعاء عند السلّ من النعش، بأن يقول: «بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول
الله (صلى الله عليه وآله)، اللهم إلى رحمتك لا إلى عذابك، اللهم افسح لـه في قبره ولقّنه حجّته وثبّته
بالقول الثابت وقنا وإياه عذاب القبر».
وعند معاينة القبر:« اللهم اجعله روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار».
وعند الوضع في القبر يقول:« اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول
به».
وبعد الوضع فيه يقول: «اللهم جاف الأرض عن جنبيه وصاعد عمله ولقّه منك رضواناً».
وعند وضعه في اللحد يقول:« بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله- ثمَّ يقرأ فاتحة
الكتاب وآية الكرسي والمعوَّذتين وقل هو الله أحد ويقول:- أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم».
وما دام مشتغلاً بالتشريج يقول:« اللهم صِلْ وحدته وآنس وحشته وآمن روعته وأسكن
اليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك فإنما رحمتك للظالمين».
وعند الخروج من القبر يقول:« إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم ارفع درجته في أعلى
علّيّين واخلُف على عقبه في الغابرين وعندك نحتسبه يا رب العالمين».
وعند إهالة التراب عليه يقول:« إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم جاف الأرض عن جنبيه
وأصعد إليك بروحه ولقّه منك رضواناً وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من
سواك».
وأيضاً يقول: «إيماناً بك وتصديقاً ببعثك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، اللهم زدنا
إيماناً وتسليماً».
التاسع: أن تحلّ عقد الكفن بعد الوضع في القبر ويبدأ من طرف الرأس.
العاشر: أن يحسر عن وجهه، ويجعل خدّه على الأرض، ويعمل لـه وسادة من تراب.
الحادي عشر: أن يسند ظهره بلبنة أو مدرة، لئلاّ يستلقي على قفاه.
الثاني عشر: جعل مقدار لبنة من تربة الامام الحسين (عليه السلام) تلقاء وجهه بحيث لا تصل إليها
النجاسة بعد الانفجار.
الثالث عشر: تلقينه بعد الوضع في اللحد قبل الستر باللبن، بأن يضرب بيده على منكبه
الأيمن، ويضع يده اليسرى على منكبه الأيسر بقوّة، ويدني فمه إلى أذنه ويحرّكه
تحريكاً شديداً ثمَّ يقول: «يا فلان بن فلان اسمع افهم- ثلاث مرات- الله ربّك ومحمد
نبيّك والإسلام دينك والقرآن كتابك وعلي إمامك والحسن إمامك إلى آخر الأئمة أ فهمت
يا فلان؟- ويعيد عليه هذا التلقين ثلاث مرات ثمَّ يقول:- ثبّتك الله بالقول الثابت
هداك الله إلى صراط مستقيم عرف الله بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته، اللهم
جاف الأرض عن جنبيه وأصعد بروحه إليك ولقّه منك برهاناً اللهم عفوك عفوك».
وأجمع كلمة في التلقين أن يقول: «اسمع افهم يا فلان بن فلان ـ ثلاث مرات ذاكرا اسمه
واسم أبيه ثمَّ يقول:- هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة: أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك لـه، وأن محمداً (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله وسيد النبيين وخاتم المرسلين، وأن
علياً أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام افترض الله طاعته على العالمين، وأن الحسن،
والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن
موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمدف والحسن بن علي، والقائم الحجة المهدي، صلوات
الله عليهم أئمة المؤمنين وحجج الله على الخلق أجمعين، وأئمتك أئمة هدى بك أبرار،
يا فلان بن فلان إذا أتاك الملكان المقرّبان رسولين من عند الله تبارك وتعالى
وسألاك عن ربك وعن نبيك وعن دينك وعن كتابك وعن قبلتك وعن أئمتك، فلا تخف ولا تحزن
وقل في جوابهما: الله ربّي ومحمد (صلى الله عليه وآله) نبيّي والإسلام ديني والقرآن كتابي والكعبة
قبلتي، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمامي، والحسن بن علي المجتبى إمامي،
والحسين بن علي الشهيد بكربلاء إمامي، وعلى زين العابدين إمامي، ومحمد الباقر إمامي
وجعفر الصادق إمامي، وموسى الكاظم إمامي، وعلي الرضا إمامي ومحمد الجواد إمامي،
وعلي الهادي إمامي، والحسن العسكري إمامي والحجة المنتظر إمامي، هؤلاء صلوات الله
عليهم أجمعين أئمتي وسادتي وقادتي وشفعائي بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ في الدنيا
والآخرة، ثمَّ اعلم يا فلان بن فلان أن الله تبارك وتعالى نعم الربّ، وأن محمداً
(صلى الله عليه وآله)
نعم الرسول، وأن علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين الأئمة الاثني عشر، نعم الأئمة،
وأن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) حق، وأن الموت حق، وسؤال منكر ونكير في القبر حق، والبعث
والنشور حق، والصراط حق، والميزان حق، وتطاير الكتب حق، وأن الجنة حق، والنار حق،
وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور» ثمَّ يقول:« أ فهمت يا
فلان»- وفي الحديث أنه يقول: فهمت، ثمَّ يقول:- « ثبتك الله بالقول الثابت وهداك
الله إلى صراط مستقيم عرّف الله بينك وبين أوليائك في مستقرِّ من رحمته» ثمَّ
يقول:« اللهم جاف الأرض عن جنبيه وأصعد بروحه إليك ولقّه منك برهاناً اللهم عفوك
عفوك» والأَولى أن يلقّن بما ذكر من العربي وبلسان الميّت أيضاً إن كان غير عربي.
الرابع عشر: أن يسدّ اللحد باللبن لحفظ الميّت من وقوع التراب عليه، والأَولى
الابتداء من طرف رأسه، وإن أحكمت اللبن بالطين كان أحسن(1).
الخامس عشر: أن يخرج المباشر من طرف الرجلين فإنه باب القبر.
السادس عشر: أن يكون من يضعه في القبر على طهارة مكشوف الرأس نازعاً عمامته ورداءه
ونعلَيه، بل وخفّيه إلا لضرورة.
السابع عشر: أن يهيل غير ذي رحم- ممن حضر- التراب عليه بظهر الكف قائلاً: إنا لله
وإنا إليه راجعون على ما مرّ.
الثامن عشر: أن يكون المباشر لوضع المرأة في القبر محارمها أو زوجها، ومع عدمهم
فأرحامها، وإلا فالأجانب. ولا يبعد(2) أن يكون الأَولى بالنسبة إلى الرجل الأجانب.
التاسع عشر: رفع القبر عن الأرض بمقدار أربع أصابع مضمومة أو مفرّجة.
العشرون: تربيع القبر بمعنى كونها ذا أربع زوايا قائمة وتسطيحه ويكره تسنيمه، بل
تركه أحوط.
الحادي والعشرون: أن يجعل على القبر علامة.
الثاني والعشرون: أن يرشّ عليه الماء، والأَولى أن يستقبل القبلة ويبتدئ بالرشّ من
عند الرأس إلى الرجل ثمَّ يدور به على القبر حتى يرجع إلى الرأس ثمَّ يرشّ على
الوسط ما يفضل من الماء، ولا يبعد استحباب الرش، إلى أربعين يوماً أو أربعين شهر(3).
الثالث والعشرون: أن يضع الحاضرون بعد الرشّ أصابعهم مفرّجات على القبر بحيث يبقى
أثرها، والأَولى أن يكون مستقبل القبلة ومن طرف رأس الميّت واستحباب الوضع المذكور
آكد بالنسبة إلى من لم يصلّ على الميّت وإذا كان الميّت هاشمياً فالأَولى أن يكون
الوضع على وجه يكون أثر الأصابع أزيد بأن يزيد في غمز اليد، ويستحب أن يقول حين
الوضع:« بسم الله، ختمتك من الشيطان أن يدخلك» وأيضاً يستحب أن يقرأ مستقبلاً
للقبلة: سبع مرات إنا أنزلناه، وأن يستغفر لـه ويقول:« اللهم جاف الأرض عن جنبيه
وأصعد إليك روحه ولقّه منك رضواناً وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من
سواك». أو يقول:« اللهم ارحم غربته وصل وحدته وآنس وحشته وآمن روعته وأفض عليه من
رحمتك واسكن إليه من برد عفوك وسعة غفرانك ورحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك
واحشره مع من كان يتولاّه».
ولا يختص هذه الكيفية بهذه الحالة، بل يستحب عند زيارة كلّ مؤمن: من قراءة إنا
أنزلناه سبع مرّات وطلب المغفرة وقراءة الدعاء المذكور.
الرابع والعشرون: أن يلقّنه الوليّ أو من يأذن لـه تلقيناً آخر بعد تمام الدفن
ورجوع الحاضرين بصوت عال بنحو ما ذكر، فإن هذا التلقين يوجب عدم سؤال النكيرين منه.
فالتلقين يستحب في ثلاثة مواضع: حال الاحتضار، وبعد الوضع في القبر، وبعد الدفن
ورجوع الحاضرين. وبعضهم ذكر استحبابه بعد التكفين أيضاً ويستحب الاستقبال حال
التلقين وينبغي في التلقين بعد الدفن وضع الفم عند الرأس وقبض القبر بالكفين.
الخامس والعشرون: أن يكتب اسم الميّت على القبر أو على لوح أو حجر وينصب عند رأسه.
السادس والعشرون: أن يجعل في فمه فصّ عقيق مكتوب عليه: «لا إله إلا الله ربي، محمد
نبيي، علي والحسن والحسين ـ إلى آخر الأئمة ـ أئمتي».
السابع والعشرون: أن يوضع على قبره شيء من الحصى على ما ذكره بعضهم، والأَولى
كونها حمراً.
الثامن والعشرون: تعزية المصاب وتسليته قبل الدفن وبعده، والثاني أفضل، والمرجع
فيها العرف، ويكفي في ثوابها رؤية المصاب إياه، ولا حدّ لزمانها، ولو أدّت إلى
تجديد حزن قد نسي كان تركها اَولى، ويجوز الجلوس للتعزية ولا حد لـه أيضاً، وحدّه
بعضهم بيومين أو ثلاث(4)، وبعضهم على أنّ الأزيد من يوم مكروه، ولكن إن كان الجلوس
بقصد قراءة القرآن والدعاء لا يبعد رجحانه.
التاسع والعشرون: إرسال الطعام إلى أهل الميّت ثلاثة أيام، ويكره الأكل عندهم(5)،
وفي خبر أنه عمل أهل الجاهلية.
الثلاثون: شهادة أربعين أو خمسين من المؤمنين للميّت بخير، بأن يقولوا: «اللهم إنا
لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منّا»(6).
الواحد والثلاثون: البكاء على المؤمن.
الثاني والثلاثون: أن يسلّي صاحب المصيبة نفسه بتذكّر موت النبي (صلى الله عليه
وآله) فإنه أعظم
المصائب.
الثالث والثلاثون: الصبر على المصيبة والاحتساب، والتأسّي بالأنبياء والأوصياء
والصلحاء خصوصاً في موت الأولاد.
الرابع والثلاثون: قول:« إنا لله وإنا إليه راجعون» كلّما تذكّر.
الخامس والثلاثون: زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم بقول: «السلام عليكم يا أهل
الديار...» إلي آخره، وقراءة القرآن وطلب الرحمة والمغفرة لهم، ويتأكّد في يوم
الاثنين والخميس خصوصاً عصره وصبيحة السبت للرجال والنساء بشرط عدم الجزع والصبر،
ويستحب أن يقول:« السلام على أهل الديار من المؤمنين رحم الله المتقدّمين منكم
والمتأخّرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» ويستحب للزائر أن يضع يده على القبر وأن
يكون مستقبلا وأن يقرأ: إنا أنزلناه سبع مرّات ويستحب أيضاً قراءة الحمد
والمعوذتين(7) وآية الكرسي كلّ منها ثلاث مرات، والأَولى أن يكون جالساً مستقبل
القبلة ويجوز قائماً ويستحب أيضاً قراءة يـس~، ويستحب أيضاً أن يقول(8): «بسم الله
الرحمن الرحيم السلام على أهل لا إله إلا الله من أهل لا إله إلا الله(9) كيف وجدتم
قول لا إله إلا الله من لا إله إلا الله، يا لا إله إلا الله بحق لا إله إلا الله
اغفر لمن قال: لا إله إلا الله، واحشرنا في زمرة من قال: لا إله إلا الله، محمد
رسول الله، علي ولي الله».
السادس والثلاثون: طلب الحاجة عند قبر الوالدين.
السابع والثلاثون: إحكام بناء القبر.
الثامن والثلاثون: دفن الأقارب متقاربين.
التاسع والثلاثون: التحميد والاسترجاع وسؤال الخلف عند موت الولد.
الأربعون: صلاة الهدية ليلة الدفن، وهي على رواية ركعتان يقرأ في الاُولى الحمد
وآية الكرسي، وفي الثانية الحمد والقدر عشر مرّات، ويقول بعد الصلاة: «اللهم صلّ
علي محمد وآل محمد، وابعث ثوابها الي قبر فلان».
وفي رواية اُخري: في الرکعة الاُولي الحمد وقل هو الله أحد مرّتين، وفي الثانية
الحمد والتکاثر عش مرّات.
وان اتي بالکيفيّتين کان اولي، وتکفي صلاة واحدة من شخص واحد، واتيان أربعين أَولي
لکن لا بقصد الورود والخصوصية، کما أنّه يجوز التعدّد من شخص واحد بقصد إهداء
الثواب.
والاحوط قراءة آية الکرسي إلى ?هم فيها خالدون?.
والظاهر: ان وقته تمام الليل وان کان الأَول أوّله بعد العشاء.
ولو أَتي بغير الکيفيّة المذکورة سهواً أعاده ولوکان بترك آية من«انا انزلناه» أو
آية من «آية الکرسي».
ولو نسي من اخذ الأُجرة عليها فترکها، أو ترك شيئاً منها، وجب عليه ردّها الي
صاحبها، وان لم يعرفه تصدّق بها عن صاحبها، وان علم برضاه أَتي بالصلاة في وقت آخر
وأهدي ثوابها الي الميّت لا بقصد الورود.
(1مسألة): إذا نُقل الميّت الي مکان آخر کالعتبات، أو أُخّر الدفن إلى مدّة، فصلاة
ليلة الدفن تؤخّر(10) إلي ليلة الدفن.
(2 مسألة): لا فرق في استحباب التعزية لأهل المصيبة بين الرجال والنساء حتى الشابات
منهنّ متحرّزاً عما تكون به الفتنة، ولا بأس بتعزية أهل الذمّة مع الاحتراز(11) عن
الدعاء لهم بالأجر إلا مع مصلحة تقتضي ذلك.
(3 مسألة): يستحب(12) الوصية بمال لطعام مأتمه بعد موته.
