تنويه: العبارات المكتوبة باللون الأزرق هي تعليقات سماحة السيد دام ظله.

1- فصل: فيما يجب فيه الخمس‏ وهو سبعة أشياء:

 

الأول: غنيمة دار الحرب

الأول: الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة معهم, بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السلام: من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه, والمنقول وغيره كالأراضي والأشجار ونحوها, بعد إخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها منها, وبعد إخراج ما جعله الإمام عليه السلام من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح, وبعد استثناء صفايا الغنيمة: كالجارية الورقة, والمركب الفاره, والسيف القاطع والدرع, فإنها للإمام عليه السلام, وكذا قطائع الملوك فإنها أيضاً لـه عليه السلام.
وأما إذا كان الغزو بغير إذن الإمام عليه السلام: فإن كان في زمان الحضور وإمكان الاستيذان منه فالغنيمة للإمام عليه السلام, وإن كان في زمن الغيبة فالأحوط (بل الأظهر) إخراج خمسها من حيث الغنيمة خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام. فما يأخذه السلاطين في هذا الأزمنة من الكفار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الأحوط, وإن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام.
ومن الغنائم التي يجب فيها الخمس: الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب، بل الجزية المبذولة لتلك السريّة, بخلاف سائر أفراد الجزية.
ومنها أيضاً: ما صولحوا عليه, وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم ولو في زمن الغيبة, فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مأونة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب وسائر الفوائد.

 

مسائل في غنائم دار الحرب

(1 مسألة): إذا غار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم,‏ فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة, فلا يلاحظ فيها مأونة السنة, وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغيلة، نعم لو أخذوا منهم بالربا أو بالدعوى الباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة, فيعتبر فيه الزيادة عن مأونة السنة وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.
(2 مسألة): يجوز أخذ مال النصّاب أينما وجد, لكن الأحوط إخراج خمسه مطلقاً, وكذا الأحوط إخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النصّاب ودخلوا في عنوانهم, وإلا فيشكل حلّيّة مالهم‏.
(3 مسألة): يشترط في المغتنَم أن لا يكون غصباً من مسلم أو ذمّي أو معاهد ونحوهم ممن هو محترم المال,‏ وإلا فيجب ردّه إلى مالكه، نعم لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه وإعطاء خمسه وإن لم يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم, وكذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة: من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها.
(4 مسألة): لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين ديناراً, فيجب إخراج خمسه قليلاً كان أو كثيراً على الأصح‏ّ.
(5 مسألة): السلب من الغنيمة (بل من الأرباح على الأظهر, فلا خمس فيه إلا بعد المأونة) , فيجب إخراج خمسه على السالب‏.

 

الثاني: المعادن

الثاني: المعادن‏ من الذهب والفضّة والرصاص والصفر والحديد والياقوت والزبرجد والفيروزج والعقيق والزيبق والكبريت والنفط والقير والسنج والزاج والزرنيخ والكحل والملح، بل والجصّ والنورة وطين الغسل وحجر الرحى والمغرة وهي الطين الأحمر على الأحوط, وإن كان الأقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنيّة، بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مأونة السنة, والمدار: على صدق كونه معدناً عرفاً, وإذا شكّ في الصدق لم يلحقه حكمها, فلا يجب خمسه من هذه الحيثيّة, بل يدخل في أرباح المكاسب ويجب خمسه إذا زادت عن مأونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه.
ولا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين: أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة, وبين أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها, ولا بين أن يكون المخرج مسلماً أو كافراً ذمياً، بل ولو حربيّاً, ولا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً وعاقلاً أو مجنوناً, فيجب على وليهما إخراج الخمس, ويجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر (فيه إشكال بل منع, وقد تقدّم ويأتي إن شاء الله تعالى منّا مكرّراً ذلك, ومما تقدّم :أول كتاب الزكاة المسألة «16») على دفع الخمس ممّا أخرجه وإن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه (بل حتى مع بقاء عينه على الأظهر, وقد التزم المصنف قدّس سرّه بالاطلاق في شرائط وجوب الزكاة المسألة «17») .
ويشترط في وجوب الخمس في المعدن: بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مأونة الإخراج والتصفية ونحوهما, فلا يجب إذا كان المخرج أقلّ منه, وإن كان الأحوط إخراجه إذا بلغ ديناراً، بل مطلقاً.
ولا يعتبر في الإخراج أن يكون دفعة (مع الوحدة العرفيّة, وإلا فلا) ,فلو أخرج دفعات وكان المجموع نصاباً وجب إخراج خمس المجموع وإن أخرج أقلّ من النصاب فأعرض ثمّ عاد وبلغ المجموع نصاباً فكذلك على الأحوط, وإذا اشترك جماعة في الإخراج ولم يبلغ حصّة كلّ واحد منهم‏ النصاب ولكن بلغ المجموع نصاباً, فالظاهر: وجوب خمسه (بل الظاهر عدم وجوب الخمس) .
وكذا لا يعتبر اتّحاد جنس المخرج, فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد وبلغ قيمة المجموع نصاباً وجب إخراجه، نعم لو كان هناك معادن متعدّدة اعتبر في الخارج من كلّ منها بلوغ النصاب دون المجموع, وإن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع خصوصاً مع اتّحاد جنس المخرج منها سيّما مع تقاربها، بل لا يخلو عن قوة مع الاتحاد والتقارب.
وكذا لا يعتبر استمرار التكّون ودوامه, فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثمّ انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدناً.

 

مسائل في المعدن

(6 مسألة): لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية: فإن علم بتساوي الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمساً أجزأ, وإلا فلا لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده‏.
(7 مسألة): إذا وجد مقداراً من المعدن مخرجاً مطروحاً في الصحراء: فإن علم أنه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما, أو علم‏ أن المخرج لـه حيوان أو إنسان لم يخرج خمسه, وجب عليه إخراج خمسه على الأحوط إذا بلغ النصاب، بل الأحوط ذلك وإن شكّ في ان الإنسان المخرج لـه أخرج خمسه أم لا.
(8 مسألة): لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها, وإذا أخرجه غيره لم يملكه، بل يكون المخرج لصاحب الأرض، وعليه الخمس من دون استثناء المأونة لأنه لم يصرف عليه مأونة.
(9 مسألة): إذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين‏, فأخرجه أحد من المسلمين ملكه وعليه الخمس, وإن أخرجه غير المسلم ففي تملّكه إشكال (ملكه في هذا المورد وكذا المورد بعده ممنوع, إلا بإذن الحاكم الشرعي) , وأما إذا كان في الأرض الموات حال الفتح, فالظاهر: أن الكافر أيضاً يملكه‏ وعليه الخمس (فيه إشكال بل منع, نعم للحاكم في الموردين فرض مقدار عليه: خمساً أو أكثر أو اقل, و يكون مصرفه في المورد الأول مصرف الخراج, و في الثاني مصرف الموات) ‏.
(10 مسألة): يجوز استيجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر, وإن قصد الأجير تملّكه لم يملكه‏.
(11 مسألة): إذا كان المخرج عبداً, كان ما أخرجه لمولاه وعليه الخمس‏.
(12 مسألة): إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته:‏ كما إذا ضربه دراهم أو دنانير, أو جعله حليّا,ً أو كان مثل الياقوت والعقيق فحكّه فصّاًـ مثلاًـ اعتبر في إخراج خمسه مادّته (بل في الصور الثلاث الظاهر: ان المعاملة بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليّ, فان أذن الحاكم الشرعي بها و لو بعد المعاملة صحّت و كان لأرباب الخمس حسب إذنه، وإلا بطلت المعاملة بالنسبة لمقدار الخمس, و يكون لطرف المعاملة خيار تبعّض الصفقة) , فيقوَّم حينئذٍ سبيكة أو غير محكوك ـمثلاًـ ويخرج خمسه، وكذا لو اتّجر به فربح قبل أن يخرج خمسه ناوياً الإخراج من مال آخر ثمّ أدّاه من مال آخر, وأما إذا اتّجر به‏ من غير نيّة الإخراج من غيره, فالظاهر: أن الربح مشترك بينه وبين أرباب الخمس‏.
(13 مسألة): إذا شكّ في بلوغ النصاب وعدمه,‏ فالأحوط (بل الأظهر) الاختبار.

 

الثالث: الكنز

الثالث: الكنز, وهو: المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر, والمدار: الصدق العرفي, سواء كان من الذهب أو الفضّة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر (بل وغير الجواهر مع صدق الكنز عرفاً) , وسواء كان في بلاد الكفّار الحربييّن أو غيرهم أو في بلاد الإسلام, في الأرض الموات أو الأرض الخربة التي لم يكن لها مالك, أو في أرض مملوكة لـه بالإحياء أو بالابتياع, مع العلم بعدم كونه ملكاً للبائعين, وسواء كان عليه أثر الإسلام أم لا, ففي جميع هذه يكون ملكاً لواجده وعليه الخمس.
ولو كان في أرض مبتاعة مع احتمال كونه لأحد البائعين عرّفه المالك قبله فإن لم يعرفه فالمالك قبله (على الأحوط) وهكذا, فإن لم يعرفوه فهو للواجد وعليه الخمس, وإن ادّعاه المالك السابق فالسابق أعطاه بلا بيّنة, وإن تنازع الملّاك فيه يجري عليه حكم التداعي, ولو ادّعاه المالك السابق إرثاً وكان لـه شركاء نفوه دفعت إليه حصّته, وملك الواجد الباقي وأعطى خمسه, ويشترط في وجوب الخمس فيه النصاب وهو عشرون دينار (بل اقلّ الأمرين: من زكاتي الذهب و الفضّة فيهما, و في غيرهما) .

 

مسائل في الكنز

(14 مسألة): لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة, وجب تعريفهما وتعريف المالك أيضاً, فإن نفياه كلاهما كان لـه وعليه الخمس, وإن ادّعاه أحدهما أعطي بلا بيّنة, وإن ادّعاه كلّ منهما ففي تقديم قول المالك وجه لقوّة يده, والأوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوّة إحدى اليدين‏.
(15 مسألة): لو علم الواجد أنه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول, ففي إجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه: وجهان (الأول غير بعيد) , ولو علم أنه كان ملكاً لمسلم قديم فالظاهر: جريان حكم الكنز عليه‏.
(16 مسألة): الكنوز المتعدّدة لكل واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب وعدمه,‏ فلو لم يكن آحادها بحدّ النصاب وبلغت بالضمّ لم يجب فيها الخمس (إلا مع تقارب الكنوز و اتّحاد المخرج منها, فالأظهر الضمّ) ، نعم المال الواحد المدفون في مكان واحد في ظروف متعدّدة يضمّ بعضه إلى بعض, فإنه يعدّ كنزاً واحداً وإن تعدّد جنسها.
(17 مسألة): في الكنز الواحد لا يعتبر الإخراج دفعة (الوحدة العرفيّة شرط على الأظهر) بمقدار النصاب,‏ فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس وإن لم يكن كلّ واحدة منها بقدره‏.
(18 مسألة): إذا اشترى دابّة ووجد في جوفها شيئاً, فحاله حال الكنز الذي يجده في الأرض المشتراة في: تعريف البائع وفي إخراج الخمس إن لم يعرفه (الظاهر عدم وجوب خمس الكنز فيه بل خمس الفوائد, و كذا في السمكة وغيرهما من سائر الحيوانات) , ولا يعتبر فيه بلوغ النصاب, وكذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة مع احتمال كونه‏ لبائعها, وكذا الحكم في غير الدابّة والسمكة من سائر الحيوانات‏.
(19 مسألة): إنما يعتبر النصاب في الكنز بعد إخراج مأونة الإخراج‏.
(20 مسألة): إذا اشترك جماعة في كنز, فالظاهر (بل الظاهر العدم كما تقدّم منّا في خمس المعدن , ويأتي ان شاء الله تعالى في خمس الغوص, وتقدم من الماتن قدّس سرّه في زكاة الأنعام المسألة 3) : كفاية بلوغ المجموع نصاباً وإن لم يكن حصّة كلّ واحد بقدره‏.

