تنويه: العبارات المكتوبة باللون الأزرق هي تعليقات سماحة السيد دام ظله.
1- فصل: في وجوب الحجّ وأهميّته
من أركان الدين الحجّ، وهو واجب على كلّ من استجمع الشرائط الآتية: من الرجال
والنساء والخناثى، بالكتاب والسنّة والإجماع من جميع المسلمين، بل بالضرورة، ومنكره
في سلك الكافرين (إذا كان إنكاره
إنكاراً لأحد أصول الدين الثلاثة، وإلا ففيه إشكال بل منع) ، وتاركه عمداً
مستخفّاً به بمنزلتهم، وتركه من غير استخفاف من الكبائر، ولا يجب في أصل الشرع إلا
مرّة واحدة في تمام العمر، وهو المسمّى بحجّة الإسلام، أي: الحجّ الذي بني عليه
الإسلام، مثل الصلاة والصوم والخمس والزكاة.
وما نقل عن الصدوق في العلل: من وجوبه على أهل الجدة كلّ عام ـ على فرض ثبوته ـ شاذ
مخالف للإجماع والأخبار، ولا بدّ من حمله على بعض المحامل: كالأخبار الواردة بهذا
المضمون من إرادة الاستحباب المؤكّد، أو الوجوب على البدل، بمعنى: أنه يجب عليه في
عامه وإذا تركه ففي العام الثاني وهكذا، ويمكن حملها على الوجوب الكفائي، فإنه لا
يبعد وجوب الحجّ كفاية على كلّ أحد في كلّ عام إذا كان متمكّناً بحيث لا تبقى مكّة
خالية عن الحجّاج، لجملة من الأخبار الدالّة على أنه لا يجوز تعطيل الكعبة عن
الحجّ، والأخبار الدالّة على أن على الإمام ـ كما في بعضها وعلى الوالي كما في آخرـ
أن يجبر الناس على الحجّ، والمقام في مكّة، وزيارة الرسول صلَّی الله عليه وآله
وسلّم والمقام عنده، وأنه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال.
(1 مسألة): لا خلاف في أن وجوب الحجّ بعد تحقّق الشرائط فوريّ، بمعنى: أنه يجب
المبادرة إليه في العام الأول من الاستطاعة، فلا يجوز تأخيره عنه، وإن تركه فيه ففي
العام الثاني وهكذا، ويدلّ عليه جملة من الأخبار، فلو خالف وأخّر مع وجود الشرائط
بلا عذر يكون عاصياً، بل لا يبعد كونه كبيرة كما صرّح به جماعة، ويمكن استفادته من
جملة من الأخبار.
(2 مسألة): لو توقّف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات: من السفر وتهيئة
أسبابه، وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحجّ في تلك السنة.
ولو تعدّدت الرفقة وتمكّن من المسير مع كلّ منهم، اختار أوثقهم سلامة (تكفي
الوثاقة) وإدراكاً، ولو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أخرى، أو لم يعلم التمكّن
من المسير والإدراك للحجّ بالتأخير، فهل يجب الخروج مع الأولى، أو يجوز التأخير إلى
الأخرى بمجرّد احتمال الإدراك، أو لا يجوز إلا مع الوثوق؟ أقوال: أقواها الأخير.
وعلى أيّ تقدير: إذا لم يخرج مع الأولى واتّفق عدم التمكّن من المسير، أو عدم إدراك
الحجّ بسبب التأخير، استقرّ عليه الحجّ وإن لم يكن آثماً بالتأخير، لأنه كان
متمكّناً من الخروج مع الأولى، إلا إذا تبين عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً.
2- فصل: في شرائط وجوب حجّة الإسلام
وهي أمور:
أحدها: الكمال بالبلوغ والعقل، فلا يجب على الصبيّ وإن كان مراهقاً، ولا على
المجنون وإن كان أدوارياً إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال.
ولو حجّ الصبيّ لم يجزئ عن حجّة الإسلام وإن قلنا بصحة عباداته وشرعيّتها كما هو
الأقوى وكان واجداً لجميع الشرائط سوى البلوغ، ففي خبر مسمع عن الإمام الصادق × :
«لو أن غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان عليه فريضة الإسلام».
وفي خبر إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن × : «عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال ×: عليه حجّة
الإسلام إذا احتلم، وكذا الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».
(1 مسألة): يستحب للصبيّ المميّز أن يحجّ وإن لم يكن مجزئاً عن حجّة الإسلام، ولكن
هل يتوقّف ذلك على إذن الوليّ أو لا؟ المشهور بل قيل: لا خلاف فيه أنه مشروط بإذنه،
لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي وللكفّارة، ولأنه عبادة متلقّاة من الشرع
مخالف للأصل، فيجب الاقتصار فيه على المتيقّن.
وفيه إنه ليس تصرّفاً ماليّاً وإن كان ربما يستتبع المال، وأن العمومات كافية في
صحّته وشرعيّته مطلقاً، فالأقوى عدم الاشتراط في صحّته وإن وجب الاستئذان في بعض
الصور.
وأما البالغ فلا يعتبر في حجّه المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزماً للسفر
المشتمل على الخطر الموجب لأذيتهما، وأما في حجّه الواجب فلا إشكال.
(2 مسألة): يستحب للوليّ أن يحرم بالصبيّ غير المميّز بلا خلاف لجملة من الأخبار،
بل وكذا الصبيّة وإن استشكل فيها صاحب المستند، وكذا المجنون وإن كان لا يخلو عن
إشكال لعدم نصٍّ فيه بالخصوص فيستحقّ الثواب عليه.
والمراد بالإحرام به: جعله محرماً ـ لا أن يحرم عنه ـ فيلبسه ثوبي الإحرام ويقول:
«اللهم إني أحرمت هذا الصبي...».
ويأمره بالتلبية بمعنى: أن يلقّنه إيّاها، وإن لم يكن قابلاً يلبّي عنه، ويجنّبه عن
كلّ ما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويأمره بكل من أفعال الحجّ يتمكّن منه، وينوب
عنه في كلّ ما لا يتمكّن ويطوف به، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات
ومنى، ويأمره بالرمي وإن لم يقدر يرمي عنه، وهكذا يأمره بصلاة الطواف وإن لم يقدر
يصلِّى عنه، ولا بدّ من أن يكون طاهراً ومتوضّئاً ولو بصورة الوضوء (
مع تمكّنه من النيّة والقربة ونحوهما، وإلا فلا يجب عليه، ولا يتوضّأ الوليّ عنه،
بل يتوضّأ الوليّ لما يجب له الوضوء ويأتي بذلك العمل عنه) ، وإن لم يمكن
فيتوضّأ هو عنه، ويحلق رأسه، وهكذا جميع الأعمال.
(3 مسألة): لا يلزم كون الوليّ محرماً في الإحرام بالصبيّ، بل يجوز لـه ذلك وإن
كان محلّا ً.
(4 مسألة): المشهور على أن المراد بالوليّ في الإحرام بالصبيّ غير المميّز: الوليّ
الشرعيّ من الأب والجدّ والوصيّ لأحدهما والحاكم وأمينه أو وكيل أحد المذكورين، لا
مثل العمّ والخال ونحوهما والأجنبيّ.
نعم، ألحقوا بالمذكورين الأمّ وإن لم تكن وليّاً شرعيّاً للنصّ الخاصّ فيها، قالوا:
لأن الحكم على خلاف القاعدة، فاللازم: الاقتصار على المذكورين فلا يترتّب أحكام
الإحرام إذا كان المتصدّي غيرهم، ولكن لا يبعد كون المراد الأعمّ منهم وممّن يتولّى
أمر الصبيّ ويتكفّله وإن لم يكن وليّاً شرعيّاً، لقوله × : «قدّموا من كان معكم من
الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مرّ...» فإنه يشمل غير الوليّ الشرعيّ أيضاً.
وأما في المميّز فاللازم إذن الوليّ الشرعيّ إن اعتبرنا في صحّة إحرامه الإذن (وان
كان الأظهر عدمه إذا لم يكن موجباً لأذيّته أذيّة محرّمة ) .
(5 مسألة): النفقة الزائدة على نفقة الحضر، على الوليّ لا من مال الصبيّ، إلا إذا
كان حفظه موقوفاً على السفر به، أو يكون السفر مصلحة له.
(6 مسألة): الهدي على الوليّ (بل
علـى الصـبيّ وفي ماله ـ إن كان الحجّ به مصلحة لـه، أو حجّ وهو مـميّزـ على الأظهر)
، وكذا كفّارة الصيد إذا صاد الصبيّ، وأما الكفّارات الأخر المختصّة بالعمد، فهل
هي أيضاً على الوليّ، أو في مال الصبيّ، أو لا تجب الكفّارة في غير الصيد لأن عمد
الصبيّ خطأ والمفروض أن تلك الكفّارات لا تثبت في صورة الخطأ؟ وجوه:
لا يبعد قوّة الأخير، إما لذلك وإما لانصراف أدلّتها عن الصبيّ، لكن الأحوط تكفّل
الولي، بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الأقوى (لا
قوّة فيه، بل الاحتياط غير لازم، وفي الصيد منصوصة) لأن قولـه × : «عمد
الصبيّ خطأ» مختصّ بالديات، والانصراف ممنوع، وإلا فيلزم الالتزام به في الصيد
أيضاً.
(7 مسألة): قد عرفت أنه لو حجّ الصبيّ عشر مرّات لم يجزئه عن حجّة الإسلام، بل يجب
عليه بعد البلوغ والاستطاعة، لكن استثنى المشهور من ذلك: ما لو بلغ وأدرك المشعر
فإنه حينئذٍ يجزئ عن حجّة الإسلام، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه، وكذا إذا حجّ
المجنون ندباً ثمّ كمل قبل المشعر، واستدلّوا على ذلك بوجوه:
أحدها: النصوص الواردة في العبد على ما سيأتي بدعوى عدم خصوصيّة للعبد في ذلك، بل
المناط: الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال ثمّ حصوله قبل المشعر.
وفيه: إنه قياس، مع أن لازمه الالتزام به فيمن حجّ متسكّعاً ثمّ حصل لـه الاستطاعة
قبل المشعر، ولا يقولون به.
الثاني: ما ورد من الأخبار: من أن من لم يحرم من مكّة أحرم من حيث أمكنه، فإنه
يستفاد منها: أن الوقت صالح لإنشاء الإحرام، فيلزم أن يكون صالحاً للانقلاب أو
القلب بالأولى.
وفيه: ما لا يخفى.
الثالث: الأخبار الدالّة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ.
وفيه: إن موردها من لم يحرم، فلا يشمل من أحرم سابقاً لغير حجّة الإسلام.
فالقول بالإجزاء مشكل (بل القول به
قويّ) ، والأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان مستطيعاً، بل لا يخلو عن قوّة.
وعلى القول بالإجزاء، يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد: من أنه هل يجب تجديد
النيّة لحجّة الإسلام أو لا؟ وأنه هل يشترط في الإجزاء استطاعته بعد البلوغ من
البلد أو من الميقات أو لا؟ وأنه هل يجري في حجّ التمتع مع كون العمرة بتمامها قبل
البلوغ أو لا؟ إلى غير ذلك.
(8 مسألة): إذا مشى الصبيّ إلى الحجّ، فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان (أو
حصلت له الاستطاعة من ذلك الموضع) مستطيعاً، لا إشكال في أن حجّه حجّة
الإسلام.
(9 مسألة): إذا حجّ باعتقاد أنه غير بالغ ندباً، فبان بعد الحجّ أنه كان بالغاً،
فهل يجزئ عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان: أوجههما الأول.
وكذا إذا حجّ الرجل باعتقاد عدم الاستطاعة بنيّة الندب ثمّ ظهر كونه مستطيعاً حين
الحجّ.
الثاني من الشروط: الحرية، فلا يجب على المملوك وإن أذن لـه مولاه وكان مستطيعاً
من حيث المال ـ بناء على ما هو الأقوى: من القول بملكه، أو بذل لـه مولاه الزاد
والراحلةـ .
نعم، لو حجّ بإذن مولاه صحّ بلا إشكال، ولكن لا يجزيه عن حجّة الإسلام، فلو أعتق
بعد ذلك أعاد، للنصوص.
منها: خبر مسمع: «لو أن عبداً حجّ عشر حجج كانت عليه حجّة الإسلام إذا استطاع إلى
ذلك سبيلاً».
ومنها: «المملوك إذا حجّ وهو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن يعتق، فإن أعتق أعاد
الحجّ».
وما في خبر حكم بن حكيم: «أيّما عبد حجّ به مواليه فقد أدرك حجّة الإسلام» محمول
على إدراك ثواب الحجّ، أو على أنه يجزئه عنها ما دام مملوكاً، لخبر أبان: «العبد
إذا حجّ فقد قضى حجّة الإسلام حتى يعتق» فلا إشكال في المسألة.
نعم، لو حجّ بإذن مولاه ثمّ انعتق قبل إدراك المشعر، أجزأه عن حجّة الإسلام
بالإجماع والنصوص.
ويبقى الكلام في أمور:
أحدها: هل يشترط في الإجزاء تجديد النيّة للإحرام بحجّة الإسلام بعد الانعتاق، فهو
من باب القلب، أو لا بل هو انقلاب شرعي؟ قولان: مقتضى إطلاق النصوص الثاني وهو
الأقوى، فلو فرض أنه لم يعلم بانعتاقه حتى فرغ، أو علم ولم يعلم الإجزاء حتى يجدّد
النيّة كفاه وأجزأه.
الثاني: هل يشترط في الإجزاء كونه مستطيعاً حين الدخول في الإحرام، أو يكفي
استطاعته من حين الانعتاق، أو لا يشترط ذلك أصلاً؟ أقوال: أقواها الأخير (الأقرب
الثاني) ، لإطلاق النصوص، وانصراف ما دلّ على اعتبار الاستطاعة عن المقام.
الثالث: هل الشرط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر سواء أدرك الوقوف بعرفات أيضاً أو
لا، أو يكفي إدراك أحد الموقفين فلو لم يدرك المشعر لكن أدرك الوقوف بعرفات معتقاً
كفى؟ قولان: الأحوط (والأقرب الثاني)
الأول، كما أن الأحوط اعتبار إدراك الاختياري من المشعر، فلا يكفي (والكفاية
غير بعيدة) إدراك الاضطراري منه، بل الأحوط اعتبار إدراك كلا الموقفين وإن
كان يكفي الانعتاق قبل المشعر، لكن إذا كان مسبوقاً بإدراك (أو
معذوراً في تركه) عرفات أيضاً ولو مملوكاً.
الرابع: هل الحكم مختصّ بحجّ الإفراد والقران، أو يجري في حجّ التمتع أيضاً وإن
كانت عمرته بتمامها حال المملوكية؟ الظاهر: الثاني، لإطلاق النصوص، خلافاً لبعضهم
فقال بالأول، لأن إدراك المشعر معتقاً إنما ينفع للحجّ لا للعمرة الواقعة حال
المملوكية.