وهي أيضاً أمور:
الأول: دفن ميّتين في قبر واحد، بل قيل بحرمته مطلقاً، وقيل بحرمته مع كون أحدهما
امرأة أجنبية، والأقوى الجواز مطلقاً مع الكراهة، نعم الأحوط الترك إلا لضرورة،
ومعها الأَولى جعل حائل بينهما. وكذا يكره حمل جنازة الرجل والمرأة على سرير واحد
والأحوط تركه أيضاً.
الثاني: فرش القبر بالساج ونحوه من الآجرّ والحجر إلا إذا كانت الأرض نديّة، وأما
فرش ظهر القبر بالآجرّ ونحوه فلا بأس به، كما أن فرشه بمثل حصير وقطيفة لا بأس به
وإن قيل بكراهته أيضاً.
الثالث: نزول الأب في قبر ولده خوفاً عن جزعه وفوات أجره، بل إذا خيف من ذلك في
سائر الأرحام أيضاً يكون مكروهاً، بل قد يقال بكراهة(13) نزول الأرحام مطلقاً إلا
الزوج في قبر زوجته، والمحرم في قبر محارمه.
الرابع: أن يُهيل ذو الرحم على رحمه التراب، فإنه يورث قساوة القلب.
الخامس: سدّ القبر بتراب غير ترابه، وكذا تطيينه بغير ترابه، فإنه ثقل على الميّت.
السادس: تجصيصه أو تطيينه لغير ضرورة، وإمكان الإحكام المندوب بدونه، والقدر
المتيقّن من الكراهة إنما هو بالنسبة إلى باطن القبر لا ظاهره وإن قيل بالإطلاق.
السابع: تجديد القبر بعد اندراسه، إلا قبور الأنبياء والأوصياء والصلحاء والعلماء.
الثامن: تسنيمه، بل الأحوط تركه.
التاسع: البناء عليه عدا قبور من ذكر، والظاهر: عدم كراهة الدفن تحت البناء والسقف.
العاشر: اتخاذ المقبرة مسجداً، إلا مقبرة الأنبياء والأئمة ^ والعلماء.
الحادي عشر: المقام على القبور، إلا الأنبياء والأئمة ^.
الثاني عشر: الجلوس على القبر.
الثالث عشر: البول والغائط في المقابر(14).
الرابع عشر: الضحك في المقابر.
الخامس عشر: الدفن في الدور.
السادس عشر: تنجيس القبور وتلويثها بما يوجب هتك حرمة الميّت.
السابع عشر: المشي(15) على القبر من غير ضرورة.
الثامن عشر: الاتّكاء على القبر.
التاسع عشر: إنزال الميّت في القبر بغتة من غير أن يوضع الجنازة قريباً منه ثمَّ
رفعها ووضعها دفعات كما مرّ.
العشرون: رفع القبر عن الأرض أزيد من أربع أصابع مفرّجات.
الحادي والعشرون: نقل الميّت من بلد موته إلى آخر، إلا إلى المشاهد المشرّفة
والأماكن المقدّسة والمواضع المحترمة، كالنقل عن عرفات إلى مكة والنقل إلى النجف
فإن الدفن فيه يدفع عذاب القبر وسؤال الملكين وإلى كربلاء والكاظمية وسائر قبور
الأئمة، بل إلى مقابر العلماء والصلحاء، بل لا يبعد استحباب النقل من بعض المشاهد
إلى آخر لبعض المرجّحات الشرعيّة، والظاهر: عدم الفرق في جواز النقل بين كونه قبل
الدفن أو بعده، ومن قال بحرمة الثاني مراده ما إذا استلزم النبش، وإلا فلو فرض خروج
الميّت عن قبره بعد دفنه بسبب: من سبُع أو ظالم أو صبيّ أو نحو ذلك لا مانع من جواز
نقله إلى المشاهد- مثلاً- ثمَّ لا يبعد جواز النقل إلى المشاهد المشرّفة وإن استلزم
فساد الميّت إذا لم يوجب أذيّة المسلمين(16) فإن من تمسّك بهم فاز، ومن أتاهم فقد
نجا، ومن لجأ إليهم أمن، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله تعالى، والمتوسّل بهم غير
خائب صلوات الله عليهم أجمعين.
(1 مسألة): يجوز البكاء على الميّت ولو كان مع الصوت، بل قد يكون راجحاً كما إذا
كان مسكّناً للحزن وحرقة القلب بشرط أن لا يكون منافياً للرضا بقضاء الله، ولا فرق
بين الرحم وغيره، بل قد مرّ استحباب البكاء على المؤمن، بل يستفاد من بعض الأخبار
جواز البكاء على الأليف الضالّ، والخبر الذي ينقل: من: «أن الميّت يعذّب ببكاء
أهله» ضعيف، مناف لقولـه تعالى: ?ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى? وأما البكاء
المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقروناً بعدم الرضا بقضاء الله، نعم
يوجب حبط الأجر، ولا يبعد كراهته.
(2 مسألة): يجوز النوح على الميّت بالنظم والنثر ما لم يتضمّن الكذب ولم يكن
مشتملاً على الويل والثبور(17)، لكن يكره في الليل(18)، ويجوز أخذ الأجرة عليه إذا لم
يكن بالباطل، لكن الأَولى أن لا يشترط أوّلاً.
(3 مسألة): لا يجوز(19) اللطم والخدش وجزّ الشعر، بل والصراخ الخارج عن حدّ الاعتدال
على الأحوط، وكذا لا يجوز شقّ الثوب على غير الأب والأخ والأحوط تركه فيهما أيضاً.
(4 مسألة): في جزّ المرأة شعرها في المصيبة كفّارة شهر رمضان، وفي نتفه كفارة
اليمين، وكذا في خدشها وجهه(20).
(5 مسألة): في شقّ الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده كفّارة اليمين، وهي إطعام عشرة
مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة.
(6 مسألة): يحرم نبش قبر المؤمن وإن كان طفلاً أو مجنوناً، إلا مع العلم باندراسه
وصيرورته تراباً، ولا يكفي الظنّ به. وإن بقي عظماً فإن كان صلباً ففي جواز نبشه
إشكال(21)، وأما مع كونه مجرّد صورة بحيث يصير تراباً بأدنى حركة فالظاهر جوازه(22)،
نعم لا يجوز نبش قبور الشهداء والعلماء والصلحاء وأولاد الأئمة ^ ولو بعد الاندراس
وإن طالت المدّة سيّما المتّخذ منها مزاراً أو مستجاراً. والظاهر: توقّف صدق النبش
على بروز جسد الميّت، فلو أخرج بعض تراب القبر وحفر من دون أن يظهر جسده لا يكون من
النبش المحرّم، والأَولى الإناطة بالعرف وهتك الحرمة. وكذا لا يصدق النبش إذا كان
الميّت في سرداب وفتح بابه لوضع ميت آخر خصوصاً إذا لم يظهر جسد الميّت، وكذا إذا
كان الميّت موضوعاً على وجه الأرض وبني عليه بناء لعدم إمكان الدفن أو باعتقاد
جوازه أو عصياناً فإن إخراجه لا يكون من النبش(23)، وكذا إذا كان في تابوت من صخرة
أو نحوها.
(7 مسألة): يستثنى من حرمة النبش موارد:
الأول: إذا دفن في المكان المغصوب عدواناً أوجهلاً أو نسياناً فإنه يجب نبشه مع عدم
رضا المالك ببقائه، وكذا إذا كان كفنه مغصوباً أو دفن معه مال مغصوب، بل أو ماله
المنتقل بعد موته إلى الوارث فيجوز نبشه لإخراجه، نعم لو أوصى بدفن دعاء أو قرآن أو
خاتم معه لا يجوز نبشه لأخذه، بل لو ظهر بوجه من الوجوه لا يجوز أخذه، كما لا يجوز
عدم العمل بوصيته من الأول.
الثاني: إذا كان مدفوناً بلا غسل أو بلا كفن، أو تبيّن بطلان غسله، أو كون كفنه على
غير الوجه الشرعي، كما إذا كان من جلد الميتة أو غير المأكول أو حريراً، فيجوز نبشه
لتدارك ذلك(24) ما لم يكن موجباً لهتكه، وأما إذا دفن بالتيمّم لفقد الماء فوجد
الماء بعد دفنه، أو كفّن بالحرير لتعذّر غيره، ففي جواز نبشه إشكال، وأما إذا دفن
بلا صلاة أو تبيّن بطلانها فلا يجوز النبش لأجلها، بل يصلّى على قبره، ومثل ترك
الغسل في جواز النبش ما لو وضع في القبر على غير القبلة ولوجهلاً أو نسياناً.
الثالث: إذا توقّف إثبات حق من الحقوق على رؤية جسده.
الرابع: لدفن بعض أجزائه المبانة منه معه، لكن الأَولى دفنه معه على وجه لا يظهر
جسده.
الخامس: إذا دفن في مقبرة لا يناسبه، كما إذا دفن في مقبرة الكفار أو دفن معه كافر
أو دفن في مزبلة أو بالوعة أو نحو ذلك من الأمكنة الموجبة لهتك حرمته.
السادس: لنقله إلى المشاهد المشرّفة والأماكن المعظّمة على الأقوى وإن لم يوص بذلك
وإن كان الأحوط الترك مع عدم الوصية.
السابع: إذا كان موضوعاً في تابوت ودفن كذلك فإنه لا يصدق عليه النبش حيث لا يظهر
جسده، والأَولى(25) مع إرادة النقل إلى المشاهد اختيار هذه الكيفية فإنه خال عن
الإشكال أو أقل إشكالاً.
الثامن: إذا دفن بغير إذن الولي(26).
التاسع: إذا اَوصى بدفنه في مكان معيّن وخولف عصياناً أوجهلاً أو نسياناً.
العاشر: إذا دعت ضرورة إلى النبش أو عارضه أمر راجح أهم.
الحادي عشر: إذا خيف عليه من سبع أو سيل أو عدوّ.
الثاني عشر: إذا أوصى(27) بنبشه ونقله بعد مدّة إلى الأماكن المشرّفة، بل يمكن أن
يقال بجوازه في كلّ مورد يكون هناك رجحان شرعي من جهة من الجهات(28) ولم يكن موجباً
لهتك حرمته أو لأذيَّة الناس، وذلك لعدم وجود دليل واضح على حرمة النبش إلا
الإجماع(29) وهو أمر لبّي والقدر المتيقّن منه غير هذه الموارد(30) لكن مع ذلك لا
يخلو عن إشكال.
(8 مسألة): يجوز(31) تخريب آثار القبور التي علم اندراس ميّتها، ما عدا ما ذكر من
قبور العلماء والصلحاء وأولاد الأئّمة ^ سيّما إذا كانت في المقبرة الموقوفة
للمسلمين مع حاجتهم، وكذا في الأراضي المباحة، ولكن الأحوط عدم التخريب مع عدم
الحاجة خصوصاً في المباحة غير الموقوفة.
(9 مسألة): إذا لم يعلم أنه قبر مؤمن أو كافر فالأحوط(32) عدم نبشه مع عدم العلم
باندراسه أو كونه في مقبرة الكفار.
(10 مسألة): إذا دفن الميّت في ملك الغير بغير رضاه، لا يجب عليه الرضا ببقائه ولو
كان بالعوض وإن كان الدفن بغير العدوان من جهل أو نسيان فله أن يطالب النبش أو
يباشره، وكذا إذا دفن مال للغير مع الميّت لكن الأَولى، بل الأحوط قبول العوض أو
الإعراض.
(11 مسألة): إذا أذن في دفن ميّت في ملكه، لا يجوز لـه أن يرجع عن إذنه بعد الدفن
سواء كان مع العوض أو بدونه لأنه المقدم على ذلك، فيشمله حرمة دليل النبش، وهذا
بخلاف ما إذا أذن في الصلاة في داره فإنه يجوز(33) لـه الرجوع في أثناء الصلاة ويجب
على المصلّي قطعها في سعة الوقت، فإنّ حرمة القطع إنما هي بالنسبة إلى المصلّي فقط،
بخلاف حرمة النبش فإنه لا فرق فيه بين المباشر وغيره، نعم لـه الرجوع عن إذنه بعد
الوضع في القبر قبل أن يسدّ بالتراب، هذا إذا لم يكن الإذن في عقد لازم وإلا ليس
لـه الرجوع مطلقاً.
(12 مسألة): إذا خرج الميّت المدفون في ملك الغير بإذنه بنبش نابش أو سيل أو سبع
أو نحو ذلك لا يجب عليه الرضا والإذن بدفنه ثانيا في ذلك المكان، بل لـه الرجوع عن
إذنه إلا إذا كان لازماً عليه بعقد لازم.
(13 مسألة): إذا دفن في مكان مباح فخرج بأحد المذكورات لا يجب دفنه ثانياً في ذلك
المكان، بل يجوز أن يدفن في مكان آخر والأحوط الاستيذان من الولي في الدفن الثاني
أيضاً، نعم إذا كان عظماً مجرداً أو نحو ذلك لا يبعد عدم اعتبار إذنه وإن كان أحوط
مع إمكانه.
(14 مسألة): يكره إخفاء موت إنسان من أولاده وأقربائه إلا إذا كانت هناك جهة رجحان
فيه.
(15 مسألة): من الأمكنة التي يستحب الدفن فيها ويجوز النقل إليها الحرم، ومكّة أرجح
من سائر مواضعه. وفي بعض الأخبار: أن الدفن في الحرم يوجب الأمن من الفزع الأكبر،
وفي بعضها: استحباب نقل الميّت من عرفات إلى مكّة المعظّمة.
(16 مسألة): ينبغي للمؤمن إعداد قبر لنفسه سواء كان في حال المرض أو الصحة، ويرجح
أن يدخل قبره ويقرأ القرآن فيه.
(17 مسألة): يستحب بذل الأرض لدفن المؤمن، كما يستحب بذل الكفن لـه وإن كان غنياً.
ففي الخبر: «من كفّن مؤمناً كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة».
(18 مسألة): يستحب المباشرة لحفر قبر المؤمن. ففي الخبر: «من حفر لمؤمن قبراً كان
كمن بوّأه بيتاً موافقاً إلى يوم القيامة».
(19 مسألة): يستحب مباشرة غُسل الميّت. ففي الخبر: «كان فيما ناجى الله به موسى
(عليه السلام)
ربّه قال: يا ربّ ما لمن غسل الموتى؟ فقال: أغسّله من ذنوبه كما ولدته أمه».
(20 مسألة): يستحب للإنسان إعداد الكفن وجعله في بيته وتكرار النظر إليه. ففي
الحديث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا أعدّ الرجل كفنه كان مأجوراً كلّما نظر إليه» وفي
خبر آخر: «لم يكتب من الغافلين وكان مأجوراً كلّما نظر إليه».