 

الرابع: الغوص

الرابع: الغوص,‏ وهو: إخراج الجواهر من البحر, مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما, معدنيّاً كان أو نباتيّاً, لا مثل السمك ونحوه من الحيوانات, فيجب فيه الخمس بشرط أن يبلغ قيمته ديناراً فصاعداً, فلا خمس فيما ينقص من ذلك.
ولا فرق بين اتّحاد النوع وعدمه, فلو بلغ قيمة المجموع ديناراً وجب الخمس, ولا بين الدفعة والدفعات (الوحدة العرفيّة شرط على الأظهر كما تقدّم) فيضمّ بعضها إلى بعض, كما أن المدار على ما أخرج مطلقاً وإن اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كلّ منهم النصاب (بل إذا بلغ نصيب كل منهم النصاب) .
ويعتبر بلوغ النصاب بعد إخراج المؤن كما مرّ في المعدن, والمخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط (بل الأظهر) , وأما لو غاص وشدّه بآلة فأخرجه فلا إشكال في وجوبه فيه، نعم لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم يجب فيه من هذه الجهة (وجوبه غير بعيد) ، بل يدخل في أرباح المكاسب فيعتبر فيه مأونة السنة ولا يعتبر فيه النصاب‏.

 

مسائل في الغوص

(21 مسألة): المتناول من الغوّاص لا يجري عليه حكم الغوص‏ إذا لم يكن غائصاً, وأما إذا تناول منه وهو غائص أيضاً فيجب عليه إذا لم ينو الغوّاص الحيازة, وإلا فهو لـه ووجب الخمس عليه‏.
(22 مسألة): إذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئاً, ففي وجوب الخمس عليه وجهان: والأحوط (بل غير بعيد) إخراجه‏.
(23 مسألة): إذا أخرج بالغوص حيواناً وكان في بطنه شي‏ء من الجواهر: فإن كان معتاداً وجب فيه الخمس, وإن كان من باب الاتفاق بأن يكون بلع شيئاً اتفاقاً, فالظاهر: عدم وجوبه وإن كان أحوط.
(24 مسألة): الأنهار العظيمة: كدجلة والنيل والفرات, حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص إذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر.
(25 مسألة): إذا غرق شي‏ء في البحر وأعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه,‏ ولا يلحقه حكم الغوص على الأقوى وإن كان من مثل: اللؤلؤ والمرجان, لكن الأحوط إجراء حكمه عليه‏.
(26 مسألة): إذا فرض معدن من مثل: العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلا بالغوص,‏ فلا إشكال في تعلّق الخمس به, لكنّه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان: والأظهر الثاني‏.
(27 مسألة): العنبر إذا أخرج بالغوص جرى عليه حكمه,‏ وإن أخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه لـه وجهان: والأحوط (بل لا يبعد) اللحوق, وأحوط منه (استحباباً) إخراج خمسه وإن لم يبلغ النصاب أيضاً.

 

الخامس: المال المختلط بالحرام

الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام‏ على وجه لا يتميّز مع الجهل بصاحبه وبمقداره, فيحلّ بإخراج خمسه, ومصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى.
وأما إن علم المقدار ولم يعلم المالك تصدّق به عنه, والأحوط (لا يترك) أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط.
ولو انعكس: بأن علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح ونحوه, وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان (والأوجه الأكثر مع التقصير في جهل المقدار، ويلحق به احتمال التقصير، ومع القصور قاعدة العدل والإنصاف) : الأحوط الثاني, والأقوى الأول إذا كان المال في يده.
وإن علم المالك و المقدار وجب دفعه إليه‏.

 

مسائل في المال المختلط بالحرام

(28 مسألة): لا فرق في وجوب إخراج الخمس وحلّية المال بعده‏ بين أن يكون الاختلاط بالإشاعة, أو بغيرها: كما إذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه‏.
(29 مسألة): لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلّية البقيّة في صورة الجهل بالمقدار والمالك بين: أن يعلم إجمالاً زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس, وبين صورة عدم العلم ولو إجمالاً.
ففي صورة العلم الإجمالي بزيادته عن الخمس أيضاً يكفي إخراج الخمس فإنه مطهّر للمال تعبّداً, وإن كان الأحوط مع إخراج الخمس المصالحة مع الحاكم الشرعي أيضاً بما يرتفع به يقين الشغل وإجراء حكم مجهول المالك عليه, وكذا في صورة العلم الإجمالي بكونه أنقص من الخمس وأحوط من ذلك المصالحة معه بعد إخراج الخمس بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة.
(30 مسألة): إذا علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور: ففي وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان, أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه, أو استخراج‏ المالك بالقرعة, أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية, وجوه: أقواها الأخير (إذا كان قاصراً في الخلط وفي جهل صاحب المال جميعاً, و إلا فالأظهر: الأول) , وكذا إذا لم يعلم قدر المال وعلم صاحبه في عدد محصور, فإنه بعد الأخذ بالأقلّ كما هو الأقوى (في القاصر, و أما المقصّر فالأظهر: أن عليه الأكثر) أو الأكثر كما هو الأحوط يجري فيه الوجوه المذكورة.
(31 مسألة): إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس‏, وحينئذ:ٍ فإن علم جنسه ومقداره ولم يعلم صاحبه أصلاً, أو علم في عدد غير محصور, تصدّق به عنه بإذن الحاكم أو يدفعه إليه, وإن كان في عدد محصور ففيه الوجوه المذكورة, والأقوى هنا أيضاً الأخير.
وإن علم جنسه ولم يعلم مقداره: بأن تردّد بين الأقلّ والأكثر أخذ بالأقلّ المتيقن ودفعه إلى مالكه إن كان معلوماً بعينه, وإن كان معلوماً في عدد محصور فحكمه كما ذكر, وإن كان معلوماً في غير المحصور أو لم يكن علم إجمالي أيضاً تصدّق به عن المالك بإذن الحاكم أو يدفعه إليه.
وإن لم يعلم جنسه وكان قيميّاً فحكمه كصورة العلم بالجنس‏ إذ يرجع إلى القيمة ويتردّد فيها بين الأقلّ والأكثر, وإن كان مثليّاً ففي وجوب الاحتياط وعدمه وجهان (والأوجه التفصيل بين القاصر و المقصّر كما تقدّم) ‏.
(32 مسألة): الأمر في إخراج هذا الخمس إلى المالك‏ كما في سائر أقسام الخمس, فيجوز لـه الإخراج والتعيين من غير توقّف على إذن الحاكم (وإن كان أحوط وجوباً) , كما يجوز دفعه من مال آخر وإن كان الحقّ في العين‏.
(33 مسألة): لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس, فالأقوى (بل الأحوط استحباباً في الحلال المختلط بالحرام, دون المجهول المالك فانه كما في المتن) ضمانه‏ كما هو كذلك في التصدّق عن المالك في مجهول المالك, فعليه غرامته لـه حتى في النصف الذي دفعه إلى الحاكم بعنوان أنه للإمام عليه السلام.
(34 مسألة): لو علم بعد إخراج الخمس أن الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ,‏ لا يستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية (بل الأظهر الاسترداد مع بقاء العين, و مع عدمه فالأحوط مصالحة الحاكم إن رضي صاحب المال و إلا فالتنصيف غير بعيد) وهل يجب عليه التصدق بما زاد على الخمس في الصورة الأولى أو لا؟ وجهان: أحوطهم (بل الأظهر) الأول وأقواهما الثاني‏.
(35 مسألة): لو كان الحرام المجهول مالكه معيّناً, فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفاً من احتمال زيادته على الخمس, فهل يجزيه إخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ وجهان: والأقوى الثاني (وعليه لتقصيره إعطاء الأكثر) لأنه كمعلوم المالك حيث إن مالكه الفقراء قبل التخليط.
(36 مسألة): لو كان الحلال الذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس, وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمس آخر للمال الحلال (أي: ما بقي وهو الأربعة أخماس, لا المتيقّن الحليّة, ولا المحتمل الحلّية) الذي فيه‏.
(37 مسألة): لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاص أو العام‏ فهو كمعلوم المالك على الأقوى, فلا يجزيه إخراج الخمس حينئذٍ.
(38 مسألة): إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالإتلاف لم يسقط وإن صار الحرام في ذمّته, فلا يجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوى, وحينئذٍ: فإن عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه, وإن لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقّن معه‏ بالبراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل, وجهان: الأحوط (بل الأقوى مع التقصير, ومع القصور التنصيف ـ كما تقدم منا غير مرّة ـ.) الأول والأقوى الثاني‏.
(39 مسألة): إذا تصرّف في المختلط قبل إخراج خمسه ضمنه‏ كما إذا باعه ـ مثلاً ـ فيجوز لوليّ الخمس الرجوع عليه, كما يجوز لـه الرجوع على من انتقل إليه, ويجوز للحاكم أن يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض إذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة, وأما إذا باعه بأقلّ من قيمته فإمضاؤه خلاف المصلحة، نعم لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس‏.

 

السادس: أرض المسلم إذا اشتراها الذمّي

السادس: الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم,‏ سواء كانت أرض مزرع أو مسكن أو دكان أو خان أو غيرها, فيجب فيها الخمس, ومصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصحّ, وفي وجوبه في المنتقلة إليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات إشكال, فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة, وإن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لا يخلو عن قوّة, وإنما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء والأشجار والنخيل إذا كانت فيه.
ويتخيّر الذمّي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها ومع عدم دفع قيمتها, يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه وبين إجارته, وليس لـه قلع الغرس والبناء، بل عليه إبقاؤهما بالأجرة.
وإن أراد الذمّي دفع القيمة وكانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء, تقوّم مشغولة بها مع الأجرة فيؤخذ منه خمسها, ولا نصاب في هذا القسم من الخمس, ولا يعتبر فيه نيّة القربة حين الأخذ حتى من الحاكم، بل ولا حين الدفع إلى السادة.