وفيه: ما مرّ من الإطلاق، ولا يقدح ما ذكره ذلك البعض لأنهما عمل واحد.
هذا إذا لم ينعتق إلا في الحجّ، وأما إذا انعتق في عمرة التمتع وأدرك بعضها معتقاً،
فلا يرد الإشكال.
(1 مسألة): إذا أذن المولى لمملوكه في الإحرام، فتلبّس به. ليس لـه أن يرجع في
إذنه لوجوب الإتمام على المملوك، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، نعم لو أذن لـه
ثمّ رجع قبل تلبّسه به، لم يجز لـه أن يحرم إذا علم برجوعه، وإذا لم يعلم برجوعه
فتلبّس به، هل يصحّ إحرامه ويجب إتمامه، أو يصحّ ويكون للمولى حلّه، أو يبطل؟ وجوه:
أوجهها الأخير، لأن الصحّة مشروطة بالإذن المفروض سقوطه بالرجوع، ودعوى أنه دخل
دخولاً مشروعاً فوجب إتمامه فيكون رجوع المولى كرجوع الموكّل قبل التصرّف ولم يعلم
الوكيل، مدفوعة: بأنه لا تكفي المشروعيّة الظاهريّة، وقد ثبت الحكم في الوكيل
بالدليل، ولا يجوز القياس عليه.
(2 مسألة): يجوز للمولى أن يبيع مملوكه المحرم بإذنه وليس للمشتري حلّ إحرامه، نعم
مع جهله بأنه محرم يجوز لـه الفسخ مع طول الزمان الموجب لفوات بعض منافعه.
(3 مسألة): إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه، وإن لم يتمكّن فعليه أن يصوم،
وإن لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم، للنصوص
والإجماعات.
(4 مسألة): إذا أتى المملوك ـ المأذون في إحرامه ـ بما يوجب الكفّارة، فهل هي على
مولاه، أو عليه ويتبع بها بعد العتق، أو تنتقل إلى الصوم فيما فيه الصوم مع العجز،
أو في الصيد عليه وفي غيره على مولاه؟ وجوه: أظهرها كونها على مولاه لصحيحة حريز،
خصوصاً إذا كان الإتيان بالموجب بأمره أو بإذنه، نعم لو لم يكن مأذوناً في الإحرام
بالخصوص، بل كان مأذوناً مطلقاً إحراماً كان أو غيره لم يبعد كونه (الظاهر
عدم الفرق بين الاذن الخاص والعام) عليه، حملاً لخبر عبد الرحمن بن أبي
نجران النافي لكون الكفّارة في الصيد على مولاه، على هذه الصورة.
(5 مسألة): إذا أفسد المملوك ـ المأذون ـ حجّه بالجماع قبل المشعر، فكالحرّ في وجوب
الإتمام والقضاء، وأما البدنة ففي كونها عليه أو على مولاه فالظاهر أن حالها حال
سائر الكفّارات على ما مرّ، وقد مرّ أن الأقوى كونها على المولى الآذن لـه في
الإحرام، وهل يجب على المولى تمكينه من القضاء لأن الإذن في الشيء إذن في لوازمه،
أو لا لأنه من سوء اختياره؟ قولان: أقواهما الأول، سواء قلنا إن القضاء هو حجّه أو
إنه عقوبة وإن حجّه هو الأول.
هذا إذا أفسد حجّه ولم ينعتق، وأما إن أفسده بما ذكر ثمّ انعتق: فإن انعتق قبل
المشعر، كان حاله حال الحرّ في: وجوب الإتمام والقضاء والبدنة وكونه مجزئاً عن حجّة
الإسلام إذا أتى بالقضاء على القولين: من كون الإتمام عقوبة وأن حجّه هو القضاء، أو
كون القضاء عقوبة، بل على هذا إن لم يأت بالقضاء أيضاً أتى بحجّة الإسلام وإن كان
عاصياً في ترك القضاء.
وإن انعتق بعد المشعر، فكما ذكر إلا أنه لا يجزئه عن حجّة الإسلام فيجب عليه بعد
ذلك إن استطاع، وإن كان مستطيعاً فعلاً ففي وجوب تقديم حجّة الإسلام أو القضاء
وجهان: مبنيّان على أن القضاء فوريّ أو لا، فعلى الأول يقدّم لسبق سببه، وعلى
الثاني تقدّم حجّة الإسلام لفوريّتها دون القضاء.
(6 مسألة): لا فرق فيما ذكر: من عدم وجوب الحجّ على المملوك، وعدم صحّته إلا بإذن
مولاه، وعدم إجزائه عن حجّة الإسلام إلا إذا انعتق قبل المشعر، بين: القنّ
والمدبّر والمكاتب وأمّ الولد والمبعّض إلا إذا هايأه مولاه وكانت نوبته كافية مع
عدم كون السفر خطريّ (ولم يكن مضرّاً
بالمولی في نوبته) فإنه يصحّ منه بلا إذن، لكن لا يجب ولا يجزئه حينئذٍ عن
حجّة الإسلام وإن كان مستطيعاً لأنه لم يخرج عن كونه مملوكاً، وإن كان يمكن (بعيد)
دعوى الانصراف عن هذه الصورة، فمن الغريب ما في الجواهر من قولـه: «ومن الغريب ما
ظنّه بعض الناس من وجوب حجّة الإسلام عليه في هذا الحال، ضرورة منافاته للإجماع
المحكيّ عن المسلمين الذي يشهد لـه التتبّع على اشتراط الحرّية المعلوم عدمها في
المبعّض» انتهى. إذ لا غرابة فيه بعد إمكان دعوى الانصراف، مع أن في أوقات نوبته
يجري عليه جميع (بل لا يجري كما لا
يخفی للمتتبّع) آثار الحرّية.
(7 مسألة): إذا أمر المولى مملوكه بالحجّ، وجب عليه طاعته وإن لم يكن مجزئاً عن
حجّة الإسلام: كما إذا آجره للنيابة عن غيره، فإنه لا فرق بين إجارته للخياطة أو
الكتابة وبين إجارته للحجّ أو الصوم.
الثالث: الاستطاعة من حيث المال وصحة البدن وقوّته، وتخلية السرب وسلامته، وسعة
الوقت وكفايته بالإجماع والكتاب والسنة.
(1 مسألة): لا خلاف ولا إشكال في عدم كفاية القدرة العقليّة في وجوب الحجّ، بل
يشترط فيه الاستطاعة الشرعيّة وهي كما في جملة من الأخبار: الزاد والراحلة، فمع
عدمهما لا يجب وإن كان قادراً عليه عقلاً بالاكتساب ونحوه.
وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصّاً بصورة الحاجة إليها لعدم قدرته على المشي أو
كونه مشقّة عليه أو منافياً لشرفه، أو يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليه؟ مقتضى
إطلاق الأخبار والإجماعات المنقولة: الثاني، وذهب جماعة من المتأخرين إلى: الأول،
لجملة من الأخبار المصرّحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضاً أو كلّا ً، بدعوى أن مقتضى
الجمع بينها وبين الأخبار الأُوَل: حملها على صورة الحاجة، مع أنها منزّلة على
الغالب، بل انصرافها إليها.
والأقوى هو القول الثاني لإعراض المشهور عن هذه الأخبار مع كونها بمرأى منهم ومسمع،
فاللازم طرحها أو حملها على بعض المحامل: كالحمل على الحجّ المندوب وإن كان بعيداً
عن سياقها، مع أنها مفسّرة للاستطاعة في الآية الشريفة، وحمل الآية على القدر
المشترك بين الوجوب والندب بعيد، أو حملها على من استقرّ عليه حجّة الإسلام سابقاً
وهو أيضاً بعيد أو نحو ذلك.
وكيف كان: فالأقوى ما ذكرنا وإن كان لا ينبغي (بل
لا يترك) ترك الاحتياط بالعمل بالأخبار المزبورة، خصوصاً بالنسبة إلى من لا
فرق عنده بين المشي والركوب، أو يكون المشي أسهل، لانصراف الأخبار الأُوَل عن هذه
الصورة، بل لو لا الإجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوّة.
(2 مسألة): لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد حتى بالنسبة إلى أهل
مكّة لإطلاق الأدلة، فما عن جماعة من عدم اشتراطه بالنسبة إليهم لا وجه له (لكن
لا يترك الاحتياط هنا أيضاً) .
(3 مسألة): لا يشترط وجودهما عيناً عنده، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما من
المال، من غير فرق بين النقود والأملاك: من البساتين والدكاكين والخانات ونحوها،
ولا يشترط إمكان حمل الزاد معه، بل يكفي إمكان تحصيله في المنازل بقدر الحاجة، ومع
عدمه فيها يجب حمله مع الإمكان من غير فرق بين علف الدابّة وغيره، ومع عدمه يسقط
الوجوب.
(4 مسألة): المراد بالزاد هنا: المأكول والمشروب، وسائر ما يحتاج إليه المسافر من
الأوعية التي يتوقّف عليها حمل المحتاج إليه، وجميع ضروريات ذلك السفر بحسب حاله
قوّة وضعفاً، وزمانه حرّاً وبرداً، وشأنه شرفاً وضعة.
والمراد بالراحلة: مطلق ما يركب ولو مثل السفينة في طريق البحر، واللازم وجود ما
يناسب حاله بحسب القوّة والضعف، بل الظاهر اعتباره من حيث الضعة والشرف كمّاً
وكيفاً، فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة بحيث يعد ما دونها نقصاً عليه،
يشترط في الوجوب القدرة عليه ولا يكفي ما دونه وإن كانت الآية والأخبار مطلقة، وذلك
لحكومة قاعدة: نفي العسر والحرج، على الإطلاقات.
نعم إذا لم يكن بحدّ الحرج وجب معه الحجّ، وعليه يحمل ما في بعض الأخبار من وجوبه
ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب.
(5 مسألة): إذا لم يكن عنده الزاد، ولكن كان كسوباً يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق
لأكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه، هل يجب عليه أو لا؟ الأقوى عدمه وإن كان أحوط.
(6 مسألة): إنما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فالعراقي إذا استطاع وهو في
الشام، وجب عليه وإن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق، بل لو مشى إلى ما قبل
الميقات متسكّعاً أو لحاجة أخرى من تجارة أو غيرها وكان لـه هناك ما يمكن أن يحجّ
به وجب عليه، بل لو أحرم متسكّعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر، أمكن أن يقال
بالوجوب عليه وإن كان لا يخلو عن إشكال.
(7 مسألة): إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب، ولو وجد
ولم يوجد شريك للشقّ الآخر: فإن لم يتمكّن من أجرة الشقَّين سقط أيضاً، وإن تمكّن
فالظاهر الوجوب لصدق الاستطاعة، فلا وجه لما عن العلاّمة من التوقّف فيه لأن بذل
المال لـه خسران لا مقابل له، نعم لو كان بذله مجحفاً ومضرّاً بحاله لم يجب، كما هو
الحال في شراء ماء الوضوء.
(8 مسألة): غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو أجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط،
ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكّنه من القيمة، بل وكذا لو توقّف على الشراء
بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة، بل وكذا لو توقّف على بيع أملاكه بأقلّ من
ثمن المثل لعدم وجود راغب في القيمة المتعارفة، فما عن الشيخ من سقوط الوجوب ضعيف،
نعم لو كان الضرر مجحفاً بماله مضرّاً بحاله لم يجب، وإلا فمطلق الضرر لا يرفع
الوجوب بعد صدق الاستطاعة وشمول الأدلة، فالمناط هو: الإجحاف والوصول إلى حدّ الحرج
الرافع للتكليف.
(9 مسألة): لا يكفي في وجوب الحجّ وجود نفقة الذهاب فقط، بل يشترط وجود نفقة العود
إلى وطنه إن أراده وإن لم يكن لـه فيه أهل ولا مسكن مملوك ولو بالإجارة، للحرج في
التكليف بالإقامة في غير وطنه المألوف له، نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا
تعلّق لـه بوطن لم يعتبر وجود نفقة العود، لإطلاق الآية والأخبار في كفاية وجود
نفقة الذهاب، وإذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لا بدّ من وجود النفقة إليه إذا
لم يكن أبعد من وطنه، وإلا فالظاهر كفاية مقدار العود إلى وطنه.
(10 مسألة): قد عرفت أنه لا يشترط وجود أعيان ما يحتاج إليه في نفقة الحجّ من الزاد
والراحلة ولا وجود أثمانها من النقود، بل يجب عليه بيع ما عنده من الأموال لشرائها.
لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريّات معاشه: فلا تباع دار سكناه اللائقة
بحاله، ولا خادمه المحتاج إليه، ولا ثياب تجمّله اللائقة بحاله ـ فضلاً عن ثياب
مهنته ـ ولا أثاث بيته من الفراش والأواني وغيرهما ممّا هو محلّ حاجته، بل ولا حليّ
المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها، ولا كتب العلم
لأهله التي لا بدّ لـه منها فيما يجب تحصيله لأن الضرورة الدينيّة أعظم من
الدنيويّة، ولا آلات الصنائع المحتاج إليها في معاشه، ولا فرس ركوبه مع الحاجة
إليه، ولا سلاحه، ولا سائر ما يحتاج إليه لاستلزام التكليف بصرفها في الحجّ العسر
والحرج.
ولا يعتبر فيها الحاجة الفعليّة، فلا وجه لما عن كشف اللثام: من أن فرسه إن كان
صالحاً لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة، وإلا فهو في مسيره إلى الحجّ لا يفتقر
إليه، بل يفتقر إلى غيره، ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذٍ. كما لا وجه لما عن
الدروس: من التوقّف في استثناء ما يضطرّ إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات
الصنائع.
فالأقوى: استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه ممّا يكون إيجاب بيعه مستلزماً للعسر
والحرج، نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة، وجب بيع الزائد في نفقة
الحجّ، وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة: كما في حليّ المرأة إذا كبرت عنه ونحوه.
(11 مسألة): لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه وكان عنده دار مملوكة، فالظاهر:
وجوب بيع المملوكة إذا كانت وافية لمصارف الحجّ أو متمّمة لها، وكذا في الكتب
المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته فيجب بيع المملوكة منها، وكذا
الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة، لصدق الاستطاعة
حينئذٍ إذا لم يكن ذلك منافياً لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك، نعم لو لم تكن
موجودة وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه، والفرق: عدم
صدق الاستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الأولى، إلا إذا حصّلت بلا سعي منه أو
حصّلها مع عدم وجوبه، فإنه بعد التحصيل يكون كالحاصل أولاً.
