تنويه: العبارات المكتوبة باللون الأزرق هي تعليقات سماحة السيد دام ظله.

3- فصل: في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين

ويشترط في انعقادها: البلوغ، والعقل، والقصد، والاختيار.
فلا تنعقد من الصبيّ وإن بلغ عشراً وقلنا بصحّة عباداته وشرعيّتها، لرفع قلم الوجوب عنه.
وكذا لا تصحّ من المجنون والغافل والساهي والسكران والمكره.
والأقوى صحّتها من الكافر وفاقاً للمشهور في اليمين خلافاً لبعض، وخلافاً للمشهور في النذر وفاقاً لبعض، وذكروا في وجه الفرق: عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر ولا تتحقّق القربة في الكافر.
وفيه أولاً: أن القربة لا تعتبر في النذر، بل هو مكروه وإنما تعتبر في متعلّقه حيث إن اللازم كونه راجحاً شرعاً.
وثانياً: أن متعلّق اليمين أيضاً قد يكون من العبادات.
وثالثاً: أنه يمكن قصد القربة من الكافر أيضاً.
ودعوى: عدم إمكان إتيانه للعبادات لاشتراطها بالإسلام‏ مدفوعة بإمكان إسلامه ثمّ إتيانه، فهو مقدور لمقدوريّة مقدّمته، فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات (قد تقدّم مراراً التأمّل بل الإشكال في نظائره، وكذا في عقوبته على المخالفة، أو على ترك الكفارة) ، ويعاقب على مخالفته، ويترتّب عليها وجوب الكفّارة فيعاقب على تركها أيضاً، وإن أسلم صحّ إن أتى به، ويجب عليه الكفّارة لو خالف ولا يجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لانصرافه (الانصراف غير واضح) عن المقام، نعم لو خالف وهو كافر وتعلّق به الكفّارة فأسلم لا يبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل‏.

 

مسائل في الحج بالنذر وأخويه

(1 مسألة): ذهب جماعة إلى أنه يشترط في انعقاد اليمين من المملوك إذن المولى‏، وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج، وفي انعقاده من الولد إذن الوالد، لقوله عليه السلام : «لا يمين لولد مع والده، ولا للزوجة مع زوجها، ولا للمملوك مع مولاه»‏ فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ينعقد، وظاهرهم: اعتبار الإذن السابق، فلا تكفي الإجازة بعده مع أنه من الإيقاعات وادّعي الاتفاق على عدم جريان الفضوليّة فيها وإن كان يمكن دعوى: أن القدر المتيقّن من الاتّفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال الغير، مثل الطلاق والعتق ونحوهما، لا مثل المقام ممّا كان في مال نفسه، غاية الأمر اعتبار رضا الغير فيه، ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق، خصوصاً إذا قلن (كما هو الأصح) : إن الفضوليّ على القاعدة.
وذهب جماعة إلى أنه لا يشترط الإذن في الانعقاد لكن للمذكورين حلّ يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقاً بنهي أو إذن، بدعوى: أن المنساق من الخبر المذكور ونحوه أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج، ولازمه: جواز حلّهم لـه وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به.
وعلى هذا: فمع النهي السابق لا ينعقد، ومع الإذن يلزم، ومع عدمهما ينعقد ولهم حلّه، ولا يبعد قوّة هذا القول، مع أن المقدّر كما يمكن أن يكون هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة، أي: لا يمين مع منع المولى ـ مثلاًـ فمع عدم الظهور في الثاني لا أقل من الإجمال، والقدر المتيقّن هو: عدم الصحّة مع المعارضة والنهي، بعد كون مقتضى العمومات: الصحّة واللزوم.
ثمّ إن جواز الحلّ أو التوقّف على الإذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلق (بل الأظهر انه في اليمين بما هو يمين) كما هو ظاهر كلماتهم، بل إنما هو فيما كان المتعلّق منافياً لحقّ المولى أو الزوج، وكان ممّا يجب فيه طاعة الوالد إذا أمر أو نهى، وأما ما لم يكن كذلك فلا: كما إذا حلف المملوك أن يحجّ إذا أعتقه المولى، أو حلفت الزوجة أن تحجّ إذا مات زوجها أو طلّقها، أو حلفا أن يصليّا صلاة الليل مع عدم كونها منافية لحقّ المولى، أو حقّ الاستمتاع من الزوجة، أو حلف الولد أن يقرأ كلّ يوم جزءاً من القرآن أو نحو ذلك ممّا لا يجب طاعتهم فيها للمذكورين، فلا مانع من انعقاده.
وهذا هو المنساق من الأخبار: فلو حلف الولد أن يحجّ إذا استصحبه الوالد إلى مكة ـ مثلاًـ لا مانع من انعقاده، وهكذا بالنسبة إلى المملوك والزوجة، فالمراد من الأخبار: أنه ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافياً لحق المذكورين، ولذا استثنى بعضهم: الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح وحكم بالانعقاد فيهما، ولو كان المراد: اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء (يرد عليه نقصاً: بانه على فرض إرادة اليمين المنافية للحق أيضاً لا وجه لهذا الاستثناء ـ كما لا يخفي ـ . وحلاً: بانه بيان مسألة واقعيّة مثل: «إلا شرطاً احلّ حراماً أو حرّم حلالاً» ونحوه، مع انه للوالد أن يحل يمين فعل الواجب وترك الحرام فلا كفارة على الحنث، بل مجرّد الاستغفار) .
هذا كلّه في اليمين، وأما النذر: فالمشهور بينهم أنه كاليمين في المملوك والزوجة، وألحق بعضهم بهما الولد أيضاً، وهو مشكل لعدم الدليل عليه خصوصاً في الولد، إلا القياس على اليمين بدعوى: تنقيح المناط. وهو ممنوع. أو بدعوى: أن المراد من اليمين في الأخبار ما يشمل النذر، لإطلاقه عليه في جملة من الأخبار، منها: خبران في كلام الإمام عليه السلام، ومنها: أخبار في كلام الراوي وتقرير الإمام عليه السلام لـه وهو أيضاً كما ترى.
فالأقوى في الولد: عدم الإلحاق (بل الإلحاق قويٌّ) . نعم، في الزوجة والمملوك لا يبعد الإلحاق باليمين‏ لخبر قرب الإسناد عن جعفر وعن أبيه عليهما السلام: «إن علياً عليه السلام كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا بإذن مولاه»‏ وصحيح ابن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام: «ليس للمرأة مع زوجها أمر في: عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا بإذن زوجها، إلا في حجّ أو زكاة أو برّ والديها أو صلة قرابتها» وضعف الأول منجبر بالشهرة، واشتمال الثاني على ما لا نقول به لا يضرّ.
ثمّ هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان (والأوجه عدم الشمول، وفي ولد الولد الشمول) .
وهل الولد يشمل ولد الولد أو لا؟ كذلك وجهان.
والأمة المزوّجة: عليها الاستيذان من الزوج والمولى بناء على اعتبار الإذن، وإذا أذن المولى للمملوك أن يحلف أو ينذر الحجّ لا يجب عليه إعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة عليه من مصارف الحجّ، وهل عليه تخلية سبيله لتحصيلها أو لا؟ وجهان (أوجههما العدم) ثمّ على القول بأن لهم الحلّ هل يجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورين في حلّ حلفهم أو لا؟ وجهان (والأوجه الجواز) ‏.
(2 مسألة): إذا كان الوالد كافراً ففي شمول الحكم لـه، وجهان‏: أوجههما العدم، للانصراف ونفي السبيل‏.
(3 مسألة): هل المملوك المبعَّض حكمه حكم القنِّ أو لا؟ وجهان‏: لا يبعد الشمول، ويحتمل (وهو وجيه إذا كان المتعلّق في نوبة نفسه) عدم توقّف حلفه على الإذن في نوبته في صورة المهايات خصوصاً إذا كان وقوع المتعلّق في نوبته‏.
(4 مسألة): الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر والأنثى، وكذا في المملوك والمالك‏، لكن لا تلحق الأمّ بالأب‏.
(5 مسألة): إذا نذر أو حلف المملوك بإذن المالك ثمّ انتقل إلى غيره بالإرث أو البيع أو نحوه‏، بقي على لزومه (إلا مع منافاة متعلّق النذر لحقّ المولی الثاني) ‏.