 

مسائل في الأرض التي اشتراها الذمّي

(40 مسألة): لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة وبيعت تبعاً للآثار, ثبت فيها الحكم‏ لأنها للمسلمين, فإذا اشتراها الذمّي وجب عليه الخمس وإن قلنا بعدم دخول الأرض في المبيع وأن المبيع هو الآثار ويثبت في الأرض حق الاختصاص للمشتري, وأما إذا قلنا بدخولها فيه فواضح, كما أنه كذلك إذا باعها منه أهل الخمس بعد أخذ خمسها, فإنهم مالكون لرقبتها ويجوز لهم بيعها.
(41 مسألة): لا فرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة بين أن تبقى على ملكية الذمّي بعد شرائه, أو انتقلت منه بعد الشراء إلى مسلم آخر, كما لو باعها منه بعد الشراء, أو مات وانتقلت إلى وارثه المسلم, أو ردّها إلى البائع بإقالة أو غيرها, فلا يسقط الخمس بذلك، بل الظاهر ثبوته أيضاً لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره‏.
(42 مسألة): إذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم وشرط عليه عدم الخمس لم يصحّ,‏ وكذا لو اشترط كون الخمس على البائع، نعم لو شرط على‏ البائع المسلم أن يعطي مقداره عنه فالظاهر جوازه‏.
(43 مسألة): إذا اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانياً وجب عليه خمسان:‏ خمس الأصل للشراء أولاً, وخمس أربعة أخماس للشراء ثانياً.
(44 مسألة): إذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم يسقط عنه الخمس‏، نعم لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيه على القبض, فأسلم بعد العقد وقبل القبض سقط عنه, لعدم تماميّة ملكه في حال الكفر.
(45 مسألة): لو تملّك ذمّي من مثله بعقد مشروط بالقبض، فأسلم الناقل قبل القبض,‏ ففي ثبوت الخمس وجهان، أقواهما الثبوت‏.
(46 مسألة): الظاهر عدم سقوطه إذا شرط البائع على الذمّي‏ أن يبيعها بعد الشراء من مسلم‏.
(47 مسألة): إذا اشترى المسلم من الذمّي أرضاً, ثمّ فسخ بإقالة أو بخيار ففي ثبوت الخمس وجه, لكن الأوجه خلافه حيث إن الفسخ ليس معاوضة.
(48 مسألة): من بحكم المسلم بحكم المسلم‏.
(49 مسألة): إذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمّي عليه‏, وجب عليه‏ خمس ذلك الخمس الذي اشتراه وهكذا.

 

السابع: أرباح المكاسب

السابع: ما يفضل عن مأونة سنته ومأونة عياله,‏ من أرباح التجارات ومن سائر التكسبات: من الصناعات والزراعات والإجارات, حتى الخياطة والكتابة والنجارة والصيد وحيازة المباحات, وأجرة العبادات الاستيجارية: من الحجّ والصوم والصلاة والزيارات وتعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال التي لها أجرة، بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب: كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونحوها، بل لا يخلو عن قوّة.
نعم, لا خمس في الميراث, إلا في الذي ملكه من حيث لا يحتسب فلا يترك الاحتياط فيه: كما إذا كان لـه رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات وكان هو الوارث لـه، وكذا لا يترك في حاصل الوقف الخاص، بل وكذا في النذور, والأحوط استحباباً ثبوته في عوض الخلع والمهر ومطلق الميراث حتى المحتسب منه ونحو ذلك‏.

 

مسائل في أرباح المكاسب

(50 مسألة): إذا علم أن مورّثه لم يؤدّ خمس ما تركه وجب إخراجه,‏ سواء كانت العين التي تعلق بها الخمس موجودة فيها, أو كان الموجود عوضها، بل لو علم باشتغال ذمّته بالخمس وجب إخراجه من تركته مثل سائر الديون‏.
(51 مسألة): لا خمس فيما ملك بالخمس (هو كذلك في الخمس دون الزكاة وغيرها) أو الزكاة أو الصدقة المندوبة وإن زاد عن مأونة السنة، نعم لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات‏.
(52 مسألة): إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أن البائع لم يؤدّ خمسه, كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليّاً: فإن أمضاه الحاكم يرجع‏ عليه بالثمن ويرجع هو على البائع إذا أدّاه, وإن لم يمض فله أن يأخذ مقدار الخمس من المبيع, وكذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات, وإن انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله‏.

 

نماء ما لم يجب فيه الخمس

(53 مسألة): إذا كان عنده من الأعيان التي لم يتعلّق بها الخمس‏, أو تعلّق بها لكنّه أدّاه فنمت وزادت زيادة متّصلة أو منفصلة, وجب الخمس (إذا لم تكن من مأونته عرفاً) في ذلك النماء, وأما لو ارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادة عينيّة لم يجب خمس تلك الزيادة (بل الظاهر وجوب الخمس فيها أيضاً) لعدم صدق التكسّب ولا صدق حصول الفائدة، نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن, هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة ورأس مالها: كما إذا كان المقصود من شرائها أو إبقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أجرتها أو نحو ذلك من منافعها, وأما إذا كان المقصود الاتّجار بها فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا أمكن (بل مطلقاً) بيعها وأخذ قيمتها.

 

لو ارتفعت القيمة السوقيّة

(54 مسألة): إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة ولم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة, ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة لم يضمن (إلا مع التقصير: كما إذا علم بانه سيخسر في ترك بيعها و مع ذلك لم يبعها) خمس تلك الزيادة، لعدم تحققّها في الخارج، نعم لو لم يبعها عمد (لعدم القدرة والحرج و الضرر ونحو ذلك, لا لترقّت الربح, إلا إذا كان ذلك بإذن الحاكم الشرعي) بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه‏.
(55 مسألة): إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً ونخيلاً للانتفاع بثمرها وتمرها, لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار (بمقدار المأونة الفعلية لتلك السنة, وأما غير ذلك ففيه الخمس على الأظهر) والنخيل, وأما إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان, فالظاهر: وجوب الخمس في زيادة قيمته وفي نمّو أشجاره ونخيله‏.
(56 مسألة): إذا كان لـه أنواع من الاكتساب والاستفادة: كأن يكون لـه رأس مال يتّجر به, وخان يؤجّره, وأرض يزرعها, وعمل يد مثل: الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك, يلاحظ في آخر السنة ما استفاده من المجموع من حيث المجموع, فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مأونته‏.
(57 مسألة): يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره,‏ فلو اشترى شيئاً فيه ربح وكان للبائع الخيار, لا يجب خمسه إلا بعد لزوم البيع ومضيّ زمن خيار البائع‏.
(58 مسألة): لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار, فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس,‏ إلا إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن (هذا التفصيل لما إذا كان في سنة الربح, وإلا بأن كان بعد انتهائها, فلا يسقط الخمس حتى مع الشأن) ‏.

 

رأس المال ووجوب الخمس فيه

(59 مسألة): الأحوط (بل الأظهر) إخراج خمس رأس المال‏ إذا كان من أرباح مكاسبه, فإذا لم يكن لـه مال من أول الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً وأراد أن يجعله‏ رأس المال للتجارة ويتّجر به, يجب إخراج خمسه على الأحوط ثمّ الاتجار به‏.

 

مبدأ السنة الخمسية

(60 مسألة): مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مأونتها: حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكّسب‏, وأما من لم يكن مكتسباً وحصل لـه فائدة اتفاقاً فمن حين حصول الفائدة.

 

المراد من المأونة

(61 مسألة): المراد بالمأونة ـ مضافاً إلى ما يصرف ( لا خمس فيه لأنه ليس فائدة, لا لأنه مأونة) في تحصيل الربح ـ : ما يحتاج إليه (وصرفه فعلاً, وسيأتي إن شاء الله تعالى تصريح الماتن به في المسألة الخامسة والستين) لنفسه وعياله في معاشه‏ بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة: من المأكل والملبس والمسكن.
وما يحتاج إليه لصدقاته وزياراته وهداياه وجوائزه وأضيافه.
والحقوق اللازمة لـه: بنذر أو كفّارة أو أداء دَين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأً.
وكذا ما يحتاج إليه: من دابّة أو جارية أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب.
بل وما يحتاج إليه لتزويج أولاده أو ختانهم ونحو ذلك, مثل: ما يحتاج إليه في المرض وفي موت أولاده أو عياله.
إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في معاشه.
ولو زاد على ما يليق بحاله ممّا يعدّ سفهاً وسرف ( بل وان لم يعدّ سرفاً أو سفهاً) بالنسبة إليه لا يحسب منها.
(62 مسألة): في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المأونة إشكال,‏ فالأحوط (بل الأظهر كما تقدّم) كما مر إخراج خمسه أولاً, وكذا في الآلات المحتاج‏ إليها في كسبه, مثل: آلات النجارة للنجّار, وآلات النساجة للنسّاج, وآلات للزراعة للزارع وهكذا، فالأحوط ( بل الأظهر) إخراج خمسها أيضاً أولاً.
(63 مسألة): لا فرق في المأونة بين ما يصرف عينه فتتلف, مثل: المأكول والمشروب ونحوهما، وبين ما ينتفع به مع بقاء عينه (فيما تعارف في مثله ذلك لا مطلقاً) ، مثل: الظروف والفروش ونحوها, فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها وإن بقيت للسنين الآتية أيضاً.
(64 مسألة): يجوز إخراج المأونة من الربح وإن كان عنده مال لا خمس فيه:‏ بأن لم يتعلّق به, أو تعلّق وأخرجه, فلا يجب إخراجها من ذلك بتمامها ولا التوزيع وإن كان الأحوط التوزيع، وأحوط منه: إخراجها بتمامها من المال الذي لا خمس فيه, ولو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك ممّا لو لم يكن عنده كان من المأونة, لا يجوز احتساب قيمتها من المأونة وأخذ مقدارها، بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها أصلاً.

 

المناط: فعليّة المأونة

(65 مسألة): المناط في المأونة ما يصرف فعلاً لا مقدارها, فلو قتّر على نفسه لم يحسب لـه, كما أنه لو تبرّع بها متبرّع لا يستثنى لـه مقدارها على الأحوط، بل لا يخلو عن قوّة ( بل هو الأقوى) .
(66 مسألة): إذا استقرض من ابتداء سنته‏ لمأونته, أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح, يجوز لـه وضع مقداره من الربح‏.
(67 مسألة): لو زاد ما اشتراه وادّخره للمأونة, من مثل: الحنطة والشعير والفحم ونحوها ممّا يصرف عينه فيها، يجب (على الأحوط الأولى في المقدار القليل الذي يعدّ ـ عرفاًـ من مأونة السنة السابقة) إخراج خمسه عند تمام الحول, وأما ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به, مثل: الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها فالأقوى عدم‏ الخمس فيها، نعم لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط (بل الاقوى) إخراج الخمس منها, وكذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها.

 

انقطاع الحول بالموت

(68 مسألة): إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح‏, سقط اعتبار المأونة في باقيه, فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة.
(69 مسألة): إذا لم يحصل لـه ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة, لا يخرج مأونتها من ربح السنة اللاحقة.