(12 مسألة): لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عينها، لكن كانت
زائدة بحسب القيمة وأمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونها لائقاً بحاله أيضاً،
فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحجّ أو لتتميمها؟ قولان: من صدق الاستطاعة، ومن
عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة، والأصل: عدم وجوب التبديل، والأقوى (بل
الأحوط) الأول إذا لم يكن فيه حرج أو نقص عليه وكانت الزيادة معتدّاً بها:
كما إذا كانت لـه دار تساوي مائة وأمكن تبديلها بما يساوي خمسين، مع كونه لائقاً
بحاله من غير عسر فإنه يصدق الاستطاعة، نعم لو كانت الزيادة قليلة جداً بحيث لا
يعتنی بها أمكن دعوى عدم الوجوب، وإن كان الأحوط التبديل أيضاً.
(13 مسألة): إذا لم يكن عنده من أعيان المستثنيات، لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به
من النقود أو نحوها: ففي جواز شرائها وترك الحجّ إشكال، بل الأقوى: عدم جوازه إلا
أن يكون عدمها موجباً للحرج عليه. فالمدار في ذلك هو: الحرج وعدمه، وحينئذٍ: فإن
كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلا مع عدم الحاجة، وإن لم تكن موجودة لا يجوز
شراؤها إلا مع لزوم الحرج في تركه، ولو كانت موجودة وباعها بقصد (ليس
الملاك القصد وعدمه، بل الملاك: الحاجة، والحرج) التبديل بآخر لم يجب صرف
ثمنها في الحجّ، فحكم ثمنها حكمها. ولو باعها لا بقصد التبديل وجب بعد البيع صرف
ثمنها في الحجّ، إلا مع الضرورة إليها على حدّ الحرج في عدمها.
(14 مسألة): إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج ونازعته نفسه إلى النكاح، صرّح
جماعة بوجوب الحجّ وتقديمه على التزويج، بل قال بعضهم: وإن شقّ عليه ترك التزويج،
والأقوى وفاقاً لجماعة أخرى: عدم وجوبه مع كون ترك التزويج حرجاً عليه، أو موجباً
لحدوث مرض، أو للوقوع في الزنی ونحوه، نعم لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن
لـه حاجة فيها، لا يجب أن يطلّقها وصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف الحجّ، لعدم صدق
الاستطاعة عرفاً.
(15 مسألة): إذا لم يكن عنده ما يحجّ به، ولكن كان لـه دَين على شخص بمقدار مأونته
أو بما تتمّ به مأونته، فاللازم اقتضاؤه وصرفه في الحجّ إذا كان الدَّين حالّا ً
وكان المديون باذلاً، لصدق الاستطاعة حينئذٍ.
وكذا إذا كان مماطلاً وأمكن إجباره بإعانة متسلّط، أو كان منكراً وأمكن إثباته عند
الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة وحرج. وكذا إذا توقّف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم
الجور، بناء على ما هو الأقوى: من جواز الرجوع إليه مع توقّف استيفاء الحق عليه،
لأنه حينئذٍ يكون واجباً بعد صدق الاستطاعة لكونه مقدّمة للواجب المطلق، وكذا لو
كان الدَّين مؤجّلاً وكان المديون باذلاً قبل الأجل لو طالبه (بلا
ضرر أو حرج في المطالبة) ، ومنعُ صاحب الجواهر الوجوب حينئذٍ بدعوى: عدم صدق
الاستطاعة محلّ منع.
وأما لو كان المديون معسراً، أو مماطلاً لا يمكن إجباره، أو منكراً للدَّين ولم
يمكن إثباته، أو كان الترافع مستلزماً للحرج، أو كان الدَّين مؤجّلاً مع عدم كون
المديون باذلاً فلا يجب، بل الظاهر: عدم الوجوب لو لم يكن واثقاً ببذله مع
المطالبة.
(16 مسألة): لا يجب الاقتراض للحجّ إذا لم يكن لـه مال، وإن كان قادراً على وفائه
بعد ذلك بسهولة، لأنه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب، نعم لو كان لـه مال غائب لا
يمكن صرفه في الحجّ فعلاً، أو مال حاضر لا راغب في شرائه، أو دين مؤجّل لا يكون
المديون باذلاً لـه قبل الأجل وأمكنه الاستقراض والصرف في الحجّ ثمّ وفاؤه بعد ذلك،
فالظاهر (بل الأحوط) : وجوبه
لصدق الاستطاعة حينئذٍ عرفاً، إلا إذا لم يكن واثقاً بوصول الغائب أو حصول الدين
بعد ذلك، فحينئذٍ لا يجب الاستقراض لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة.
(17 مسألة): إذا كان عنده ما يكفيه للحجّ وكان عليه دَين: ففي كونه مانعاً عن وجوب
الحجّ مطلقاً، سواء كان حالّا ً مطالباً به أو لا، أو كونه مؤجّلاً، أو عدم كونه
مانعاً إلا مع الحلول والمطالبة، أو كونه مانعاً إلا مع التأجيل، أو الحلول مع عدم
المطالبة، أو كونه مانعاً إلا مع التأجيل وسعة الأجل للحجّ والعود، أقوال.
والأقوى: كونه مانعاً، إلا مع التأجيل والوثوق بالتمكّن من أداء الدَّين إذا صرف ما
عنده في الحجّ، وذلك: لعدم صدق الاستطاعة في غير هذه الصورة، وهي المناط في الوجوب،
لا مجرّد كونه مالكاً للمال وجواز التصرّف فيه بأيّ وجه أراد، وعدم المطالبة في
صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة.
نعم لا يبعد (بل الأحوط ذلك)
الصدق إذا كان واثقاً بالتمكّن من الأداء مع فعليّة الرضا بالتأخير من الدائن،
والأخبار الدالّة على جواز الحجّ لمن عليه دَين، لا تنفع في الوجوب، وفي كونه حجّة
الإسلام.
وأما صحيح معاوية بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجل عليه دَين،
أعليه أن يحجّ؟ قال: نعم، إن حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين»
وخبر عبد الرحمن عنه عليه السلام أنه قال: «الحجّ واجب على الرجل وإن كان عليه
دَين» فمحمولان على الصورة التي ذكرنا، أو على من استقرّ عليه الحجّ سابقاً، وإن
كان لا يخلو عن إشكال كما سيظهر، فالأولى: الحمل الأول.
وأما ما يظهر من صاحب المستند: من أن كلّا ً من أداء الدَّين والحجّ واجب، فاللازم
بعد عدم الترجيح: التخيير بينهما في صورة الحلول مع المطالبة، أو التأجيل مع عدم
سعة الأجل للذهاب والعود، وتقديم الحجّ في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير، أو
التأجيل مع سعة الأجل للحجّ والعود، ولو مع عدم الوثوق بالتمكّن من أداء الدَّين
بعد ذلك حيث لا تجب المبادرة إلى الأداء فيهما، فيبقى وجوب الحجّ بلا مزاحم. ففيه:
إنه لا وجه للتخيير في الصورتين الأُوليين، ولا لتعيين تقديم الحجّ في الأخيرتين
بعد كون الوجوب تخييراً أو تعييناً مشروطاً بالاستطاعة غير الصادقة في المقام،
خصوصاً مع المطالبة وعدم الرضا بالتأخير، مع أن التخيير فرع كون الواجبين مطلقين
وفي عرض واحد، والمفروض: أن وجوب أداء الدَّين مطلق، بخلاف وجوب الحجّ فإنه مشروط
بالاستطاعة الشرعيّة.
نعم لو استقرّ عليه وجوب الحجّ سابقاً، فالظاهر: التخيير، لأنهما حينئذٍ في عرض
واحد وإن كان يحتمل تقديم الدَّين إذا كان حالّا ً مع المطالبة، أو مع عدم الرضا
بالتأخير، لأهميّة حقّ الناس من حقّ الله، لكنّه ممنوع، ولذا لو فرض كونهما عليه
بعد الموت يوزّع المال عليهما، ولا يقدّم دَين الناس، ويحتمل تقديم الأسبق منهما في
الوجوب، لكنّه أيضاً لا وجه لـه كما لا يخفى.
(18 مسألة): لا فرق في كون الدَّين مانعاً من وجوب الحجّ بين أن يكون سابقاً على
حصول المال بقدر الاستطاعة، أو لا: كما إذا استطاع للحجّ ثمّ عرض عليه دَين، بأن
أتلف مال الغير ـ مثلاًـ على وجه الضمان من دون تعمّد قبل خروج الرفقة، أو بعده قبل
أن يخرج هو، أو بعد خروجه قبل الشروع في الأعمال، فحاله حال تلف المال من دون دَين،
فإنه يكشف عن عدم كونه مستطيعاً.
(19 مسألة): إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار ما يكفيه للحجّ لولاهما،
فحالهما حال الدَّين مع المطالبة، لأن المستحقّين لهما مطالبون فيجب صرفه فيهما ولا
يكون مستطيعاً، وإن كان الحجّ مستقرّاً عليه سابقاً يجيء الوجوه المذكورة: من
التخيير (وهو الظاهر كما تقدّم)
أو تقديم حقّ الناس أو تقديم الأسبق.
هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمّته، وأما إذا كانا في عين ماله فلا إشكال في
تقديمهما على الحجّ، سواء كان مستقرّاً عليه أو لا، كما أنهما يقدّمان على ديون
الناس أيضاً، ولو حصلت الاستطاعة والدَّين والخمس والزكاة معاً فكما لو سبق
الدَّين.
(20 مسألة): إذا كان عليه دَين مؤجّل بأجل طويل جدّاً: كما بعد خمسين سنة، فالظاهر
عدم منعه عن الاستطاعة، وكذا إذا كان الدّيان مسامحاً في أصله: كما في مهور نساء
أهل الهند، فإنهم يجعلون المهر ما لا يقدر الزوج على أدائه: كمائة ألف روبّيه أو
خمسين ألف، لإظهار الجلالة وليسوا مقيّدين بالإعطاء والأخذ، فمثل ذلك لا يمنع من
الاستطاعة ووجوب الحجّ: وكالدَّين ممن بناؤه على الإبراء إذا لم يتمكّن المديون من
الأداء، أو واعده بالإبراء بعد ذلك.
(21 مسألة): إذا شكّ في مقدار ماله وأنه وصل إلى حدّ الاستطاعة أو لا، هل يجب عليه
الفحص أم لا؟ وجهان: أحوطهم (بل
الأظهر ذلك، وكذا الفرع بعده) ذلك، وكذا إذا علم مقداره وشكّ في مقدار مصرف
الحجّ وأنه يكفيه أو لا.
(22 مسألة): لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والإياب، وكان لـه مال غائب لو كان
باقياً يكفيه في رواج أمره بعد العود، لكن لا يعلم بقاءه أو عدم بقائه، فالظاهر:
وجوب الحجّ بهذا الذي بيده استصحاباً لبقاء الغائب، فهو: كما لو شكّ في أن أمواله
الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أو لا، فلا يعدّ من الأصل المثبت.
(23 مسألة): إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحجّ، يجوز لـه قبل أن يتمكّن من المسير
(وقبل شوال) أن يتصرّف فيه
بما يخرجه عن الاستطاعة، وأما بعد التمكّن منه فلا يجوز وإن كان قبل خروج الرفقة،
ولو تصرّف بما يخرجه عنها بقيت ذمّته مشغولة به، والظاهر: صحّة التصرّف مثل الهبة
والعتق وإن كان فعل حراماً، لأن النهي متعلّق بأمر خارج، نعم لو كان قصده في ذلك
التصرّف: الفرار من الحجّ لا لغرض شرعي أمكن أن يقال (و
الأظهر الصحّة) بعدم الصحّة، والظاهر: أن المناط في عدم جواز التصرّف المخرج
هو: التمكّن في تلك السنة، فلو لم يتمكّن فيها ولكن يتمكّن في السنة الأخرى لم يمنع
عن جواز التصرّف، فلا يجب إبقاء المال إلى العام القابل إذا كان لـه مانع في هذه
السنة، فليس حاله حال من يكون بلده بعيداً عن مكّة بمسافة سنتين (أو
غير مخلّی السرب إلا إذا سجّل اسمه قبل سنتين أو أكثر و نحو ذلك) .
(24 مسألة): إذا كان لـه مال غائب بقدر الاستطاعة وحده، أو منضمّاً إلى ماله الحاضر
وتمكّن من التصرّف في ذلك المال الغائب يكون مستطيعاً ويجب عليه الحجّ، وإن لم يكن
متمكّناً من التصرّف فيه ـ ولو بتوكيل من يبيعه هناك ـ فلا يكون مستطيعاً إلا بعد
التمكّن منه أو الوصول في يده. وعلى هذا: فلو تلف في الصورة الأولى بقي وجوب الحجّ
مستقراً عليه إن كان التمكّن في حال تحقّق سائر الشرائط، ولو تلف في الصورة الثانية
لم يستقرّ، وكذا إذا مات مورثه وهو في بلد آخر وتمكّن من التصرّف في حصّته أو لم
يتمكّن، فإنه على الأول يكون مستطيعاً، بخلافه على الثاني.
(25 مسألة): إذا وصل ماله إلى حدّ الاستطاعة لكنّه كان جاهلاً به أو كان غافل (
إذا كان الجهل و الغفلة عن تقصير ولو في المقدّمات، و إلا فلا استقرار للحج معهما،
وكذا في نقل المال) عن وجوب الحجّ عليه، ثمّ تذكّر بعد أن تلف ذلك المال،
فالظاهر: استقرار وجوب الحجّ عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده، والجهل
والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة، غاية الأمر أنه معذور في ترك ما وجب عليه،
وحينئذٍ: فإذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستيجار عنه إن كانت لـه تركة بمقداره.
وكذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره بهبة أو صلح ثمّ علم بعد ذلك أنه كان بقدر
الاستطاعة، فلا وجه لما ذكره المحقّق القمّي في أجوبة مسائله: من عدم الوجوب ـ لأنه
لجهله لم يصر مورداً وبعد النقل والتذكّر ليس عنده ما يكفيه فلم يستقرّ عليه ـ لأن
عدم التمكّن من جهة الجهل والغفلة لا ينافي الوجوب الواقعي، والقدرة التي هي شرط في
التكاليف: القدرة من حيث هي، وهي موجودة، والعلم شرط في التنجّز لا في أصل
التكليف.
(26 مسألة): إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحجّ ندباً، فإن قصد امتثال الأمر المتعلّق
به فعلاً وتخيّل أنه الأمر الندبي أجزأ عن حجّة الإسلام لأنه حينئذٍ من باب
الاشتباه في التطبيق، وإن قصد الأمر الندبي على وجه التقييد لم يجزئ عنه (
الإجزاء غير بعيد حتّی في هنا، وقد تقدّم في المسألة التاسعة من اشتراط (الكمال
بالبلوغ والعقل) من الماتن قدّس سرّه: الإطلاق) وإن كان حجّه صحيحاً. وكذا
الحال إذا علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك، وأما لو علم بذلك وتخيّل عدم فوريّتها
فقصد الأمر الندبي فلا يجزئ (
الإجزاء هنا أيضاً غير بعيد) لأنه يرجع إلى التقييد.