وهي كثيرة، وعدّ بعضهم سبعاً وأربعين، وبعضهم أنهاها إلى خمسين، وبعضهم إلى أزيد من
ستّين، وبعضهم إلى سبع وثمانين، وبعضهم إلى مائة. وهي أقسام: زمانية ومكانية وفعلية
إما للفعل الذي يريد أن يفعل أو للفعل الذي فعله، والمكانية أيضاً في الحقيقة فعلية
لأنها إما للدخول في مكان أو للكون فيه.
أما الزمانية فأغسال:
أحدها: غسل الجمعة ورجحانه من الضروريات، وكذا تأكّد استحبابه معلوم من الشرع،
والأخبار في الحثّ عليه كثيرة وفي بعضها: «أنه يكون طهارة لـه من الجمعة إلى
الجمعة». وفي آخر: «غسل يوم الجمعة طهور وكفارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة إلى
الجمعة». وفي جملة منها التعبير بالوجوب ففي الخبر: «أنه واجب على كلّ ذكر أو أنثى
من حرّ أو عبد». وفي آخر عن غسل يوم الجمعة فقال (عليه السلام): «واجب على كلّ ذكر وأنثى من حرّ
أو عبد». وفي ثالث: «الغسل واجب يوم الجمعة». وفي رابع: قال الراوي: «كيف صار غسل
الجمعة واجباً؟ فقال (عليه السلام): إن الله أتمّ صلاة الفريضة بصلاة النافلة- إلى إن قال:-
وأتمّ وضوء النافلة بغسل يوم الجمعة». وفي خامس: «لا يتركه إلا فاسق». وفي سادس:
عمَّن نسيه حتَّى صلَّى قال (عليه السلام): «إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة وإن مضى
الوقت فقد جازت صلاته». إلى غير ذلك. ولذا ذهب جماعة إلى وجوبه، منهم: الكليني
والصدوق وشيخنا البهائي على ما نقل عنهم، لكن الأقوى استحبابه. والوجوب في الأخبار
منّزل على تأكّد الاستحباب وفيها قرائن كثيرة على إرادة هذا المعنى، فلا ينبغي
الإشكال في عدم وجوبه وإن كان الأحوط عدم تركه.
(1 مسألة): وقت غسل الجمعة: من طلوع الفجر الثاني إلى الزوال، وبعده إلى آخر يوم
السبت قضاء، لكن الأَولى والأحوط فيما بعد الزوال إلى الغروب من يوم الجمعة أن ينوي
القربة من غير تعرّض للأداء والقضاء، كما أن الأَولى مع تركه إلى الغروب أن يأتي به
بعنوان القضاء في نهار السبت لا في ليله. وآخر وقت قضائه: غروب يوم السبت، واحتمل
بعضهم جواز قضائه إلى آخر الأسبوع لكنّه مشكل، نعم لا بأس به لا بقصد الورود، بل
برجاء المطلوبية لعدم الدليل عليه إلا الرضوي غير المعلوم كونه منه ×.
(2 مسألة): يجوز تقديم غسل الجمعة يوم الخميس، بل ليلة الجمعة إذا خاف إعواز الماء
يومها، أما تقديمه ليلة الخميس فمشكل، نعم لا بأس به مع عدم قصد الورود، لكن احتمل
بعضهم جواز تقديمه حتى من أوّل الأسبوع أيضاً ولا دليل عليه. وإذا قدّمه يوم الخميس
ثمَّ تمكّن منه يوم الجمعة يستحب إعادته وإن تركه يستحب قضاؤه يوم السبت، وأما إذا
لم يتمكّن من أدائه يوم الجمعة فلا يستحب قضاؤه(34)، وإذا دار الأمر بين التقديم
والقضاء، فالأَولى: اختيار الأوّل.
(3 مسألة): يستحب أن يقول حين الاغتسال:« أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني من التوّابين واجعلني
من المتطهّرين».
(4 مسألة): لا فرق في استحباب غسل الجمعة بين الرجل والمرأة، والحاضر والمسافر،
والحرّ والعبد، ومن يصلّي الجمعة ومن يصلّي الظهر، بل الأقوى استحبابه للصبيّ
المميّز، نعم يشترط في العبد إذن المولى إذا كان منافياً لحقّه، بل الأحوط مطلق(35). وبالنسبة إلى الرجال آكد بلى في بعض الأخبار رخصة تركه للنساء(36).
(5 مسألة): يستفاد من بعض الأخبار كراهة تركه، بل في بعضها الأمر باستغفار
التارك، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في مقام التوبيخ لشخص: «والله لأنت أعجز من
التارك الغسل يوم الجمعة فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأخرى».
(6 مسألة): إذا كان خوف فوت الغسل يوم الجمعة لا لإعواز الماء، بل لأمر آخر: كعدم
التمكّن من استعماله، أو لفقد عوض الماء مع وجوده، فلا يبعد جواز تقديمه أيضاً يوم
الخميس وإن كان الأولى عدم قصد الخصوصية والورود، بل الإتيان به برجاء المطلوبية.
(7 مسألة): إذا شرع في الغسل يوم الخميس من جهة خوف إعواز الماء يوم الجمعة فتبيّن
في الأثناء وجوده وتمكّنه منه يومها بطل غسله، ولا يجوز إتمامه بهذا العنوان
والعدول منه إلى غسل آخر مستحب إلا إذا كان من الأوّل قاصداً للأمرين.
(8 مسألة): الأَولى إتيانه قريباً من الزوال وإن كان يجزي من طلوع الفجر إليه كما
مرّ.
(9 مسألة): ذكر بعض العلماء: ان في القضاء كلما كان أقرب إلى وقت الأداء كان أفضل،
فإتيانه في صبيحة السبت اَولى من إتيانه عند الزوال منه أو بعده، وكذا في التقديم
فعصر يوم الخميس اَولى من صبحه وهكذا، ولا يخلو عن وجه وإن لم يكن واضحاً. وأما
أفضليّته ما بعد الزوال من يوم الجمعة من السبت فلا إشكال فيه وإن قلنا بكونه قضاء
كما هو الأقوى(37).
(10 مسألة): إذا نذر غسل الجمعة وجب عليه، ومع تركه عمداً تجب الكفارة والأحوط
قضاؤه يوم السبت، وكذا إذا تركه سهواً أو لعدم التمكّن منه فإن الأحوط قضاؤه، وأما
الكفارة فلا تجب إلا مع التعمّد.
(11 مسألة): إذا اغتسل بتخيّل يوم الخميس بعنوان التقديم، أو بتخيّل يوم السبت
بعنوان القضاء، فتبيّن كونه يوم الجمعة فلا يبعد الصحة خصوصاً إذا قصد الأمر
الواقعي وكان الاشتباه في التطبيق. وكذا إذا اغتسل بقصد يوم الجمعة فتبيّن كونه يوم
الخميس مع خوف الإعواز أو يوم السبت، وأما لو قصد غسلاً آخر غير غسل الجمعة، أو قصد
الجمعة فتبيّن كونه مأموراً لغسل آخر ففي الصحة إشكال إلا إذا قصد الأمر الفعلي
الواقعي وكان الاشتباه في التطبيق.
(12 مسألة): غسل الجمعة لا ينقض بشيء من الحدث الأصغر والأكبر إذ المقصود إيجاده
يوم الجمعة وقد حصل.
(13 مسألة): الأقوى صحة غسل الجمعة من الجنب والحائض، بل لا يبعد إجزاؤه عن غسل
الجنابة، بل عن غسل الحيض إذا كان بعد انقطاع الدم.
(14 مسألة): إذا لم يقدر على الغسل لفقد الماء أو غيره يصحّ التيمّم ويجزي، نعم لو
تمكّن من الغسل قبل خروج الوقت فالأحوط الاغتسال لإدراك المستحب.
الثاني من الأغسال الزمانية: أغسال ليالي شهر رمضان.
يستحب الغسل في ليالي الأَفراد من شهر رمضان، وتمام ليالي العشر الأخيرة، ويستحب في
ليلة الثالث والعشرين غسل آخر في آخر الليل، وأيضاً يستحب الغسل في اليوم الأوّل
منه. فعلى هذا: الأغسال المستحبة فيه اثنان وعشرون، وقيل باستحباب الغسل في جميع
لياليه حتى ليالي الأزواج. وعليه: يصير اثنان وثلاثون، ولكن لا دليل عليه. لكن
الإتيان لاحتمال المطلوبية في ليالي الأزواج من العَشَرتَينِ الاُوليين لا بأس به،
والآكد منها: ليالي القدر وليلة النصف وليلة سبع عشرة والخمس وعشرين والسبع وعشرين
والتسع وعشرين منه.
(15 مسألة): يستحب أن يكون الغسل في الليلة الأولى واليوم الأول من شهر رمضان في
الماء الجاري، كما أنه يستحب أن يصبّ على رأسه قبل الغسل أو بعده ثلاثين كفّاً من
الماء ليأمن من حكّة البدن، ولكن لا دخل لهذا العمل بالغسل، بل هو مستحب مستقلّ.
(16 مسألة): وقت غسل الليالي تمام الليل وإن كان الأَولى إتيانها أوّل الليل، بل
الأَولى إتيانها قبل الغروب أو مقارناً لـه ليكون على غسل من أوّل الليل إلى آخره،
نعم لا يبعد في ليال العشر الأخيرة رجحان إتيانها بين المغرب والعشاء لما نقل من
فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد مرّ أن الغسل الثاني في ليلة الثالثة والعشرين في آخره.
(17 مسألة): إذا ترك الغسل الأوّل في الليلة الثالثة والعشرين في أوّل الليل لا
يبعد كفاية الغسل الثاني عنه، والأَولى أن يأتي بهما آخر الليل برجاء المطلوبية
خصوصاً مع الفصل بينهما، ويجوز إتيان غسل واحد بعنوان التداخل وقصد الأمرين.
(18 مسألة): لا تنقض هذه الأغسال أيضاً بالحدث الأكبر والأصغر كما في غسل الجمعة.
الثالث: غسل يومي العيدين: الفطر والأضحى، وهو من السنن المؤكّدة حتى أنه ورد في
بعض الأخبار: «أنه لو نسي غسل يوم العيد حتى صلّى إن كان في وقت فعليه أن يغتسل
ويعيد الصلاة، وإن مضى الوقت فقد جازت صلاته» وفي خبر آخر عن غسل الأضحى فقال
(عليه السلام):
«واجب إلا بمنى» وهو منزّل على تأكّد الاستحباب لصراحة جملة من الأخبار في عدم
وجوبه، ووقته: بعد الفجر إلى الزوال ويحتمل إلى الغروب، والأَولى عدم نيّة الورود
إذا أتى به بعد الزوال، كما أن الأَولى إتيانه قبل صلاة العيد لتكون مع الغسل.
ويستحب في غسل عيد الفطر أن يكون في نهر ومع عدمه أن يباشر بنفسه الاستقاء بتخشّع
وأن يغتسل تحت الظلال أو تحت حائط ويبالغ في التستر، وأن يقول عند إرادته:« اللهم
إيماناً بك وتصديقاً بكتابك واتّباع سنة نبيّك» ثمَّ يقول:« بسم الله» ويغتسل،
ويقول بعد الغسل:« اللهم اجعله كفارة لذنوبي وطهوراً لديني وطهّر ديني اللهم أذهب
عني الدنس».
والأَولى إِعمال هذه الآداب في غسل يوم الأضحى أيضاً لكن لا بقصد الورود لاختصاص
النصّ بالفطر.
وكذا يستحب الغسل في ليلة الفطر، ووقته: من أولها إلى الفجر والأَولى إتيانه أول
الليل وفي بعض الأخبار: «إذا غربت الشمس فاغتسل».
والأَولى إتيانه ليلة الأضحى أيضاً لا بقصد الورود لاختصاص النص بليلة الفطر.
الرابع: غسل يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة ووقته تمام اليوم.
الخامس: غسل يوم عرفة، وهو أيضاً ممتد إلى الغروب والأولى عند الزوال منه، ولا فرق
فيه بين من كان في عرفات أو سائر البلدان.
السادس: غسل أيام من رجب، وهي: أوله ووسطه وآخره، ويوم السابع والعشرين منه وهو
يوم المبعث، ووقتها: من الفجر إلى الغروب. وعن الكفعمي والمجلسي استحبابه في ليلة
المبعث أيضاً ولا بأس به لا بقصد الورود(38).
السابع: غسل يوم الغدير، والأَولى إتيانه قبل الزوال منه.
الثامن: يوم المباهلة وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة على الأقوى وإن قيل: إنه يوم
الحادي والعشرين وقيل: هو يوم الخامس والعشرين وقيل: إنه السابع والعشرين منه ولا
بأس بالغسل في هذه الأيام لا بقصد الورود.
التاسع: يوم النصف من شعبان.
العاشر: يوم المولود وهو السابع عشر من ربيع الأول.
الحادي عشر: يوم النيروز.
الثاني عشر: يوم التاسع من ربيع الأول.
الثالث عشر: يوم دحو الأرض وهو الخامس والعشرين من ذي القعدة.
الرابع عشر: كلّ ليلة من ليالي الجمعة على ما قيل، بل في كلّ زمان شريف على ما قاله
بعضهم ولا بأس بهما لا بقصد الورود.
(19 مسألة): لا قضاء للأغسال الزمانية إذا جاز وقتها، كما لا تتقدّم على زمانها مع
خوف عدم التمكّن منها في وقتها إلا غسل الجمعة كما مرّ، لكن عن المفيد: استحباب
قضاء غسل يوم عرفة في الأضحى. وعن الشهيد: استحباب قضائها أجمع وكذا تقديمها مع خوف
عدم التمكّن منها في وقتها، ووجه الأمرين غير واضح، لكن لا بأس بهما لا بقصد
الورود.
(20 مسألة): ربما قيل بكون الغسل مستحباً نفيساً، فيشرع الإتيان به في كلّ زمان من
غير نظر إلى سبب أو غاية، ووجهه غير واضح ولا بأس به لا بقصد الورود.
أي: الذي يستحب عند إرادة الدخول في مكان. وهي: الغسل لدخول حرم مكّة وللدخول فيها
ولدخول مسجدها وكعبتها ولدخول حرم المدينة وللدخول فيها ولدخول مسجد النبي (صلى
الله عليه وآله)، وكذا
للدخول في سائر المشاهد المشرّفة للأئّمة عليهم السلام ووقتها قبل الدخول عند
إرادته، ولا يبعد استحبابها بعد الدخول للكون فيها إذا لم يغتسل قبله، كما لا يبعد
كفاية غسل واحد في أوّل اليوم أو أوّل الليل للدخول إلى آخره، بل لا يبعد عدم
الحاجة إلى التكرار مع التكرّر، كما أنه لا يبعد جواز التداخل أيضاً فيما لو أراد
دخول الحرم ومكة والمسجد والكعبة في ذلك اليوم، فيغتسل غسلاً واحداً للجميع، وكذا
بالنسبة إلى المدينة وحرمها ومسجدها.