 

مأونة مصارف الحج والعمرة

(70 مسألة): مصارف الحجّ من مأونة عام الاستطاعة, فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكّن من المسير: بأن صادف سير الرفقة في ذلك العام، احتسب مخارجه من ربحه, وأما إذا لم يتمكّن حتى انقضى العام, وجب عليه خمس ذلك الربح: فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلا فلا, ولو تمكّن وعصى حتى انقضى الحول فكذلك على الأحوط (بل الأقوى) , ولو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة, وأما المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكن من المسير, وإذا لم يتمكّن فكما سبق يجب إخراج خمسه‏.

 

ليس الدّين من المأونة وإنما أداؤه

(71 مسألة): أداء الدَّين من المأونة إذا كان في عام حصول الربح, أو كان سابقاً ولكن لم يتمكّن (بل وان تمكّن ولم يؤدّ) من أدائه إلى عام حصول الربح, وإذا لم يؤدّ دَينه حتى انقضى العام، فالأحوط (بل الأظهر) إخراج الخمس أولاً وأداء الدَّين ممّا بقي, وكذا الكلام في النذور والكفّارات‏.

 

متى يتعلّق الخمس بالمال؟

(72 مسألة): متى حصل الربح (بل كل ما يتعلّق به الخمس ولو مثل: الهدية والجائزة) وكان زائداً على مأونة السنة (لمن له رأس سنة ويخمّس, وأما من لا يخمّس فلا استثناء لمأونة السنة على الأظهر) تعلّق به الخمس‏ وإن جاز لـه التأخير في الأداء إلى آخر السنة, فليس تمام الحول شرطاً في وجوبه, وإنما هو إرفاق بالمالك (بل اعم من ذلك, فاذا علم انه لا يصرف إلى آ خر السنة بعض الربح المعيّن أو غير المعيّن فلا يتعيّن تخميسه قبل تمام العام) لاحتمال تجدّد مأونة أخرى زائداً على ما ظنّه، فلو أسرف (إسرافاً محرّماً, أو معدوداً أكثر من شأنه, وكذا الهبة والشراء, وهكذا البيع وغير ذلك) أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس, وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه‏.
(73 مسألة): لو تلف بعض أمواله ـ ممّا ليس من مال التجارة ـ أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح‏ وإن كان في عامه, إذ ليس محسوباً من المأونة.
(74 مسألة): لو كان لـه رأس مال وفرّقه في أنواع من التجارة فتلف رأس المال أو بعضه من نوع منها, فالأحوط عدم جبره بربح تجارة أخرى، بل وكذا الأحوط عدم جبر خسران نوع بربح أخرى, لكن الجبر (الجبر في الصور الاثنتي عشرة كلّها لا يخلو من قرب) لا يخلو عن قوّة خصوصاً في الخسارة.
نعم, لو كان لـه تجارة وزراعةـ مثلاًـ فخسر في تجارته أو تلف رأس ماله فيها, فعدم الجبر لا يخلو عن قوّة خصوصاً في صورة التلف وكذا العكس, وأما التجارة الواحدة: فلو تلف بعض رأس المال فيها وربح الباقي فالأقوى الجبر, وكذا في الخسران والربح في عام واحد في وقتين, سواء تقدّم الربح أو الخسران فإنه يجبر الخسران بالربح‏.

 

تعلّق الخمس بعين الأموال

(75 مسألة): الخمس بجميع أقسامه متعلق بالعين‏, ويتخيّر المالك بين دفع خمس‏ العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنس (أو منفعة أيضاً كما تقدّم من الماتن قدّس سرّه في الزكاة) , ولا يجوز لـه التصرّف في العين قبل أداء الخمس وإن ضمنه في ذمّته, ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه.
ولو اتّجر به قبل إخراج الخمس كانت المعاملة فضوليّة بالنسبة إلى مقدار الخمس: فإن أمضاه الحاكم الشرعي أخذ العوض, وإلا رجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة وبقيمته إن كانت تالفة, ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها.
هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح, وأما إذا كانت في الذمّة ودفعها عوضاً فهي صحيحة, ولكن لم تبرأ ذمّته بمقدار الخمس, ويرجع الحاكم به إن كانت العين موجودة, وبقيمته إن كانت تالفة مخيّراً حينئذٍ بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضاً.
(76 مسألة): يجوز لـه أن يتصرّف في بعض الربح ما دام مقدار الخمس منه باق في يده‏ مع قصده إخراجه من البقيّة, إذ شركة أرباب الخمس مع المالك إنما هي‏ على وجه الكلّي في المعيّن (بل على نحو الإشاعة على الأظهر, فلا يجوز التصرّف إلا بإذن من وليّ الخمس, أما الزكاة فللدليل الخاص بها كما تقدّم) , كما أن الأمر في الزكاة أيضاً كذلك وقد مرّ في بابها.
(77 مسألة): إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها, فلا مانع من التصرف فيه بالاتّجار, وإن حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الأول منه لأرباب الخمس.
بخلاف ما إذا اتّجر به بعد تمام الحول, فإنه إن حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه مضافاً إلى أصل الخمس, فيخرجهما أولاً ثمّ يخرج خمس بقيّته إن زادت على مأونة السنة.

 

لا يجوز نقل الخمس إلى الذمّة

(78 مسألة): ليس للمالك أن ينقل الخمس إلى ذمّته ثمّ التصرّف فيه‏ـ كما أشرنا إليه ـ نعم يجوز, لـه ذلك بالمصالحة مع‏ الحاكم, وحينئذٍ فيجوز لـه التصرّف فيه ولا حصّة لـه (الحصّة وعدمها تكون حسب المصالحة مع الحاكم) من الربح إذا اتّجر به, ولو فرض (بل الصلح تامّ حتى في الفرض, و يعمل الطرفان بمؤدّى الصلح في ذلك أيضاً) تجدّد مؤن لـه في أثناء الحول على وجه لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح‏.

 

جواز تعجيل إخراج الخمس

(79 مسألة): يجوز لـه تعجيل إخراج خمس الربح إذا حصل في أثناء السنة, ولا يجب التأخير إلى آخرها فإن التأخير من باب الإرفاق كما مرّ وحينئذٍ: فلو أخرجه بعد تقدير المأونة بما يظنّه, فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح لتجدّد مؤن لم يكن يظنّها, كشف ذلك عن عدم صحّته خمساً, فله الرجوع به على المستحقّ مع بقاء عينه (بل لا يبعد عدم جواز الاسترجاع حتّی مع العلم من المستحقّ ووجود العين) لا مع تلفها في يده, إلا إذا كان عالماً بالحال فإن الظاهر ضمانه حينئذٍ.
(80 مسألة): إذا اشترى بالربح قبل إخراج الخمس جارية لا يجوز لـه وطيها, كما أنه لو اشترى به ثوباً لا يجوز الصلاة فيه, ولو اشترى به ماء للغسل أو الوضوء لم يصحّ وهكذا، نعم لو بقي منه بمقدار الخمس في يده وكان قاصداً لإخراجه منه جاز (بل لا يجوز أيضاً إلا بإذن حاكم الشرع أو مصالحته) وصحّ كما مرّ نظيره‏.
(81 مسألة): قد مرّ أن مصارف الحجّ الواجب إذا استطاع في عام الربح‏ وتمكّن من المسير من مأونة تلك السنة, وكذا مصارف الحجّ المندوب والزيارات, والظاهر أن المدار (المأونة الفعليّة هي ما يصرف, فكل ما كان في أيّ عام لا خمس عليه لذلك العام) على وقت إنشاء السفر: فإن كان إنشاؤه في عام الربح فمصارفه من مأونته ذهاباً وإياباً, وإن تمَّ الحول في أثناء السفر فلا يجب إخراج خمس ما صرفه في العام الآخر في الإياب أو مع المقصد وبعض الذهاب‏.

 

من مسائل الخمس

(82 مسألة): لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً لـه كفاه إخراج خمسهما أولاً, ولا يجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد إخراج مأونة سنته‏.
(83 مسألة): المرأة التي تكتسب في بيت زوجها ويتحمّل زوجها مأونتها, يجب (الملاك فعلّية الصرف منها بالشروط السابقة, دون أصل الوجوب على الزوج) عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار إخراج المأونة, إذ هي على زوجها إلا أن لا يتحمّل‏.
(84 مسألة): الظاهر عدم اشتراط التكليف والحرّية في الكنز والغوص والمعدن والحلال المختلط بالحرام والأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم, فيتعلّق بها الخمس‏ ويجب على الوليّ والسيّد إخراجه, وفي تعلقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال, والأحوط (بل لا يبعد, فيخرجه وليّه الشرعيّ, و إلا وجب عليه بعد البلوغ) إخراجه بعد بلوغه‏.

2- فصل: في قسمة الخمس ومستحقّه‏

(1 مسألة): يقسّم الخمس ستّة أسهم على الأصح:
‏ سهم لله سبحانه, وسهم للنبي صلَّى الله عليه وآله وسلّم، وسهم للإمام عليه السلام. وهذه الثلاثة الآن لصاحب الزمان أرواحنا لـه الفداء وعجّل الله تعالى فرجه.
وثلاثة: للأيتام, والمساكين, وأبناء السبيل.
ويشترط في الثلاثة الأخيرة: الإيمان, وفي الأيتام: الفقر, وفي أبناء السبيل: الحاجة في بلد التسليم وإن كان غنياً في بلده, ولا فرق بين أن يكون سفره في طاعة أو معصية (بل الأظهر عدم كونه في معصية) .
ولا يعتبر في المستحقّين: العدالة وإن كان الأولى ملاحظة المرجّحات, والأولى أن لا يعطى لمرتكبي الكبائر خصوصاً مع التجاهر، بل يقوى عدم الجواز إذا كان في الدفع إعانة على الإثم, وسيّما إذا كان في المنع الردع عنه, ومستضعف كلّ فرقة ملحق بها.
(2 مسألة): لا يجب البسط على الأصناف، بل يجوز دفع تمامه إلى أحدهم‏. وكذا لا يجب استيعاب أفراد كلّ صنف، بل يجوز الاقتصار على واحد, ولو أراد البسط لا يجب التساوي بين الأصناف أو الأفراد.

 

من هو مستحق الخمس؟

(3 مسألة): مستحقّ الخمس: من انتسب إلى هاشم بالأبوّة, فإن انتسب إليه بالأمّ لم يحلّ لـه الخمس وتحلّ لـه الزكاة, ولا فرق بين أن يكون علويّاً أو عقيليّاً أو عباسيّاً, وينبغي تقديم الأتم علقة بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على غيره أو توفيره كالفاطمييّن‏.
(4 مسألة): لا يصدّق من ادّعى النسب إلا بالبينّة أو الشياع المفيد للعلم (بل مطلقاً ـ كما أطلقه الماتن قدّس سرّه فيما تقدّم في أصناف المستحقين للزكاة في المسالة الثانية والعشرين ـ ) ‏, ويكفي الشياع والاشتهار في بلده (وكذا يصدّق بالعدل الواحد بل بالثقة الواحد أيضاً) ، نعم يمكن الاحتيال في الدفع إلى مجهول الحال بعد معرفة عدالته: بالتوكيل على الإيصال إلى مستحقّه على وجه يندرج فيه الأخذ لنفسه أيضاً, ولكن الأولى بل الأحوط عدم الاحتيال المذكور (لا بأس بالاحتيال المذكور) .