(27 مسألة): هل تكفي في الاستطاعة الملكيّة المتزلزلة للزاد والراحلة وغيرهما: كما
إذا صالحه شخص ما يكفيه للحجّ بشرط الخيار لـه إلى مدّة معيّنة، أو باعه محاباة
كذلك؟ وجهان: أقواهما العدم، لأنها في معرض الزوال إلا إذا كان واثقاً بأنه لا
يفسخ، وكذا لو وهبه وأقبضه إذا لم يكن رحم (ونحوه
كالمعوّضة) ، فإنه ما دامت العين موجودة لـه الرجوع، ويمكن أن يقال بالوجوب
(غير بعيد) هنا حيث إن لـه
التصرّف في الموهوب فتلزم الهبة.
(28 مسألة): يشترط في وجوب الحجّ بعد حصول الزاد والراحلة بقاء المال إلى تمام
الأعمال، فلو تلف بعد ذلك ولو في أثناء الطريق كشف عن عدم الاستطاعة، وكذا لو حصل
عليه دين قهراً عليه: كما إذا أتلف مال غيره خطأً، وأما لو أتلفه عمداً فالظاهر
كونه كإتلاف الزاد والراحلة عمداً في عدم زوال استقرار الحجّ.
(29 مسألة): إذا تلف بعد تمام الأعمال مأونة عوده إلى وطنه، أو تلف ما به الكفاية
من ماله في وطنه بناءً على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة، فهل يكفيه عن
حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان: لا يبعد الإجزاء، ويقرّبه ما ورد: من أن من مات بعد
الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام، بل يمكن أن يقال بذلك إذا تلف في أثناء
الحجّ أيضاً.
(30 مسألة): الظاهر عدم اعتبار الملكيّة في الزاد والراحلة، فلو حصلا بالإباحة
اللازمة كفى في الوجوب، لصدق الاستطاعة.
ويؤيّده: الأخبار الواردة في البذل، فلو شرط أحد المتعاملين على الآخر في ضمن عقد
لازم: أن يكون لـه التصرّف في ماله بما يعادل مائة ليرة ـ مثلاًـ وجب عليه الحجّ
ويكون كما لو كان مالكاً له.
(31 مسألة): لو أُوصی لـه بما يكفيه للحجّ فالظاهر: وجوب الحجّ عليه بعد موت الموصي
(إذا كان وصيّة بالبذل للحجّ، ولعلّه
مراد الماتن قدّس سرّه) ، خصوصاً إذا لم يعتبر القبول في ملكيّة الموصى لـه
(لكنه خلاف الظاهر، فالملكيّة
متوقّفة علی القبول) وقلنا بملكيّته ما لم يردّ، فإنه ليس لـه الردّ حينئذٍ.
(32 مسألة): إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الإمام الحسين عليه السلام في كلّ
عرفة ثمّ حصلت لم يجب عليه الحجّ (بل
لا يشمل النذر عام الاستطاعة، فيجب عليه الحجّ، وكذا الفروع المذكورة الأخرى)
، بل وكذا لو نذر إن جاء مسافره أن يعطي الفقير كذا مقداراً، فحصل لـه ما يكفيه
لأحدهما بعد حصول المعلّق عليه، بل وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقـدار
مـائة ليـرة ـ مثلاًـ في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فإن هذا كله مانع عن تعلّق
وجوب الحجّ به، وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوريّ قبل حصول الاستطاعة، ولم يمكن
الجمع بينه وبين الحجّ ثمّ حصلت الاستطاعة وإن لم يكن ذلك الواجب أهم من الحجّ، لأن
العذر الشرعيّ كالعقليّ في المنع من الوجوب.
وأما لو حصلت الاستطاعة أولاً ثمّ حصل واجب فوريّ آخر لا يمكن الجمع بينه وبين
الحجّ، يكون من باب المزاحمة، فيقدّم الأهمّ منهما: فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدّم
على الحجّ، وحينئذٍ: فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحجّ فيه وإلا فلا،
إلا أن يكون الحجّ قد استقرّ عليه سابقاً، فإنه يجب عليه ولو متسكّعاً.
(33 مسألة): النذر المعلّق على أمر قسمان (بل
قسم واحد وهو المشروط، إذ المشروط تارة يعبّر عنه بأدوات الشرط، وتارة يعبّر عنه
بجعله ظرفاً، وفي كليهما يقدّم الحجّ، سواء حصلت الاستطاعة قبل حصول ما علّق النذر
عليه، أم العكس، أم تقارنا) :
تارة يكون التعليق على وجه الشرطية، كما إذا قال: إن جاء مسافري فللّه عليّ أن أزور
الإمام الحسين عليه السلام في عرفة، وتارة يكون على نحو الواجب المعلّق، كأن يقول:
لله عليّ أن أزور الإمام الحسين عليه السلام في عرفة عند مجيء مسافري.
فعلى الأول: يجب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة قبل مجيء مسافره.
وعلى الثاني: لا يجب، فيكون حكمه حكم النذر المنجّز في أنه لو حصلت الاستطاعة وكان
العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحجّ، سواء حصل المعلّق عليه قبلها أو بعدها.
وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحجّ، من دون فرق بين الصورتين، والسرّ في ذلك: أن وجوب
الحجّ مشروط والنذر مطلق، فوجوبه يمنع من تحقّق الاستطاعة.
(34 مسألة): إذا لم يكن لـه زاد وراحلة ولكن قيل لـه: حجّ وعليّ نفقتك ونفقة عيالك
وجب عليه، وكذا لو قال: حجّ بهذا المال وكان كافياً لـه ذهاباً وإياباً ولعياله،
فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها، من غير فرق بين أن يبيحها لـه أو
يملّكها إيّاه، ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها، ولا بين أن يكون البذل واجباً عليه
بنذر أو يمين أو نحوها أو لا، ولا بين كون الباذل موثوقاً به أو لا على الأقوى (مع
عدم التمليك وانتفاء الوثوق، الأظهر عدم الاستطاعة) .
والقول بالاختصاص بصورة التمليك ضعيف، كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه أو بأحد
الأمرين من التمليك أو الوجوب، وكذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقاً به، كلّ
ذلك لصدق الاستطاعة، وإطلاق المستفيضة من الأخبار، ولو كان لـه بعض النفقة فبذل لـه
البقيّة وجب أيضاً، ولو بذل لـه نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب.
وكذا لو لم يبذل نفقة عياله، إلا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود، أو كان لا
يتمكّن من نفقتهم مع ترك الحجّ أيضاً.
(35 مسألة): لا يمنع الدَّين من الوجوب في الاستطاعة البذليّة، نعم لو كان حالّا ً
وكان الديّان مطالباً مع فرض تمكّنه من أدائه لو لم يحجّ ولو تدريجاً، ففي كونه
مانعاً أو لا: وجهان (والأوجه المنع)
.
(36 مسألة): لا يشترط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذليّة.
(37 مسألة): إذا وهبه ما يكفيه للحجّ لأن يحجّ، وجب عليه القبول على الأقوى، (مع
عدم كون القبول حرجياً لمهانة أو منّة أو ذلّة ونحو ذلك) بل وكذا لو وهبه
وخيّره بين أن يحجّ به أو لا، وأما لو وهبه ولم يذكر الحجّ لا تعييناً ولا تخييراً،
فالظاهر: عدم وجوب القبول (إذا لم
يكن حرجاً عليه القبول فالأحوط وجوب القبول، بل القبـض ـ من باب الاستطاعة، لا
البذل ـ للاستطاعة بذلك عرفاً، فيكون مقدّمة وجود لا وجوب) كما عن المشهور.
(38 مسألة): لو وقف شخص لمن يحجّ أو أوصى أو نذر كذلك، فبذل المتولّي أو الوصيّ أو
الناذر لـه وجب عليه، لصدق الاستطاعة، بل إطلاق الأخبار. وكذا لو أوصی لـه بما
يكفيه للحجّ بشرط أن يحجّ فإنه يجب عليه بعد موت الموصي.
(39 مسألة): لو أعطاه ما يكفيه للحجّ خمساً أو زكاة وشرط عليه أن يحجّ به،
فالظاهر: الصحّة ووجوب الحجّ عليه (الظاهر
عدم وجوب الحجّ البذلي بذلك لسقوط الشرط) إذا كان فقيراً، أو كانت الزكاة من
سهم سبيل الله.
(40 مسألة): الحجّ البذلي مجزئ عن حجّة الإسلام، فلا يجب عليه إذا استطاع مالاً
بعد ذلك على الأقوى.
(41 مسألة): يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام، وفي جواز رجوعه
عنه بعده: وجهان (والأوجه عدم الجواز)
، ولو وهبه للحجّ فقبل فالظاهر جريان حكم الهبة عليه في جواز الرجوع قبل الإقباض (وان
رجع بعد الإحرام في العين الموهوبة فعليه نفقة الحجّ) ، وعدمه بعده إذا كانت
لذي رحم، أو بعد تصرّف الموهوب له.
(42 مسألة): إذا رجع الباذل في أثناء الطريق، ففي وجوب نفقة العود عليه أو لا:
وجهان (والأوجه الوجوب) .
(43 مسألة): إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم كفاية، فلو ترك
الجميع استقرّ عليهم الحجّ، فيجب على الكلّ لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكلّ، نظير
ما إذا وجد المتيمّمون ماء يكفي لواحد منهم، فإنّ تيمّم الجميع يبطل.
(44 مسألة): الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل، وأما الكفّارات: فإن أتى بموجبها
عمداً اختياراً فعليه، وإن أتى بها اضطراراً أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق
فيه بين العمد وغيره، ففي كونه عليه أو على الباذل: وجهان (الأوجه
الثاني) .
(45 مسألة): إنما يجب بالبذل الحجّ الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة، فلو بذل
للآفاقي (في غير موارد الاستثناء
كالحائض، ومن ضاق عليه الوقت) بحجّ القران أو الإفراد أو لعمرة مفردة لا يجب
عليه. وكذا لو بذل للمكيّ لحجّ التمتّع لا يجب عليه، ولو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام
لم يجب عليه ثانياً، ولو بذل لمن استقرّ عليه حجّة الإسلام وصار معسراً وجب عليه،
ولو كان عليه حجّة النذر أو نحوه ولم يتمكّن فبذل لـه باذل وجب عليه وإن قلنا بعدم
الوجوب لو وهبه لا للحجّ، لشمول الأخبار من حيث التعليل فيها بأنه بالبذل صار
مستطيعاً، ولصدق الاستطاعة عرفاً.
(46 مسألة): إذا قال لـه: بذلت لك هذا المال مخيّراً بين أن تحجّ به أو تزور الإمام
الحسين عليه السلام، وجب عليه الحجّ.
(47 مسألة): لو بذل لـه مالاً ليحجّ بقدر ما يكفيه، فسرق في أثناء الطريق سقط
الوجوب.
(48 مسألة): لو رجع عن بذله في الأثناء، وكان في ذلك المكان يتمكّن من أن يأتي
ببقية الأعمال من مال نفسه، أو حدث لـه مال بقدر كفايته، وجب عليه الإتمام وأجزأه
عن حجّة الإسلام.
(49 مسألة): لا فرق في الباذل بين أن يكون واحداً أو متعدّداً، فلو قالا لـه: حجّ
وعلينا نفقتك وجب عليه.
(50 مسألة): لو عيّن لـه مقداراً ليحجّ به واعتقد كفايته فبان عدمها، وجب عليه (أي:
على الباذل إتمام بقيّة المال «في الصورة» وهي: بعد تلبّس المبذول له بالإحرام)
الإتمام في الصورة التي لا يجوز لـه الرجوع، إلا إذا كان ذلك مقيّداً بتقدير
كفايته.
(51 مسألة): إذا قال: اقترض وحجّ وعليّ دينك، ففي وجوب ذلك عليه نظر (بل
منع) لعدم صدق الاستطاعة عرفاً، نعم لو قال: اقترض لي وحجّ به وجب (فيه
تأمّل وإن كان أحوط) مع وجود المقرض كذلك.
(52 مسألة): لو بذل لـه مالاً ليحجّ به فتبيّن بعد الحجّ أنه كان مغصوباً، ففي
كفايته للمبذول لـه عن حجّة الإسلام وعدمها، وجهان: أقواهما العدم (والكفاية
غير بعيدة) . أما لو قال: حجّ وعلى نفقتك ثمّ بذل لـه مالاً فبان كونه
مغصوباً، فالظاهر: صحّة الحجّ وأجزأه عن حجّة الإسلام لأنه استطاع بالبذل، وقرار
الضمان على الباذل في الصورتين عالماً كان بكونه مال الغير أو جاهلاً.
(53 مسألة): لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ بأجرة يصير بها مستطيعاً، وجب عليه
الحجّ، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير، لأن الواجب عليه في حجّ نفسه أفعال
الحجّ، وقطع الطريق مقدّمة توصّليّة بأيّ وجه أتى بها كفى، ولو على وجه الحرام أو
لا بنيّة الحجّ، ولذا لو كان مستطيعاً قبل الإجارة جاز لـه إجارة نفسه للخدمة في
الطريق، بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه بحيث يكون العمل المستأجر عليه نفس المشي
صحّ أيضاً ولا يضرّ بحجه، نعم لو آجر نفسه لحجّ بلديّ لم يجز لـه أن يؤجر نفسه لنفس
المشي كإجارته لزيارة بلديّة أيضاً، أما لو آجر للخدمة في الطريق فلا بأس وإن كان
مشيه للمستأجر الأول، فالممنوع وقوع الإجارة على نفس ما وجب عليه أصلاً أو
بالإجارة.
(54 مسألة): إذا استوجر، أي: طلب منه إجارة للخدمة بما يصير به مستطيعاً، لا يجب
عليه القبول ولا يستقرّ الحجّ عليه، فالوجوب عليه مقيّد بالقبول ووقوع الإجارة،
وقد يقال بوجوبه إذا لم يكن حرجاً عليه، لصدق الاستطاعة، ولأنه مالك لمنافعه فيكون
مستطيعاً قبل الإجارة، كما إذا كان مالكاً لمنفعة عبده أو دابّته وكانت كافية في
استطاعته، وهو كما ترى، إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في
بعض صوره: كما إذا كان من عادته إجارة نفسه للأسفار.
(55 مسألة): يجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه للنيابة عن الغير، وإن حصلت الاستطاعة
بمال الإجارة قدّم الحجّ النيابي (إن
كان النيابيّ مقيّداً بتلك السنة وإلا قدّم النائب حجّ نفسه) ، فإن بقيت
الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه وإلا فلا.