(1 مسألة): حكي عن بعض العلماء استحباب الغسل عند إرادة الدخول في كلّ مكان شريف،
ووجهه غير واضح ولا بأس به لا بقصد الورود.
وقد مرّ أنّها قسمان:
القسم الأول: ما يكون مستحباً لأجل الفعل الذي يريد أن يفعله. وهي أغسال.
أحدها: للإحرام وعن بعض العلماء وجوبه.
الثاني: للطواف سواء كان طواف الحج أو العمرة أو طواف النساء، بل للطواف المندوب
أيضاً.
الثالث: للوقوف بعرفات.
الرابع: للوقوف بالمشعر.
الخامس: للذبح والنحر.
السادس: للحلق وعن بعضهم استحبابه لرمي الجمار أيضاً.
السابع: لزيارة أحد المعصومين ^ من قريب أو بعيد.
الثامن: لرؤية أحد الأئمة ^ في المنام كما نقل عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه إذا أراد ذلك
يغتسل ثلاث ليال ويناجيهم فيراهم في المنام.
التاسع: لصلاة الحاجة، بل لطلب الحاجة مطلقاً.
العاشر: لصلاة الاستخارة، بل للاستخارة مطلقاً ولو من غير صلاة.
الحادي عشر: لعمل الاستفتاح المعروف بعمل أم داود.
الثاني عشر: لأخذ تربة قبرالامام الحسين (عليه السلام).
الثالث عشر: لإرادة السفر خصوصاً لزيارة الامام الحسين (عليه السلام).
الرابع عشر: لصلاة الاستسقاء، بل لـه مطلقاً.
الخامس عشر: للتوبة من الكفر الأصلي أو الارتدادي، بل من الفسق، بل من الصغيرة
أيضاً على وجه.
السادس عشر: للتظلّم والاشتكاء إلى الله من ظلم ظالم، ففي الحديث عن الامام الصادق
(عليه السلام) ما مضمونه: إذا ظلمك أحد فلا تدع عليه، فإن المظلوم قد يصير ظالماً بالدعاء على
من ظلمه، لكن اغتسل وصلّ ركعتين تحت السماء ثمَّ قل: «اللهم إن فلان بن فلان ظلمني،
وليس لي أحد أصول به عليه غيرك، فاستوف لي ظلامتي الساعة الساعة بالاسم الذي إذا
سألك به المضطرّ أجبته فكشفت ما به من ضرّ ومكّنت لـه في الأرض وجعلته خليفتك على
خلقك، فأسألك أن تصلّي على محمد وآل محمد وأن تستوفي ظلامتي الساعة الساعة» فسترى
ما تحب.
السابع عشر: للأمن من الخوف من ظالم، فيغتسل ويصلّي ركعتين ويحسر عن ركبتيه
ويجعلهما قريباً من مصّلاه ويقول مائة مرة:« يا حيّ يا قيّوم يا حيّ لا إله إلا أنت
برحمتك أستغيث فصلّ على محمد وآل محمد وأغثني الساعة الساعة» ثمَّ يقول: «أسألك أن
تصلّي على محمد وآل محمد وأن تلطف بي وأن تغلب لي وأن تمكر لي وأن تخدع لي وأن
تكفيني مؤونة فلان بن فلان بلا مؤونة». وهذا دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) يوم أُحد.
الثامن عشر: لدفع النازلة يصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وعند الزوال من
الأخير يغتسل.
التاسع عشر: للمباهلة مع من يّدعي باطلاً.
العشرون: لتحصيل النشاط للعبادة أو لخصوص صلاة الليل، فعن فلاح السائل: أن أمير
المؤمنين (عليه السلام) كان يغتسل في الليالي الباردة لأجل تحصيل النشاط لصلاة الليل.
الحادي والعشرون: لصلاة الشكر.
الثاني والعشرون: لتغسيل الميّت ولتكفينه.
الثالث والعشرون: للحجامة على ما قيل، ولكن قيل، إنه لا دليل عليه ولعّله مصحّف
الجمعة.
الرابع والعشرون: لإرادة العود إلى الجماع، لما نقل عن الرسالة الذهبية: «أن الجماع
بعد الجماع بدون الفصل بالغسل يوجب جنون الولد». لكن يحتمل أن يكون المراد غسل
الجنابة، بل هو الظاهر.
الخامس والعشرون: الغسل لكلّ عمل يتقّرب به إلى الله كما حكي عن ابن الجنيد، ووجهه
غير معلوم وإن كان الإتيان به لا بقصد الورود لا بأس به.
القسم الثاني: ما يكون مستحباً لأجل الفعل الذي فعله. وهي أيضاً أغسال:
أحدها: غسل التوبة على ما ذكره بعضهم من أنه من جهة المعاصي التي ارتكبها، أو بناء
على أنه بعد الندم الذي هو حقيقة التوبة، لكن الظاهر أنه من القسم الأول كما ذكر
هناك، وهذا هو الظاهر من الأخبار ومن كلمات العلماء، ويمكن أن يقال: إنه ذو جهتين:
فمن حيث إنه بعد المعاصي وبعد الندم يكون من القسم الثاني، ومن حيث إن تمام التوبة
بالاستغفار يكون من القسم الأول. وخبر مسعدة بن زياد في خصوص استماع الغناء في
الكنيف وقول الإمام (عليه السلام) لـه في آخر الخبر: «قم فاغتسل فصلّ ما بدا لك» يمكن توجيهه
بكل من الوجهين، والأظهر أنه لسرعة قبول التوبة أو لكمالها.
الثاني: الغسل لقتل الوزغ، ويحتمل أن يكون للشكر على توفيقه لقتله حيث إنه حيوان
خبيث والأخبار في ذمّه من الطرفين كثيرة، ففي النبوي: «اقتلوا الوزغ ولو في جوف
الكعبة» وفي آخر: «من قتله فكأنما قتل شيطاناً» ويحتمل أن يكون لأجل حدوث قذارة من
المباشرة لقتله.
الثالث: غسل المولود، وعن الصدوق وابن حمزة وجوبه، لكنّه ضعيف. ووقته من حين
الولادة حيناً عرفياً فالتأخير إلى يومين أو ثلاثة لا يضرّ، وقد يقال: إلى سبعة
أيام، وربما قيل ببقائه إلى آخر العمر، والأَولى على تقدير التأخير عن الحين العرفي
الإتيان به برجاء المطلوبية.
الرابع: الغسل لرؤية المصلوب، وقد ذكروا أن استحبابه مشروط بأمرين:
أحدهما: أن يمشي لينظر إليه متعمّداً فلو اتفق نظره أو كان مجبوراً لا يستحب.
الثاني: أن يكون بعد ثلاثة أيام إذا كان مصلوباً بحق، لا قبلها. بخلاف ما إذا كان
مصلوباً بظلم فإنه يستحب معه مطلقاً ولو كان في اليومين الأوّلين.
لكن الدليل على الشرط الثاني غير معلوم إلا دعوى الانصراف وهي محل منع، نعم الشرط
الأول ظاهر الخبر وهو:« من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة» وظاهره
أن من مشى إليه لغرض صحيح كأداء الشهادة أو تحمّلها لا يثبت في حقّه الغسل.
الخامس: غسل من فرّط في صلاة الكسوفين مع احتراق القرص، أي: تركها عمداً فإنه
يستحب أن يغتسل ويقضيها، وحكم بعضهم بوجوبه، والأقوى عدم الوجوب وإن كان الأحوط عدم
تركه، والظاهر أنه مستحب نفسي بعد التفريط المذكور ولكن يحتمل أن يكون لأجل القضاء
كما هو مذهب جماعة فالأَولى الإتيان به بقصد القربة لا بملاحظة غاية أو سبب، وإذا
لم يكن الترك عن تفريط أو لم يكن القرص محترقاً لا يكون مستحباً وإن قيل باستحبابه
مع التعمّد مطلقاً، وقيل باستحبابه مع احتراق القرص مطلقاً.
السادس: غسل المرأة إذا تطيّبت لغير زوجها، ففي الخبر:« أيّما امرأة تطيّبت لغير
زوجها لم تقبل منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها» واحتمال كون
المراد: غسل الطيب من بدنها كما عن صاحب الحدائق بعيد ولا داعي إليه.
السابع: غسل من شرب مسكراً فنام، ففي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) مضمونه: «ما من أحد نام
على سكر إلا وصار عروساً للشيطان إلى الفجر فعليه أن يغتسل غسل الجنابة».
الثامن: غسل من مسّ ميّتاً بعد غسله.
(1 مسألة): حكي عن المفيد استحباب الغسل لمن صبّ عليه ماء مظنون النجاسة ولا وجه
لـه، وربما يعدّ من الأغسال المسنونة غسل المجنون إذا أفاق ودليله غير معلوم وربما
يقال: إنه من جهة احتمال جنابته حال جنونه، لكن على هذا يكون من غسل الجنابة
الاحتياطية فلا وجه لعدّها منها، كما لا وجه لعدّ إعادة الغسل لذوي الأعذار
المغتسلين حال العذر غسلاً ناقصاً مثل الجبيرة، وكذا عدّ غسل من رأى الجنابة في
الثوب المشترك احتياطاً، فإن هذه ليست من الأغسال المسنونة.
(2 مسألة): وقت الأغسال المكانية كما مرّ سابقاً قبل الدخول فيها أو بعده لإرادة
البقاء على وجه(39). ويكفي الغسل في أوّل اليوم ليومه وفي أوّل الليل لليلته، بل لا
يخلو كفاية غسل الليل للنهار وبالعكس من قوّة وإن كان دون الأوّل في الفضل. وكذا
القسم الأوّل من الأغسال الفعلية وقتها قبل الفعل على الوجه المذكور، وأما القسم
الثاني منها فوقتها بعد تحقّق الفعل إلى آخر العمر وإن كان الظاهر اعتبار إتيانها
فوراً ففوراً.
(3 مسألة): تنتقض الأغسال الفعلية من القسم الأوّل والمكانية بالحدث الأصغر من أيّ
سبب كان حتى من النوم على الأقوى، ويحتمل عدم انتقاضها بها مع استحباب إعادتها كما
عليه بعضهم(40)، لكن الظاهر ما ذكرنا.
(4 مسألة): الأغسال المستحبة لا تكفي عن الوضوء فلو كان محدثاً يجب أن يتوضأ للصلاة
ونحوها قبلها أو بعدها، والأفضل قبلها ويجوز إتيانه في أثنائها إذا جيء بها
ترتيبياً.
(5 مسألة): إذا كان عليه أغسال متعدّدة زمانية أو مكانية أو فعلية أو مختلفة يكفي
غسل واحد عن الجميع إذا نواها جميعاً، بل لا يبعد كون التداخل قهرياً، لكن يشترط في
الكفاية القهرية أن يكون ما قصده معلوم المطلوبية لا ما كان يؤتى به بعنوان احتمال
المطلوبية لعدم معلومية كونه غسلاّ صحيحاّ حتى يكون مجزياّ عما هو معلوم المطلوبية.
(6 مسألة): نقل عن جماعة كالمفيد والمحقق والعلامة والشهيد والمجلسي استحباب الغسل
نفساً ولو لم يكن هناك غاية مستحبة أو مكان أو زمان، ونظرهم في ذلك إلى مثل قولـه
تعالي: ?إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ? وقولـه
(عليه السلام): «إن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل» وقوله (عليه
السلام): «أيّ وضوء أطهر
من الغسل وأيّ وضوء أنقى من الغسل؟» ومثل ما ورد من استحباب الغسل بماء الفرات من
دون ذكر سبب أو غاية إلى غير ذلك، لكن إثبات المطلب بمثلها مشكل(41).
(7 مسألة): يقوم التيمم مقام الغسل في جميع ما ذكر عند عدم التمكّن منه.
فصل: في التيمّم
ويسوّغه العجز عن استعمال الماء وهو يتحقق بأمور:
أحدها: عدم وجدان الماء بقدر الكفاية للغسل أو الوضوء في سفر كان أو حضر، ووجدان
المقدار غير الكافي كعدمه، ويجب الفحص عنه إلى اليأس إذا كان في الحضر، وفي
البرّيّة يكفي الطلب غلوة سهم في الحزنة ولو لأجل الأشجار، وغلوة سهمين في السهلة
في الجوانب الأربع بشرط احتمال وجود الماء في الجميع، ومع العلم بعدمه في بعضها
يسقط فيه، ومع العلم بعدمه في الجميع يسقط في الجميع، كما أنه لو علم وجوده فوق
المقدار وجب(42) طلبه مع بقاء الوقت، وليس الظن به كالعلم في وجوب الأزيد وإن كان
أحوط خصوصاً إذا كان بحدّ الاطمئنان، بل لا يترك في هذه الصورة(43) فيطلب إلى أن
يزول ظنّه، ولا عبرة بالاحتمال في الأزيد.
(1 مسألة): إذا شهد عدلان بعدم الماء في جميع الجوانب أو بعضها سقط وجوب الطلب فيها
أو فيه وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء، وفي الاكتفاء بالعدل الواحد إشكال(44) فلا يترك
الاحتياط بالطلب.
(2 مسألة): الظاهر وجوب الطلب في الأزيد من المقدارين(45) إذا شهد عدلان بوجوده في
الأزيد، ولا يترك الاحتياط في شهادة عدل واحد به(46).
(3 مسألة): الظاهر كفاية الاستنابة في الطلب وعدم وجوب المباشرة، بل لا يبعد كفاية
نائب واحد عن جماعة ،ولا يلزم كونه عادلاً بعد كونه أميناً موثّقاً.
(4 مسألة): إذا احتمل وجود الماء في رحله أو في منزله أو في القافلة وجب الفحص حتى
يتيقّن العدم أو يحصل اليأس منه، فكفاية المقدارين خاص بالبّريّة.
(5 مسألة): إذا طلب قبل دخول وقت الصلاة ولم يجد ففي كفايته بعد دخول الوقت مع
احتمال العثور عليه لو أعاده إشكال، فلا يترك الاحتياط بالإعادة(47). وأما مع
انتقاله عن ذلك المكان فلا إشكال في وجوبه مع الاحتمال المذكور.
(6 مسألة): إذا طلب بعد دخول الوقت لصلاة فلم يجد يكفي لغيرها من الصلوات، فلا يجب
الإعادة عند كلّ صلاة إن لم يحتمل العثور مع الإعادة وإلا فالأحوط الإعادة.
(7 مسألة): المناط في السهم والرمي والقوس والهواء والرامي هو: المتعارف المعتدل
الوسط في القوّة والضعف.
(8 مسألة): يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت.
(9 مسألة): إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت عصى، لكن الأقوى صحّة صلاته حينئذ وإن علم
أنه لو طلب لعثر، لكن الأحوط القضاء خصوصاً في الفرض المذكور.