 

إذا نذرت المرأة ثمّ تزوجت

(6 مسألة): لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجية ثمّ تزوّجت، وجب عليها العمل به‏ وإن كان منافياً للاستمتاع به (بل الأظهر عدم الجواز لها، وللزوج المنع، وكذا صيامها وغير ذلك، وقد تقدّم في الحجّ: تقدّمه على النذر ونحوه) ، وليس للزوج منعها من ذلك الفعل كالحجّ ونحوه، بل وكذا لو نذرت أنها لو تزوّجت بزيد ـ مثلاًـ صامت كلّ خميس، وكان المفروض أن زيداً أيضاً حلف أن يواقعها كلّ خميس إذا تزوّجها، فإن حلفها أو نذرها مقدّم على حلفه وإن كان متأخراً في الإيقاع، لأن حلفه لا يؤثّر شيئاً في تكليفها، بخلاف نذرها فإنه يوجب الصوم عليها، لأنه متعلّق بعمل نفسها، فوجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل‏.

 

إذا نذر الحجّ من مكان معيّن وخالف

(7 مسألة): إذا نذر الحجّ من مكان معيّن (مع رجحان الحجّ من ذلك المكان، أو كان يميناً مكان النذر وكذا الكلام في النذر الآخر) : كبلده أو بلد آخر معيّن فحجّ من غير ذلك المكان، لم تبرأ ذمّته‏ ووجب عليه ثانياً، نعم لو عيّنه في سنة فحجّ في تلك السنة من غير ذلك المكان وجب عليه الكفّارة لعدم إمكان التدارك، ولو نذر أن يحجّ من غير تقييد بمكان، ثمّ نذر نذراً آخر أن يكون ذلك الحجّ من مكان كذا، وخالف فحجّ من غير ذلك المكان برأ من النذر الأول، ووجب عليه الكفّارة لخلف النذر الثاني، كما أنه لو نذر أن يحجّ حجّة الإسلام من بلد كذا فخالف، فإنه يجزيه عن حجّة الإسلام ووجب عليه الكفّارة لخلف النذر.
(8 مسألة): إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان، فالظاهر: جواز التأخير إلى ظنّ الموت أو الفوت، فلا يجب عليه المبادرة إلا إذا كان هناك انصراف، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً، والقول بعصيانه مع تمكّنه في بعض تلك الأزمنة وإن جاز التأخير لا وجه لـه.
وإذا قيّده بسنة معيّنة لم يجز التأخير مع فرض تمكّنه في تلك السنة، فلو أخّر عصى وعليه القضاء والكفّارة، وإذا مات وجب قضاؤه عنه.
كما أن في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه، والقول بعدم وجوبه بدعوى: أن القضاء بفرض جديد ضعيف لما يأتي.
وهل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟ قولان: فذهب جماعة إلى القول بأنه من الأصل، لأن الحجّ واجب مالي وإجماعهم قائم على أن الواجبات الماليّة تخرج من الأصل.
وربما يورد عليه: بمنع كونه واجباً مالياً وإنما هو أفعال مخصوصة بدنيّة وإن كان‏ قد يحتاج إلى بذل المال في مقدّماته، كما أن الصلاة أيضاً قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلك.
وفيه: أن الحجّ في الغالب محتاج إلى بذل المال، بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنيّة، فإن كان هناك إجماع أو غيره على أن الواجبات الماليّة تخرج من الأصل يشمل الحجّ قطعاً.
وأجاب صاحب الجواهر بأن المناط في الخروج من الأصل: كون الواجب دَيناً والحجّ كذلك، فليس تكليفاً صرفاً كما في الصلاة والصوم، بل للأمر به جهة وضعيّة، فوجوبه على نحو الدَّينيّة بخلاف سائر العبادات البدنيّة، فلذا يخرج من الأصل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنه دَين أو بمنزلة الدَّين.
قلت: التحقيق أن جميع الواجبات الإلهيّة ديون لله تعالى، سواء كانت مالاً أو عملاً ماليّاً أو عملاً غير ماليٍّ، فالصلاة والصوم أيضاً ديون لله ولهما جهة وضع، فذمّة المكلّف مشغولة بهما ولذا يجب قضاؤهما، فإن القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفّارة، بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به، ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قولـه: لله عليّ أن أعطي زيداً درهماً، دَين إلهيٌّ لا خلقيٌّ فلا يكون الناذر مديوناً لزيد، بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد: ولا فرق بينه وبين أن يقول: لله عليّ أن أحجّ أو أن أصلِّي ركعتين، فالكل دَين الله ودَين الله أحقّ أن يقضى كما في بعض الأخبار، ولازم هذا: كون الجميع من الأصل.
نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا يجب قضاؤه، لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته، سواء كان مالاً أو عملاً، مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فإنه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء، لأن الواجب إنما هو حفظ النفس المحترمة وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته، وكما في نفقة الأرحام فإنه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكّنه لا يصير دَيناً عليه، لأن الواجب سدّ الخلّة وإذا فات لا يتدارك.
فتحصّل أن مقتضى القاعدة في الحجّ النذري إذا تمكّن وترك حتى مات: وجوب قضائه من الأصل لأنه دَين إلهي، إلا أن يقال بانصراف الدَّين عن مثل هذه الواجبات وهو محلّ منع، بل دَين الله أحقّ أن يقضى.
وأما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث، فاستدلّوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالّتين على: أن من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه، وإذا كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه ماليّاً قطعاً فنذر الحجّ بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل.
وفيه: أن الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما فكيف يعمل بهما في غيره؟
وأما الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناء على خروج المنجّزات من الثلث، فلا وجه لـه بعد كون الأقوى خروجها من الأصل، وربما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة، أو على صورة عدم التمكّن من الوفاء حتى مات، وفيهما: ما لا يخفى خصوصاً الأول‏.

 

إذا نذر الحجّ ولم يتمكّن منه

(9 مسألة): إذا نذر الحجّ مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكّن من الإتيان به حتى مات، لم يجب القضاء عنه‏ لعدم وجوب الأداء عليه حتى يجب القضاء عنه، فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره‏.
(10 مسألة): إذا نذر الحجّ معلّقاً على أمر: كشفاء مريضه أو مجي‏ء مسافره فمات قبل حصول المعلّق عليه، هل يجب القضاء عنه أم لا؟ المسألة مبنيّة على أن التعليق من‏ باب الشرط، أو من قبيل الوجوب المعلّق.
فعلى الأول: لا يجب لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط وإن كان متمكّناً من حيث المال وسائر الشرائط.
وعلى الثاني: يمكن أن يقال (لكن ذلك غير تام، فحتّی على الثاني لا يجب القضاء عنه) بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجباً عليه من الأول، إلا أن يكون نذره منصرفاً إلى بقاء حياته حين حصول الشرط.
(11 مسألة): إذا نذر الحجّ وهو متمكّن منه فاستقرّ عليه‏ ثمّ صار معضوباً لمرض أو نحوه، أو مصدوداً بعدوٍّ أو نحوه، فالظاهر: وجوب استنابته حال حياته لما مرّ من الأخبار سابقاً في وجوبها، ودعوى: اختصاصها بحجة الإسلام ممنوعة كما مرّ سابق (مرّ منه قدّس سرّه سابقاً خلافه، ومرّ منّا هناك في المسألة الثانية والسبعين من الفصل السابق وفق المتن هنا) وإذا مات وجب القضاء عنه.
وإذا صار معضوباً أو مصدوداً قبل تمكّنه واستقرار الحجّ عليه، أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكّنه من حيث المال، ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته، قولان: أقواهما العدم وإن قلنا بالوجوب بالنسبة إلى حجّة الإسلام، إلا أن يكون قصده من قولـه: لله علي أن أحج، الاستنابة.