 

لا يجوز إعطاء الخمس لواجبي النفقة

(5 مسألة): في جواز دفع الخمس إلى من يجب عليه نفقته إشكال‏ خصوصاً في الزوجة, فالأحوط عدم دفع خمسه إليهم, بمعنى: الإنفاق عليهم محتسباً ممّا عليه من الخمس, أما دفعه إليهم لغير النفقة الواجبة ممّا يحتاجون إليه ممّا لا يكون واجباً عليه كنفقة من يعولون ونحو ذلك فلا بأس به, كما لا بأس بدفع خمس غيره إليهم ولو للإنفاق مع فقره, حتى الزوجة إذا لم يقدر على إنفاقها.
(6 مسألة): لا يجوز دفع الزائد عن مأونة السنة لمستحقّ واحد ولو دفعة, على الأحوط.

 

لمن يكون أمر الخمس في زمان الغيبة؟

(7 مسألة): النصف من الخمس الذي للإمام عليه السلام أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه‏, وهو: المجتهد الجامع للشرائط, فلا بدّ من الإيصال إليه أو الدفع إلى المستحقّين بإذنه, والأحوط لـه الاقتصار على السادة ما دام لم يكفهم النصف الآخر, وأما النصف الآخر الذي للأصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه, لكن الأحوط (هذا الاحتياط لا يترك) فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه, لأنه أعرف بمواقعه والمرجّحات التي ينبغي ملاحظتها.
(8 مسألة): لا إشكال في جواز نقل الخمس من بلده إلى غيره‏ إذا لم يوجد المستحقّ فيه، بل قد يجب: كما إذا لم يمكن حفظه مع ذلك, أو لم يكن وجود المستحقّ فيه متوقّعاً بعد ذلك, ولا ضمان حينئذٍ عليه لو تلف, والأقوى جواز النقل مع وجود المستحقّ أيضاً, لكن مع الضمان لو تلف, ولا فرق بين البلد القريب والبعيد وإن كان الأولى القريب, إلا مع المرجّح للبعيد.
(9 مسألة): لو أذن الفقيه في النقل لم يكن عليه ضمان‏ ولو مع وجود المستحقّ وكذا لو وكلّه في قبضه عنه بالولاية العامّة ثمّ أذن في نقله‏.
(10 مسألة): مأونة النقل على الناقل في صورة الجواز, ومن الخمس في صورة الوجوب‏.
(11 مسألة): ليس من النقل لو كان لـه مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ عوضاً عن الذي عليه في بلده, وكذا لو كان لـه دين في ذمّة شخص في بلد آخر فاحتسبه خمساً, وكذا لو نقل قدر الخمس من ماله إلى بلد آخر فدفعه عوضاً عنه‏.
(12 مسألة): لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده‏ فالأولى دفعه هناك, ويجوز نقله إلى بلده مع الضمان‏.
(13 مسألة): إن كان المجتهد الجامع للشرائط في غير بلده‏, جاز نقل حصة الإمام عليه السلام إليه، بل الأقوى جواز ذلك ولو كان المجتهد الجامع للشرائط موجوداً في بلده أيضاً، بل الأولى النقل إذا كان من في بلد آخر أفضل أو كان هناك مرجّح آخر
(14 مسألة): قد مرّ أنه يجوز للمالك أن يدفع الخمس من مال آخر لـه نقداً أو عروضاً, ولكن يجب أن يكون بقيمته الواقعيّة, فلو حسب العروض بأزيد من قيمتها لم تبرأ ذمّته وإن قبل المستحقّ ورضي به‏.

 

من شروط براءة الذمّة من الخمس

(15 مسألة): لا تبرأ ذمّته من الخمس إلا بقبض المستحقّ أو الحاكم,‏ سواء كان في ذمّته أو في العين الموجودة, وفي تشخيصه بالعزل إشكال‏.
(16 مسألة): إذا كان لـه في ذمّة المستحقّ دَين,‏ جاز لـه احتسابه خمساً, وكذا في حصّة الإمام عليه السلام إذا أذن المجتهد.
(17 مسألة): إذا أراد المالك أن يدفع العوض نقداً أو عروضاً, لا يعتبر فيه رضا المستحق أو المجتهد بالنسبة إلى حصة الإمام عليه السلام وإن كانت العين التي فيها الخمس موجودة, لكن الأولى اعتبار رضاه خصوصاً في حصّة الإمام عليه السلام.

 

هل يجوز العفو عن الخمس؟

(18 مسألة): لا يجوز للمستحقّ أن يأخذ من باب الخمس‏ ويردّه على المالك, إلا في بعض الأحوال: كما إذا كان عليه مبلغ كثير ولم يقدر على أدائه, بأن صار معسراً وأراد تفريغ الذمّة فحينئذٍ لا مانع منه إذا رضي المستحقّ بذلك‏.
(19 مسألة): إذا انتقل إلى الشخص مال فيه الخمس ممن لا يعتقد وجوبه كالكافر ونحوه,‏ لم يجب عليه إخراجه فإنهم عليهم السلام أباحوا لشيعتهم ذلك سواء كان من ربح تجارة أو غيرها, وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر أو غيرها.

 

كتاب الحجّ


الحج هو أحد أركان الدين, ومن أوكد فرائض المسلمين, قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ غير خفيٍّ على الناقد البصير ما في الآية الشريفة: من فنون التأكيد, وضروب الحثّ والتشديد, ولا سيّما ما عرّض به تاركه من لزوم كفره وإعراضه عنه بقوله عزّ شأنه: ﴿ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾.
‏ وعن الإمام الصادق عليه السلام: « في قولـه عز من قائل: ﴿ومَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى‏ وأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ذاك الذي يسوّف الحجّ» يعني: حجّة الإسلام حتى يأتيه الموت‏.
وعنه عليه السلام: «من مات وهو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممن قال الله تعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾».
‏وعنه عليه السلام : « من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به, أو مرض لا يطيق فيه الحجّ, أو سلطان يمنعه, فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً».
وفي آخر: «من سوّف الحجّ حتى يموت, بعثه الله يوم القيامة يهوديّاًً أو نصرانيّاً».
وفي آخر: « ما تخلّف رجل عن الحجّ إلا بذنب, وما يعفو الله أكثر».
وعنهم عليهم السلام مستفيضاً: « بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة, والحجّ, والصوم, والولاية».
والحجّ فرضه ونفله، عظيم فضله، خطير أجره, جزيل ثوابه, جليل جزاؤه, وكفاه ما تضمّنه من وفود العبد على سيّده, ونزوله في بيته، ومحلّ ضيافته وأمنه, وعلى الكريم إكرام ضيفه, وإجارة الملتجئ إلى بيته.
‏ فعن الإمام الصادق عليه السلام : «الحاجّ والمعتمر وفد الله, إن سألوه أعطاهم, وإن دعوه أجابهم, وإن شفعوا شفّعهم, وإن سكتوا بدأهم, ويعوّضون بالدرهم ألف ألف درهم‏ ».
وعنه عليه السلام: « الحجّ والعمرة سوقان من أسواق الآخرة, اللازم لهما في ضمان الله, إن أبقاه أدّاه إلى عياله, وإن أماته أدخله الجنة».
وفي آخر: «إن أدرك ما يأمل غفر الله لـه, وإن قصر به أجله وقع أجره على الله عز وجل‏».
وفي آخر: «فإن مات متوجّهاً غفر الله لـه ذنوبه, وإن مات‏ محرماً بعثه ملبّياً, وإن مات بأحد الحرمين بعثه من الآمنين, وإن مات منصرفاً غفر الله لـه جميع ذنوبه».
‏ وفي الحديث: «إن من الذنوب ما لا يكفّره إلا الوقوف بعرفة».
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضه الذي توفّي فيه في آخر ساعة من عمره الشريف: «يا أبا ذر اجلس بين يديّ واعقد بيدك: من ختم لـه بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنةـ إلى أن قال : ـ ومن ختم لـه بحجّة دخل الجنة, ومن ختم لـه بعمرة دخل الجنة...».
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: « وفد الله ثلاثاً: الحاج, والمعتمر, والغازي. دعاهم الله فأجابوه, وسألوه فأعطاهم».
وسأل الإمام الصادق عليه السلام رجل في المسجد الحرام: «من أعظم الناس وزراً؟ فقال: من يقف بهذين الموقفين: عرفة والمزدلفة, وسعى بين هذين الجبلين, ثمّ طاف بهذا البيت, وصلّى خلف مقام إبراهيم, ثمّ قال في نفسه وظنّ أن الله لم يغفر لـه, فهو من أعظم الناس وزراً».
وعنهم عليهم السلام: «الحاج مغفور لـه, وموجوب لـه الجنة, ومستأنف به العمل, ومحفوظ في أهله وماله, وإن الحجّ المبرور لا يعدله شي‏ء, ولا جزاء لـه إلا الجنّة, وإن الحاجّ يكون كيوم ولدته أمّه, وإنه يمكث أربعة أشهر تكتب لـه الحسنات, ولا تكتب عليه السيّئات إلا أن يأتي بموجبه, فإذا مضت الأربعة الأشهر خلط بالناس, وإن الحاجّ يصدرون على ثلاثة أصناف: صنف يعتق من النار, وصنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه, وصنف يحفظ في أهله وماله, فذلك أدنى ما يرجع به الحاجّ, وإن الحاجّ إذا دخل مكّة وكّل الله به ملكين يحفظان عليه طوافه وصلاته وسعيّه فإذا وقف بعرفة ضربا منكبه الأيمن ثمّ قالا: أما ما مضى فقد كفيته فانظر كيف تكون فيما تستقبل».
‏ وفي آخر: «وإذا قضوا مناسكهم قيل لهم: بنيتم بنياناً فلا تنقضوه, كفيتم ما مضى فأحسنوا فيما تستقبلون».
‏ وفي آخر: «إذا صلّى ركعتي طواف الفريضة يأتيه ملك فيقف عن يساره, فإذا انصرف ضرب بيده على كتفه فيقول: يا هذا أما ما قد مضى فقد غفر لك, وأما ما يستقبل فجدّ».
وفي آخر: « إذا أخذ الناس منازلهم بمنى نادى مناد: لو تعلمون بفناء من حللتم لأيقنتم بالخلف بعد المغفرة».
وفي آخر: « إن أردتم أن أرضى فقد رضيت‏».
وعن الثمالي قال: «قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: تركت الجهاد وخشونته، ولزمت الحجّ ولينه؟ فكان متّكئاً فجلس وقال: ويحك أما بلغك ما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حجّة الوداع؟ إنه لما وقف بعرفة وهمّت الشمس أن تغيب قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا بلال قل للناس: فلينصتوا. فلما أنصتوا قال: إن ربّكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم, وشفّع محسنكم في مسيئكم, فأفيضوا مغفوراً لكم‏».
وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لرجل مميل فاته الحجّ والتمس منه ما به ينال أجره: «لو أن أبا قبيس لك ذهبة حمراء فأنفقته في سبيل الله تعالى ما بلغت ما يبلغ الحاج‏» .
وقال: «إن الحاجّ إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئاً ولم يضعه إلا كتب الله لـه عشر حسنات, ومحى عنه‏ عشر سيّئات, ورفع لـه عشر درجات, وإذا ركب بعيره لم يرفع خفّاً ولم يضعه إلا كتب الله لـه مثل ذلك, فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه, فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه, فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه, فإذا وقف بالمشعر خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه, قال: فعدّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كذا وكذا موقفاً إذا وقفها الحاجّ خرج من ذنوبه, ثمّ قال: أنَّى لك أن تبلغ ما يبلغ الحاجّ؟».
‏ وقال الإمام الصادق عليه السلام : «إن الحجّ أفضل من عتق رقبة، بل سبعين رقبة».
بل ورد: «إنه إذا طاف بالبيت وصلَّى ركعتيه: كتب الله لـه سبعين ألف حسنة, وحّط عنه سبعين ألف سيّئة, ورفع لـه سبعين ألف درجة, وشفعه في سبعين ألف حاجة, وحسب لـه عتق سبعين ألف رقبة قيمة كلّ رقبة عشرة آلاف درهم, وإن الدرهم فيه أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من سبيل الله تعالى, وإنه أفضل من الصيام والجهاد والرباط، بل من كلّ شي‏ء ما عدا الصلاة».
بل في خبر آخر: «إنه أفضل من الصلاة أيضاً » ولعلّه لاشتماله على فنون من الطاعات لم يشتمل عليها غيره حتى الصلاة التي هي أجمع العبادات, أو لأن الحجّ فيه صلاة والصلاة ليس فيها حجّ, أو لكونه أشقّ من غيره‏ وأفضل الأعمال أحمزها والأجر على قدر المشقّة.
ويستحب تكرار الحجّ والعمرة وإدمانهما بقدر القدرة, فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : تابعوا بين الحجّ والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد».
وقال عليه السلام: «حجّ تترى وعمرة تسعى, يدفعن عيلة الفقر وميتة السوء».
وقال علي بن الحسين عليه السلام : «حجّوا واعتمروا, تصحّ أبدانكم, وتتّسع أرزاقكم, وتكفون مأونة عيالكم».
‏وكما يستحب الحجّ بنفسه كذا يستحب الإحجاج بماله،‏ فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه كان إذا لم يحجّ أحجّ بعض أهله أو بعض مواليه ويقول لنا: « يا بنيّ إن استطعتم فلا يقف الناس بعرفات إلا وفيها من يدعو لكم, فإن الحاجّ ليشفع في ولده وأهله وجيرانه»‏.
وقال عليّ بن الحسين عليه السلام لإسحاق بن عمّار لما أخبره أنه موطّن على لزوم الحجّ كلّ عام بنفسه أو برجل من أهله بماله: «فأيقن بكثرة المال والبنين ـ أو أبشر بكثرة المال ـ‏».
وفي كلّ ذلك روايات مستفيضة يضيق عن حصرها المقام, ويظهر من جملة منها أن تكرارها ثلاثاً أو سنة وسنة لا إدمان، ويكره تركه للموسر في كلّ خمس سنين‏.
وفي عدّة من الأخبار: «إن من أوسع الله عليه وهو موسر ولم يحجّ في كلّ خمس‏ ـ وفي رواية: أربع سنين ـ إنه لمحروم».
‏وعن الإمام الصادق عليه السلام : «من أحجّ أربع حجج لم يصبه ضغطة القبر».