(56 مسألة): إذا حجّ لنفسه أو عن غيره تبرّعاً أو بالإجارة مع عدم كونه مستطيعاً لا
يكفيه عن حجّة الإسلام، فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك، وما في بعض الأخبار:
من إجزائه عنها، محمول على الإجزاء ما دام فقيراً كما صرّح به في بعضها الآخر.
فالمستفاد منها: أن حجّة الإسلام مستحبّة على غير المستطيع، وواجبة على المستطيع،
ويتحقّق الأول بأيّ وجه أتى به ولو عن الغير تبرّعاً أو بالإجارة، ولا يتحقّق
الثاني إلا مع حصول شرائط الوجوب.
(57 مسألة): يشترط في الاستطاعة مضافاً إلى مأونة الذهاب والإياب: وجود ما يمون به
عياله حتى يرجع، فمع عدمه لا يكون مستطيعاً.
والمراد بهم: من يلزمه نفقته لزوماً عرفيّاً وإن لم يكن ممن يجب عليه نفقته شرعاً
على الأقوى، فإذا كان لـه أخ صغير أو كبير فقير لا يقدر على التكسّب وهو ملتزم
بالإنفاق عليه، أو كان متكفّلاً لإنفاق يتيم في حجره ولو أجنبيّ، يعدّ عيالاً لـه،
فالمدار على العيال العرفي.
(58 مسألة): الأقوى وفاقاً لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلى كفاية: من تجارة أو
زراعة أو صناعة، أو منفعة ملك لـه: من بستان أو دكّان أو نحو ذلك، بحيث لا يحتاج
إلى التكفّف ولا يقع في الشدّة والحرج، ويكفي كونه قادراً على التكسّب اللائق به،
أو التجارة باعتباره ووجاهته وإن لم يكن لـه رأس مال يتّجر به، نعم قد مرّ عدم
اعتبار ذلك في الاستطاعة البذليّة، ولا يبعد عدم اعتباره أيضاً فيمن يمضي أمره
بالوجوه اللائقة به، كطلبة العلم من السادة وغيرهم، فإذا حصل لهم مقدار مأونة
الذهاب والإياب ومأونة عيالهم إلى حال الرجوع وجب عليهم.
بل وكذا الفقير الذي عادته وشغله أخذ الوجوه ولا يقدر على التكسّب إذا حصل لـه
مقدار مأونة الذهاب والإياب لـه ولعياله، وكذا كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ
وبعده إذا صرف ما حصل لـه من مقدار مأونة الذهاب والإياب من دون حرج عليه.
(59 مسألة): لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده ويحجّ به، كما لا يجب على الوالد
أن يبذل لـه، وكذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده ليحجّ به، وكذا لا يجوز
للوالد الأخذ من مال ولده للحجّ.
والقول بجواز ذلك أو وجوبه كما عن الشيخ ضعيف وإن كان يدلّ عليه صحيح سعيد بن
يسار: «سُئل الإمام الصادق عليه السلام: الرجل يحجّ من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم
يحجّ منه حجّة الإسلام، قال: وينفق منه؟ قال: نعم، ثمّ قال: إن مال الولد لوالده،
إن رجلاً اختصم هو ووالده إلى رسول الله صلی عليه وآله وسلّم فقضى أن المال والولد
للوالد» وذلك لإعراض (ومعارضته بصحيح
الحسين بن أبي العلاء) الأصحاب عنه، مع إمكان حمله على الاقتراض من ماله مع
استطاعته من مال نفسه، أو على ما إذا كان فقيراً وكانت نفقته على ولده ولم يكن نفقة
السفر إلى الحجّ أزيد من نفقته في الحضر، إذ الظاهر الوجوب حينئذٍ.
(60 مسألة): إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحجّ من ماله، فلو حجّ في نفقة غيره
لنفسه أجزأه، وكذا لو حجّ متسكّعاً، بل لو حجّ من مال الغير غصباً صحّ وأجزأه، نعم
إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه من المغصوب لم يصحّ (في
الطواف والسعي مع عدم إعادتهما بالثوب المباح وأما ثوب الإحرام والهدي إذا كانا من
الحرام فصحّة الحجّ معه غير بعيدة، خصوصاً إذا كان شراء الهدي في الذمّة) :
وكذا إذا كان ثمن هديه غصباً.
(61 مسألة): يشترط في وجوب الحجّ: الاستطاعة البدنيّة فلو كان مريضاً لا يقدر على
الركوب أو كان حرجاً عليه ولو على المحمل أو الكنيسة لم يجب، وكذا لو تمكّن من
الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مأونته، وكذا لو احتاج إلى خادم ولم يكن عنده
مأونته.
(62 مسألة): ويشترط أيضاً: الاستطاعة الزمانيّة، فلو كان الوقت ضيّقاً لا يمكنه
الوصول إلى الحجّ أو أمكن لكن بمشقّة شديدة لم يجب، وحينئذٍ: فإن بقيت الاستطاعة
إلى العام القابل وجب، وإلا فلا.
(63 مسألة): ويشترط أيضاً، الاستطاعة السربيّة، بأن لا يكون في الطريق مانع لا يمكن
معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال، وإلا لم يجب. وكذا لو كان غير مأمون:
بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله وكان الطريق منحصراً فيه، أو كان جميع
الطرق كذلك، ولو كان هناك طريقان: أحدهما أقرب لكنّه غير مأمون وجب الذهاب من
الأبعد المأمون، ولو كان جميع الطرق مخوفاً إلا أنه يمكنه الوصول إلى الحجّ
بالدوران في البلاد، مثل ما إذا كان من أهل العراق ولا يمكنه إلا أن يمشي إلى
كرمان، ومنه إلى خراسان، ومنه إلى بخاری، ومنه إلى الهند، ومنه إلى بوشهر، ومنه إلى
جدّه ـ مثلاًـ ومنه إلى المدينة، ومنها إلى مكّة فهل يجب أو لا؟ وجهان: أقواهما عدم
الوجوب (مع الحرج، أو الضرر المجحف،
وإلا فالوجوب غير بعيد) ، لأنه يصدق عليه أنه لا يكون مخلّى السرب.
(64 مسألة): إذا استلزم الذهاب إلى الحجّ تلف مال لـه في بلده معتدّ به لم يجب،
وكذا إذا كان هناك مانع شرعي: من استلزامه ترك واجب فوري سابق (الملاك:
أهميّة ذلك علی الحجّ ولا فرق بين السابق والمقارن واللاحق، كما لا فرق بين ترك
واجب أو ارتكاب محرّم) على حصول الاستطاعة، أو لاحق مع كونه أهمّ من الحجّ
كإنقاذ غريق أو حريق، وكذا إذا توقّف على ارتكاب محرّم: كما إذا توقّف على ركوب
دابّة غصبيّة أو المشي في الأرض المغصوبة.
(65 مسألة): قد علم ممّا مرّ أنه يشترط في وجوب الحجّ ـ مضافاً إلى البلوغ والعقل
والحرية ـ : الاستطاعة الماليّة والبدنيّة والزمانيّة والسربيّة وعدم استلزامه
الضرر أو ترك واجب أو فعل حرام، ومع فقد أحد هذه لا يجب، فبقي الكلام في أمرين:
أحدهما: إذا اعتقد تحقّق جميع هذه مع فقد بعضها واقعاً، أو اعتقد فقد بعضها وكان
متحقّقاً، فنقول: إذا اعتقد كونه بالغاً أو حرّاً مع تحقّق سائر الشرائط فحجّ، ثمّ
بان أنه كان صغيراً أو عبداً، فالظاهر بل المقطوع: عدم إجزائه عن حجّة الإسلام.
وإن اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً مع تحقّق سائر الشرائط وأتى به أجزأه عن حجّة
الإسلام كما مرّ سابقاً، وإن تركه مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجّة (بل
إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه بالنسبة إلى الاستطاعة الماليّة و البدنيّة
والسربيّة كما سيأتي إن شاء الله تعالی منه قدّس سرّه التصريح به في المسألة
الواحدة والثمانين) ، فالظاهر: استقرار وجوب الحجّ عليه، فإن فقد بعض
الشرائط بعد ذلك: كما إذا تلف ماله، وجب عليه الحجّ ولو متسكّعاً.
وإن اعتقد كونه مستطيعاً مالاً وأن ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحجّ، ففي
إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه وجهان (والأوجه
عدم الإجزاء) : من فقد الشرط واقعاً، ومن أن القدر المسلّم من عدم إجزاء حجّ
غير المستطيع عن حجّة الإسلام غير هذه الصورة.
وإن اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافياً وترك الحجّ، فالظاهر:
الاستقرار عليه.
وإن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحجّ فبان الخلاف، فالظاهر: كفايته.
وإن اعتقد المانع من العدوّ أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ فبان الخلاف، فهل يستقرّ
عليه الحجّ أو لا؟ وجهان: والأقوى عدمه، لأن المناط في الضرر الخوف وهو حاصل، إلا
إذا كان اعتقاده على خلاف رويّة العقلاء وبدون الفحص والتفتيش.
وإن اعتقد عدم مانع شرعي فحجّ فالظاهر: الإجزاء إذا بان الخلاف.
وإن اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف، فالظاهر: الاستقرار.
ثانيهما: إذا ترك الحجّ مع تحقّق الشرائط متعمّداً، أو حجّ مع فقد بعضها كذلك.
أما الأول: فلا إشكال في استقرار الحجّ عليه مع بقائها إلى ذي الحجّة (بل
إلی زمان يمكن فيه العود إلی وطنه كما تقدّم) .
وأما الثاني: فإن حجّ مع عدم البلوغ أو عدم الحريّة فلا إشكال في عدم إجزائه، إلا
إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفين على إشكال في البلوغ قد مرّ (ومرّ
منّا قوّة القول بالإجزاء) .
وإن حجّ مع عدم الاستطاعة الماليّة فظاهرهم: مسلّمية عدم الإجزاء، ولا دليل عليه
إلا الإجماع، وإلا فالظاهر: أن حجّة الإسلام هو الحجّ الأول (بل
الحجّ الواجب بالاستطاعة) وإذا أتى به كفى ولو كان ندباً، كما إذا أتى
الصبيّ صلاة الظهر مستحبّاً ـ بناءً على شرعيّة عباداته ـ فبلغ في أثناء الوقت فإن
الأقوى عدم وجوب إعادتها، ودعوى: أن المستحب لا يجزي عن الواجب ممنوعة بعد اتّحاد
ماهيّة الواجب والمستحب، نعم لو ثبت تعدّد ماهيّة حجّ المتسكّع والمستطيع تمَّ ما
ذكر لا لعدم إجزاء المستحب عن الواجب، بل لتعدّد الماهيّة.
وإن حجّ مع عدم أمن الطريق، أو مع عدم صحة البدن مع كونه حرجاً عليه، أو مع ضيق
الوقت كذلك، فالمشهور بينهم: عدم إجزائه عن الواجب، وعن الدروس: الإجزاء، إلا إذا
كان إلى حدّ الإضرار بالنفس وقارن بعض المناسك فيحتمل عدم الإجزاء، ففرق بين حجّ
المتسكّع وحجّ هؤلاء، وعلّل الإجزاء: بأن ذلك من باب تحصيل الشرط، فإنه لا يجب لكن
إذا حصله وجب.
وفيه: إن مجرّد البناء على ذلك لا يكفي في حصول الشرط، مع أن غاية الأمر حصول
المقدّمة التي هو المشي إلى مكّة ومنى وعرفات، ومن المعلوم: أن مجرّد هذا لا يوجب
حصول الشرط الذي هو عدم الضرر أو عدم الحرج، نعم لو كان الحرج أو الضرر في المشي
إلى الميقات فقط ولم يكونا حين الشروع في الأعمال تمَّ ما ذكره، ولا قائل بعدم
الإجزاء في هذه الصورة.
هذا ومع ذلك فالأقوى: ما ذكره في الدروس، لا لما ذكره بل لأن الضرر والحرج إذا لم
يصلا إلى حدّ الحرمة إنما يرفعان الوجوب والإلزام لا أصل الطلب، فإذا تحمّلهما وأتى
بالمأمور به كفى.
(66 مسألة): إذا حجّ مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرّم، لم يجزئه عن حجّة
الإسلام (الإجزاء غير بعيد مطلقاً)
وإن اجتمع سائر الشرائط، لا لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه ـ لمنعه أولاً، ومنع
بطلان العمل بهذا النهي ثانياً لأن النهي متعلق بأمر خارج ـ بل لأن الأمر مشروط
بعدم المانع ووجوب ذلك الواجب مانع، وكذلك النهي المتعلّق بذلك المحرّم مانع ومعه
لا أمر بالحجّ (لا يخلو الأمر من
أهميّة الحجّ، أو أهميّة ذلك الواجب أو الحرام، فعلی الأول الأمر موجود مطلقاً،
وعلى الثاني على الترتّب) ، نعم لو كان الحجّ مستقرّاً عليه وتوقّف الإتيان
به على ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة وأمكن أن يقال بالإجزاء، لما ذكر
من منع اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضدّه، ومنع كون النهي المتعلّق بأمر خارج
موجباً للبطلان.
(67 مسألة): إذا كان في الطريق عدوّ لا يندفع إلا بالمال، فهل يجب الحجّ أو لا؟
أقوال: ثالثها الفرق بين المضرّ بحاله (أو
المجحف وإن لم يضرّ بحاله) وعدمه، فيجب في الثاني دون الأول.
(68 مسألة): لو توقّف الحجّ على قتال العدوّ، لم يجب حتى مع ظنّ الغلبة عليه
والسلامة، وقد يقال بالوجوب في هذه الصورة (إذا
كان العدوّ قليلاً يقدِم علی قتال مثله العقلاء: كالعدو الواحد الضعيف ـ مثلاًـ
) .
(69 مسألة): لو انحصر الطريق في البحر، وجب ركوبه إلا مع خوف الغرق أو المرض خوفاً
عقلائياً، أو استلزامه الإخلال بصلاته، أو إيجابه لأكل النجس أو شربه (لا
يسقط الحجّ بأمثال ذلك لأهميّته) ، ولو حجّ مع هذا صح حجّه لأن ذلك في
المقدّمة، وهي: المشي إلى الميقات، كما إذا ركب دابّة غصبيّة إلى الميقات.
(70 مسألة): إذا استقرّ عليه الحجّ وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق
الواجبة، وجب عليه أداؤها، ولا يجوز لـه المشي إلى الحجّ قبلها، ولو تركها عصى.