 

لو نذر الإحجاج بأحد

(12 مسألة): لو نذر أن يحجّ رجلاً في سنة معيّنة فخالف مع تمكّنه وجب عليه القضاء والكفّارة، وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة لأنهما واجبان ماليّان بلا إشكال، والصحيحتان المشار إليهما سابقاً الدالّتان على الخروج من الثلث معرض عنهما ـ كما قيل ـ أو محمولتان على بعض المحامل، وكذا إذا نذر الإحجاج من غير تقييد بسنة معيّنة مطلقاً، أو معلّقاً على شرط وقد حصل وتمكّن منه وترك حتى مات، فإنه يقضى عنه من أصل التركة.
وأما لو نذر الإحجاج بأحد الوجوه ولم يتمكّن منه حتى مات، ففي وجوب قضائه وعدمه وجهان: أوجههما ذلك، لأنه واجب ماليٌّ أوجبه على نفسه فصار دَيناً، غاية الأمر أنه ما لم يتمكّن معذور، والفرق بينه وبين نذر الحجّ بنفسه: أنه لا يعدّ دَيناً مع عدم التمكّن منه واعتبار المباشرة، بخلاف الإحجاج فإنه كنذر بذل المال، كما إذا قال: لله عليَّ أن أعطي الفقراء مائة درهم ومات قبل تمكّنه، ودعوى: كشف عدم التمكّن عن عدم الانعقاد ممنوعة.
ففرق بين إيجاب مال على نفسه، أو إيجاب عمل مباشريٍّ وإن استلزم صرف المال، فإنه لا يعدّ دَيناً عليه بخلاف الأول‏.
(13 مسألة): لو نذر الإحجاج معلّقاً على شرط: كمجي‏ء المسافر أو شفاء المريض، فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك وتمكّنه منه قبله، فالظاهر: وجوب القضاء عنه. إلا أن يكون مراده التعليق على ذلك الشرط مع كونه حيّاً حينه.
ويدلّ على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبد الملك: «فيمن كان لـه جارية حبلى فنذر إن هي ولدت غلاماً أن يحجّه أو يحجّ عنه، حيث قال الإمام الصادق عليه السلام بعد ما سئل عن هذا: إن رجلاً نذر في ابن لـه إن هو أدرك أن يحجّه أو يحجّ عنه فمات الأب وأدرك الغلام بعد، فأتى رسول‏ الله صلّی الله عليه وآله وسلّم فسأله عن ذلك فأمر رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلّم أن يحجّ عنه ممّا ترك أبوه»‏ وقد عمل به جماعة، وعلى ما ذكرنا لا يكون مخالفاً للقاعدة كما تخيّله سيّد الرياض وقرّره عليه صاحب الجواهر وقال: إن الحكم فيه تعبّديٌّ على خلاف القاعدة.

 

لو نذر حجّة الإسلام وهو مستطيع

(14 مسألة): إذا كان مستطيعاً ونذر أن يحجّ حجّة الإسلام انعقد على الأقوى‏ وكفاه حجّ واحد، وإذا ترك حتى مات وجب القضاء عنه والكفّارة من تركته، وإذا قيّده بسنة معيّنة فأخّر عنها وجب عليه الكفّارة.
وإذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضاً ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدّمة، إلا أن يكون مراده الحجّ بعد الاستطاعة.
(15 مسألة): لا يعتبر في الحجّ النذري الاستطاعة الشرعيّة، بل يجب مع القدرة العقليّة خلافاً للدروس، ولا وجه لـه إذ حاله حال سائر الواجبات التي تكفيها القدرة عقلاً.
(16 مسألة): إذا نذر حجّاً غير حجّة الإسلام في عامه وهو مستطيع لم ينعقد (بل لا يبعد الانعقاد ـ كما تقدّم نظيره منّا في المسالة السادسة والستين من الفصل السابق ـ ) ، إلا إذا نوى ذلك على تقدير زوالها فزالت، ويحتمل الصحّة مع الإطلاق أيضاً إذا زالت حمل (بل وعلى الترتب أيضاً) لنذره‏ على الصحّة.
(17 مسألة): إذا نذر حجّاً في حال عدم الاستطاعة الشرعية ثمّ حصلت لـه: فإن كان موسّعاً أو مقيّداً بسنة متأخّرة قدّم حجّة الإسلام لفوريّتها، وإن كان مضيّقاً بأن قيّده بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة أو قيّده بالفوريّة قدّمه (بل قدّم حجّة الإسلام، وقد تقدّم في المسالة الثانية والثلاثين من الفصل السابق نظير ذلك) ، وحينئذٍ: فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت، وإلا فلا، لأن المانع الشرعيّ كالعقليّ، ويحتمل وجوب (وهو احتمال ضعيف) تقديم النذر ولو مع كونه موسّعاً لأنه دَين عليه، بناءً على أن الدَّين ولو كان موسّعاً يمنع عن تحقّق الاستطاعة، خصوصاً مع ظنّ عدم تمكّنه من الوفاء بالنذر إن صرف استطاعته في حجّة الإسلام‏.
(18 مسألة): إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريّاً، ثمّ استطاع وأهمل عن وفاء النذر في عامه، وجب الإتيان به في العام القابل مقدّماً على حجّة الإسلام (بل مقدّماً حجّة الإسلام على الحجّ النذريّ) وإن بقيت الاستطاعة إليه لوجوبه عليه فوراً ففوراً فلا يجب عليه حجّة الإسلام إلا بعد الفراغ عنه.
لكن عن الدروس أنه قال بعد الحكم بأن استطاعة النذر شرعيّة لا عقليّة: فلو نذر ثمّ استطاع صرف ذلك إلى النذر، فإن أهمل واستمرّت الاستطاعة إلى العام القابل وجب حجّة الإسلام أيضاً. ولا وجه له، نعم لو قيّد نذره بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة فلم يف به وبقيت استطاعته إلى العام المتأخّر أمكن أن يقال (بل تجب حجّة الإسلام لاستقرارها في الذمّة بالاستطاعة في السنة الأولى) بوجوب حجّة الإسلام أيضاً، لأن حجّه النذريّ صار قضاءً موسّعاً، ففرق بين الإهمال مع الفوريّة والإهمال مع التوقيت، بناءً على تقديم حجّة الإسلام مع كون النذريّ موسّعاً.
(19 مسألة): إذا نذر الحجّ وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيره‏ وكان مستطيعاً أو استطاع بعد ذلك، فهل يتداخلان: فيكفي حجّ واحد عنهما، أو يجب التعدّد، أو يكفي نيّة الحجّ النذريّ عن حجّة الإسلام دون العكس؟ أقوال: أقواه (بل الأقوى الأُولى في فرض الإطلاق، إلا إذا كانت نيّته حين النذر ـ ولو ارتكازاًـ حجّاً آخر غير حجّة الإسلام فيجب التعدّد، وهكذا في الفرع المذكور آخر المسألة) الثاني، لأصالة تعدّد المسبّب بتعدّد السبب، و القول بأن الأصل هو التداخل ضعيف.
واستدلّ للثالث‏ بصحيحتي رفاعة ومحمد بن مسلم: «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله فمشى، هل يجزيه عن حجّة الإسلام؟ قال عليه السلام: نعم».
وفيه: إن ظاهرهما: كفاية الحجّ النذريّ عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة، وهو غير معمول به. ويمكن حملهما على أنه نذر المشي لا الحجّ ثمّ أراد أن يحجّ فسئل عليه السلام عن أنه هل يجزيه هذا الحجّ الذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا؟ فأجاب عليه السلام بالكفاية، نعم لو نذر أن يحجّ مطلقاً أيّ حجّ كان كفاه عن نذره حجّة الإسلام، بل الحجّ النيابيّ وغيره أيضاً، لأن مقصوده حينئذٍ حصول الحجّ منه في الخارج بأيّ وجه كان‏.
(20 مسألة): إذا نذر الحجّ حال عدم استطاعته معلّقاً على شفاء ولده ـ مثلاًـ فاستطاع قبل حصول المعلّق عليه، فالظاهر: تقديم حجّة الإسلام، ويحتمل (هذا الاحتمال ضعيف جدّاً حتى إذا كان نذره من قبيل الواجب المعلّق) تقديم المنذور إذا فرض حصول المعلّق عليه قبل خروج الرفقة مع كونه فوريّاً، بل هو المتعيّن‏ إن كان نذره من قبيل الواجب المعلّق‏.
(21 مسألة): إذا كان عليه حجّة الإسلام والحجّ النذريّ ولم يمكنه الإتيان بهما: إما لظنّ الموت أو لعدم التمكّن إلا من أحدهما، ففي وجوب تقديم الأسبق سبباً أو التخيير أو تقديم حجّة الإسلام لأهميّتها، وجوه: أوجهها الوسط، وأحوطها الأخير (بل الأقوى الأخير) .
وكذا إذا مات وعليه حجّتان ولم تف تركته إلا لإحداهما، وأما إن وفت التركة فاللازم استيجارهما ولو في عام واحد.
(22 مسألة): من عليه الحجّ الواجب بالنذر الموسّع، يجوز لـه الإتيان بالحجّ المندوب قبله‏.