(10 مسألة): إذا ترك الطلب في سعة الوقت وصلّى بطلت صلاته وإن تبيّن عدم وجود
الماء، نعم لو حصل منه قصد القربة مع تبيّن عدم الماء فالأقوى صحّتها.
(11 مسألة): إذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمّم وصلّى، ثمَّ تبيّن وجوده
في محل الطلب من الغلوة أو الغلوتين أو الرحل أو القافلة صحت صلاته ولا يجب القضاء
أو الإعادة.
(12 مسألة): إذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه وتيمّم وصلّى ثمَّ تبيّن سعة
الوقت، لا يبعد صحّة صلاته وإن كان الأحوط الإعادة أو القضاء، بل لا يترك الاحتياط
بالإعادة. وأما إذا ترك الطلب باعتقاد عدم الماء فتبيّن وجوده وأنه لو طلب لعثر
فالظاهر وجوب الإعادة أو القضاء.
(13 مسألة): لا يجوز إراقة الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد دخول الوقت إذا علم
بعدم وجدان ماء آخر، ولو كان على وضوء لا يجوز لـه إبطاله إذا علم بعدم وجود الماء،
بل الأحوط عدم الإراقة وعدم الإبطال قبل الوقت أيضاً مع العلم بعدم وجدانه بعد
الوقت. ولو عصى فأراق أو أبطل يصحّ تيمّمه وصلاته وإن كان الأحوط القضاء.
(14 مسألة): يسقط وجوب الطلب إذا خاف على نفسه أو ماله، من لصّ أو سبع أو نحو ذلك
كالتأخّر عن القافلة، وكذا إذا كان فيه حرج ومشقّة لا تتحمّل.
(15 مسألة): إذا كانت الأرض في بعض الجوانب حزنة وفي بعضها سهلة يلحق كلاً حكمه من
الغلوة والغلوتين.
الثاني: عدم الوصلة إلى الماء الموجود، لعجز من كبر أو خوف من سبع أو لصّ أو لكونه
في بئر مع عدم ما يستقى به من الدلو والحبل وعدم إمكان إخراجه بوجه آخر ولو بإدخال
ثوب وإخراجه بعد جذبه الماء وعصره.
(16 مسألة): إذا توقّف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما أو
استيجارهما أو على شراء الماء أو اقتراضه وجب ولو بأضعاف العوض ما لم يضرّ بحاله،
وأما إذا كان مضّراً بحاله فلا، كما أنه لو أمكنه اقتراض نفس الماء أو عوضه مع
العلم أو الظنّ بعدم إمكان الوفاء لم يجب ذلك.
(17 مسألة): لو أمكنه حفر البئر بلا حرج وجب، كما أنه لو وهبه غيره بلا منّة ولا
ذّلة وجب القبول.
الثالث: الخوف من استعماله على نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب أو حدوث مرض أو
شدّته أو طول مدّته أو بطؤ بُرئه أو صعوبة علاجه أو نحو ذلك ممّا يعسر تحمّله عادة،
بل لو خاف من الشَّين الذي يكون تحمّله شاقّاً تيمّم، والمراد به: ما يعلو البشرة
من الخشونة المشوّهة للخلقة أو الموجبة لتشقّق الجلد وخروج الدم، ويكفي الظنّ
بالمذكورات أو الاحتمال الموجب للخوف، سواء حصل لـه من نفسه أو قول طبيب أو غيره
وإن كان فاسقاً أو كافراً، ولا يكفي الاحتمال المجرّد عن الخوف، كما أنه لا يكفي
الضرر اليسير الذي لا يعتني به العقلاء، وإذا أمكن علاج المذكورات بتسخين الماء وجب
ولم ينتقل إلى التيمم.
(18 مسألة): إذا تحمّل الضرر وتوضّأ أو اغتسل: فإن كان الضرر في المقدّمات من
تحصيل الماء ونحوه وجب الوضوء أو الغسل وصحّ، وإن كان في استعمال الماء في أحدهما
بطل(48). وأما إذا لم يكن استعمال الماء مضراً، بل كان موجباً للحرج والمشقّة كتحمّل
ألم البرد أو الشَّين- مثلاً- فلا يبعد الصحة وإن كان يجوز معه التيمّم لأنّ نفي
الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ولكن الأحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على
فرضه فيتيمّم أيضاً.
(19 مسألة): إذا تيمّم باعتقاد الضرر أو خوفه فتبيّن عدمه صحّ تيمّمه وصلاته، نعم
لو تبيّن قبل الدخول في الصلاة وجب الوضوء أو الغسل، وإذا توضأ أو اغتسل باعتقاد
عدم الضرر ثمَّ تبيّن وجوده صحّ لكن الأحوط مراعاة الاحتياط في الصورتين. وأما إذا
توضأ أو اغتسل مع اعتقاد الضرر أو خوفه لم يصح وإن تبيّن عدمه(49) .كما أنه إذا
تيمّم مع اعتقاد عدم الضرر لم يصحّ وإن تبيّن وجوده.
(20 مسألة): إذا أجنب عمداً مع العلم بكون استعمال الماء مضراً وجب التيمّم وصحّ
عمله، لكن لما ذكر بعض العلماء وجوب الغسل في الصورة المفروضة وإن كان مضراً
فالأَولى الجمع(50) بينه وبين التيمّم، بل الأَولى مع ذلك إعادة الغسل والصلاة بعد
زوال العذر.
(21 مسألة): لا يجوز للمتطهّر بعد دخول الوقت إبطال وضوئه بالحدث الأصغر إذا لم
يتمكّن من الوضوء بعده كما مرّ، لكن يجوز لـه الجماع مع عدم إمكان الغسل. والفارق:
وجود النص في الجماع ومع ذلك الأحوط تركه أيضاً.
الرابع: الحرج في تحصيل الماء أو في استعماله وإن لم يكن ضرر أو خوفه.
الخامس: الخوف من استعمال الماء على نفسه أو أولاده وعياله أو بعض متعلقيه أو صديقه
فعلاً أو بعد ذلك من التلف بالعطش أو حدوث مرض، بل أو حرج أو مشقة لا تتحمّل، ولا
يعتبر العلم بذلك، بل ولا الظن، بل يكفي احتمال يوجب الخوف حتى إذا كان موهوماً،
فإنه قد يحصل الخوف مع الوهم إذا كان المطلب عظيماً فيتيمّم حينئذ، وكذا إذا خاف
على دوابّه أو على نفس محترمة وإن لم تكن مرتبطة به، وأما الخوف على غير المحترم
كالحربي والمرتّد الفطري ومن وجب قتله في الشرع فلا يسوّغ التيمّم، كما أن غير
المحترم الذي لا يجب قتله، بل يجوز كالكلب العقور والخنزير والذئب ونحوها لا يوجبه
وإن كان الظاهر جوازه.
ففي بعض صور خوف العطش يجب حفظه الماء وعدم استعماله كخوف تلف النفس أو الغير ممن
يجب حفظه وكخوف حدوث مرض ونحوه، وفي بعضها يجوز حفظه ولا يجب مثل تلف النفس
المحترمة التي لا يجب حفظها وإن كان لا يجوز قتلها أيضاً، وفي بعضها يحرم حفظه، بل
يجب استعماله في الوضوء أو الغسل كما في النفوس التي يجب إتلافها: ففي الصورة
الثالثة لا يجوز التيمّم. وفي الثانية يجوز ويجوز الوضوء أو الغسل أيضاً، وفي
الأُولى يجب ولا يجوز الوضوء أو الغسل.
(22 مسألة): إذا كان معه ماء طاهر يكفي لطهارته وماء نجس بقدر حاجته إلى شربه، لا
يكفي في عدم الانتقال إلى التيمّم لأن وجود الماء النجس حيث إنه يحرم شربه كالعدم
فيجب التيمّم وحفظ الماء الطاهر لشربه، نعم لو كان الخوف على دابّته لا على نفسه
يجب عليه الوضوء أو الغسل وصرف الماء النجس في حفظ دابّته، بل وكذا إذا خاف على طفل
من العطش فإنه لا دليل على حرمة إشرابه الماء المتنجّس، وأما لو فرض شرب الطفل
بنفسه فالأمر أسهل، فيستعمل الماء الطاهر في الوضوء- مثلاً- ويحفظ الماء النجس
ليشربه الطفل، بل يمكن أن يقال: إذا خاف على رفيقه أيضاً يجوز التوضؤ وإبقاء الماء
النجس لشربه، فإنه لا دليل على وجوب رفع اضطرار الغير من شرب النجس، نعم لو كان
رفيقه عطشاناً فعلاً لا يجوز إعطاؤه الماء النجس ليشرب مع وجود الماء الطاهر كما
أنه لو باشر الشرب بنفسه لا يجب منعه.
السادس: إذا عارض استعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهم، كما إذا كان بدنه أو
ثوبه نجساً ولم يكن عنده من الماء إلا بقدر أحد الأمرين من رفع الحدث أو الخبث، ففي
هذه الصورة يجب استعماله في رفع الخبث(51) ويتيمّم، لأن الوضوء لـه بدل وهو التيمّم
بخلاف رفع الخبث مع أنه منصوص في بعض صوره. والأَولى أن يرفع الخبث أولاً ثمَّ
يتيمّم ليتحقّق كونه فاقداً للماء حال التيمّم، وإذا توضأ أو اغتسل حينئذ بطل لأنه
مأمور بالتيمّم ولا أمر بالوضوء أو الغسل، نعم لو لم يكن عنده ما يتيمّم به أيضاً
يتعيّن صرفه في رفع الحدث لأن الأمر يدور بين الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب أو مع
الحدث وفقد الطهورين، فمراعاة رفع الحدث أهمّ مع أن الأقوى بطلان صلاة فاقد
الطهورين(52) فلا ينفعه رفع الخبث حينئذ.
(23 مسألة): إذا كان معه ما يكفيه لوضوئه أو غَسل بعض مواضع النجس من بدنه أو ثوبه
بحيث لو تيمّم أيضاً يلزم الصلاة مع النجاسة، ففي تقديم رفع الخبث حينئذ على رفع
الحدث إشكال، بل لا يبعد(53) تقديم الثاني، نعم لو كان بدنه وثوبه كلاهما نجساً
وكان معه من الماء ما يكفي لأحد الأمور من الوضوء أو تطهير البدن أو الثوب، ربما
يقال بتقديم تطهير البدن والتيمّم والصلاة مع نجاسة الثوب أو عريان(54) على اختلاف
القولين، ولا يخلو ما ذكره من وجه.
(24 مسألة): إذا دار أمره بين ترك الصلاة في الوقت أو شرب الماء النجس، كما إذا
كان معه ما يكفي لوضوئه من الماء الطاهر وكان معه ماء نجس بمقدار حاجته لشربه ومع
ذلك لم يكن معه ما يتيمّم به بحيث لو شرب الماء الطاهر بقي فاقد الطهورين، ففي
تقديم أيهّما إشكال (ولا يبعد
جواز شرب الماء الطاهر، ثمّ الصلاة حسب وظيفة فاقد الطهورين وينبغی الاحتياط
بقضائها أيضاً).
(25 مسألة): إذا كان معه ما يمكن تحصيل أحد الأمرين من ماء الوضوء أو الساتر، لا
يبعد ترجيح الساتر والانتقال إلى التيمّم لكن لا يخلو عن إشكال(55) والأَولى صرفه في
تحصيل الساتر أوّلاً ليتحقق كونه فاقد الماء ثمَّ يتيمّم، وإذا دار الأمر بين تحصيل
الماء أو القبلة ففي تقديم أيّهما إشكال.
السابع: ضيق الوقت عن استعمال الماء بحيث لزم من الوضوء أو الغسل خروج وقت الصلاة
ولو كان لوقوع جزء منها خارج الوقت، وربما يقال: إن المناط عدم إدراك ركعة منها في
الوقت، فلو دار الأمر بين: التيمّم وإدراك تمام الوقت، أو الوضوء وإدراك ركعة أو
أزيد، قدّم الثاني(56) لأن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت. لكن الأقوى ما
ذكرنا، والقاعدة مختصّة بما إذا لم يبق من الوقت فعلاً إلا مقدار ركعة، فلا تشمل ما
إذا بقي بمقدار تمام الصلاة ويؤخّرها إلى أن يبقى مقدار ركعة، فالمسألة من باب
الدوران بين: مراعاة الوقت، ومراعاة الطهارة المائية، والأوّل أهم. ومن المعلوم: أن
الوقت معتبر في تمام أجزاء الصلاة فمع استلزام الطهارة المائية خروج جزء من أجزائها
خارج الوقت لا يجوز تحصيلها، بل ينتقل إلى التيمّم، لكن الأحوط القضاء مع ذلك
خصوصاً إذا استلزم وقوع جزء من الركعة خارج الوقت.
(26 مسألة): إذا كان واجداً للماء وأخّر الصلاة عمداً إلى أن ضاق الوقت عصى، ولكن
يجب عليه التيمّم والصلاة ولا يلزم القضاء وإن كان الأحوط احتياطاً شديداً.
(27 مسألة): إذا شكّ في ضيق الوقت وسعته بنى على البقاء وتوضأ أو اغتسل (والتخيير غير بعيد والأحوط ما ذكره)، وأما
إذا علم ضيقه وشكّ في كفايته لتحصيل الطهارة والصلاة وعدمها وخاف الفوت إذا حصّلها
فلا يبعد الانتقال إلى التيمّم. والفرق بين الصورتين: أنّ في الأُولى يحتمل سعة
الوقت، وفي الثانية يعلم ضيقه فيصدق خوف الفوت فيها دون الأُولى. والحاصل: أن
المجّوز للانتقال إلى التيمّم خوف الفوت الصادق في الصورة الثانية دون الأُولى.
(28 مسألة): إذا لم يكن عنده الماء وضاق الوقت عن تحصيله مع قدرته عليه بحيث
استلزم خروج الوقت ولو في بعض أجزاء الصلاة انتقل أيضاً إلى التيمّم(57). وهذه
الصورة أقلّ إشكالاً من الصورة السابقة، وهي: ضيقه عن استعماله مع وجوده، لصدق عدم
الوجدان في هذه الصورة بخلاف السابقة، بل يمكن أن يقال بعدم الإشكال أصلاً، فلا
حاجة إلى الاحتياط بالقضاء هنا.
(29 مسألة): من كانت وظيفته التيمّم من جهة ضيق الوقت عن استعمال الماء، إذا خالف
وتوضأ أو اغتسل بطل لأنه ليس مأموراً بالوضوء لأجل تلك الصلاة، هذا إذا قصد الوضوء
لأجل تلك الصلاة. وأما إذا توضأ بقصد غاية أخرى من غاياته أو بقصد الكون على
الطهارة صحّ على ما هو الأقوى من أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، ولو كان
جاهلاً بالضيق وأن وظيفته التيمّم فتوضّأ فالظاهر أنه كذلك فيصحّ إن كان قاصداً
لإحدى الغايات الأخر ويبطل إن قصد الأمر المتوجّه إليه من قبل تلك الصلاة.