وأما حجّه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمّته لا في عين ماله، وكذا إذا كانت في عين
ماله ولكن كان ما يصرفه في مأونته من المال الذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو
غيرهما، أو كان ممّا تعلق به الحقوق ولكن كان ثوب إحرامه (تقدّم
الكلام فيه في المسألة الستين) وطوافه وسعيه وثمن هديه من المال الذي ليس
فيه حق، بل وكذا إذا كانا ممّا تعلّق به الحقّ من الخمس والزكاة إلا أنه بقي عنده
مقدار ما فيه منهما، بناءً على ما هو الأقوى (بل
الأظهر كونهما علی نحو الاشاعة، ولكن جواز التصرف في المال قبل إخراج الزكاة
للدليل، وفي الخمس لكونه محكوماً بأحكام الزكاة إلا ما خرج) من كونهما في
العين على نحو الكلِّي في المعيّن لا على وجه الإشاعة.
(71 مسألة): يجب على المستطيع الحجّ مباشرة، فلا يكفيه حجّ غيره عنه تبرعاً أو
بالإجارة إذا كان متمكّناً من المباشرة بنفسه.
(72 مسألة): إذا استقرّ الحجّ عليه ولم يتمكّن من المباشرة لمرض لم يرج زواله، أو
حصر كذلك، أو هرم بحيث لا يقدر، أو كان حرجاً عليه، فالمشهور: وجوب الاستنابة عليه،
بل ربما يقال بعدم الخلاف فيه وهو الأقوى. وإن كان ربما يقال بعدم الوجوب، وذلك
لظهور جملة من الأخبار في الوجوب.
وأما إن كان موسراً من حيث المال ولم يتمكّن من المباشرة مع عدم استقراره عليه، ففي
وجوب الاستنابة وعدمه، قولان: لا يخلو أولهما عن قوّة لإطلاق الأخبار المشار إليها،
وهي وإن كانت مطلقة من حيث رجاء الزوال وعدمه لكن المنساق من بعضها ذلك، مضافاً إلى
ظهور الإجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال.
والظاهر: فوريّة الوجوب كما في صورة المباشرة، ومع بقاء العذر إلى أن مات يجزيه حجّ
النائب، فلا يجب القضاء عنه وإن كان مستقرّاً عليه.
وإن اتّفق ارتفاع العذر بعد ذلك، فالمشهور: أنه يجب عليه مباشرةً وإن كان بعد إتيان
النائب، بل ربما يدّعى عدم الخلاف فيه.
لكن الأقوى: عدم الوجوب، لأن ظاهر الأخبار أن حجّ النائب هو الذي كان واجباً على
المنوب عنه، فإذا أتى به فقد حصل ما كان واجباً عليه ولا دليل على وجوبه مرّة أخرى،
بل لو قلنا باستحباب الاستنابة، فالظاهر: كفاية فعل النائب بعد كون الظاهر
الاستنابة فيما كان عليه، ومعه لا وجه لدعوى: أن المستحب لا يجزي عن الواجب، إذ ذلك
فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجباً، والمفروض في المقام: أنه هو.
بل يمكن أن يقال: إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بأن كان الارتفاع بعد إحرام
النائب أنه يجب عليه الإتمام ويكفي عن المنوب عنه، بل يحتمل ذلك وإن كان في أثناء
الطريق قبل الدخول في الإحرام، ودعوى: أن جواز النيابة ما داميٌّ كما ترى، بعد كون
الاستنابة بأمر الشارع، وكون الإجارة لازمة لا دليل على انفساخها خصوصاً إذا لم
يمكن إبلاغ النائب المؤجر ذلك.
ولا فرق فيما ذكرنا: من وجوب الاستنابة، بين من عرضه العذر من المرض وغيره، وبين من
كان معذوراً خلقة، والقول بعدم الوجوب في الثاني وإن قلنا بوجوبه في الأول ضعيف.
وهل يختصّ الحكم بحجّة الإسلام، أو يجري في الحجّ النذري والإفسادي أيضاً؟ قولان (لا
يبعد الجريان كما يأتي إن شاء الله تعالی التصريح به من الماتن قدّس سرّه في
المسألة الحادية عشرة من الفصل الآتي) : والقدر المتيقّن هو الأول بعد كون
الحكم على خلاف القاعدة.
وإن لم يتمكّن المعذور من الاستنابة ولو لعدم وجود النائب، أو وجوده مع عدم رضاه
إلا بأزيد من أجرة المثل ولم يتمكّن من الزيادة، أو كانت مجحفة سقط الوجوب،
وحينئذٍ: فيجب القضاء عنه بعد موته إن كان مستقرّاً عليه، ولا يجب مع عدم
الاستقرّار.
ولو ترك الاستنابة مع الإمكان عصى بناءً على الوجوب، ووجب القضاء عنه مع الاستقرار،
وهل يجب مع عدم الاستقرار أيضاً أو لا؟ وجهان: أقواهما نعم، لأنه استقرّ عليه بعد
التمكّن من الاستنابة.
ولو استناب مع كون العذر مرجوّ الزوال لم يجزئ عن حجّة الإسلام، فيجب عليه بعد زوال
العذر.
ولو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب، فالظاهر: الكفاية، وعن صاحب
المدارك: عدمها ووجوب الإعادة، لعدم الوجوب مع عدم اليأس فلا يجزي عن الواجب، وهو
كما ترى.
والظاهر: كفاية حجّ المتبرّع عنه في صورة وجوب الاستنابة.
وهل يكفي الاستنابة من الميقات كما هو الأقوى في القضاء عنه بعد موته؟ وجهان: لا
يبعد الجواز حتى إذا أمكن ذلك في مكّة مع كون الواجب عليه هو التمتّع، ولكن الأحوط
خلافه، لأن القدر المتيقّن من الأخبار الاستنابة من مكانه، كما أن الأحوط عدم كفاية
التبرّع عنه لذلك أيضاً.
(73 مسألة): إذا مات من استقرّ عليه الحجّ في الطريق:
فإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام فلا يجب القضاء عنه.
وإن مات قبل ذلك وجب القضاء عنه وإن كان موته بعد الإحرام (للكفاية
وجه إذا مات بعد الإحرام مطلقاً، سواء دخل الحرم أم لم يدخل) على المشهور
الأقوى، خلافاً لما عن الشيخ وابن إدريس، فقالا بالإجزاء حينئذٍ أيضاً، ولا دليل
لهما على ذلك إلا إشعار بعض الأخبار: كصحيحة بريد العجلي حيث قال فيها ـ بعد الحكم
بالإجزاء إذا مات في الحرم ـ : «وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم، جعل جمله وزاده
ونفقته في حجّة الإسلام» فإن مفهومه: الإجزاء إذا كان بعد أن يحرم، لكنّه معارض
بمفهوم صدرها وبصحيح ضريس وصحيح زرارة ومرسل المقنعة، مع أنه يمكن أن يكون المراد
من قولـه: «قبل أن يحرم» قبل أن يدخل في الحرم، كما يقال: أنجد، أي: دخل في نجد،
وأيمن، أي: دخل اليمن، فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية الدخول في الإحرام، كما لا
يكفي الدخول في الحرم بدون الإحرام: كما إذا نسيه في الميقات ودخل الحرم ثمّ مات،
لأن المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الإحرام، ولا يعتبر دخول مكّة وإن
كان الظاهر من بعض الأخبار ذلك، لإطلاق البقيّة في كفاية دخول الحرم.
والظاهر: عدم الفرق بين كون الموت حال الإحرام، أو بعد الإحلال: كما إذا مات بين
الإحرامين، وقد يقال بعدم الفرق أيضاً بين كون الموت في الحلّ أو الحرم بعد كونه
بعد الإحرام ودخول الحرم، وهو مشكل لظهور الأخبار في الموت في الحرم.
والظاهر: عدم الفرق بين حجّ التمتّع والقران والإفراد، كما أن الظاهر: أنه لو مات
في أثناء عمرة التمتّع أجزأه عن حجّه أيضاً، بل لا يبعد الإجزاء إذا مات في أثناء
حجّ القران أو الإفراد عن عمرتهما وبالعكس، لكنّه مشكل (الاشكال
غير قويٍّ) لأن الحجّ والعمرة فيهما عملان مستقلّان، بخلاف حجّ التمتّع فإن
العمرة فيه داخلة في الحجّ، فهما عمل واحد.
ثمّ الظاهر: اختصاص (الاختصاص غير
واضح) حكم الإجزاء بحجّة الإسلام، فلا يجري الحكم في حجّ النذر والإفساد إذا
مات في الأثناء، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً وإن احتمله (الاحتمال
في محلّه) بعضهم.
وهل يجري الحكم المذكور فيمن مات مع عدم استقرّار الحجّ عليه، فيجزيه عن حجّة
الإسلام إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم، ويجب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك؟ وجهان،
بل قولان: من إطلاق الأخبار في التفصيل المذكور، ومن أنه لا وجه لوجوب القضاء عمّن
لم يستقرّ عليه بعد كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانيّة، ولذا لا يجب إذا مات في
البلد قبل الذهاب، أو إذا فقد بعض الشرائط الأخر مع كونه موسراً.
ومن هنا ربما يجعل الأمر بالقضاء فيها قرينة على اختصاصها بمن استقرّ عليه، وربما
يحتمل اختصاصها بمن لم يستقرّ عليه، وحمل الأمر بالقضاء على الندب، وكلاهما مناف
لإطلاقها، مع أنه على الثاني يلزم بقاء الحكم فيمن استقرّ عليه بلا دليل، مع أنه
مسلّم بينهم.
والأظهر الحكم بالإطلاق: إما بالتزام وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في
الطريق ـ كما عليه جماعة ـ وإن لم يجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط، أو الموت وهو
في البلد، وإما بحمل الأمر بالقضاء على القدر المشترك واستفادة الوجوب فيمن استقرّ
عليه من الخارج، وهذا هو الأظهر. فالأقوى: جريان الحكم المذكور فيمن لم يستقرّ عليه
أيضاً فيحكم بالإجزاء إذا مات بعد الأمرين، واستحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك.
(74 مسألة): الكافر يجب عليه الحجّ إذا استطاع، لأنه مكلّف بالفروع (فيه
إشكال خصوصاً في القاصرين منهم، بل منع ـ على ما تقدّم مراراًـ ) لشمول
الخطابات لـه أيضاً، ولكن لا يصحّ منه ما دام كافراً ـ كسائر العبادات ـ وإن كان
معتقداً لوجوبه وآتياً به على وجهه مع قصد القربة لأن الإسلام شرط في الصحّة، ولو
مات لا يقضى عنه لعدم كونه أهلاً للإكرام والإبراء، ولو أسلم مع بقاء استطاعته وجب
عليه، وكذا لو استطاع بعد إسلامه، ولو زالت استطاعته ثمّ أسلم لم يجب عليه على
الأقوى، لأن الإسلام يجبّ ما قبله: كقضاء الصلوات والصيام حيث إنه واجب عليه حال
كفره كالأداء وإذا أسلم سقط عنه.
ودعوى: أنه لا يُعقل الوجوب عليه، إذ لا يصحّ منه إذا أتى به وهو كافر، ويسقط عنه
إذا أسلم. مدفوعة: بأنه يمكن أن يكون الأمر به حال كفره أمراً تهكّمياً ليعاقب لا
حقيقيّاً، لكنّه مشكل بعد عدم إمكان إتيانه به لا كافراً ولا مسلماً.
والأظهر أن يقال: إنه حال استطاعته مأمور بالإتيان به مستطيعاً، وإن تركه
فمتسكّعاً، وهو ممكن في حقّه لإمكان إسلامه وإتيانه مع الاستطاعة ولا معها إن ترك،
فحال الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال، ومأمور على فرض تركه حالها بفعله بعدها،
وكذا يدفع الإشكال في قضاء الفوائت فيقال: إنه في الوقت مكلّف بالأداء ومع تركه
بالقضاء وهو مقدور لـه بأن يسلم فيأتي بها أداءً، ومع تركها قضاءً، فتوجّه الأمر
بالقضاء إليه إنما هو في حال الأداء على نحو الأمر المعلّق.
فحاصل الإشكال: أنه إذا لم يصحّ الإتيان به حال الكفر ولا يجب عليه إذا أسلم، فكيف
يكون مكلّفاً بالقضاء ويعاقب على تركه؟
وحاصل الجواب: أنه يكون مكلّفاً بالقضاء في وقت الأداء على نحو الوجوب المعلّق، ومع
تركه الإسلام في الوقت فوّت على نفسه الأداء والقضاء، فيستحقّ العقاب عليه.
وبعبارة أخرى: كان يمكنه الإتيان بالقضاء بالإسلام في الوقت إذا ترك الأداء،
وحينئذٍ فإذا ترك الإسلام ومات كافراً يعاقب على مخالفة الأمر بالقضاء وإذا أسلم
يغفر لـه وإن خالف أيضاً واستحقّ العقاب.
(75 مسألة): لو أحرم الكافر ثمّ أسلم في الأثناء لم يكفه ووجب عليه الإعادة من
الميقات، ولو لم يتمكّن من العود إلى الميقات أحرم من موضعه (
إذا لم يمكنه الإحرام من الأقرب فالأقرب إلى الميقات) ، ولا يكفيه إدراك أحد
الوقوفين مسلماً لأن إحرامه باطل.
(76 مسألة): المرتدّ يجب عليه الحجّ، سواء كانت استطاعته حال إسلامه السابق أو حال
ارتداده ولا يصحّ منه: فإن مات قبل أن يتوب يعاقب على تركه ولا يقضى عنه على الأقوى
لعدم أهليته للإكرام وتفريغ ذمّته كالكافر الأصليّ، وإن تاب وجب عليه وصحّ منه وإن
كان فطرياً على الأقوى من قبول توبته، سواء بقيت استطاعته أو زالت قبل توبته، فلا
تجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لأنها مختصّة بالكافر الأصليّ بحكم التبادر، ولو أحرم
في حال ردّته ثمّ تاب وجب عليه الإعادة كالكافر الأصليّ، ولو حجّ في حال إحرامه ثمّ
ارتدّ لم يجب عليه الإعادة على الأقوى، ففي خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام:
«من كان مؤمناً فحجّ ثمّ أصابته فتنة ثمّ تاب يحسب لـه كلّ عمل صالح عمله ولا يبطل
منه شيء» وآية الحبط مختصّة بمن مات على كفره بقرينة الآية الأخرى وهي قولـه
تعالى: ﴿ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ وهذه الآية دليل على قبول توبة المرتدّ الفطريّ، فما ذكره
بعضهم من عدم قبولها منه لا وجه له.
(77 مسألة): لو أحرم مسلماً ثمّ ارتدّ ثمّ تاب لم يبطل إحرامه على الأصحّ، كما هو
كذلك لو ارتدّ في أثناء الغسل ثمّ تاب، وكذا لو ارتدّ في أثناء الأذان أو الإقامة
أو الوضوء ثمّ تاب قبل فوات الموالاة، بل وكذا لو ارتدّ في أثناء الصلاة ثمّ تاب
قبل أن يأتي بشيء أو يفوت الموالاة على الأقوى: من عدم كون الهيئة الاتصاليّة
جزءاً فيها، نعم لو ارتدّ في أثناء الصوم بطل وإن تاب بلا فصل.