 

إذا نذر الحج بنفسه أو الاحجاج بغيره

(23 مسألة): إذا نذر أن يحجّ أو يحجّ، انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيّراً، وإذا طرأ العجز من أحدهما معيّناً تعيّن الآخر، ولو تركه أيضاً حتى مات يجب القضاء عنه مخيّراً أيضاً، لأن الواجب كان على وجه التخيير، فالفائت هو الواجب المخيّر ولا عبرة بالتعيين العرضيّ، فهو كما لو كان عليه كفّارة الإفطار في شهر رمضان وكان عاجزاً عن بعض الخصال ثمّ مات، فإنه يجب الإخراج عن تركته مخيّراً وإن تعيّن عليه في حال حياته في إحداها فلا يتعيّن في ذلك المتعيّن.
نعم لو كان حال النذر غير متمكّن إلا من أحدهما معيّناً ولم يتمكّن من الآخر إلى أن مات، أمكن أن يقال باختصاص القضاء بالذي كان متمكّناً منه، بدعوى: أن النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكّن منه، بناءً على أن عدم التمكّن يوجب عدم الانعقاد، لكن الظاهر: أن مسألة الخصال ليست كذلك، فيكون الإخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حياته متمكّناً إلا من البعض أصلاً.
وربما يحتمل في الصورة المفروضة ونظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضاً، بدعوى: أن متعلّق النذر هو أحد الأمرين على وجه التخيير، ومع تعذّر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييريّاً، بل عن الدروس اختياره في مسألة ما لو نذر إن رزق ولداً أن يحجّه أو يحجّ عنه إذا مات الولد قبل تمكّن الأب من أحد الأمرين.
وفيه: إن مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين من دون اشتراط كونه على وجه التخيير، فليس النذر مقيّداً بكونه واجباً تخييريّاً حتى يشترط في انعقاده التمكّن منهما.
(24 مسألة): إذا نذر أن يحجّ أو يزور الإمام الحسين عليه السلام من بلده ثمّ مات قبل الوفاء بنذره، وجب القضاء من تركته.‏ ولو اختلفت أجرتهما يجب الاقتصار (على الأحوط) على أقلّهما أجرة، إلا إذا تبرّع الوارث بالزائد فلا يجوز للوصيّ اختيار الأزيد أجرة وإن جعل الميّت (في هذه الصورة يجوز للوصيّ اختيار الأزيد أجرة) أمر التعيين إليه، ولو أوصى باختيار الأزيد أجرة خرج الزائد من الثلث‏.
(25 مسألة): إذا علم أن على الميّت حجّاً ولم يعلم أنه حجّة الإسلام أو حجّ النذر، وجب قضاؤه عنه من غير تعيين وليس عليه كفّارة، ولو تردّد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفّارة أيضاً، وحيث إنها مردّدة بين كفّارة النذر (تقدّم في الصوم في فصل صوم الكفّارة: نفي البعد عن كون كفارة النذر مثل كفارة اليمين) وكفّارة اليمين فلا بدّ من الاحتياط، ويكفي حينئذٍ إطعام ستين مسكيناً، لأن فيه إطعام عشرة أيضاً الذي يكفي في كفّارة الحلف‏.

 

إذا نذر المشي أو الركوب في الحج

(26 مسألة): إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحب، انعقد مطلقاً حتى في مورد يكون الركوب أفضل، لأن المشي في حدّ نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار، وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات فإن أرجحيته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه.
وكذا ينعقد لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً ولو مع الإغماض عن رجحان المشي، لكفاية رجحان أصل الحجّ في الانعقاد، إذ لا يلزم أن يكون المتعلّق راجحاً بجميع قيوده وأوصافه، فما عن بعضهم: من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه لـه. وأضعف منه دعوى: الانعقاد في أصل الحجّ لا في صفة المشي فيجب مطلقاً، لأن المفروض نذر المقيّد فلا معنى لبقائه مع عدم صحّة قيده‏.
(27 مسألة): لو نذر الحجّ راكباً انعقد ووجب،‏ ولا يجوز حينئذٍ المشي وإن كان أفضل، لما مرّ من كفاية رجحان المقيّد دون قيده.
نعم لو نذر الركوب في حجّه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد، لأن المتعلّق حينئذٍ الركوب لا الحجّ راكباً.
وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كلّ يوم أو فرسخين، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ حافياً، وما في صحيحة الحذّاء من أمر النبي صلّی الله عليه وآله وسلّم بركوب أخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت الله حافية، قضية في واقعة يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها: من إيجابه كشفها أو تضرّرها أو غير ذلك‏.
(28 مسألة): يشترط في انعقاد النذر ماشياً أو حافياً تمكّن الناذر وعدم تضرّره بهما، فلو كان عاجزاً أو كان مضرّاً ببدنه (ضرراً مرجوحاً تحمّله ولو لله تعالى، وكذا في الحرج الموجب للضرر) لم ينعقد، نعم لا مانع منه إذا كان حرجاً لا يبلغ حدّ الضرر، لأن‏ رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، هذا إذا كان حرجيّاً حين النذر وكان عالماً به، وأما إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطاً للوجوب‏.
(29 مسألة): في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء: بلد النذر، أو الناذر، أو أقرب البلدين إلى الميقات، أو مبدأ الشروع في السفر، أو أفعال الحجّ: أقوال، والأقوى: أنه تابع للتعيين أو الانصراف، ومع عدمهما: فأول أفعال الحجّ إذا قال لله عليّ أن أحجّ ماشياً، ومن حين الشروع في السفر إذا قال لله عليّ أن أمشي إلى بيت الله أو نحو ذلك (لعلّ التفريق بين العبارتين للظهور منهما، لكنه محلّ إشكال، فالحكم مع عدم الظهور، أو حتى الشك الشخصي فيه: المشي من أول أفعال الحجّ) ، كما أن الأقوى: أن منتهاه مع عدم التعيين رمي الجمار لجملة من الأخبار، لا طواف النساء كما عن المشهور، ولا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار.
(30 مسألة): لا يجوز لمن نذر الحجّ ماشياً أو المشي في حجّه أن يركب البحر لمنافاته لنذره‏، وإن اضطرّ إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره، كما أنه لو كان منحصراً فيه من الأول لم ينعقد، ولو كان في طريقه نهر أو شطٌّ لا يمكن العبور إلا بالمركب فالمشهور أنه يقوم فيه لخبر السكوني، والأقوى:‏ عدم وجوبه (بل الأقوى وجوبه، والخبر معتبر على الأصح) لضعف الخبر عن إثبات الوجوب، والتمسّك بقاعدة الميسور لا وجه لـه، وعلى فرضه فالميسور هو التحرّك لا القيام‏.
(31 مسألة): إذا نذر المشي فخالف نذره فحجّ راكباً: فإن كان المنذور الحجّ ماشياً من غير تقييد بسنة معيّنة وجب عليه الإعادة ولا كفّارة إلا إذا تركها أيضاً، وإن كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً وجب عليه القضاء والكفّارة، وإذا كان المنذور المشي في حجّ معيّن وجبت الكفّارة دون القضاء لفوات محلّ النذر، والحجّ صحيح في جميع الصور خصوصاً الأخيرة، لأن النذر لا يوجب شرطيّة المشي في أصل الحجّ، وعدم الصحّة من حيث النذر لا يوجب عدمها من حيث الأصل، فيكفي في صحّته الإتيان به بقصد القربة.
وقد يتخيّل البطلان من حيث إن المنويّ وهو الحجّ النذريّ لم يقع، وغيره لم يقصد. وفيه: أن الحجّ في حدّ نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف، ألا ترى أنه لو صام أياماً بقصد الكفّارة ثمّ ترك التتابع لا يبطل الصيام في الأيام السابقة أصلاً، وإنما تبطل من حيث كونها صيام كفّارة. وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآناً أو ذكراً، وقد يستدلّ للبطلان إذا ركب في حال الإتيان بالأفعال بأن الأمر بإتيانها ماشياً موجب للنهي عن إتيانها راكباً. وفيه: منع كون الأمر بالشي‏ء نهياً عن ضدّه، ومنع استلزامه البطلان على القول به، مع أنه لا يتمّ فيما لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ولا بالفوريّة، لبقاء محلّ الإعادة.
(32 مسألة): لو ركب بعضاً ومشى بعضاً، فهو كما لو ركب الكلّ لعدم الإتيان بالمنذور، فيجب عليه القضاء أو الإعادة ماشي (هذا في غير حجّة الإسلام، والحجّ الاستيجاري، والنذري السابق بدون نذر المشي، ثمّ نذر المشي فيه ونحوها، ففيها فقط الكفارة دون الإعادة أو القضاء) ، والقول بالإعادة والمشي في موضع الركوب ضعيف لا وجه له‏.