مقدمة

في آداب السفر

مقدّمة في آداب السفر ومستحبّاته لحجّ أو غيره‏, وهي أمور:

 

الأمر الأول : طلب الخير

أولها: ومن أوكدها الاستخارة, بمعنى: طلب الخير من ربّه ومسألة تقديره لـه عند التردّد في أصل السفر أو في طريقه أو مطلقاً, والأمر بها للسفر وكلّ أمر خطير أو مورد خطر مستفيض, ولا سيّما عند الحيرة والاختلاف في المشورة.
وهي: الدعاء لأن يكون خيره فيما يستقبل أمره.
وهذا النوع من الاستخارة هو الأصل فيها، بل أنكر بعض العلماء ما عداها ممّا يشتمل على: التفأّل والمشاورة بالرقاع والحصى والسبحة والبندقة وغيرها لضعف غالب أخبارها, وإن كان العمل بها للتسامح في مثلها لا بأس به أيضاً, بخلاف هذا النوع, لورود أخبار كثيرة بها في كتب أصحابنا، بل في روايات مخالفينا أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الأمر بها والحثّ عليها.
وعن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام: «كنّا نتعلّم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن».
‏وعن الإمام الباقر عليه السلام : «إن عليّ بن الحسين عليه السلام كان يعمل به إذا همّ بأمر حجّ أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق»‏.
بل في كثير من رواياتنا: النهي عن العمل بغير استخارة, وأنه من دخل في أمر بغير استخارة ثمّ ابتلي لم يؤجر.
وفي كثير منها: « ما استخار الله عبد مؤمن إلا خار لـه وإن وقع ما يكره»‏.
وفي بعضها: «إلا رماه الله بخير الأمرين».
‏وفي بعضها: استخر الله مائة مرّة ثمّ انظر أجزم الأمرين لك فافعله, فإن الخيرة فيه إن شاء الله تعالى»‏.
وفي بعضها: «ثمّ انظر أيّ شي‏ء يقع في قلبك فاعمل به».
‏وليكن ذلك بعنوان المشورة من ربه وطلب الخير من عنده, وبناءً منه أن خيره فيما يختاره الله لـه من أمره.
ويستفاد من بعض الروايات: أن يكون قبل مشورته ليكون بدء مشورته منه سبحانه, وأن يقرنه بطلب العافية.
فعن الإمام الصادق عليه السلام : «وليكن استخارتك في عافية, فإنه ربما خير للرجل في قطع يده, وموت ولده, وذهاب ماله»‏.
وأخصر صورة فيها أن يقول: أستخير الله برحمته, أو أستخير الله برحمته خيرة في عافية, ثلاثاً أو سبعاً أو عشراً أو خمسين أو سبعين أو مائة أو مائة مرّة ومرّة, والكل مرويّ وفي بعضها: في الأمور العظام مائة وفي الأمور اليسيرة بما دونه.
والمأثور من أدعيته كثيرة جداً, والأحسن: تقديم تحميد وتمجيد, وثناء وصلوات وتوسّل, وما يحسن من الدعاء عليها, وأفضلها بعد ركعتين للاستخارة, أو بعد صلوات فريضة, أو في ركعات الزوال, أو في آخر سجدة من صلاة الفجر, أو في آخر سجدة من صلاة الليل, أو في سجدة بعد المكتوبة, أو عند رأس الإمام الحسين عليه السلام, أو في مسجد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم, والكلّ مرويّ ومثلها: كلّ مكان شريف قريب من الإجابة, كالمشاهد المشرفة, أو حال‏ أو زمان كذلك. ومن أراد تفصيل ذلك فليطلبه من مواضعه: كمفاتيح الغيب للمجلسي قدّس سرّه, والوسائل, ومستدركه.
وبما ذكر من حقيقة هذا النوع من الاستخارة, وأنها محض الدعاء والتوسّل, وطلب الخير وانقلاب أمره إليه, وبما عرفت من عمل الإمام السجاد عليه السلام في الحجّ والعمرة ونحوهما, يعلم أنها راجحة للعبادات أيضاً, خصوصاً عند إرادة الحجّ, ولا يتعيّن فيما يقبل التردّد والحيرة, ولكن‏ في رواية أخرى: « ليس في ترك الحجّ خيرة» ولعل المراد بها: الخيرة لأصل الحجّ أو للواجب منه.

 

الأمر الثاني: انتخاب الأزمنة المختارة

ثانيها: اختيار الأزمنة المختارة لـه من الأسبوع والشهر, فمن الأسبوع يختار: السبت وبعده الثلثاء والخميس, والكلّ مرويّ.
‏وعن الإمام الصادق عليه السلام : «من كان مسافراً فليسافر يوم السبت, فلو أن حجراً زال عن جبل يوم السبت لردّه الله إلى مكانه».
‏وعنهم عليهم السلام: «السبت لنا, والأحد لبني أمية».
وعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : «اللهم بارك لأمّتي في بكورها يوم سبتها وخميسها».
ويتجنّب ما أمكنه صبيحة الجمعة قبل صلاتها, والأحد, فقد روي: «إن لـه حدّاً كحدّ السيف» والاثنين فهو لبني أميّة, والأربعاء فإنه لبني العباس,‏ خصوصاً آخر أربعاء من الشهر فإنه يوم نحس مستمر.
وفي رواية: ترخيص السفر يوم الاثنين مع قراءة سورة هل أتى في أول ركعة من غداته, فإنه يقيه الله به من شرّ يوم الاثنين, وورد أيضاً: اختيار يوم الاثنين: وحملت على التقية.
وليتجنّب السفر من الشهر والقمر في المحاق, أو في برج العقرب أو صورته,‏ فعن الإمام الصادق عليه السلام : « من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى».
‏وقد عدّ أيام من كلّ شهر, وأيام من الشهر منحوسة يتوقّى من السفر فيها, ومن ابتداء كلّ عمل بها, وحيث لم نظفر بدليل صالح عليه لم يهمّنا التعرّض لها, وإن كان التجنّب منها ومن كلّ ما يتطيّر بها أولى, ولم يعلم أيضاً أن المراد بها: شهور الفرس أو العربية, وقد يوجّه كلّ بوجه غير وجيه, وعلى كلّ حال: فعلاجها لدى الحاجة بالتوكّل والمضي, خلافاً على أهل الطيرة, فعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : «كفّارة الطيرة التوكّل».
‏وعن أبي الحسن الثاني عليه السلام : « من خرج يوم الأربعاء لا يدور خلافاً على أهل الطيرة, وقي من كلّ آفة, وعوفي من كلّ عاهة, وقضى الله لـه حاجته»‏.
وله أن يعالج نحوسة ما نحس من الأيام بالصدقة, فعن الإمام الصادق عليه السلام : «تصدق واخرج أيّ يوم شئت».
‏ وكذا يفعل أيضاً لو عارضه في طريقه ما يتطيّر به الناس ووجد في نفسه من ذلك شيئاً, وليقل حينئذٍ: « اعتصمت بك يا ربّ من شرّ ما أجد في نفسي فاعصمني» وليتوكل على الله وليمض خلافاً لأهل الطيرة.
ويستحب اختيار آخر الليل للسير, ويكره أوله‏, ففي الخبر: «الأرض تطوى من الليل»‏ وفي آخر: «إياك والسير في أول الليل وسر في آخره»‏.

 

الأمر الثالث: التصدّق بشيء

ثالثها: وهو أهمّها التصدق‏ بشي‏ء عند افتتاح سفره, ويستحب كونها عند وضع الرجل في الركاب خصوصاً إذا صادف المنحوسة أو المتطيّر بها من الأيام والأحوال, ففي المستفيضة: رفع نحوستها بها, وليشتري السلامة من الله بما يتيّسر لـه, ويستحب أن يقول عند التصدق: «اللهم إني اشتريت بهذه الصدقة سلامة سفري, اللهم احفظني واحفظ ما معي, وسلّمني وسلّم ما معي, وبلّغني وبلّغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل».