(30 مسألة): التيمّم لأجل الضيق مع وجدان الماء لا يبيح إلا الصلاة التي ضاق
وقتها، فلا ينفع لصلاة أخرى غير تلك الصلاة ولو صار فاقداً للماء حينها، بل لو فقد
الماء في أثناء الصلاة الأُولى أيضاً لا تكفي لصلاة أخرى(58)، بل لا بدّ من تجديد
التيمّم لها وإن كان يحتمل الكفاية في هذه الصورة.
(31 مسألة): لا يستباح(59) بالتيمّم لأجل الضيق غير تلك الصلاة من الغايات الأخر
حتى في حال الصلاة، فلا يجوز لـه مسّ كتابة القرآن ولو في حال الصلاة، وكذا لا يجوز
لـه قراءة العزائم إن كان بدلاً عن الغُسل، فصحّته واستباحته مقصورة على خصوص تلك
الصلاة.
(32 مسألة): يشترط في الانتقال إلى التيمّم ضيق الوقت عن واجبات الصلاة فقط، فلو
كان كافياً لها دون المستحبات وجب الوضوء والاقتصار عليها، بل لو لم يكف لقراءة
السورة تركها وتوضأ لسقوط وجوبها في ضيق الوقت.
(33 مسألة): في جواز التيمّم لضيق الوقت عن المستحبات الموقّتة إشكال(60) فلو ضاق
وقت صلاة الليل مع وجود الماء والتمكّن من استعماله يشكل الانتقال إلى التيمّم.
(34 مسألة): إذا توضأ باعتقاد سعة الوقت فبان ضيقه، فقد مرّ أنه إذا كان وضوؤه
بقصد الأمر المتوجّه إليه من قبل تلك الصلاة بطل لعدم الأمر به، وإذا أتى به بقصد
غاية أخرى أو الكون على الطهارة صحّ، وكذا إذا قصد المجموع من الغايات التي يكون
مأموراً بالوضوء فعلاً لأجلها. وأما لو تيمّم باعتقاد الضيق فبان سعته بعد الصلاة
فالظاهر وجوب إعادته(61)، وإن تبيّن قبل الشروع فيها وكان الوقت واسعاً توضأ
وجوباً، وإن لم يكن واسعاً فعلاً بعد ما كان واسعاً أوّلاً وجب(62) إعادة التيمّم.
الثامن: عدم إمكان استعمال الماء لمانع شرعي، كما إذا كان الماء في آنية الذهب أو
الفضة وكان الظرف منحصراً فيها بحيث لا يتمكّن من تفريغه في ظرف آخر، أو كان في
إناء مغصوب كذلك، فإنه ينتقل إلى التيمّم، وكذا إذا كان محرّم الاستعمال من جهة
أخرى.
(35 مسألة): إذا كان جنباً ولم يكن عنده ماء وكان موجوداً في المسجد، فإن أمكنه أخذ
الماء بالمرور وجب ولم ينتقل إلى التيمّم، وإن لم يكن لـه آنية لأخذ الماء أو كان
عنده ولم يمكن أخذ الماء إلا بالمكث فإن أمكنه الاغتسال فيه بالمرور وجب ذلك، وإن
لم يمكن ذلك أيضاً أو كان الماء في أحد المسجدين، أي: المسجد الحرام أو مسجد النبي
(صلى الله عليه وآله) فالظاهر وجوب التيمّم لأجل الدخول في المسجد وأخذ الماء أو الاغتسال فيه. وهذا
التيمِّم إنما يبيح(63) خصوص هذا الفعل، أي: الدخول والأخذ أو الدخول والاغتسال، ولا
يرد الإشكال: بأنه يلزم من صحّته بطلانه حيث إنه يلزم منه كونه واجداً للماء فيبطل
كما لا يخفى.
(36 مسألة): لا يجوز التيمّم مع التمكّن من استعمال الماء إلا في موضعين(64):
أحدهما: لصلاة الجنازة، فيجوز مع التمكّن من الوضوء أو الغسل على المشهور مطلقا،ً
لكن القدر المتيقّن صورة خوف فوت الصلاة منه لو أراد أن يتوضأ أو يغتسل، نعم لما
كان الحكم استحبابياً يجوز أن يتيمّم مع عدم خوف الفوت أيضاً لكن برجاء المطلوبية
لا بقصد الورود(64) والمشروعية.
الثاني: للنوم فإنه يجوز أن يتيمّم مع إمكان الوضوء أو الغسل على المشهور أيضاً
مطلقاً وخصّ بعضهم بخصوص الوضوء ولكن القدر المتيقن من هذا أيضاً صورة خاصة وهي ما
إذا آوى إلى فراشه فتذكر أنه ليس على وضوء فيتيمم من دثاره لا أن يتيمم قبل دخوله
في فراشه متعمدا مع إمكان الوضوء، نعم هنا أيضاً لا بأس به لا بعنوان الورود، بل
برجاء المطلوبية حيث إن الحكم استحبابي.
وذكر بعضهم موضعاً ثالثاً: وهو ما لو احتلم في أحد المسجدين فإنه يجب أن يتيمم
للخروج وإن أمكنه الغسل لكنّه مشكل، بل المدار على أقلية زمان التيمم أو زمان الغسل
أو زمان الخروج حيث إن الكون في المسجدين جنبا حرام فلا بد من اختيار ما هو أقل
زمانا من الأمور الثلاثة فإذا كان زمان التيمم أقل من زمان الغسل يدخل تحت ما ذكرنا
من مسوغات التيمم من أن من موارده ما إذا كان هناك مانع شرعي من استعمال الماء فإن
زيادة الكون في المسجدين جنبا مانع شرعي من استعمال الماء.
(37 مسألة): إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفيه لوضوئه أو غسله وأمكن تيمّمه
بخلط شيء من الماء المضاف الذي لا يخرجه عن الإطلاق لا يبعد وجوبه(66) وبعد الخلط
يجب الوضوء أو الغسل وإن قلنا بعدم وجوب الخلط لصدق وجدان الماء حينئذ.
فصل: في بيان ما يصحّ التيمّم به
يجوز التيمّم على مطلق وجه الأرض على الأقوى، سواء كان تراباً أو رملاً أو حجراً أو
مدراً أو غير ذلك وإن كان حجر الجصّ والنورة قبل الإحراق، وأما بعده فلا يجوز على
الأقوى(67)، كما أن الأقوى عدم الجواز بالطين المطبوخ كالخزف والآجرّ وإن كان
مسحوقاً مثل التراب، ولا يجوز على المعادن كالملح والزرنيخ والذهب والفضة والعقيق
ونحوها ممّا خرج عن اسم الأرض، ومع فقد ما ذكر من وجه الأرض يتيمّم بغبار الثوب أو
اللبد أو عرف الدابة ونحوها ممّا فيه غبار إن لم يمكن جمعه ترابا بالنَّفض، وإلا
وجب ودخل في القسم الأوّل، والأحوط اختيار ما غباره أكثر، ومع فقد الغبار يتيمّم
بالطين إن لم يمكن تجفيفه، وإلا وجب ودخل في القسم الأوّل.
فما يتيمّم به لـه مراتب ثلاث:
الأولى: الأرض مطلقاً غير المعادن.
الثانية: الغبار.
الثالثة: الطين.
ومع فقد الجميع، يكون فاقد الطهورين، والأقوى(68) فيه: سقوط الأداء ووجوب القضاء
وإن كان الأحوط الأداء أيضاً، وإذا وجد فاقد الطهورين ثلجاً أو جمداً قال بعض
العلماء بوجوب مسحه على أعضاء الوضوء أو الغسل وإن لم يجر(69) ومع عدم إمكانه حكم
بوجوب(70) التيمّم بهما. ومراعاة هذا القول أحوط، فالأقوى لفاقد الطهورين: كفاية
القضاء، والأحوط ضمّ الأداء أيضاً، وأحوط(71) من ذلك مع وجود الثلج المسح به أيضاً.
هذا کله إذا لم يمكن إذابة الثلج أو مسحه على وجه يجري(72)، وإلا تعيّن الوضوء أو
الغسل ولا يجوز معه التيمّم أيضاً.
(1 مسألة) وإن كان الأقوى كما عرفت جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض إلا أن الأحوط مع
وجود التراب عدم التعدّي عنه، من غير فرق فيه بين أقسامه من الأبيض والأسود والأصفر
والأحمر، كما لا فرق في الحجر والمدر أيضاً بين أقسامهما، ومع فقد التراب الأحوط
الرمل ثمَّ المدر ثمَّ الحجر.
(2 مسألة): لا يجوز(73) في حال الاختيار التيمّم على الجصّ المطبوخ والآجرّ والخزف
والرماد وإن كان من الأرض، لكن في حال الضرورة بمعنى: عدم وجدان التراب والمدر
والحجر، الأحوط الجمع(74) بين التيمّم بأحد المذكورات- ما عدا رماد الحطب ونحوه-
وبالمرتبة المتأخّرة من الغبار أو الطين ومع عدم الغبار والطين الأحوط التيمّم بأحد
المذكورات والصلاة ثمَّ إعادتها أو قضاؤها.
(3 مسألة): يجوز التيمّم حال الاختيار على الحائط المبنيّ بالطين واللبن والآجرّ
إذا طلي بالطين.
(4 مسألة): يجوز التيمّم بطين الرأس وإن لم يُسحق، وكذا بحجر الرحى وحجر النار
وحجر السنّ ونحو ذلك لعدم كونها من المعادن الخارجة عن صدق الأرض، وكذا يجوز
التيمّم بطين الأرمني.
(5 مسألة): يجوز التيمّم على الأرض السبخة إذا صدق كونها أرضاً بأن لم يكن علاها
الملح.
(6 مسألة): إذا تيمّم بالطين فلصق بيده يجب إزالته(75) أوّلاً ثمَّ المسح بها، وفي
جواز إزالته بالغسل إشكال.
(7 مسألة): لا يجوز التيمّم على التراب الممزوج بغيره من التبن أو الرماد أو نحو
ذلك، وكذا على الطين الممزوج بالتبن، فيشترط فيما يتيمّم به عدم كونه مخلوطاً بما
لا يجوز التيمّم به إلا إذا كان ذلك الغير مستهلكاً.
(8 مسألة): إذا لم يكن عنده إلا الثلج أو الجمد وأمكن إذابته وجب كما مرّ، كما أنه
إذا لم يكن إلا الطين وأمكنه تجفيفه وجب.
(9 مسألة): إذا لم يكن عنده ما يتيمّم به وجب تحصيله ولو بالشراء أو نحوه.
(10 مسألة): إذا كان وظيفته التيمّم بالغبار يقدّم ما غباره أزيد(76) كما مرّ.
(11 مسألة): يجوز التيمّم اختياراً على الأرض النديّة والتراب النديّ وإن كان
الأحوط مع وجود اليابسة تقديمها.
(12 مسألة): إذا تيمّم بما يعتقد جواز التيمّم به فبان خلافه بطل، وإن صلّى به
بطلت ووجبت الإعادة أو القضاء، وكذا لو اعتقد أنه من المرتبة المتقدّمة فبان أنه من
المتأخّرة مع كون المتقدّمة وظيفته.
(13 مسألة): المناط(77) في الطين الذي من المرتبة الثالثة كونه على وجه يلصق باليد
ولذا عبّر بعضهم عنه بالوحل، فمع عدم لصوقه يكون من المرتبة الاُولى ظاهراً وإن كان
الأحوط تقديم اليابس والنديّ عليه.
يشترط فيما يتيمّم به أن يكون طاهراً، فلو كان نجساً بطل وإن كان جاهلاً بنجاسته أو
ناسياً، وإن لم يكن عنده من المرتبة المتقدّمة إلا النجس ينتقل إلى اللاحقة، وإن لم
يكن من اللاحقة أيضاً إلا النجس كان فاقد الطهورين ويلحقه حكمه، ويشترط أيضاً عدم
خلطه بما لا يجوز التيمّم به كما مرّ، ويشترط أيضاً إباحته وإباحة مكانه والفضاء
الذي يتيمّم فيه ومكان المتيمّم(78) فيبطل مع غصبيّة أحد هذه مع العلم والعمد، نعم
لا يبطل مع الجهل والنسيان.
(1 مسألة): إذا كان التراب أو نحوه في آنية الذهب أو الفضة فتيمّم به مع العلم
والعمد بطل لأنه يعدّ استعمالاً لهما عرفاً.
(2 مسألة): إذا كان عنده ترابان- مثلاً- أحدهما نجس، يتيمّم بهما كما أنه إذا اشتبه
التراب بغيره يتيمّم بهما. وأما إذا اشتبه المباح بالمغصوب اجتنب عنهما، ومع
الانحصار انتقل إلى المرتبة اللاحقة، ومع فقدها يكون فاقد الطهورين كما إذا انحصر
في المغصوب المعيّن.
(3 مسألة): إذا كان عنده ماء وتراب وعلم بغصبيّة أحدهما لا يجوز الوضوء ولا
التيمّم، ومع الانحصار يكون فاقد الطهورين. وأما لو علم نجاسة أحدهما أو كون
أحدهما مضافاً يجب عليه مع الانحصار الجمع(79) بين الوضوء والتيمّم وصحّت صلاته.
(4 مسألة): التراب المشكوك كونه نجساً يجوز التيمّم به إلا مع كون حالته السابقة
النجاسة.
(5 مسألة): لا يجوز التيمّم بما يشكّ في كونه تراباً أو غيره ممّا لا يتيمّم به كما
مرّ، فينتقل إلى المرتبة اللاحقة إن كانت(80)، وإلا فالأحوط الجمع بين التيمّم به
والصلاة ثمَّ القضاء خارج الوقت(81) أيضاً.
(6 مسألة): المحبوس في مكان مغصوب يجوز أن يتيمّم فيه على إشكال لأن هذا المقدار
لا يعدّ تصرفاً زائداً، بل لو توضأ بالماء الذي فيه وكان ممّا لا قيمة لـه يمكن أن
يقال بجوازه والإشكال فيه أشدّ، والأحوط الجمع(82) فيه بين الوضوء والتيمّم والصلاة
ثمَّ إعادتها أو قضاؤها بعد ذلك.
(7 مسألة): إذا لم يكن عنده من التراب أو غيره ممّا يتيمّم به ما يكفي لكفّيه معاً
يكرّر الضرب حتى يتحقّق الضرب بتمام الكفّين عليه، وإن لم يمكن يكتفى بما يمكن
ويأتي بالمرتبة المتأخّرة أيضاً إن كانت ويصلّي، وإن لم تكن فيكتفي به ويحتاط
بالإعادة أو القضاء أيضاً.