 

لو نذر الحج ماشياً ثمّ عجز

(33 مسألة): لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكّنه منه أو رجائه سقط، وهل يبقى حينئذٍ وجوب الحجّ راكباً أو لا بل يسقط أيضاً؟ فيه أقوال:

 

أقوال المسألة

أحدها: وجوبه راكباً مع سياق بدنة.
الثاني: وجوبه بلا سياق.
الثالث: سقوطه إذا كان الحجّ مقيّداً بسنة معيّنة، أو كان مطلقاً مع اليأس عن التمكّن بعد ذلك، وتوقّع المكنة مع الإطلاق وعدم اليأس.
الرابع: وجوب الركوب مع تعيين السنة، أو اليأس في صورة الإطلاق، وتوقّع المكنة مع عدم اليأس.
الخامس: وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الإحرام، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين، وتوقّع المكنة مع الإطلاق.
ومقتضى القاعدة وإن كان هو: القول الثالث، إلا أن الأقوى بملاحظة جملة من الأخبار هو القول الثاني، بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسياق الهدي على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان، مضافاً إلى خبر عنبسة الدالّ على عدم وجوبه صريحاً فيه، من غير فرق في ذلك بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده، وقبل الدخول في الإحرام أو بعده ومن غير فرق أيضاً بين كون النذر مطلقاً أو مقيّداً بسنة مع توقّع المكنة وعدمه، وإن كان الأحوط في صورة الإطلاق مع عدم اليأس من المكنة وكونه قبل الشروع في الذهاب: الإعادة إذا حصلت المكنة بعد ذلك، لاحتمال انصراف الأخبار عن هذه الصورة.
والأحوط: إعمال قاعدة الميسور أيضاً بالمشي بمقدار المكنة، بل لا يخلو عن قوّة للقاعدة، مضافاً إلى الخبر: «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حاجّاً، قال عليه السلام: فليمش فإذا تعب فليركب»‏ ويستفاد منه كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وإن لم يصل إلى حدّ العجز، وفي مرسل حريز: «إذا حلف الرجل أن لا يركب أو نذر أن لا يركب، فإذا بلغ مجهوده ركب‏».
(34 مسألة): إذا نذر الحجّ ماشياً، فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي:‏ من مرض أو خوفه أو عدو أو نحو ذلك، فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان: ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدوّ، باختيار الأول في الأول والثاني في الثاني، وإن كان الأحوط (بل الأظهر) الإلحاق مطلقاً.

4- فصل: في النيابة

لا إشكال في صحّة النيابة عن الميّت في الحجّ الواجب والمندوب، وعن الحيّ في المندوب مطلقاً وفي الواجب في بعض الصور.

 

شروط النائب للحجّ

(1 مسألة): يشترط في النائب أمور:
أحدها: البلوغ ـ على المشهور ـ فلا يصحّ نيابة الصبيّ عندهم وإن كان مميّزاً، وهو الأحوط (بل غير بعيد) لا لما قيل: من عدم صحّة عباداته لكونها تمرينيّة لأن الأقوى كونها شرعيّة، ولا لعدم الوثوق به لعدم الرادع لـه من جهة عدم تكليفه لأنه أخصّ من المدّعى، بل لأصالة عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلّة خصوصاً مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرجل، ولا فرق بين أن يكون حجّه بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الوليّ أو عدمه، وإن كان لا يبعد (بل هو بعيد) دعوى: صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الوليّ.
الثاني: العقل، فلا تصحّ نيابة المجنون الذي لا يتحقّق منه القصد، مطبقاً كان جنونه أو أدوارياً في دور جنونه، ولا بأس بنيابة السفيه.
الثالث: الإيمان، لعدم صحّة عمل غير المؤمن وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نيّة القربة، ودعوى: أن ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى.
الرابع: العدالة أو الوثوق بصحّة عمله، وهذا الشرط إنما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحّة عمله.
الخامس: معرفته بأفعال الحجّ وأحكامه، وإن كان بإرشاد معلّم حال كلّ عمل.
السادس: عدم اشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه في ذلك العام، فلا تصحّ نيابة من وجب عليه حجّة الإسلام، أو النذر المضيّق مع تمكّنه من إتيانه، وأما مع عدم تمكّنه لعدم المال فلا بأس، فلو حجّ عن غيره مع تمكّنه من الحجّ لنفسه بطل على المشهور، لكن الأقوى: أن هذا الشرط إنما هو لصحّة الاستنابة والإجارة، وإلا فالحجّ صحيح (تقدّم في المسالة المائة و العاشرة: انّ الصحّة مشكلة، إلا مع الجهل القصوري) وإن لم يستحقّ الأجرة، وتبرأ ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى: من عدم كون الأمر بالشي‏ء نهياً عن ضدّه، مع أن ذلك على القول به وإيجابه للبطلان إنما يتمّ مع العلم‏ والعمد، وأما مع الجهل أو الغفلة فلا، بل الظاهر: صحّة الإجارة أيضاً على هذا التقدير، لأن البطلان إنما هو من جهة عدم القدرة الشرعيّة على العمل المستأجر عليه، حيث إن المانع الشرعيّ كالمانع العقليّ، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع لأنه قادر شرعاً.

 

مسائل في نيابة الحجّ

(2 مسألة): لا يشترط في النائب الحريّة، فتصحّ نيابة المملوك بإذن (أي: برضاه حال أعمال الحجّ) مولاه،‏ ولا تصحّ استنابته بدونه، ولو حجّ بدون إذنه بطل‏.
(3 مسألة): يشترط في المنوب عنه الإسلام،‏ فلا تصحّ النيابة عن الكافر: لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه لمنعه وإمكان دعوى: انتفاعه بالتخفيف في عقابه، بل لانصراف الأدلّة، فلو مات مستطيعاً وكان الوارث مسلماً لا يجب عليه استيجاره عنه، ويشترط فيه أيضاً كونه ميّتاً أو حيّاً عاجزاً في الحجّ الواجب، فلا تصحّ النيابة عن الحيّ في الحجّ الواجب إلا إذا كان عاجزاً، وأما في الحجّ الندبيّ فيجوز عن الحيّ والميّت تبرّعاً أو بالإجارة.
(4 مسألة): تجوز (فيه إشكال) النيابة عن الصبيّ المميّز والمجنون‏، بل يجب الاستيجار عن المجنون إذا استقرّ عليه حال إفاقته ثمّ مات مجنوناً.
(5 مسألة): لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأنوثة، فتصحّ نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الأولى المماثلة (والأفضل نيابة الرجل حتى عن المرأة) .
(6 مسألة): لا بأس باستنابة الصرورة رجلاً كان أو امرأة عن رجل أو امرأة، والقول بعدم جواز استنابة المرأة الصرورة مطلقاً أو مع كون المنوب عنه رجلاً: ضعيف، نعم يكره ذلك خصوصاً مع كون المنوب عنه رجلاً، بل لا يبعد (بل لا يكره مع علم النائب بالأحكام حتى إذا كانت امرأة) كراهة استيجار الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل‏.
(7 مسألة): يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة (أو قصد أداء دَينه وإتيان ما علی الميّت، وذلك على ما تقدّم من الماتن قدّس سرّه في المسألة الأولی من الفصل (43) في صلاة الاستيجار) وتعيين المنوب عنه في النيّة ولو بالإجمال، ولا يشترط ذكر اسمه وإن كان يستحب ذلك في جميع المواقف‏.
(8 مسألة): كما تصحّ النيابة بالتبرّع وبالإجارة كذا تصحّ بالجعالة، ولا تفرغ ذمّة المنوب عنه إلا بإتيان النائب صحيحاً، ولا تفرغ بمجرّد الإجارة، وما دلّ من الأخبار على كون الأجير ضامناً وكفاية الإجارة في فراغه منزّلة على أن الله تعالى يعطيه ثواب الحجّ إذا قصّر النائب في الإتيان، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها.
(9 مسألة): لا يجوز استيجار المعذور (في إطلاقه إشكال بل منع لكنه أحوط، فمثل المعذور في وضع المواضع السبعة علی الأرض في السجود كأقطع اليد أو الرجل ونحو ذلك، لا بأس باستيجاره) في ترك بعض الأعمال‏، بل لو تبرّع المعذور يشكل الاكتفاء به‏.