 

الأمر الرابع: الوصيّة بالحقوق

‏رابعها: الوصية عند الخروج‏ لا سيما بالحقوق الواجبة.

 

الأمر الخامس: توديع الأهل والعيال

خامسها: توديع العيال,‏ بأن يجعلهم وديعة عند ربّه ويجعله خليفة عليهم, وذلك بعد ركعتين أو أربع يركعها عند إرادة الخروج ويقول‏ «اللهم إني أستودعك نفسي وأهلي ومالي وذريّتي ودنياي وآخرتي وأمانتي وخاتمة عملي»‏ فعن الإمام الصادق عليه السلام : « ما استخلف رجل على أهله بخلافة أفضل منها, ولم يدع بذلك الدعاء إلا أعطاه عزّ وجلّ ما سأل».

 

الأمر السادس: إعلام الإخوان

‏سادسها: إعلام إخوانه بسفره,‏ فعن النبي صلّى الله عليه وآله سلّم : «حقّ على المسلم إذا أراد سفراً أن يعلم إخوانه, وحقّ على إخوانه إذا قدم أن يأتوه‏» .

 

الأمر السابع: العمل بالمأثور من القرآن والدعاء

سابعها: العمل بالمأثورات‏ من قراءة السور والآيات والأدعية عند باب داره, وذكر الله والتسمية والتحميد وشكره عند الركوب والاستواء على الظهر, والإشراف والنزول, وكلّ انتقال وتبّدل حال‏, فعن الإمام الصادق عليه السلام : «كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سفره إذا هبط سبّح, وإذا صعد كبّر» وعن النبي صلّى الله عليه واله وسلّم: «من ركب وسمّى, ردفه ملك يحفظه. ومن ركب ولم يسمّ, ردفه شيطان يمنيّه حتى ينزل».
ومنها: قراءة القدر للسلامة حين يسافر أو يخرج من منزله أو يركب داّبته, وآية الكرسي والسخرة والمعوّذتين والتوحيد والفاتحة والتسمية وذكر الله في كلّ حال من الأحوال.
‏ومنها: ما عن أبي الحسن عليه السلام أنه يقوم على باب داره تلقاء ما يتوجّه لـه, ويقرأ الحمد والمعوّذتين والتوحيد وآية الكرسي أمامه وعن يمينه وعن شماله, ويقول: «اللهم احفظني واحفظ ما معي, وبلّغني وبلّغ ما معي, ببلاغك الحسن الجميل» يحفظ ويبلغ ويسلم هو وما معه.
ومنها: ما عن الإمام الرضا عليه السلام : «إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل: «بسم الله وبالله, توكلّت على الله, ما شاء الله, لا حول ولا قوة إلا بالله» تضرب به الملائكة وجوه الشياطين وتقول: ما سبيلكم عليه وقد سمّى الله وآمن به وتوكّل عليه‏.
ومنها : ما كان الإمام الصادق عليه السلام يقول إذا وضع رجله في الركاب: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وما كُنَّا لـه مُقْرِنِينَ﴾ ويسبّح الله سبعاً, ويحمده سبعاً, ويهلّله سبعاً.
وعن الإمام زين العابدين عليه السلام : « أنه لو حجّ رجل ماشياً وقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر, ما وجد ألم المشي,‏ وقال: ما قرأه أحد حين يركب دابة إلا نزل منها سالماً مغفوراً لـه ولقارئها أثقل على الدواب من‏ الحديد.
وعن أبي جعفر عليه السلام : «لو كان شي‏ء يسبق القدر لقلت قارئ إنا أنزلناه في ليلة القدر حين يسافر أو يخرج من منزله»‏.
والمتكّفل لبقيّة المأثور منها على كثرتها الكتب المعدّة لها, وفي وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : «يا علي إذا أردت مدينة أو قرية فقل حين تعاينها: اللهم إني أسألك خيرها وأعوذ بك من شرّها, اللهم حببّنا إلى أهلها وحبّب صالحي أهلها إلينا».
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: « يا علي إذا نزلت منزلاً فقل: اللهم أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، ترزق خيره ويدفع عنك شرّه‏ّ».
وينبغي لـه زيادة الاعتماد والانقطاع إلى الله سبحانه, وقراءة ما يتعلّق بالحفظ من الآيات والدعوات, وقراءة ما يناسب ذلك, كقوله تعالى: ﴿كلّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾, وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ ودعاء التوجّه, وكلمات الفرج ونحو ذلك‏.
وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « يسبّح تسبيح الزهراء, ويقرأ آية الكرسي عند ما يأخذ مضجعه في السفر, يكون محفوظاً من كلّ شي‏ء حتى يصبح»‏.

 

الأمر الثامن: التحنّك حين الخروج

ثامنها: التحنّك بإدارة طرف العمامة تحت حنكه,‏ ففي المستفيضة عن الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام: «الضمان لمن خرج من بيته معتمّاً تحت حنكه أن يرجع إليه سالماً, وأن لا يصيبه السرق ولا الغرق ولا الحرق».

 

الأمر التاسع: استصحاب العصا

تاسعها: استصحاب عصا من اللوز المرّ, فعنه: «من أراد أن تطوى لـه الأرض فليتّخذ النقد من العصاـ والنـقد: عصا لـوز مرّـ وفيه نفي للفقر, وأمان من الوحشة والضواري وذوات الحمّة».
وليصحب شيئاً من طين الإمام الحسين عليه السلام ليكون لـه شفاءً من كلّ داء, وأماناً من كلّ خوف.
ويستصحب خاتماً من عقيق أصفر مكتوب على أحد جانبيه: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله أستغفر الله» وعلى الجانب الآخر:« محمد وعلي» وخاتماً من فيروزج مكتوب على أحد جانبيه: «الله الملك» وعلى الجانب الآخر: « الملك لله الواحد القهار».

 

الأمر العاشر: اتخاذ الرفقة

عاشرها: اتخاذ الرفقة في السفر، ففي المستفيضة الأمر بها والنهي الأكيد عن الوحدة، ففي وصيّة النبيّ صلّى الله عليه واله وسلّم لعلي عليه السلام: «لا تخرج في سفر وحدك, فإن الشيطان مع الواحد, وهو من الاثنين أبعد».
ولعن ثلاثة: «الآكل زاده وحده, والنائم في بيت وحده, والراكب في الفلاة وحده»‏.
وقال: «شر الناس من سافر وحده, ومنع رفده, وضرب عبده».
و«أحبّ الصحابة إلى الله أربعة, وما زاد على سبعة إلا كثر لغطهم‏ (أي: تشاجرهم).
ومن اضطرّ إلى السفر وحده فليقل: «ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله, اللهم آنس وحشتي, وأعنّي على وحدتي, وأدّ غيبتي».
وينبغي أن يرافق مثله في الإنفاق, ويكره مصاحبته دونه أو فوقه في ذلك, وأن يصحب من يتزيّن به, ولا يصحب من يكون زينة لـه, ويستحب معاونة أصحابه وخدمتهم, وعدم الاختلاف معهم, وترك التقدّم على رفيقه في الطريق‏.

 

الأمر الحادي عشر: استصحاب الزاد وتطييبه

الحادي عشر: استصحاب السفرة والتنوّق فيها, وتطييب الزاد والتوسعة فيه, لا سيّما في سفر الحجّ‏. وعن الإمام الصادق عليه السلام: «إن من المروّة في السفر: كثرة الزاد وطيبه, وبذله لمن كان معك»‏.
نعم يكره التنوّق في سفر زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، بل يقتصر فيه على الخبز واللبن لمن قرب من مشهده: كأهل العراق, لا مطلقاً في الأظهر. فعن الإمام الصادق عليه السلام : «بلغني أن قوماً إذا زاروا الحسين عليه السلام حملوا معهم السفرة فيها الجداء والأخبصة وأشباهه, ولو زاروا قبور آبائهم ما حملوا معهم هذا» وفي آخر: «تالله إن أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيباً حزيناً وتأتونه أنتم بالسُّفر؟ كلا حتى تأتونه شعثا ًغبراً».

 

الأمر الثاني عشر: حسن المعاشرة

الثاني عشر: حسن التخلق مع صحبه ورفقته‏, فعن الإمام الباقر عليه السلام: «ما يعبأ بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: خلق يخالق به من صحبه, أو حلم يملك به غضبه, أو ورع يحجزه عن معاصي الله»‏.
وفي المستفيضة: «المروّة في السفر: ببذل الزاد, وحسن الخلق, والمزاح في غير المعاصي».
‏وفي بعضها: «قلة الخلاف على من صحبك, وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم».
‏وعن الإمام الصادق عليه السلام : «ليس من المروّة أن يحدّث الرجل بما يتّفق في السفر من خير أو شر».
وعنه عليه السلام : «وطّن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت في: حسن خلقك, وكفّ لسانك, واكظم غيظك, وأقلّ لغوك, وتفرش عفوك, وتسخي نفسك‏».

 

الأمر الثالث عشر: استصحاب الحاجيات الأوّلية

الثالث عشر: استصحاب جميع ما يحتاج إليه: من السلاح والآلات والأدوية. كما في ذيل ما يأتي من وصايا لقمان لابنه, وليعمل بجميع ما في تلك الوصيّة.

 

الأمر الرابع عشر: انتظار المريض ثلاث

الرابع عشر: إقامة رفقاء المريض لأجله ثلاثاً, فعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : «إذا كنت في سفر ومرض أحدكم فأقيموا عليه ثلاثة أيام».
‏ وعن الإمام الصادق عليه السلام: « حق المسافر أن يقيم عليه أصحابه إذا مرض ثلاثاً».

 

الأمر الخامس عشر: رعاية حق المركب

الخامس عشر: رعاية حقوق دابّته,‏ فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم : للدابّة على صاحبها خصال: يبدأ بعلفها إذا نزل, ويعرض عليها الماء إذا مرّ به, ولا يضرب وجهها فإنها تسبّح بحمد ربّها, ولا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله, ولا يحمّلها فوق طاقتها, ولا يكلّفها من المشي إلا ما تطيق».
‏ وفي آخر: «ولا تتورّكوا على الدوابّ, ولا تتّخذوا ظهورها مجالس».
‏ وفي آخر: «ولا يضربها على النفار, ويضربها على العثار, فإنها ترى ما لا ترون».