(78 مسألة): إذا حجّ المخالف ثمّ استبصر، لا يجب عليه الإعادة بشرط أن يكون صحيحاً
في مذهبه وإن لم يكن صحيحاً في مذهبنا، من غير فرق بين الفرق، لإطلاق الأخبار، وما
دلّ على الإعادة من الأخبار محمول على الاستحباب بقرينة بعضها الآخر من حيث التعبير
بقوله عليه السلام : «يقضي أحبّ إليّ» وقوله عليه السلام : «والحجّ أحبّ إليّ».
(79 مسألة): لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا كانت مستطيعة، ولا يجوز لـه
منعها منه، وكذا في الحجّ الواجب بالنذر ونحوه (للزوج
حلّ نذرها، ولكن مع عدم الحلّ فان كان الحجّ المنذور منافياً لحقّه في الاستمتاع
كان له منعها إذا لم يكن قد إذن بالنذر قبلاً) إذا كان مضيّقاً، وأما في
الحجّ المندوب فيشترط إذنه، وكذا في الواجب الموسّع قبل تضيّقه على الأقوى، بل في
حجّة الإسلام يجوز لـه منعها من الخروج مع أول الرفقة مع وجود الرفقة الأخرى قبل
تضيّق الوقت.
والمطلّقة الرجعيّة كالزوجة في اشتراط إذن الزوج ما دامت في العدّة، بخلاف البائنة
لانقطاع عصمتها منه، وكذا المعتدّة للوفاة فيجوز لها الحجّ واجباً كان أو مندوباً،
والظاهر: أن المنقطعة كالدائمة (مع
منافاة الحجّ لحقّ الزوج في الاستمتاع) في اشتراط الإذن، ولا فرق في اشتراط
الإذن بين أن يكون ممنوعاً من الاستمتاع بها لمرض أو سفر أو لا.
(80 مسألة): لا يشترط وجود المحرم في حجّ المرأة إذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها،
كما دلّت عليه جملة من الأخبار، ولا فرق بين كونها ذات بعل أو لا. ومع عدم أمنها
يجب عليها استصحاب المحرم ولو بالأجرة مع تمكّنها منها، ومع عدمه لا تكون مستطيعة.
وهل يجب عليها التزويج تحصيلاً للمحرم؟ وجهان (والأوجه
الوجوب مع عدم الحرج) .
ولو كانت ذات زوج وادّعى عدم الأمن عليها وأنكرت، قدّم قولها مع عدم البيّنة أو
القرائن الشاهدة، والظاهر: عدم استحقاقه اليمين عليها، إلا أن ترجع الدعوى إلى ثبوت
حقّ الاستمتاع لـه عليها بدعوى أن حجّها حينئذٍ مفوّت لحقّه مع عدم وجوبه عليها،
فحينئذٍ عليها اليمين على نفي الخوف.
وهل للزوج مع هذه الحالة منعها عن الحجّ باطناً إذا أمكنه ذلك؟ وجهان (أوجههما
جواز المنع مع الجزم بعدم الأمن) في صورة عدم تحليفها، وأما معه فالظاهر
سقوط حقّه، ولو حجّت بلا محرم مع عدم الأمن صحّ حجّها إن حصل الأمن قبل الشروع في
الإحرام، وإلا ففي الصحّة إشكال وإن كان الأقوى الصحّة.
(81 مسألة): إذا استقرّ عليه الحجّ بأن استكملت الشرائط وأهمل حتى زالت أو زال
بعضها، صار ديناً عليه ووجب الإتيان به بأيّ وجه تمكّن، وإن مات فيجب أن يقضى عنه
إن كانت لـه تركة، ويصحّ التبرّع عنه.
واختلفوا فيما به يتحقّق الاستقرّار على أقوال، فالمشهور: مضيّ زمان يمكن فيه
الإتيان بجميع أفعاله مستجمعاً للشرائط، وهو: إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة.
وقيل باعتبار مضيّ زمان يمكن فيه الإتيان بالأركان جامعاً للشرائط فيكفي بقاؤها إلى
مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان والسعي.
وربما يقال باعتبار بقائها إلى عود الرفقة.
وقد يحتمل كفاية بقائها إلى زمان يمكن فيه الإحرام ودخول الحرم.
وقد يقال بكفاية وجودها حين خروج الرفقة فلو أهمل استقرّ عليه وإن فقدت بعض ذلك،
لأنه كان مأموراً بالخروج معهم.
والأقوى: اعتبار بقائها إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه بالنسبة إلى الاستطاعة
الماليّة والبدنيّة والسربيّة، وأما بالنسبة إلى مثل العقل فيكفي بقاؤه إلى آخر
الأعمال، وذلك لأن فقد بعض هذه الشرائط يكشف عن عدم الوجوب عليه واقعاً، وأن وجوب
الخروج مع الرفقة كان ظاهرياً، ولذا لو علم من الأول أن الشرائط لا تبقى إلى الآخر
لم يجب عليه، نعم لو فرض تحقّق الموت بعد تمام الأعمال كفى بقاء تلك الشرائط إلى
آخر الأعمال، لعدم الحاجة حينئذٍ إلى نفقة العود والرجوع إلى كفاية وتخلية السرب
ونحوها، ولو علم من الأول بأنه يموت بعد ذلك: فإن كان قبل تمام الأعمال لم يجب عليه
المشي، وإن كان بعده وجب عليه.
هذا إذا لم يكن فقد الشرائط مستنداً إلى ترك المشيّ وإلا استقرّ عليه: كما إذا علم
أنه لو مشى إلى الحجّ لم يمت أو لم يقتل أو لم يسرق ماله ـ مثلاًـ فإنه حينئذٍ
يستقرّ عليه الوجوب لأنه بمنزلة تفويت الشرط على نفسه، وأما لو شكّ في أن الفقد
مستند إلى ترك المشي أو لا، فالظاهر: عدم الاستقرّار للشكّ في تحقّق الوجوب وعدمه
واقعاً.
هذا بالنسبة إلى استقرّار الحجّ لو تركه، وأما لو كان واجداً للشرائط حين المسير
فسار ثمّ زال بعض الشرائط في الأثناء فأتمّ الحجّ على ذلك الحال، كفى حجّه عن حجّة
الإسلام إذا لم يكن المفقود مثل العقل، بل كان هو الاستطاعة البدنيّة أو الماليّة
أو السربيّة ونحوها على الأقوى.
(82 مسألة): إذا استقرّ عليه العمرة فقط أو الحجّ فقط كما فيمن وظيفته حجّ الإفراد
والقران ثمّ زالت استطاعته، فكما مرّ يجب عليه أيضاً بأيّ وجه تمكّن، وإن مات يقضى
عنه.
(83 مسألة): تقضى حجّة الإسلام من أصل التركة إذا لم يوص بها، سواء كانت حجّ
التمتّع أو القران أو الإفراد، وكذا إذا كان عليه عمرتهما.
وإن أوصى بها من غير تعيين كونها من الأصل أو الثلث فكذلك أيضاً.
وأما أن أوصى بإخراجها من الثلث وجب إخراجها منه، وتُقدّم على الوصايا المستحبة وإن
كانت متأخّرة عنها في الذكر، وإن لم يف الثلث بها أخذت البقية من الأصل.
والأقوى: أنّ حجّ النذر أيضاً كذلك، بمعنى: أنه يخرج من الأصل كما سيأتي الإشارة
إليه.
ولو كان عليه دَين أو خمس أو زكاة وقصرت التركة: فإن كان المال المتعلّق به الخمس
أو الزكاة موجوداً قدّم لتعلّقهما بالعين فلا يجوز صرفه في غيرهما، وإن كانا في
الذمّة فالأقوى أن التركة توزّع على الجميع بالنسبة، كما في غرماء المفلّس.
وقد يقال بتقدّم الحجّ على غيره وإن كان دَين الناس، لخبر معاوية بن عمّار الدالّ
على تقديمه على الزكاة، ونحوه خبر آخر، لكنهما موهونان بإعراض الأصحاب مع أنهما في
خصوص الزكاة.
وربما يحتمل تقديم دَين الناس لأهميّته، والأقوى ما ذكر من التخصيص، وحينئذٍ: فإن
وفت حصّة الحجّ به فهو، وإلا فإن لم تف إلا ببعض الأفعال كالطواف فقط أو هو مع
السعي، فالظاهر: سقوطه وصرف حصته في الدَّين أو الخمس أو الزكاة ومع وجود الجميع
توزّع عليها.
وإن وفت بالحجّ فقط أو العمرة فقط: ففي مثل حجّ القران والإفراد تصرف فيهما مخيّراً
بينهما والأحوط تقديم الحجّ، وفي حجّ التمتّع الأقوى السقوط وصرفها في الدين وغيره.
وربما يحتمل فيه أيضاً التخيير أو ترجيح الحجّ لأهميّته أو العمرة لتقدّمها، لكن لا
وجه لها بعد كونهما في التمتّع عملاً واحداً، وقاعدة الميسور لا جابر لها في
المقام.
(84 مسألة): لا يجوز (إذا لم يلتزموا
بحجّ الميّت ولو من مال آخر، وكذا الدَّين) للورثة التصرّف في التركة قبل
استيجار الحجّ إذا كان مصرفه مستغرقاً لها، بل مطلقاً على الأحوط (بل
الأولى، وكذا الدَّين) إلا إذا كانت واسعة جدّاً فلهم التصرّف في بعضها
حينئذٍ مع البناء على إخراج الحجّ من بعضها الآخر، كما في الدَّين، فحاله حال
الدَّين.
(85 مسألة): إذا أقرّ بعض الورثة بوجوب الحجّ على المورث وأنكره الآخرون، لم يجب
عليه إلا دفع ما يخصّ حصّته بعد التوزيع، وإن لم يف ذلك بالحجّ لا يجب عليه تتميمه
من حصّته، كما إذا أقرّ بدَين وأنكره غيره من الورثة، فإنه لا يجب عليه دفع الأزيد،
فمسألة الإقرار بالحجّ أو الدَّين مع إنكار الآخرين نظير مسألة الإقرار بالنسب، حيث
إنه إذا أقرّ أحد الأخوين بأخ آخر وأنكره الآخر، لا يجب عليه إلا دفع الزائد عن
حصّته، فيكفي دفع ثلث ما في يده، ولا ينزل إقراره على الإشاعة على خلاف القاعدة
للنصّ (النصّ على وفق القاعدة)
.
(86 مسألة): إذا كان على الميّت الحجّ ولم تكن تركته وافية به ولم يكن دين،
فالظاهر: كونها للورثة ولا يجب صرفها في وجوه البرّ عن الميّت، لكن الأحوط (في
غير حصّة الصغار) التصدّق عنه للخبر عن الإمام الصادق عليه السلام : «عن
رجل مات وأوصى بتركته أن أحجّ بها، فنظرت في ذلك فلم يكفه للحجّ فسألت من عندنا من
الفقهاء، فقالوا: تصدّق بها، فقال عليه السلام: ما صنعت بها؟ فقال: تصدّقت بها،
فقال عليه السلام: ضمنت إلا أن لا يكون يبلغ ما يحجّ به من مكّة، فإن كان لا يبلغ
ما يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان» نعم لو احتمل كفايتها للحجّ بعد ذلك أو وجود
متبرّع بدفع التتمّة لمصرف الحجّ وجب إبقاؤه (على
الأحوط) .
(87 مسألة): إذا تبرّع متبرّع بالحجّ عن الميّت رجعت أجرة الاستيجار إلى الورثة،
سواء عيّنها الميّت أو لا، والأحوط (
في غير حصة الصغار) صرفها في وجوه البرّ أو التصدّق عنه خصوصاً فيما إذا
عيّنها الميّت، للخبر المتقدّم.
(88 مسألة): هل الواجب الاستيجار عن الميّت من الميقات أو البلد؟ المشهور: وجوبه من
أقرب المواقيت إلى مكّة إن أمكن، وإلا فمن الأقرب إليه فالأقرب.
وذهب جماعة إلى وجوبه من البلد مع سعة المال وإلا فمن الأقرب إليه فالأقرب.
وربما يحتمل قول ثالث وهو الوجوب من البلد مع سعة المال وإلا فمن الميقات، وإن أمكن
من الأقرب إلى البلد فالأقرب.
والأقوى: هو القول الأول وإن كان الأحوط القول الثاني، لكن لا يحسب الزائد عن أجرة
الميقاتيّة على الصغار من الورثة.
ولو أوصى بالاستيجار من البلد وجب ويحسب الزائد عن أجرة الميقاتيّة من الثلث، ولو
أوصى ولم يعيّن شيئاً كفت الميقاتيّة، إلا إذا كان هناك انصراف إلى البلديّة أو
كانت قرينة على إرادتها: كما إذا عيّن مقداراً يناسب البلديّة.
(89 مسألة): لو لم يمكن الاستيجار إلا من البلد، وجب وكان جميع المصرف من الأصل.
(90 مسألة): إذا أوصى بالبلديّة أو قلنا بوجوبها مطلقاً فخولف واستوجر من الميقات،
أو تبرّع عنه متبرّع منه، برئت ذمّته وسقط الوجوب من البلد، وكذا لو لم يسع المال
إلا من الميقات.
(91 مسألة): الظاهر أن المراد من البلد هو: البلد الذي مات فيه، كما يشعر به خبر
زكريّا بن آدم: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل مات وأوصى بحجّة، أ يجزئه أن
يحجّ عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال عليه السلام: «ما كان دون الميقات فلا
بأس به» مع أنه آخر مكان كان مكلّفاً فيه بالحجّ.
وربما يقال: إنه بلد الاستيطان لأنه المنساق من النصّ والفتوى وهو كما ترى. وقد
يحتمل البلد الذي صار مستطيعاً فيه، ويحتمل التخيير بين البلدان التي كان فيها بعد
الاستطاعة.
والأقوى: ما ذكرنا، وفاقاً لسيّد المدارك ونسبه إلى ابن إدريس أيضاً وإن كان
الاحتمال الأخير وهو التخيير قويّاً جدّ (إلا
إذا كان قد أوصى وكان لوصيّته ظهور خاص، فهو المتّبع) .
(92 مسألة): لو عيّن بلدة غير بلده، كما لو قال: استأجروا من النجف أو من كربلاء
تعيّن.
(93 مسألة): على المختار، من كفاية الميقاتيّة، لا يلزم أن يكون من الميقات أو
الأقرب إليه فالأقرب، بل يكفي كلّ بلد دون الميقات، لكن الأجرة الزائدة على
الميقات مع إمكان الاستيجار منه لا يخرج من الأصل، ولا من الثلث إذا لم يوص
بالاستيجار من ذلك البلد، إلا إذا أوصى بإخراج الثلث من دون أن يعيّن مصرفه ومن دون
أن يزاحم واجباً ماليّاً عليه.