 

النائب إذا مات قبل المناسك

(10 مسألة): إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك:‏ فإن كان قبل الإحرام لم يجزئ عن المنوب عنه، لما مرّ من كون الأصل عدم فراغ ذمّته إلا بالإتيان، بعد حمل الأخبار الدالّة على ضمان الأجير على ما أشرنا إليه.
وإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأ عنه، لا لكون الحكم كذلك في الحاجّ عن نفسه لاختصاص ما دلّ عليه به وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الإلحاق، بل لموثّقة إسحاق بن عمّار المؤيّدة بمرسلتي: حسين بن عثمان وحسين بن يحيى الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه، المقيّدة بمرسلة المقنعة: «من خرج حاجّاً فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجّة» الشاملة للحاجّ عن غيره أيضاً، ولا يعارضها موثّقة عمّار الدالّة على أن النائب إذا مات في الطريق عليه أن يوصي، لأنها محمولة على ما إذا مات قبل الإحرام أو على الاستحباب، مضافاً إلى الإجماع على عدم كفاية مطلق الموت في الطريق، وضعفها سنداً بل ودلالةً منجبر بالشهرة والإجماعات المنقولة، فلا ينبغي الإشكال في الإجزاء في الصورة المزبورة.
وأما إذا مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم ففي الإجزاء قولان: ولا يبعد الإجزاء وإن لم نقل به في الحاجّ عن نفسه لإطلاق الأخبار في المقام، والقدر المتيقّن من التقييد هو اعتبار كونه بعد الإحرام، لكن الأقوى عدمه فحاله حال الحاجّ عن نفسه في اعتبار الأمرين في الإجزاء، والظاهر: عدم الفرق بين حجّة الإسلام وغيرها من أقسام الحجّ، وكون النيابة بالأجرة أو بالتبرّع‏.
(11 مسألة): إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم يستحقّ تمام الأجرة إذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة، وبالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال إذا كان أجيراً على الإتيان بالحجّ بمعنى: الأعمال المخصوصة.
وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئ (بل الظاهر الاستحقاق بالنسبة في الاجارات المتعارفة المرتكز فيها تباني الطرفين على كون المال المعطی بنسبة الطريق والأعمال ووسيلة الذهاب ونحو ذلك) سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده، وقبل الإحرام أو بعده وقبل الدخول في الحرم، لأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلّا ً ولا بعضاً بعد فرض عدم إجزائه، من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدّمات‏ من المشي ونحوه، نعم لو كان المشي داخلاً في الإجارة على وجه الجزئيّة بأن يكون مطلوباً في الإجارة نفساً، استحقّ مقدار ما يقابله من الأجرة، بخلاف ما إذا لم يكن داخلا أصلاً، أو كان داخلاً فيها لا نفساً بل بوصف المقدّميّة.
فما ذهب إليه بعضهم: من توزيع الأجرة عليه أيضاً مطلقاً لا وجه لـه (بل هو الأوجه ظاهراً) ، كما أنه لا وجه لما ذكره بعضهم: من التوزيع على ما أتى به من الأعمال بعد الإحرام، إذ هو نظير (بينهما فرق الارتكاز المذكور، مضافاً إلى إن النظير ليس ما ذكره الماتن قدّس سرّه بل ما إذا مات في أثناء الصلاة) ما إذا استوجر للصلاة فأتى بركعة أو أزيد ثمّ أبطلت صلاته، فإنه لا إشكال في أنه لا يستحقّ الأجرة على ما أتى به، ودعوى: أنه وإن كان لا يستحقّ من المسمّى بالنسبة لكن يستحقّ أجرة المثل لما أتى به حيث إن عمله محترم، مدفوعة: بأنه لا وجه لـه بعد عدم نفع للمستأجر فيه (الظاهر ان النفع في أمثال ذلك داع وليس قيداً في الارتكازات العرفيّة، نعم لو قيّد كان الأمر كما ذكره قدّس سرّه) ، والمفروض أنه لم يكن مغروراً من قبله، وحينئذٍ فتنفسخ الإجارة إذا كانت للحجّ في سنة معيّنة، ويجب عليه (أي: في تركته إذا لم تشترط المباشرة) الإتيان‏ به إذا كانت مطلقة من غير استحقاق لشي‏ء على التقديرين‏.

 

ما يجب تعيينه في حجّ الاجارة

(12 مسألة): يجب (لا يجب في صحّة الإجارة ذلك لجوازها على الجامع، وإنما الواجب إن لا يكون مبهماً) في الإجارة تعيين نوع الحجّ من تمتّع أو قران أو إفراد، ولا يجوز للموجر العدول عمّا عيّن لـه وإن كان إلى الأفضل: كالعدول من أحد الأخيرين إلى الأول، إلا إذا رضي المستأجر بذلك فيما إذا كان مخيّراً بين النوعين أو الأنواع: كما في الحجّ المستحبي والمنذور المطلق، أو كان ذا منزلين متساويين في مكّة وخارجها.
وأما إذا كان ما عليه من نوع خاص، فلا ينفع رضاه (في براءة الذمّة، لا في استحقاق الأجرة) أيضاً بالعدول إلى غيره، وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب إسقاط حقّ الشرط ان كان التعيين بعنوان الشرطيّة (الغالب في أمثال المقام ـ حسب الارتكاز العرفي ـ رجوع التعيين إلی القيديّة) ، ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس إن كان بعنوان القيديّة، وعلى أيّ تقدير: يستحقّ الأجرة المسمّاة وإن لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني، لأن المستأجر إذا رضي بغير النوع الذي عيّنه فقد وصل إليه ما لـه على الموجر: كما في الوفاء بغير الجنس في سائر الديون، فكأنه قد أتى بالعمل، المستأجر عليه ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الأفضل أو إلى المفضول.
هذا ويظهر من جماعة جواز العدول إلى الأفضل: كالعدول إلى التمتع تعبّداً من الشارع‏ لخبر أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام: «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها مفردة، أيجوز لـه أن‏ يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال عليه السلام: نعم إنما خالف إلى الأفضل».
والأقوى: ما ذكرنا، والخبر منزّل على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيّراً بين النوعين، جمعاً بينه وبين‏ خبر آخر: «في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها حجّة مفردة؟ قال عليه السلام: ليس لـه أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، لا يخالف صاحب الدراهم».
وعلى ما ذكرنا: من عدم جواز العدول إلا مع العلم بالرضا، إذا عدل بدون ذلك لا يستحقّ الأجرة في صورة التعيين على وجه القيديّة وإن كان حجّه صحيحاً عن المنوب عنه ومفرغاً لذمّته إذا لم يكن ما في ذمّته متعيّناً فيما عيّن، وأما إذا كان على وجه الشرطيّة فيستحقّ إلا إذا فسخ المستأجر الإجارة من جهة تخلّف الشرط، إذ حينئذٍ لا يستحقّ المسمّى، بل أجرة المثل‏.
(13 مسألة): لا يشترط في الإجارة تعيين الطريق‏ وإن كان في الحجّ البلدي، لعدم تعلّق الغرض بالطريق نوعاً، ولكن لو عيّن تعيّن ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، إلا إذا علم أنه لا غرض للمستأجر في خصوصيّته وإنما ذكره على المتعارف فهو راض بأيّ طريق كان، فحينئذٍ: لو عدل صحّ واستحقّ تمام الأجرة، وكذا إذا أسقط بعد العقد حقّ تعيينه.
فالقول بجواز العدول مطلقاً، أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصيّة ضعيف، كالاستدلال لـه بصحيحة حريز: «عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحج عنه من الكوفة، فحج عنه من البصرة؟ فقال: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تمَّ حجّه» إذ هي محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب، مع أنها إنما دلّت على صحّة الحجّ من حيث هو لا من حيث كونه عملاً مستأجراً عليه كما هو المدّعى، وربما تحمل على محامل أخر.
وكيف كان: لا إشكال في صحّة حجّه وبراءة ذمّة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيّداً بخصوصيّة الطريق المعيّن، إنما الكلام في استحقاقه الأجرة المسمّاة على‏ تقدير العدول وعدمه، والأقوى: أنه يستحقّ من المسمّى بالنسبة ويسقط منه بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على وجه الجزئيّة، ولا يستحقّ شيئاً على تقدير اعتباره على وجه القيديّة، لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذٍ وإن برئت ذمّة المنوب عنه بما أتى به، لأنه حينئذٍ متبرّع بعمله.
ودعوى: أنه يعدّ في العرف أنه أتى ببعض ما استوجر عليه فيستحقّ بالنسبة، وقصد التقييد بالخصوصيّة لا يخرجه عرفاً عن العمل ذي الأجزاء ـ كما ذهب إليه في الجواهر ـ لا وجه لها، ويستحقّ تمام الأجرة إن كان اعتباره على وجه الشرطيّة الفقهيّة بمعنى الالتزام في الالتزام، نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلّـف الشرط فيرجع إلى أجرة المثل‏.