(8 مسألة): يستحب أن يكون على ما يتيمّم به غبار يعلق باليد ويستحب أيضاً نفضها بعد
الضرب.
(9 مسألة): يستحب أن يكون ما يتيمّم به من رُبى الأرض وعواليها لبعدها عن النجاسة.
(10 مسألة): يكره التيمّم بالأرض السبخة إذا لم يكن يعلوها الملح وإلا فلا يجوز،
وكذا يكره بالرمل، وكذا بمهابط الأرض، وكذا بتراب يوطأ وبتراب الطريق.
ويجب فيه أمور:
الأول: ضرب باطن اليدين معاً دفعة على الأرض، فلا يكفي الوضع(83) بدون الضرب، ولا
الضرب بإحداهما ولا بهما على التعاقب(84)، ولا الضرب بظاهرهما حال الاختيار، نعم حال
الاضطرار يكفي الوضع، ومع تعذّر ضرب إحداهما يضعها ويضرب بالأخرى، ومع تعذّر الباطن
فيهما أو في إحداهما ينتقل إلى الظاهر فيهما أو في إحداهما، ونجاسة الباطن لا تعدّ
عذراً فلا ينتقل معها إلى الظاهر.
الثاني: مسح الجبهة بتمامها والجبينين بهما من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى
وإلى الحاجبين والأحوط مسحهما أيضاً، ويعتبر كون المسح بمجموع الكفّين على المجموع،
فلا يكفي المسح ببعض كلّ من اليدين ولا مسح بعض الجبهة والجبينين، نعم يجزي التوزيع
فلا يجب المسح بكل من اليدين على تمام أجزاء الممسوح.
الثالث: مسح تمام ظاهر الكفّ اليمنى بباطن اليسرى، ثمَّ مسح تمام ظاهر اليسرى
بباطن اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع، ويجب من باب المقدّمة إدخال شيء من
الأطراف، وليس ما بين الأصابع من الظاهر فلا يجب مسحها إذ المراد به ما يماسّه ظاهر
بشرة الماسح، بل الظاهر عدم اعتبار التعميق والتدقيق فيه، بل المناط صدق مسح التمام
عرفاً.
وأما شرائطه فهي أيضاً أمور:
الأول: النية مقارنة لضرب اليدين على الوجه الذي مرّ في الوضوء، ولا يعتبر فيها قصد
رفع الحدث، بل ولا الاستباحة.
الثاني: المباشرة حال الاختيار.
الثالث: الموالاة وإن كان بدلاً عن الغسل، والمناط فيها عدم الفصل المخلّ بهيئته
عرفاً بحيث تمحو صورته.
الرابع: الترتيب على الوجه المذكور.
الخامس: الابتداء بالأعلى ومنه إلى الأسفل في الجبهة واليدين.
السادس: عدم الحائل بين الماسح والممسوح.
السابع: طهارة الماسح والممسوح حال الاختيار.
(1 مسألة): إذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه ولو كان جزءاً يسيراً بطل، عمداً
كان أو سهواً أوجهلاً، لكن قد مرّ أنه لا يلزم المداقّة والتعميق.
(2 مسألة): إذا كان في محلّ المسح لحم زائد يجب مسحه أيضاً، وإذا كانت يد زائدة
فالحكم فيها كما مرّ في الوضوء(85).
(3 مسألة): إذا كان على محلّ المسح شعر، يكفي المسح عليه وإن كان في الجبهة بأن
يكون منبته فيها، وأما إذا كان واقعاً عليها من الرأس فيجب رفعه لأنه من الحائل.
(4 مسألة): إذا كان على الماسح أو الممسوح جبيرة يكفي المسح بها أو عليها.
(5 مسألة): إذا خالف الترتيب بطل وإن كان لجهل أو نسيان.
(6 مسألة): يجوز الاستنابة عند عدم إمكان المباشرة، فيضرب النائب بيد المنوب عنه
ويمسح بها وجهه ويديه، وإن لم يمكن الضرب بيده(86) فيضرب بيده نفسه.
(7 مسألة): إذا كان باطن اليدين نجساً وجب تطهيره إن أمكن وإلا سقط اعتبار طهارته،
ولا ينتقل إلى الظاهر إلا إذا كانت نجاسته مسرية إلى ما يتيمّم به ولم يمكن
تجفيفه.
(8 مسألة): الأقطع بإحدى اليدين يكتفي بضرب الأخرى ومسح الجبهة بها ثمَّ مسح ظهرها
بالأرض، والأحوط الاستنابة لليد المقطوعة فيضرب بيده الموجودة مع يد واحدة للنائب
ويمسح بهما جبهته ويمسح النائب ظهر يده الموجودة والأحوط مسح ظهرها على الأرض
أيضاً. وأما أقطع اليدين فيمسح بجبهته على الأرض والأحوط مع الإمكان الجمع بينه
وبين ضرب ذراعيه والمسح بهما وعليهما.
(9 مسألة): إذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعدّ حائلاً ولم يمكن إزالتها،
فالأحوط الجمع بين الضرب به والمسح به والضرب بالظاهر والمسح به.
(10 مسألة): الخاتم حائل فيجب نزعه حال التيمّم.
(11 مسألة): لا يجب تعيين المبدل منه مع اتحاد ما عليه، وأما مع التعدّد كالحائض
والنفساء مثلاً فيجب تعيينه ولو بالإجمال.
(12 مسألة): مع اتحاد الغاية لا يجب تعيينها، ومع التعدّد يجوز قصد الجميع ويجوز
قصد ما في الذمّة، كما يجوز قصد واحدة منها فيجزي عن الجميع(87).
(13 مسألة): إذا قصد غاية فتبيّن عدمها بطل، وإن تبيّن غيرها صحّ لـه إذا كان
الاشتباه في التطبيق وبطل إن كان على وجه التقييد.
(14 مسألة): إذا اعتقد كونه محدثاً بالحدث الأصغر فقصد البدليّة عن الوضوء فتبيّن
كونه محدثاً بالأكبر، فإن كان على وجه التقييد بطل وإن أتى به من باب الاشتباه في
التطبيق أو قصد ما في الذمة صحّ، وكذا إذا اعتقد كونه جنباً فبان عدمه وأنه ماسّ
للميّت مثلاً.
(15 مسألة): في مسح الجبهة واليدين يجب إمرار الماسح على الممسوح فلا يكفي جرّ
الممسوح تحت الماسح، نعم لا تضرّ الحركة اليسيرة في الممسوح إذا صدق كونه ممسوحاً.
(16 مسألة): إذا رفع يده في أثناء المسح ثمَّ وضعها بلا فصل وأتمّ، فالظاهر كفايته
وإن كان الأحوط الإعادة.
(17 مسألة): إذا لم يعلم أنه محدث بالأصغر أو الأكبر وعلم بأحدهما إجمالاً، يكفيه
تيمّم واحد بقصد ما في الذمّة.
(18 مسألة): المشهور على أنه يكفي فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة للوجه
واليدين، ويجب التعدّد فيما هو بدل عن الغسل. والأقوى كفاية الواحدة فيما هو بدل
الغسل أيضاً وإن كان الأحوط ما ذكروه، وأحوط منه التعدّد فيما هو بدل الوضوء أيضاً،
والأَولى أن يضرب بيديه ويمسح بهما جبهته ويديه ثمَّ يضرب مرّة أخرى ويمسح بها
يديه. وربما يقال: غاية الاحتياط أن يضرب مع ذلك مرّة أخرى يده اليسرى ويمسح بها
ظهر اليمنى ثمَّ يضرب اليمنى ويمسح بها ظهر اليسرى.
(19 مسألة): إذا شكّ في بعض أجزاء التيمّم بعد الفراغ منه لم يعتن به وبنى على
الصحة، وكذا إذا شكّ في شرط من شروطه. وإذا شكّ في أثنائه قبل الفراغ في جزء أو
شرط: فإن كان بعد تجاوز محلّه بنى على الصحّة، وإن كان قبله أتى به وما بعده من غير
فرق بين ما هو بدل عن الوضوء أو الغسل، لكن الأحوط الاعتناء به مطلقاً وإن جاز
محلّه أو كان بعد الفراغ، ما لم يقم عن مكانه أو لم ينتقل إلى حالة أخرى على ما مرّ
في الوضوء خصوصاً فيما هو بدل عنه.
(20 مسألة): إذا علم بعد الفراغ ترك جزء، يكفيه العود إليه والإتيان به وبما بعده
مع عدم فوت الموالاة، ومع فوتها وجب الاستيناف. وإن تذكّر بعد الصلاة وجب إعادتها
أو قضاؤها، وكذا إذا ترك شرطاً مطلقاً ما عدا الإباحة في الماء أو التراب فلا تجب
إلا مع العلم والعمد كما مرّ.
(1 مسألة): لا يجوز التيمّم للصلاة قبل دخول وقته(88) وإن كان بعنوان التهيّؤ، نعم
لو تيمّم بقصد غاية أخرى واجبة أو مندوبة يجوز الصلاة به بعد دخول وقتها، كأن
يتيمّم لصلاة القضاء أو للنافلة إذا كان وظيفته التيمّم.
(2 مسألة): إذا تيمّم بعد دخول وقت فريضة أو نافلة، يجوز إتيان الصلوات التي لم
يدخل وقتها بعد دخوله ما لم يحدث أو يجد ماء، فلو تيمّم لصلاة الصبح يجوز أن يصلي
به الظهر، وكذا إذا تيمّم لغاية أخرى غير الصلاة.
(3 مسألة): الأقوى جواز التيمّم في سعة الوقت وإن احتمل ارتفاع العذر في آخره، بل
أو ظنّ به، نعم مع العلم بالارتفاع يجب الصبر. لكن التأخير إلى آخر الوقت مع احتمال
الرافع أحوط وإن كان موهوماً، نعم مع العلم بعدمه وبقاء العذر لا إشكال في جواز
التقديم. فتحصّل: أنه إما عالم ببقاء العذر إلى آخر الوقت، أو عالم بارتفاعه قبل
الآخر، أو محتمل للأمرين. فيجوز المبادرة مع العلم بالبقاء، ويجب التأخير مع العلم
بالارتفاع. ومع الاحتمال: الأقوى جواز المبادرة خصوصاً مع الظنّ بالبقاء، والأحوط
التأخير خصوصاً مع الظن بالارتفاع .
(4 مسألة): إذا تيمّم لصلاة سابقة وصلّى ولم ينتقض تيمّمه حتى دخل وقت صلاة أخرى،
يجوز الإتيان بها في أوّل وقتها وإن احتمل زوال العذر في آخر الوقت على المختار، بل
وعلى القول بوجوب التأخير في الصلاة الاُولى عند بعضهم، لكن الأحوط التأخير في
الصلاة الثانية أيضاً وإن لم يكن مثل الاحتياط السابق، بل أمره أسهل، نعم لو علم
بزوال العذر يجب التأخير كما في الصلاة السابقة.
(5 مسألة): المراد بآخر الوقت الذي يجب التأخير إليه أو يكون أحوط: الآخر العرفي،
فلا يجب المداقّة فيه ولا الصبر إلى زمان لا يبقى الوقت إلا بقدر الواجبات، فيجوز
التيمّم والإتيان بالصلاة مشتملة على المستحبات أيضا، بل لا ينافي إتيان بعض
المقدّمات القريبة بعد الإتيان بالتيمّم قبل الشروع في الصلاة بمعنى إبقاء الوقت
بهذا المقدار.
(6 مسألة): يجوز التيمّم لصلاة القضاء والإتيان بها معه(89) ولا يجب التأخير إلى
زوال العذر، نعم مع العلم بزواله عما قريب يشكل الإتيان بها قبله، وكذا يجوز
للنوافل الموقّتة حتى في سعة وقتها بشرط عدم العلم بزوال العذر إلى آخره.
(7 مسألة): إذا اعتقد عدم سعة الوقت فتيمّم وصلّى ثمَّ بان السعة، فعلى المختار
صحّت صلاته ويحتاط بالإعادة، وعلى القول بوجوب التأخير تجب الإعادة.
(8 مسألة): لا يجب إعادة الصلوات التي صلاّها بالتيمّم الصحيح بعد زوال العذر، لا
في الوقت ولا في خارجه مطلقاً.
نعم الأحوط استحباباً إعادتها في موارد:
أحدها: من تعمّد الجنابة مع كونه خائفاً من استعمال الماء فإنه يتيمّم ويصلّي، لكن
الأحوط إعادتها بعد زوال العذر ولو في خارج الوقت.
الثاني: من تيمّم لصلاة الجمعة عند خوف فوتها لأجل الزحام ومنعه.
الثالث: من ترك طلب الماء عمداً إلى آخر الوقت وتيمّم وصلّى ثمَّ تبيّن وجود الماء
في محلّ الطلب.
الرابع: من أراق الماء الموجود عنده مع العلم أو الظن بعدم وجوده بعد ذلك، وكذا لو
كان على طهارة فأجنب مع العلم أو الظنّ بعدم وجود الماء.
الخامس: من أخّر الصلاة متعمّداً إلى أن ضاق وقته فتيمّم لأجل الضِّيق.
(9 مسألة): إذا تيمّم لغاية من الغايات كان بحكم الطاهر ما دام باقياً لم ينتقض
وبقي عذره، فله أن يأتي بجميع ما يشترط فيه الطهارة، إلا إذا كان المسوّغ للتيمّم
مختصّاً بتلك الغاية: كالتيمّم لضيق الوقت فقد مرّ أنه لا يجوز لـه مسّ كتابة
القرآن ولا قراءة العزائم ولا الدخول في المساجد، وكالتيمّم لصلاة الميّت، أو للنوم
مع وجود الماء.
(10 مسألة): جميع غايات الوضوء والغسل غايات للتيمّم أيضاً، فيجب لما يجب لأجله
الوضوء أو الغسل ويندب لما يندب لـه أحدهما، فيصحّ بدلاً عن الأغسال المندوبة
والوضوءات المستحبة حتى وضوء الحائض والوضوء التجديدي مع وجود شرط صحّته: من فقد
الماء ونحوه، نعم لا يكون بدلاً عن الوضوء التهيّئي كما مرّ، كما أن كونه بدلاً عن
الوضوء للكون على الطهارة محلّ إشكال، نعم إتيانه برجاء المطلوبيّة لا مانع منه،
لكن يشكل الاكتفاء به لما يشترط فيه الطهارة أو يستحب إتيانه مع الطهارة.
(11 مسألة): التيمّم الذي هو بدل عن غسل الجنابة حاله كحاله في الإغناء عن الوضوء،
كما أن ما هو بدل عن سائر الأغسال يحتاج إلى الوضوء أو التيمّم بدله مثلها، فلو
تمكّن من الوضوء توضّأ مع التيمّم بدلها، وإن لم يتمكن تيمّم تيمّمين: أحدهما بدل
عن الغسل، والآخر عن الوضوء.