(94 مسألة): إذا لم يمكن الاستيجار من الميقات وأمكن من البلد وجب، وإن كان عليه
دين الناس أو الخمس أو الزكاة فيزاحم الدين إن لم تف التركة بهما، بمعنى: أنها
توزّع عليهما بالنسبة.
(95 مسألة): إذا لم تف التركة بالاستيجار من الميقات، لكن أمكن الاستيجار من
الميقات الاضطراري كمكّة أو أدنى الحلّ (الظاهر
أن ادنی الحلّ: ميقات اختياريٌّ لمن لا يمرّ على ميقات) وجب، نعم لو دار
الأمر بين الاستيجار من البلد أو الميقات الاضطراري، قدّم الاستيجار من البلد ويخرج
من أصل التركة لأنه لا اضطرار للميّت مع سعة ماله.
(96 مسألة): بناء على المختار: من كفاية الميقاتيّة، لا فرق بين الاستيجار عنه وهو
حيّ أو ميّت، فيجوز لمن هو معذور بعذر لا يرجى زواله أن يجهّز رجلاً من الميقات كما
ذكرنا سابقاً أيضاً، فلا يلزم أن يستأجر من بلده على الأقوى وإن كان الأحوط ذلك.
(97 مسألة): الظاهر وجوب المبادرة إلى الاستيجار في سنة الموت خصوصاً إذا كان
الفوت عن تقصير من الميّت، وحينئذٍ فلو لم يمكن إلا من البلد وجب وخرج من الأصل،
ولا يجوز التأخير إلى السنة الأخرى ولو مع العلم بإمكان الاستيجار من الميقات
توفيراً على الورثة، كما أنه لو لم يمكن من الميقات إلا بأزيد (زيادة
غير مجحفة) من الأجرة المتعارفة في سنة الموت وجب، ولا يجوز التأخير إلى
السنة الأخرى توفيراً عليهم.
(98 مسألة): إذا أهمل الوصيّ أو الوارث الاستيجار فتلفت التركة أو نقصت قيمتها فلم
تف بالاستيجار ضمن، كما أنه لو كان على الميّت دين وكانت التركة وافية وتلفت
بالإهمال ضمن.
(99 مسألة): على القول بوجوب البلديّة وكون المراد بالبلد الوطن إذا كان لـه
وطنان، الظاهر: وجوب اختيار الأقرب إلى مكّة إلا مع رضا الورثة بالاستيجار من
الأبعد، نعم مع عدم تفاوت الأجرة الحكم التخيير.
(100 مسألة): بناءً على البلديّة، الظاهر: عدم الفرق بين أقسام الحجّ الواجب فلا
اختصاص بحجّة الإسلام، فلو كان عليه حجّ نذري لم يقيّد بالبلد ولا بالميقات يجب
الاستيجار من البلد، بل وكذا لو أوصى بالحجّ ندباً اللازم الاستيجار من البلد إذا
خرج من الثلث.
(101 مسألة): إذا اختلف تقليد الميّت والوارث في اعتبار البلديّة أو الميقاتيّة،
فالمدار: على تقليد الميّت (بل
المدار على تقليد من يكون العمل بذلك وظيفته، سواء كان وصيّاً أو وارثاً، ومع
التعدّد و اختلافهم فالحاكم الشرعي هو قوله الفصل، وكذا الحكم في الفروع الأخرى)
، وإذا علم أن الميّت لم يكن مقلّداً في هذه المسألة، فهل المدار: على تقليد
الوارث، أو الوصيّ، أو العمل على طبق فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده إن كان
متعيّناً والتخيير مع تعدّد المجتهدين ومساواتهم؟ وجوه.
وعلى الأول: فمع اختلاف الورثة في التقليد يعمل كلّ على تقليده، فمن يعتقد البلديّة
يؤخذ من حصّته بمقدارها بالنسبة، فيستأجر مع الوفاء بالبلديّة بالأقرب فالأقرب إلى
البلد، ويحتمل الرجوع إلى الحاكم لرفع النزاع فيحكم بمقتضى مذهبه، نظير ما إذا
اختلف الولد الأكبر مع الورثة في الحبوة.
وإذا اختلف تقليد الميّت والوارث في أصل وجوب الحجّ عليه وعدمه: بأن يكون الميّت
مقلّداً لمن يقول بعدم اشتراط الرجوع إلى كفاية فكان يجب عليه الحجّ، والوارث
مقلّداً لمن يشترط ذلك فلم يكن واجباً عليه أو بالعكس، فالمدار: على تقليد الميّت.
(102 مسألة): الأحوط في صورة تعدّد من يمكن استيجاره الاستيجار من أقلّهم أجرة مع
إحراز صحّة عمله مع عدم رضا الورثة أو وجود قاصر فيهم، سواء قلنا بالبلديّة أو
الميقاتيّة. وإن كان لا يبعد جواز استيجار المناسب لحال الميّت من حيث الفضل
والأوثقيّة مع عدم قبوله إلا بالأزيد وخروجه من الأصل، كما لا يبعد عدم وجوب
المبالغة في الفحص عن أقلّهم أجرة وإن كانت أحوط.
(103 مسألة): قد عرفت أن الأقوى كفاية الميقاتيّة، لكن الأحوط الاستيجار من البلد
بالنسبة إلى الكبار من الورثة، بمعنى: عدم احتساب الزائد عن أجرة الميقاتيّة على
القصّر إن كان فيهم قاصر.
(104 مسألة): إذا علم أنه كان مقلّداً ولكن لم يعلم فتوى مجتهده في هذه المسألة،
فهل يجب الاحتياط، أو المدار على تقليد الوصيّ أو الوارث؟ وجهان (والأوجه
تقليد المتصدّي وارثاً أم وصيّاً) أيضا.ً
(105 مسألة): إذا علم استطاعة الميّت مالاً ولم يعلم تحقّق سائر الشرائط في حقّه،
فلا يجب القضاء عنه لعدم العلم بوجوب الحجّ عليه لاحتمال فقد بعض الشرائط (إلا
إذا كان مقتضی الأصل تحقّق بقيّة الشرائط من استصحاب ونحوه) .
(106 مسألة): إذا علم استقرّار الحجّ عليه ولم يعلم أنه أتى به أم لا، فالظاهر:
وجوب القضاء عنه لأصالة بقائه في ذمّته، ويحتمل (وهو
الأقرب، وكذا في الخمس والزكاة والصلاة والصيام وغيرها، وقد تقدّم منّا ذلك في
الموارد التي ذكرها الماتن قدّس سرّه) عدم وجوبه عملاً بظاهر حال المسلم
وأنه لا يترك ما وجب عليه فوراً، وكذا الكلام إذا علم أنه تعلّق به خمس أو زكاة أو
قضاء صلوات أو صيام ولم يعلم أنه أدّاها أو لا.
(107 مسألة): لا يكفي الاستيجار في براءة ذمّة الميّت والوارث، بل يتوقّف على
الأداء، ولو علم أن الأجير لم يؤدّ وجب الاستيجار ثانياً، ويخرج من الأصل (مع
عدم تقصير وليّ الميّت) إن لم يمكن استرداد الأجرة من الأجير.
(108 مسألة): إذا استأجر الوصيّ أو الوارث من البلد غفلة عن كفاية الميقاتيّة، ضمن
ما زاد عن أجرة الميقاتيّة للورثة أو لبقيّتهم.
(109 مسألة):إذا لم يكن للميّت تركة وكان عليه الحجّ، لم يجب على الورثة شيء وإن
كان يستحبّ على وليّه، بل قد يقال (القول
ضعيف) بوجوبه للأمر به في بعض الأخبار.
(110 مسألة): من استقرّ عليه الحجّ وتمكّن من أدائه، ليس لـه أن يحجّ عن غيره
تبرّعاً أو بإجارة، وكذا ليس لـه أن يحجّ تطوّعاً ولو خالف فالمشهور: البطلان، بل
ادّعى بعضهم: عدم الخلاف فيه، وبعضهم: الإجماع عليه، ولكن عن سيّد المدارك التردّد
في البطلان.
ومقتضى القاعدة: الصحّة وإن كان عاصياً في ترك ما وجب عليه، كما في مسألة الصلاة
مع فوريّة وجوب إزالة النجاسة عن المسجد، إذ لا وجه للبطلان إلا دعوى: أن الأمر
بالشيء نهي عن ضدّه وهي محلّ منع، وعلى تقديره لا يقتضي البطلان لأنه نهي تبعيّ،
ودعوى: أنه يكفي في عدم الصحّة عدم الأمر مدفوعة بكفاية المحبوبيّة (بل
والأمر الترتّبي أيضاً على الأصح) في حدّ نفسه في الصحّة، كما في مسألة ترك
الأهمّ والإتيان بغير الأهم من الواجبين المتزاحمين. أو دعوى: أن الزمان مختصّ
بحجّته عن نفسه فلا يقبل لغيره، وهي أيضاً مدفوعة بالمنع، إذ مجرّد الفوريّة لا
يوجب الاختصاص، فليس المقام من قبيل شهر رمضان حيث إنه غير قابل لصوم آخر.
وربما يتمسّك للبطلان في المقام بخبر سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى عليه
السلام : «عن الرجل الصرورة يحجّ عن الميّت؟ قال عليه السلام: نعم، إذا لم يجد
الصرورة ما يحجّ به عن نفسه، فإن كان لـه ما يحجّ به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى
يحجّ من ماله، وهي تجزي عن الميّت إن كان للصرورة مال وإن لم يكن لـه مال».
وقريب منه صحيح سعيد الأعرج عن أبي عبد الله عليه السلام.
وهما كما ترى بالدلالة على الصحّة أولى، فإن غاية ما يدلّان عليه: أنه لا يجوز لـه
ترك حجّ نفسه وإتيانه عن غيره، وأما عدم الصحّة فلا، نعم يستفاد منهما: عدم إجزائه
عن نفسه، فتردّد صاحب المدارك في محلّه، بل لا يبعد الفتوى بالصحّة (مشكل)
لكن لا يترك الاحتياط.
هذا كلّه لو تمكّن من حجّ نفسه، وأما إذا لم يتمكّن فلا إشكال في الجواز والصحّة عن
غيره، بل لا ينبغي الإشكال في الصحّة إذا كان لا يعلم (قصوراً
لا تقصيراً) بوجوب الحجّ عليه، لعدم علمه باستطاعته مالاً أو لا يعلم
بفوريّة وجوب الحجّ عن نفسه فحجّ عن غيره أو تطوّعاً.
ثمّ على فرض صحّة الحجّ عن الغير ولو مع التمكّن والعلم بوجوب الفوريّة لو آجر نفسه
لذلك، فهل الإجارة أيضاً صحيحة أو باطلة مع كون حجّه صحيحاً عن الغير؟ الظاهر:
بطلانها، وذلك لعدم قدرته شرعاً على العمل المستأجر عليه، لأن المفروض وجوبه عن
نفسه فوراً، وكونه صحيحاً على تقدير المخالفة لا ينفع في صحّة الإجارة، خصوصاً على
القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، لأن الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه وإن كانت
الحرمة تبعيّة.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام وبين المخالفة للشرط في ضمن العقد مع قولكم بالصحّة
هناك: كما إذا باعه عبداً وشرط عليه أن يعتقه فباعه، حيث تقولون بصحّة البيع ويكون
للبائع خيار تخلّف الشرط؟
قلت: الفرق أن في ذلك المقام المعاملة على تقدير صحّتها مفوِّتة لوجوب العمل
بالشرط، فلا يكون العتق واجباً بعد البيع لعدم كونه مملوكاً لـه، بخلاف المقام حيث
إنا لو قلنا بصحّة الإجارة لا يسقط وجوب الحجّ عن نفسه فوراً، فيلزم اجتماع أمرين
متنافيين فعلاً، فلا يمكن أن تكون الإجارة صحيحة.
وإن قلنا: إن النهي التبعيّ لا يوجب البطلان، فالبطلان من جهة عدم القدرة على العمل
لا لأجل النهي عن الإجارة، نعم لو لم يكن متمكّناً من الحجّ عن نفسه يجوز لـه أن
يؤجر نفسه للحج عن غيره، وإن تمكّن بعد الإجارة عن الحجّ عن نفسه لا تبطل إجارته،
بل لا يبعد صحّتها لو لم يعلم (قصوراً
لا تقصيراً كما تقدّم) باستطاعته، أو لم يعلم بفوريّة الحجّ عن نفسه فآجر
نفسه للنيابة ولم يتذكّر إلى إن فات محلّ استدراك الحجّ عن نفسه: كما بعد الفراغ أو
في أثناء الأعمال.
ثمّ لا إشكال في أن حجّه عن الغير لا يكفيه عن نفسه، بل إما باطل كما عن المشهور،
أو صحيح عمّن نوى عنه كما قوّيناه. وكذا لو حجّ تطوعاً لا يجزيه (بل
يجزيه على الأظهر، وقد تقدّم في المسالة السادسة والعشرين من اشتراط الاستطاعة وفي
المسالة التاسعة من اشتراط الكمال بالبلوغ و العقل تصريح الماتن قدّس سرّه بالصحّة)
عن حجّة الإسلام في الصورة المفروضة، بل إما باطل أو صحيح ويبقى عليه حجّة الإسلام.
فما عن الشيخ: من أنه يقع عن حجّة الإسلام لا وجه لـه، إذ الانقلاب القهريّ لا دليل
عليه.
ودعوى: أن حقيقة الحجّ واحدة والمفروض إتيانه بقصد القربة فهو منطبق على ما عليه من
حجّة الإسلام، مدفوعة: بأن وحدة الحقيقة لا تجدي بعد كون المطلوب هو الإتيان بقصد
ما عليه، وليس المقام من باب التداخل بالإجماع كيف وإلا لزم كفاية الحجّ عن الغير
أيضاً عن حجّة الإسلام، بل لا بدّ من تعدّد الامتثال مع تعدّد الأمر وجوباً وندباً،
أو مع تعدّد الواجبين.
وكذا ليس المراد من حجّة الإسلام: الحجّ الأول بأيّ عنوان كان كما في صلاة التحيّة
وصوم الاعتكاف، فلا وجه لما قاله الشيخ أصلاً، نعم لو نوى الأمر المتوجّه إليه
فعلاً وتخيّل أنه أمر ندبيّ غفلة عن كونه مستطيعاً أمكن القول بكفايته عن حجّة
الإسلام، لكنّه خارج عما قاله الشيخ.
ثمّ إذا كان الواجب عليه حجّاً نذرياً أو غيره وكان وجوبه فوريّاً فحاله ما ذكرنا
في حجّة الإسلام: من عدم جواز حجّ غيره وأنه لو حجّ صحّ أو لا وغير ذلك من التفاصيل
المذكورة بحسب القاعدة.