 

توارد اجارتين للحج

(14 مسألة): إذا آجر نفسه للحجّ عن شخص مباشرة في سنة معيّنة، ثمّ آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً، بطلت الإجارة الثانية لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالأولى، ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحّتا معاً.
ودعوى: بطلان الثانية وإن لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الأولى ـ لأنه يعتبر في صحّة الإجارة تمكّن الأجير من العمل بنفسه فلا يجوز إجارة الأعمى على قراءة القرآن وكذا لا يجوز إجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرةـ ممنوعة، فالأقوى: الصحّة.
هذا إذا آجر نفسه ثانياً للحجّ بلا اشتراط المباشرة، وأما إذا آجر نفسه لتحصيله فلا إشكال فيه.
وكذا تصحّ الثانية مع اختلاف السنتين، أو مع توسعة الإجارتين أو توسعة إحداهما، بل وكذا مع إطلاقهما أو إطلاق إحداهما إذا لم يكن انصراف إلى التعجيل، ولو اقترنت الإجارتان في وقت واحد بطلتا معاً مع اشتراط المباشرة فيهما.
ولو آجره فضوليّان من شخصين مع اقتران الإجارتين، يجوز لـه إجازة إحداهما كما في صورة عدم الاقتران، ولو آجر نفسه من شخص ثمّ علم أنه آجره فضوليّ من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه، ليس لـه إجازة ذلك العقد وإن قلنا بكون الإجازة كاشفة بدعوى: أنها حينئذٍ تكشف عن بطلان إجارة نفسه، لكون إجارته نفسه مانعاً عن صحّة الإجازة حتى تكون كاشفة، وانصراف أدلّة صحّة الفضوليّ عن مثل ذلك‏.
(15 مسألة): إذا آجر نفسه للحجّ في سنة معيّنة لا يجوز لـه التأخير، بل ولا التقديم إلا مع رضا المستأجر، ولو أخّر لا لعذر أثم وتنفسخ الإجارة (بل الأظهر تخيّر المستأجر بين الفسخ وعدمه، فان لم يفسخ أعطاه الأجرة المسماة و طالبه باجرة المثل) إن كان التعيين على وجه التقييد، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطيّة، وإن أتى به مؤخّراً لا يستحقّ الأجرة على الأول وإن برئت ذمّة المنوب عنه به، ويستحقّ المسمّاة على الثاني إلا إذا فسخ المستأجر فيرجع إلى أجرة المثل.
وإذا أطلق الإجارة وقلنا بوجوب التعجيل (للانصراف مثلاً) لا تبطل مع الإهمال، وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذٍ وعدمه وجهان: من أن الفوريّة ليست توقيتاً، ومن كونها بمنزلة الاشتراط.
(16 مسألة): قد عرفت عدم صحّة الإجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معيّنة ثمّ آجر من آخر في تلك السنة، فهل يمكن تصحيح الثانية بإجازة المستأجر الأول أو لا؟ فيه تفصيل، وهو: أنه إن كانت الأولى واقعة على العمل في الذمّة لا تصحّ الثانية (بل الأظهر صحة الثانية بإجازة المستأجر الأول مطلقاً، إذ الإجارة مرجعها إما إلى إسقاط الشرط، أو فسخ الإجارة الأولى، أو التوسعة في الوفاء أو نحو ذلك، وفي جميع هذه تصحّ الإجارة الثانية، وكذا الحال في نظائر هذه المسالة) بالإجازة، لأنه لا دخل للمستأجر بها إذا لم تقع على ماله حتى تصحّ لـه إجازتها، وإن كانت واقعة على منفعة الأجير في تلك السنة بأن تكون منفعته من حيث الحجّ أو جميع منافعه لـه، جاز لـه إجازة الثانية لوقوعها على ماله.
وكذا الحال في نظائر المقام: فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معيّن ثمّ آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم، ليس لزيد إجازة العقد الثاني، وأما إذا ملّكه منفعته الخياطيّ فآجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو جاز لـه إجازة هذا العقد، لأنه تصرّف في متعلّق حقه، وإذا أجاز يكون مال‏ الإجارة لـه لا للموجر، نعم لو ملّك منفعة خاصة كخياطة ثوب معيّن أو الحجّ عن ميّت معيّن على وجه التقييد يكون كالأول في عدم إمكان إجازته‏.

 

لو صُـدّ الأجير للحجّ أو أُحصر

(17 مسألة): إذا صدّ الأجير أو أحصر، كان حكمه كالحاجّ عن نفسه‏ فيما عليه من الأعمال، وتنفسخ الإجارة مع كونها مقيّدة بتلك السنة، ويبقى الحجّ في ذمّته مع الإطلاق، وللمستأجر خيار التخلّف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد، ولا يجزئ عن المنوب عنه وإن كان بعد الإحرام ودخول الحرم، لأن ذلك كان في خصوص الموت من جهة الأخبار، والقياس عليه لا وجه لـه.
ولو ضمن الموجر الحجّ في المستقبل في صورة التقييد لم تجب إجابته، والقول بوجوبه ضعيف، وظاهرهم: استحقاق الأجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال، وهو مشكل (تقدّم في المسالة الحادية عشرة: عدم الإشكال في الاجارات المتعارفة حسب الارتكاز العرفي المبني عليه العقود، لأنه المقصود الذي يتبعه العقد، ونحو ذلك نظائره) لأن المفروض عدم إتيانه للعمل المستأجر عليه وعدم فائدة فيما أتى به، فهو نظير الانفساخ في الأثناء لعذر غير الصدّ والحصر، وكالانفساخ في أثناء سائر الأعمال المرتبطة لعذر في إتمامها، وقاعدة: احترام عمل المسلم لا تجري، لعدم الاستناد إلى المستأجر فلا يستحقّ أجرة المثل أيضاً.
(18 مسألة): إذا أتى النائب بما يوجب الكفّارة فهو من ماله‏.
(19 مسألة): إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل،‏ بمعنى: الحلول في مقابل الأجل، لا بمعنى: الفوريّة، إذ لا دليل عليها، والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الأجل ضعيف، فحالها حال البيع في أن إطلاقه يقتضي الحلول، بمعنى: جواز المطالبة ووجوب المبادرة معها.
(20 مسألة): إذا قصرت الأجرة لا يجب على المستأجر إتمامها، كما أنها لو زادت ليس لـه استرداد الزائد، نعم يستحب الإتمام كما قيل، بل قيل: يستحب على الأجير أيضاً ردّ الزائد، ولا دليل بالخصوص على شي‏ء من القولين، نعم يستدلّ على الأول: بأنه معاونة على البرّ والتقوى، وعلى الثاني: بكونه موجباً للإخلاص في العبادة.

 