 

مكرّوهات السفر ومستحباته

‏ ويكره التعرّس على ظهر الطريق, والنزول في بطون الأودية, والإسراع في السير, وجعل المنزلين منزلاً إلا في أرض جدبة, وأن يطرق أهله ليلاً حتى يعلمهم.
ويستحب إسراع عوده إليهم, وأن يستصحب هدية لهم إذا رجع إليهم‏, وعن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا سافر أحدكم فقدم من سفره, فليأت أهله بما تيسّر ولو بحجر ... ».
ويكره ركوب البحر في هيجانه، وعن أبي جعفر عليه السلام: «إذا اضطرب بك البحر فاتّك على‏ جانبك الأيمن وقل «بسم الله اسكن بسكينة الله, وقرّ بقرار الله, واهدأ بإذن الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله».
ولينادي إذا ضلّ في طريق البرّ: «يا صالح يا أبا صالح أرشدونا رحمكم الله» وفي طريق البحر: «يا حمزة» وإذا بات في أرض قفر فليقل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ ـإلى قولـه ـ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.
‏ وينبغي للماشي أن ينسِل في مشيه, أي: يسرع‏, فعن الإمام الصادق عليه السلام : «سيروا وانسلوا فإنه أخفّ عليكم».
و«جاءت المشاة إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فشكوا إليه الإعياء, فقال: عليكم بالنسلان ففعلوا فذهب عنهم الإعياء».
وأن يقرأ سورة القدر لئلّا يجد ألم المشي كما مرّ عن الإمام السجاد عليه السلام وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : «زاد المسافر الحداء والشعر ما كان منه ليس فيه خناء» وفي نسخة «جفاء» وفي أخرى «حنان».
وليختر وقت النزول من بقاع الأرض أحسنها لوناً, وألينها تربةً, وأكثرها عشباً.

 

ما يستحب لأهل المسافر

هذه جملة ما على المسافر, وأما أهله ورفقته: فيستحب لهم تشييع المسافر وتوديعه وإعانته والدعاء لـه بالسهولة والسلامة, وقضاء المآرب عند وداعه,‏ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : «من أعان مؤمناً مسافراً فرّج الله عنه ثلاثاً وسبعين كربة, وأجاره في الدنيا والآخرة من الغمّ والهمّ, ونفّس كربه العظيم يوم يغصّ الناس بأنفاسهم‏».
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا ودّع المؤمنين قال: «زوّدكم الله التقوى, ووجّهكم إلى كلّ خير, وقضى لكم كلّ حاجة, وسلّم لكم دينكم ودنياكم, وردّكم سالمين إلى سالمين».
‏ وفي آخر: «كان إذا ودّع مسافراً أخذ بيده ثمّ قال: أحسن لك الصحابة, وأكمل لك المعونة, وسهّل لك الحزونة, وقرّب لك البعيد, وكفاك المهمّ, وحفظ لك دينك وأمانتك وخواتيم عملك, ووجّهك لكلّ خير, عليك بتقوى الله, استودع الله نفسك, سر على بركة الله عزّ وجل».‏ّ
وينبغي أن يقرأ في أٌذنه ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ﴾ إن شاء الله, ثمّ يؤذّن خلفه وليقم ـ كما هو المشهور عملاً ـ.
وينبغي رعاية حقّه في أهله وعياله, وحسن الخلافة فيهم لا سيّما مسافر الحجّ‏, فعن الإمام الباقر عليه السلام : «من خلف حاجّاً بخير كان لـه كأجره: كأنه يستلم الأحجار».
وأن يوقّر القادم من الحجّ‏, فعن الإمام الباقر عليه السلام : «وقّروا الحاجّ والمعتمر فإن ذلك واجب عليكم»‏.
وكان علي بن الحسين عليه السلام يقول: «يا معشر من لم يحجّ استبشروا بالحاجّ وصافحوهم وعظّموهم, فإن ذلك يجب عليكم, تشاركوهم في الأجر» .
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول للقادم من مكّة: «قبل الله منك, وأخلف عليك نفقتك, وغفر ذنبك»‏.

 

مع وصايا لقمان في السفر

ولنتبرّك بختم المقام بخير خبر تكفّل مكارم أخلاق السفر، بل والحضر، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: « قال لقمان لابنه: يا بنيّ إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم, وأكثر التبسّم‏ في وجوههم, وكن كريماً على زادك, وإذا دعوك فأجبهم, وإذا استعانوا بك فأعنهم, واستعمل طول الصمت, وكثرة الصلاة, وسخاء النفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد, وإذا استشهدوك على الحقّ فاشهد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك, ثمّ لا تعزم حتى تتثبّت وتنظر, ولا تُجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتضع وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورتك, فإنّ من لم يمحض النصح لمن استشاره سلبه الله رأيه, ونزع منه الأمانة.
وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم, وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم, فإذا تصدّقوا أو أعطوا قرضاً فأعط معهم, واسمع لمن هو أكبر منك سنّاً، وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئاً فقل، نعم, ولا تقل: لا, فإنها عيُّ ولؤم.
وإذا تحيّرتم في الطريق فانزلوا, وإذا شككتم في القصد فقفوا أو تؤامروا, وإذا رأيتم شخصاً واحداً فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه, فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب: لعلّه يكون عين اللصوص, أو يكون هو الشيطان الذي حيّركم, واحذروا الشخصين أيضاً إلا أن ترون ما لا أرى, فإن العاقل إذا أبصر بعينه شيئاً عرف الحقّ منه, والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
يا بنيّ إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخّرها لشي‏ء, صلّها واسترح منها فإنها دين, وصلَّ في جماعة ولو على رأس زجّ.
ولا تنامنّ على دابّتك فإن ذلك سريع في دبرها, وليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدّد لاسترخاء المفاصل.
وإذا قربت من المنزل فأنزل عن دابّتك وابدأ بعلفها, فإنها نفسك, وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لوناً, وألينها تربة, وأكثرها عشباً.
وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس.
وإذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض.
وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثمّ ودّع الأرض التي حللت بها, وسلّم عليها وعلى أهلها, فإن لكل بقعة أهلاً من الملائكة.
فإن استطعت أن لا تأكل طعاماً حتى تبدأ وتصدّق منه فافعل.
وعليك بقراءة كتاب الله ما دمت راكباً, وعليك بالتسبيح ما دمت عاملاً عملاً، وعليك بالدعاء ما دمت خالياً, وإيّاك والسير في أول الليل, وسر في آخره, وإيّاك ورفع الصوت.
يا بنيّ سافر بسيفك وخفّك وعمامتك وحبالك وسقائك وخيوطك ومخرزك, وتزوّد معك من الأدوية فانتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقاً إلا في معصية الله عزّ وجلّ.
‏هذا ما يتعلّق بكليّ السفر, ويختصّ سفر الحجّ بأمور أخرى.

 

آداب سفر الحجّ خاصّة

منها: اختيار المشي فيه على الركوب على الأرجح، بل الحفاء على الانتعال: إلا أن يضعفه عن العبادة, أو كان لمجرّد تقليل النفقة, وعليهما يحمل ما يستظهر منها أفضليّة الركوب, وروي: « ما تقرّب العبد إلى الله عزّ وجلّ بشي‏ء أحبّ إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين, وأن الحجّة الواحدة تعدل سبعين حجّة، وما عبد الله بشي‏ء مثل الصمت والمشي إلى بيته».
ومنها: أن تكون نفقة الحجّ والعمرة حلالاً طيباً، فعنهم عليهم السلام: «إنّا أهل بيت حجّ صرورتنا ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا».
وعنهم عليهم السلام: «من حجّ بمال حرام نودي عند التلبية: لا لبّيك عبدي ولا سعديك».
‏وعن الإمام الباقر عليه السلام : «من أصاب مالاً من أربع: لم يقبل منه في أربع: من أصاب مالاً من غلول أو رياء أو خيانة أو سرقة لم يقبل منه في زكاة ولا صدقة ولا حجّ ولا عمرة».
ومنها: استحباب نيّة العود إلى الحجّ عند الخروج من مكّة, وكراهة نيّة عدم العود, فعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : «من رجع من مكّة وهو ينوي الحجّ من قابل زيد في عمره, ومن خرج من مكّة ولا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه».
‏ وعن الإمام الصادق عليه السلام مثله مستفيضاً , وقال لعيسى بن أبي منصور: «يا عيسى إني أحبّ أن يراك الله فيما بين الحجّ إلى الحجّ وأنت تتهيّأ للحجّ».
ومنها: أن لا يخرج من الحرمين الشريفين بعد ارتفاع النهار إلا بعد أداء الفرضين بهما.
ومنها: البدأة بزيارة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لمن حجّ على طريق العراق.
ومنها: أن لا يحجّ ولا يعتمر على الإبل الجلّالة, ولكن لا يبعد اختصاص الكراهة بأداء المناسك عليها, ولا يسري إلى ما يسار عليها من البلاد البعيدة في الطريق.
ومن أهمّ ما ينبغي رعايته في هذا السفر: احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النيّة, وإخلاص السريرة, وأداء حقيقة القربة, والتجنّب عن الرياء, والتجرّد عن حبّ المدح والثناء, وأن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا: من جعله وسيلة للرفعة والافتخار، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار.
وأن يراعي أسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة, كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام: من أن الله تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه, وعلوّ شأنه وعظم سلطانه, وإعلاناً لرقّ الناس وعبوديتّهم, وذلّهم واستكانتهم, وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم, والملاّك لمماليكهم: يستذلّونهم بالوقوف على باب بعد باب, واللبث في حجاب بعد حجاب, وأن الله تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه, واصطفاه لقدسه, وجعله قياماً للعباد, ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد, وجعل ما حوله حرماً, وجعل الحرم آمناً, وجعل فيه ميداناً ومجالاً, وجعل لـه في الحلّ شبيهاً ومثالاً, فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين, ثمّ أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالاً وركباناً من كلّ فجّ, وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس, شعثاً غبراً, متواضعين مستكينين, رافعين أصواتهم بالتلبية, وإجابة الدعوة, حتى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول, وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه, حتى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم, ورجموا شياطينهم بجمارهم, وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم, أذن لهم بتقريب قربانهم, وقضاء تفثهم, ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه, وليزوروا البيت على طهارة منهم, ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرقّ وكنه العبودية, فجعلهم تارة يطوفون فيه ويتعلّقون بأستاره ويلوذون بأركانه, وأخرى يسعون بين يديه مشياّ وعدواً, ليتبيّن لهم عزّ الربوبيّة وذلّ العبوديّة, وليعرفوا أنفسهم, ويضع الكبر من رءوسهم, ويجعل نير الخضوع في أعناقهم, ويستشعروا شعار المذلّة, وينزعوا ملابس الفخر والعزّة. وهذا من أعظم فوائد الحجّ, مضافاً إلى ما فيه من التذكّر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر وأهوال يوم القيامة, إذ الحجّ هو الحشر الأصغر, وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف ووقوفهم بها والهين متضرّعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة والشقاء ,أشبه شي‏ء بخروج الناس من أجداثهم, وتوشّحهم بأكفانهم, واستغاثتهم من ذنوبهم, وحشرهم إلى صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحاجّ في طوافهم وسعيهم, ورجوعهم وعودهم, يشبه أطوار الخائف الوجل المضطرب المدهوش الطالب ملجأً ومفزعاً, نحو أهل المحشر في أحوالهم وأطوارهم, فبحلول هذه المشاعر والجبال, والشعب والتلال, ولدى وقوفه بمواقفه العظام, يهون ما بأمامه من أهوال يوم القيامة: من عظائم يوم المحشر, وشدائد النشر, عصمنا الله وجميع المؤمنين, ورزقنا فوزه يوم الدين, آمين رب العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين‏.