شروط تنظيم العمران في الإسلام

هناك لإحياء الأرض عمرانها بالزراعة والبناء في ظلِّ الإسلام شروط خمسة إنسانية وضعها الشرع الإسلامي لغلق باب الفوضى والتعدي ونحو ذلك ، نذكرها باجمال:


الشرط الأول

الأول: يشترط في الأرض التي يراد إحياؤها إلاّ يسبق عليها يد مسلم، فلو حرث مسلم كمية من الأرض، ولم يزرعها بعد أو كانت ملكاً له لا يجوز لمسلم آخر أنْ يتخذ شيئاً من تلك الأرض ويحييها، فأنّ في ذلك منع الاول عن الإحياء، وهذا غير صحيح!
والإسلام الذي يريد أن يعم الزرع والبناء، كيف يبيح أخذ الأرض ممن شرع في العمارة والزرع؟ أو ممّن ملك الأرض؟
قال المحقق الحلي قد سره في الشرائع: «ويشترط في التملّك بالإحياء شروط خمسة، الأول: أنْ لا يكون عليها يد مسلم، فأنْ ذلك يمنع عن مباشرة الاحياء لغير المتصرف».


الشرط الثاني

الثاني: أنْ لا تكون الأرض الجرداء حريماً لأرض معمورة، بحيث يسبب الإحياء ضرر الجار، فلا يجوز إحياء الأرض والزراعة أو البناء فيه، أو حفر بئر، أو عين، أو شق نهر فيه، إذا كان سبباً لتظرر الجار بذلك.
فقد روي في هذا المجال عن حماد بن عثمان أنـّه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «حريم البئر أربعون ذراعاً حولها»(1).
وعليه: فإذا حفر شخص بئراً عادية لا يجوز لآخر حفر بئر اخرى عندها إلاّ بفاصلة لا تقلّ عن أربعين ذراعاً ـ أي عشرين متراً ـ أو أكثر، لأن البئر الثانية إذا كانت قريبة من الأولى أضرّت بالاولى وصارت سبباً لتقليل الماء فيها.
وروي أيضاً: «قضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إنّ البئر حريمها اربعون ذراعاً، لا يحفر إلى جانبها بئر اُخرى لعطن أو غنم»(2).
والعطن: هو مَبرك الابل، يعني : سواء كانت البئر قد حُفرت شرب الابل منها، أو لاجل شرب الغنم منها.
وحريم العين ألف ذراع إذا كانت في الأرض الرخوة، وخمسمأة ذراع إذا كانت في الأرض الصلبة.
وقال بعض الفقهاء: حد حريم العين أنْ لا تضر الثانية بالاولى بأن لا تسبب نقصاً في ماء الاولى.
فلا يجوز لأحد أن يوجد عيناً في أرض تقلل من ماء عين مجاورة.
قال الصدوق ـ رضوان الله عليه ـ : وروي أنّ حريم المسجد أربعين ذراعاً من كلِّ ناحة.
وقال المحقق الحلّي صاحب الشرائع قد سره: «وحريم الحائط في المباح مقدار مطرح ترابه نظراً إلى مساس الحاجة إليه لو استهدم، وقيل: للدار مقدار مطرح ترابها وصب مياهها ومسلك الدخول والخروج».
إذن: فلو بنى شخص داراً في أرض بائرة إحياها لنفسه، أو أحدث بستاناً أو مزرعة، فأنـّه لا يجوز لأحد أن يبني عندها بناء أو يزرع زرعاً أو يغرس نخلاً إلاّ على بعد مطرح تراب الدار إذا هدمت من جوانب الدار كلها.
ثمّ أردف المحقق ـ قدس سره ـ ذلك بقوله: «ولك ذلك إنما يثبت له حريم إذا ابتكر في الموات، اما ما يعمل في الأملاك المعمورة فلا».


الشرط الثالث

الثالث: أن لا تكون الأرض محلاً للعبادة فلا يجوز البناء والزرع والغرس وغيرها في مثل « عرفات » و«منى» و«المشعر».
قال المحقق الحلّي صاحب الشرائع ـ رضوان الله عليه ـ : «الثالث: أنْ لا يسميه الشرع مشعراً للعبادة كـ«عرفة» و«منى» و«المشعر» فأنّ الشرع دلّ على إختصاصها موطناً للعبادة فالتعرض لتمليكها تفويت لتلك المصلحة.
أما لو عمّر فيها ما لا يضر ولا يؤدي إلى ضيقها عمّا يحتاج إليه المتعبدون كاليسير لم يُمنع منه».


الشرط الرابع

الرابع: أنْ لا تكون الأرض مما أقطعها ووهبها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) لشخص، فلو وهب النبيّ أو الإمام عليهما السلام أرضاً لشخص، فأنـّه لا يجوز لأحد غيره إحياءها وتمليكها، بل تبقى ملكاً لذلك الشخص وإنْ لم يستطع من إحيائها وبقيت مواتاً جرداء لا بناء فيها لازرع.
فللنبي الخاتم، وللإمام المعصوم (عليهما السلام) الحق في أن يتصرفا في ما يريدان كما يشاءان وقد منحهما الله تعالى هذه السلطة العامة. فإذا هما منحا شخصاً شيئاً من الأرض فقد منحا ما يملكانه، ويكون ملكاً ـ أو مختصاً ـ لمن منح له فلا يجوز لغيره إحياءها من غير إذنه.
قال المحقق الحلّي قدس سره في الشرائع: «الرابع: أنْ لا يكون مما أقطعه إمام الأصل (عليه السلام) ولو كان مواتاً خالياً من تحجير كما اقطع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الدورو وأرضاً بحضرموت وحضر(3) فرس الزبير ـ فانه يفيد اختصاصاً مانعاً من المزاحمة فلا يصح رفع هذا الاختاص بالإحياء»(4).


الشرط الخامس

الخامس: ان لا تكون الأرض معلّمة بعلامات تفيد أنّ شخصاً آخر سبق إليها ووضع في أطرافها هذه العلامات ليحييها ويسمى ذلك «تحجيراً».
قال المحقق الحلّي قد سره في الشرائع: «والتحجير هو أنْ ينصب عليها المروز(5) أو يحوطها بحائط.
ولو اقتصر على التحجير، وأهمل العمارة أجبره الإمام (عليه السلام) على أحد الأمرين:
1- إما الاحياء.
2- واما التخلية بينها وبين غيره.
ولو امتنع اخرجها السلطان من يده لئلا يعلطها ...»(6).



(1) وسائل الشيعة، كتاب إحياء الموات.
(2) نفس المصدر.
(3) بالضّم والفتح: عدو الفرس.
(4) شرائع الإسلام / ج4 /ج4 ص793 وص794.
(5) جمع مرز: وهي القطعة الي العلامة.
(6) شرائع الإسلام / ج4 /ج4 ص793 وص794.