الأجير إذا أفسد حجّه بالجماع

(21 مسألة): لو أفسد الأجير حجّه بالجماع قبل المشعر، فكالحاجّ عن نفسه يجب عليه إتمامه والحجّ من قابل وكفّارة بدنة، وهل يستحقّ الأجرة على الأول أو لا؟ قولان مبنيّان على أن الواجب هو الأول وأن الثاني عقوبة، أو هو الثاني وأن الأول عقوبة، قد يقال بالثاني للتعبير في الأخبار بالفساد الظاهر في البطلان، وحمله على إرادة النقصان وعدم الكمال مجاز لا داعي إليه، وحينئذٍ: فتنفسخ الإجارة إذا كانت معيّنة ولا يستحقّ الأجرة، ويجب عليه الإتيان في القابل بلا أجرة، ومع إطلاق الإجارة تبقى ذمّته مشغولة ويستحقّ الأجرة على ما يأتي به في القابل.
والأقوى: صحّة الأول وكون الثاني عقوبة، لبعض الأخبار الصريحة في ذلك في الحاجّ عن نفسه ولا فرق بينه وبين الأجير، ولخصوص خبرين في خصوص الأجير عن إسحاق بن عمّار عن أحدهما عليهما السلام قال: «قلت: فإن ابتلي بشي‏ء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحجّ من قابل أيجزي عن الأول؟ قال: نعم. قلت: فإن الأجير ضامن للحجّ؟ قال: نعم» وفي الثاني: «سئل الإمام الصادق عليه السلام عن رجل حجّ عن رجل فاجترح في حجّه شيئاً يلزم فيه الحجّ من قابل وكفّارة؟ قال عليه السلام: هي للأول تامّة وعلى هذا ما اجترح» فالأقوى: استحقاق الأجرة على الأول وإن ترك الإتيان من قابل عصياناً أو لعذر، ولا فرق بين كون الإجارة مطلقة أو معيّنة.
وهل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الأول فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان، أو هو واجب عليه تعبّداً ويكون لنفسه؟ وجهان: لا يبعد الظهور في الأول ولا ينافي كونه عقوبة فإنه يكون الإعادة عقوبة، ولكن الأظهر الثاني (في الأظهريّة تأمّل بل إشكال) ، والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمّة.
ثمّ لا يخفى عدم تماميّة ما ذكره ذلك القائل: من عدم استحقاق الأجرة في صورة كون الإجارة معيّنة ولو على ما يأتي به في القابل لانفساخها وكون وجوب الثاني تعبّداً لكونه خارجاً عن متعلّق الإجارة وإن كان مبرئاً لذمّة المنوب عنه، وذلك لأن الإجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأول لكنها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبّد (التعبّد بوجوب إعادة الحجّ بعنوانه، لا يظهر منه التعبّد ببقاء الإجارة ـ التي هي عقد يتبع القصد ولا قصد ولا ظهور في تعبّد خاصّ ـ كي يستحقّ الأجرة) لكونه عوضاً شرعياً تعبديّاً عما وقع‏ عليه العقد، فلا وجه لعدم استحقاق الأجرة على الثاني.
وقد يقال بعدم كفاية الحجّ الثاني أيضاً في تفريغ ذمّة المنوب عنه، بل لا بدّ للمستأجر أن يستأجر مرّة أخرى في صورة التعيين، وللأجير أن يحجّ ثالثاً في صورة الإطلاق، لأن الحجّ الأول فاسد والثاني إنما وجب للإفساد عقوبة فيجب ثالث، إذ التداخل خلاف الأصل.
وفيه: إن هذا إنما يتمّ إذا لم يكن الحجّ في القابل بالعنوان الأول، والظاهر من الأخبار على القول بعدم صحّة الأول وجوب إعادة الأول وبذلك العنوان، فيكفي في التفريغ ولا يكون من باب التداخل، فليس الإفساد عنواناً مستقلّا ً، نعم إنما يلزم ذلك إذا قلنا: إن الإفساد موجب لحجّ مستقلّ لا على نحو الأول وهو خلاف ظاهر الأخبار (قد تقدّم من الماتن قدّس سرّه إن ذلك هو الأظهر، وإن كان في الاظهرية إشكال كما أشرنا) .
وقد يقال في صورة التعيين: إن الحجّ الأول إذا كان فاسداً وانفسخت الإجارة يكون لنفسه، فقضاؤه في العام القابل أيضاً يكون لنفسه ولا يكون مبرئا لذمّة المنوب عنه فيجب على المستأجر استيجار حجّ آخر. وفيه أيضاً ما عرفت: من أن الثاني واجب بعنوان إعادة الأول، وكون الأول بعد انفساخ الإجارة بالنسبة إليه لنفسه لا يقتضي كون الثاني لـه وإن كان بدلاً عنه، لأنه بدل عنه بالعنوان المنويّ لا بما صار إليه بعد الفسخ.
هذا والظاهر: عدم الفرق في الأحكام المذكورة بين كون الحجّ الأول المستأجر عليه واجباً أو مندوباً، بل الظاهر جريان حكم وجوب الإتمام والإعادة في النيابة تبرّعاً أيضاً وإن كان لا يستحقّ الأجرة أصلاً.

 

متی يملك الأجير للحجّ أجرته؟

(22 مسألة): يملك الأجير الأجرة بمجرّد العقد لكن لا يجب تسليمها إلا بعد العمل إذا لم يشترط التعجيل ولم تكن قرينة على إرادته من انصراف أو غيره، ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو دَيناً، لكن إذا كانت عيناً ونمت كان النماء للأجير.
وعلى ما ذكر: من عدم وجوب التسليم قبل العمل إذا كان المستأجر وصيّاً أو وكيلاً وسلّمها قبله كان ضامناً لها على تقدير عدم العمل من الموجر أو كون عمله‏ باطلاً، ولا يجوز لهما اشتراط التعجيل من دون إذن الموكّل أو الوارث (لا دخل لإذن الوارث في المقام) ، ولو لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأجرة كان لـه الفسخ وكذا للمستأجر، لكن لما كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحقّ الأجير المطالبة في صورة الإطلاق، ويجوز للوكيل والوصيّ دفعها من غير ضمان‏.
(23 مسألة): إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة، فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره إلا مع الإذن صريحاً أو ظاهراً، والرواية الدالّة على الجواز محمولة على صورة العلم بالرضا من المستأجر.
(24 مسألة): لا يجوز استيجار من ضاق وقته عن إتمام الحجّ تمتّعاً وكانت وظيفته العدول إلى حجّ الإفراد عمن عليه حجّ التمتّع، ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتّع ثمّ اتّفق ضيق الوقت فهل يجوز لـه العدول ويجزي عن المنوب عنه أو لا؟ وجهان: من إطلاق أخبار العدول، ومن انصرافها إلى الحاجّ عن نفسه، والأقوى: عدمه (بل الأقوی هو الجواز والإجزاء عن المنوب عنه واستحقاق الأجير الأجرة المسمّاة إن كانت الإجارة على تفريغ الذمّة ـ كما هو الغالب ـ وإلا فاجرة المثل إن كانت أقلّ من المسمّاة) . وعلى تقديره‏ فالأقوى: عدم إجزائه عن الميّت وعدم استحقاق الأجرة عليه، لأنه غير ما على الميّت ولأنه غير العمل المستأجر عليه‏.
(25 مسألة): يجوز التبرّع عن الميّت في الحجّ الواجب‏ أيّ واجب كان والمندوب، بل يجوز التبرّع عنه بالمندوب وإن كانت ذمته مشغولة بالواجب ولو قبل الاستيجار عنه للواجب، وكذا يجوز الاستيجار عنه في المندوب كذلك وأما الحيّ فلا يجوز التبرّع عنه في الواجب إلا إذا كان معذوراً في المباشرة لمرض أو هرم (أو غيرهما من الأعذار العقليّة أو الشرعيّة مع اليأس عن تمكّنه من المباشرة ولو مستقبلاً) فإنه يجوز التبرّع عنه ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الأقوى كما مرّ سابقاً.
وأما الحجّ المندوب فيجوز التبرّع عنه كما يجوز لـه أن يستأجر لـه حتى إذا كان عليه حجّ واجب لا يتمكّن من أدائه فعلاً، وأما إن تمكّن منه فالاستئجار للمندوب قبل أدائه مشكل، بل التبرّع عنه حينئذٍ أيضاً لا يخلو عن إشكال وإن كان الأقوى فيه الصحّة‏.

 

من أحكام النيابة في الحج

(26 مسألة): لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد في الحجّ الواجب، إلا إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة: كما إذا نذر كلّ منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحجّ.
وأما في الحجّ المندوب فيجوز حجّ واحد عن جماعة بعنوان النيابة، كما يجوز بعنوان إهداء الثواب، لجملة من الأخبار الظاهرة في جواز النيابة أيضاً، فلا داعي لحملها على خصوص إهداء الثواب‏.
(27 مسألة): يجوز أن ينوب جماعة عن الميّت أو الحيّ في عام واحد في الحجّ المندوب تبرّعاً أو بالإجارة، بل يجوز ذلك في الواجب أيضاً: كما إذا كان على الميّت والحيّ الذي لا يتمكّن من المباشرة لعذر حجّان مختلفان نوعاً كحجّة الإسلام والنذر، أو متّحدان من حيث النوع كحجّتين للنذر، فيجوز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد.
وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجباً والآخر مستحبّاً، بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحجّ واجب واحد كحجّة الإسلام في عام واحد احتياطاً لاحتمال بطلان حجّ أحدهما، بل وكذا مع العلم بصحّة الحجّ من كلّ منهما وكلاهما آت بالحجّ الواجب وإن كان إحرام أحدهما قبل إحرام الآخر، فهو مثل ما إذا صلّى جماعة على الميّت في وقت واحد، ولا يضرّ سبق أحدهما بوجوب الآخر فإن الذمّة مشغولة ما لم يتمّ العمل، فيصحّ قصد الوجوب من كلّ منهما ولو كان أحدهما أسبق شروعاً.