(12 مسألة): ينتقض التيمّم بما ينتقض به الوضوء والغسل من الأحداث، كما أنه ينتقض
بوجدان الماء أو زوال العذر، ولا يجب عليه إعادة ما صلاّه- كما مرّ- وإن زال العذر
في الوقت والأحوط الإعادة حينئذ، بل والقضاء أيضاً في الصور الخمس المتقدّمة.
(13 مسألة): إذا وجد الماء أو زال عذره قبل الصلاة(90) لا يصحّ أن يصلّي به، وإن
فقد الماء أو تجدّد العذر فيجب أن يتيمّم ثانياً، نعم إذا لم يسع زمان الوجدان أو
زوال العذر للوضوء أو الغسل بأن فقد أو زال العذر بفصل غير كاف لهما لا يبعد عدم
بطلانه وعدم وجوب تجديده، لكن الأحوط التجديد مطلقاً وكذا، إذا كان وجدان الماء أو
زوال العذر في ضيق الوقت فإنه لا يحتاج إلى الإعادة حينئذ للصلاة التي ضاق وقتها.
(14 مسألة): إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: فإن كان قبل الركوع من الركعة الاُولى
بطل تيمّمه وصلاته، وإن كان بعده لم يبطل(91) ويتمّ الصلاة، لكن الأحوط مع سعة الوقت
الإتمام والإعادة مع الوضوء، ولا فرق في التفصيل المذكور بين الفريضة والنافلة على
الأقوى وإن كان الاحتياط بالإعادة في الفريضة آكد من النافلة.
(15 مسألة): لا يلحق بالصلاة غيرها إذا وجد الماء في أثنائها، بل تبطل مطلقاً وإن
كان قبل الجزء الأخير منها، فلو وجد في أثناء الطواف ولو في الشوط الأخير بطل، وكذا
لو وجد في أثناء صلاة الميّت بمقدار غسله بعد أن يُمّم لفقد الماء فيجب الغسل
وإعادة الصلاة، بل وكذا لو وجد قبل تمام الدفن.
(16 مسألة): إذا كان واجداً للماء وتيمّم لعذر آخر من استعماله فزال عذره في أثناء
الصلاة، هل يلحق بوجدان الماء في التفصيل المذكور؟ إشكال فلا يترك الاحتياط
بالإتمام والإعادة إذا كان بعد الركوع من الركعة الاُولى، نعم لو كان زوال العذر في
أثناء الصلاة في ضيق الوقت أتمّها، وكذا لو لم يف زمان زوال العذر للوضوء بأن تجدّد
العذر بلا فصل، فإن الظاهر عدم بطلانه وإن كان الأحوط الإعادة.
(17 مسألة): إذا وجد الماء في أثناء الصلاة بعد الركوع ثمَّ فقد في أثنائها أيضاً
أو بعد الفراغ منها بلا فصل، هل يكفي ذلك التيمّم لصلاة أخرى أو لا؟ فيه تفصيل:
فإما أن يكون زمان الوجدان وافياً للوضوء أو الغسل على تقدير عدم كونه في الصلاة أو
لا؟ فعلى الثاني: الظاهر عدم بطلان ذلك التيمّم بالنسبة إلى الصلاة الأخرى أيضاً.
وأما على الأوّل: فالأحوط عدم الاكتفاء به، بل تجديده لها، لأن القدر المعلوم من
عدم بطلان التيمّم إذا كان الوجدان بعد الركوع إنما هو بالنسبة إلى الصلاة التي هو
مشغول بها لا مطلقاً.
(18 مسألة): في جواز مسّ كتابة القرآن وقراءة العزائم حال الاشتغال بالصلاة التي
وجد الماء فيها بعد الركوع إشكال لما مرّ: من أن القدر المتيقّن من بقاء التيمّم
وصحّته إنما هو بالنسبة إلى تلك الصلاة، نعم لو قلنا بصحّته إلى تمام الصلاة مطلقاً
كما قاله بعضهم(92) جاز المسّ وقراءة العزائم ما دام في تلك الصلاة، ومما ذكرنا ظهر
الإشكال في جواز العدول من تلك الصلاة إلى الفائتة التي هي مترتّبة عليها لاحتمال
عدم بقاء التيمّم بالنسبة إليها.
(19 مسألة): إذا كان وجدان الماء في أثناء الصلاة بعد الحكم الشرعي بالركوع، كما
لو كان في السجود وشكّ في أنه ركع أم لا حيث إنه محكوم بأنه ركع فهل هو كالوجدان
بعد الركوع الوجداني أم لا؟ إشكال(93) فالاحتياط بالإتمام والإعادة لا يترك.
(20 مسألة): الحكم بالصحّة في صورة الوجدان بعد الركوع ليس منوطاً بحرمة قطع الصلاة
فمع جواز القطع أيضاً كذلك ما لم يقطع، بل يمكن أن يقال في صورة وجوب القطع أيضاً
إذا عصى ولم يقطع: الصحة باقية بناء على الأقوى من عدم بطلان الصلاة مع وجوب القطع
إذا تركه وأتمّ الصلاة.
(21 مسألة): المجنب المتيمّم بدل الغسل إذا وجد ماءً بقدر كفاية الوضوء فقط لا يبطل
تيمّمه، وأما الحائض ونحوها ممن تيمّم بتيمّمين إذا وجد بقدر الوضوء بطل تيمّمه
الذي هو بدل عنه، وإذا وجد ما يكفي للغسل ولم يمكن صرفه في الوضوء بطل تيمّمه الذي
هو بدل عن الغسل وبقي تيمّمه الذي هو بدل عن الوضوء من حيث إنه حينئذ يتعيّن صرف
ذلك الماء في الغسل فليس مأموراً بالوضوء، وإذا وجد ما يكفي لأحدهما وأمكن صرفه في
كلّ منهما بطلا كلا التيمّمين، ويحتمل عدم بطلان ما هو بدل عن الوضوء من حيث إنه
حينئذ يتعيّن صرف ذلك الماء في الغسل(94) فليس مأموراً بالوضوء، لكن الأقوى
بطلانهما.
(22 مسألة): إذا وجد جماعة متيمّمون ماءً مباحاً لا يكفي إلا لأحدهم، بطل(95)
تيمّمهم أجمع إذا كان في سعة الوقت، وإن كان في ضيقه بقي تيمّم الجميع، وكذا إذا
كان الماء المفروض للغير وأذن للكل في استعماله، وأما إن أذن للبعض دون الآخرين بطل
تيمّم ذلك البعض فقط، كما أنه إذا كان الماء المباح كافيا للبعض دون البعض الآخر
لكونه جنباً ولم يكن بقدر الغسل لم يبطل تيمّم ذلك البعض.
(23 مسألة): المحدث بالأكبر غير الجنابة إذا وجد ماءً لا يكفي إلا لواحد من الوضوء
أو الغسل، قدّم الغسل وتيمّم بدلاً عن الوضوء، وإن لم يكف إلا للوضوء فقط توضّأ
وتيمّم بدل الغسل.
(24 مسألة): لا يبطل التيمّم الذي هو بدل عن الغسل من جنابة أو غيرها بالحدث
الأصغر، فما دام عذره عن الغسل باقياً تيمّمه بمنزلته، فإن كان عنده ماء بقدر
الوضوء توضّأ وإلا تيمّم بدلاً عنه- وإذا ارتفع عذره عن الغسل اغتسل: فإن كان عن
جنابة لا حاجة معه إلى الوضوء، وإلا توضّأ- هذا ولكن الأحوط إعادة التيمّم أيضاً:
فإن كان عنده من الماء بقدر الوضوء تيمّم بدلاً عن الغسل وتوضّأ، وإن لم يكن تيمّم
مرّتين: مرّة عن الغسل ومرّة عن الوضوء. هذا إن كان غير غسل الجنابة وإلا يكفيه مع
عدم الماء للوضوء تيمّم واحد بقصد ما في الذمّة.
(25 مسألة): حكم التداخل الذي مرّ سابقاً في الأغسال يجري في التيمّم أيضاً، فلو
كان هناك أسباب عديدة للغسل يكفي تيمّم واحد عن الجميع، وحينئذ فإن كان من جملتها
الجنابة لم يحتج إلى الوضوء أو التيمّم بدلاً عنه، وإلا وجب الوضوء أو تيمّم آخر
بدلاً عنه.
(26 مسألة): إذا تيمّم بدلاً عن أغسال عديدة فتبيّن عدم بعضها صحّ بالنسبة إلى
الباقي. وأما لو قصد معيّناً فتبيّن أن الواقع غيره فصحّته مبنيّة على أن يكون من
باب الاشتباه في التطبيق لا التقييد كما مرّ نظائره مراراً.
(27 مسألة): إذا اجتمع جنب وميّت ومحدث بالأصغر، وكان هناك ماء لا يكفي إلا
لأحدهم: فإن كان مملوكاً لأحدهم تعيّن صرفه لنفسه، وكذا إن كان للغير وأذن لواحد
منهم وإما إن كان مباحاً أو كان للغير وأذن للكل فيتعين للجنب(96) فيغتسل، ويُيمّم
الميّت، ويتيمّم المحدث بالأصغر أيضاً.
(28 مسألة): إذا نذر نافلة مطلقة أو موقّتة في زمان معيّن ولم يتمكّن من الوضوء في
ذلك الزمان تيمّم بدلاً عنه وصلّى، وأما إذا نذر مطلقاً لا مقيّداً بزمان معيّن
فالظاهر وجوب الصبر إلى زمان إمكان الوضوء.
(29 مسألة): لا يجوز الاستيجار لصلاة الميّت ممن وظيفته التيمّم مع وجود من يقدر
على الوضوء، بل لو استأجر من كان قادراً ثمَّ عجز عنه يشكل جواز الإتيان بالعمل
المستأجر عليه مع التيمّم. فعليه التأخير إلى التمكّن مع سعة الوقت، بل مع ضيقه
أيضاً يشكل كفايته فلا يترك مراعاة الاحتياط.
(30 مسألة): المجنب المتيمّم إذا وجد الماء في المسجد وتوقّف غسله على دخولـه
والمكث فيه، لا يبطل تيمّمه(97) بالنسبة إلى حرمة المكث وإن بطل بالنسبة إلى الغايات
الأخر، فلا يجوز لـه قراءة العزائم ولا مسّ كتابة القرآن، كما أنه لو كان جنباً
وكان الماء منحصراً في المسجد ولم يمكن أخذه إلا بالمكث، وجب أن يتيمّم للدخول
والأخذ كما مرّ سابقاً، ولا يستباح لـه بهذا التيمّم إلا المكث، فلا يجوز لـه المسّ
وقراءة العزائم.
(31 مسألة): قد مرّ سابقاً أنه لو كان عنده من الماء ما يكفي لأحد الأمرين: من رفع
الخبث عن ثوبه أو بدنه، ورفع الحدث. قدّم(98) رفع الخبث ويتيمّم للحدث، لكن هذا إذا
لم يمكن صرف الماء في الغسل أو الوضوء وجمع الغسالة في إناء نظيف لرفع الخبث وإلا
تعيّن ذلك، وكذا الحال في مسألة اجتماع الجنب والميّت والمحدث بالأصغر، بل في سائر
الدورانات.
(32 مسألة): إذا علم قبل الوقت أنه لو أخّر التيمّم إلى ما بعد دخوله لا يتمكّن من
تحصيل ما يتيمّم به، فالأحوط أن يتيمّم قبل الوقت لغاية أخرى غير الصلاة في الوقت
ويبقى تيمّمه إلى ما بعد الدخول فيصلّي به، كما أن الأمر كذلك بالنسبة إلى الوضوء
إذا أمكنه قبل الوقت وعلم بعدم تمكّنه بعده، فيتوضّأ على الأحوط لغاية أخرى أو
للكون على الطهارة.
(33 مسألة): يجب التيمّم لمسّ كتابة القرآن إن وجب، كما أنه يستحب إذا كان
مستحباً، ولكن لا يشرع إذا كان مباحاً، نعم لـه أن يتيمّم لغاية أخرى ثمَّ يمسح
المسح المباح.
(34 مسألة): إذا وصل شعر الرأس إلى الجبهة فإن كان زائداً على المتعارف وجب رفعه
للتيمّم ومسح البشرة، وإن كان على المتعارف لا يبعد كفاية مسح ظاهره عن البشرة،
والأحوط مسح كليهما.
(35 مسألة): إذا شكّ في وجوب حاجب في بعض مواضع التيمّم حاله حال الوضوء والغسل في
وجوب الفحص(99) حتى يحصل اليقين أو الظنّ بالعدم.
(36 مسألة): في الموارد التي يجب عليه التيمّم بدلاً عن الغسل وعن الوضوء: كالحائض
والنفساء وماسّ الميّت، الأحوط(100) تيمّم ثالث بقصد الاستباحة من غير نظر إلى
بدليّته عن الوضوء أو الغسل بأن يكون بدلاً عنهما لاحتمال كون المطلوب تيمّماً
واحداً من باب التداخل. ولو عيّن أحدهما في التيمّم الأوّل وقصد بالثاني ما في
الذمّة أغنى عن الثالث.
(37 مسألة): إذا كان بعض أعضائه منقوشاً باسم الجلالة أو غيره من أسمائه تعالى أو
آية من القرآن، فالأحوط محوه حذراً من وجوده على بدنه في حال الجنابة أو غيرها من
الأحداث، لمناط حرمة المسّ على المحدث. وإن لم يمكن محوه أو قلنا بعدم وجوبه فيحرم
إمرار اليد عليه حال الوضوء أو الغسل، بل يجب إجراء الماء عليه من غير مسّ، أو
الغسل ارتماساً، أو لفّ خرقة بيده والمسّ بها. وإذا فرض عدم إمكان الوضوء أو الغسل
إلا بمسّه، فيدور الأمر بين سقوط حرمة المسّ أو سقوط وجوب المائية والانتقال إلى
التيمّم، والظاهر: سقوط حرمة المسّ، بل ينبغي القطع به إذا كان في محل التيمّم، لأن
الأمر حينئذ دائر بين ترك الصلاة وارتكاب المسّ. ومن المعلوم: أهمية وجوب الصلاة
فيتوضّأ أو يغتسل في الفرض الأوّل وإن استلزم المسّ، لكن الأحوط مع ذلك الجبيرة
أيضاً بوضع شيء عليه والمسح عليه باليد المبلّلة، وأحوط من ذلك أن يجمع بين ما ذكر
والاستنابة أيضاً بأن يستنيب متطهّراً يباشر غسل هذا الموضع، بل وأن يتيمّم مع ذلك
أيضاً إن لم يكن في مواضع التيمّم. وإذا كان ممن وظيفته التيمّم وكان في بعض مواضعه
وأراد الاحتياط جمع بين مسحه بنفسه والجبيرة والاستنابة، لكن الأقوى كما عرفت كفاية
مسحه وسقوط حرمة المسّ حينئذ.