الفاصل الخامس

مضايقة المزارعين في ثمن الأرض

5- والفاصل الخامس بين نظام الإسلام للزراعة، وقانون الإصلاح الزراعي الوضعي هو: أن الإسلام مع أنّه يخلّي بين الأرض وبين عباد الله يزرعون ويبنون ويغرسون ويحيون، فأنّه مع ذلك إذا رأى هناك مَنْ يستطيع القيام بذلك ولكنه لم يكن عنده مال يحي به الأرض، يدفع الإسلام إليه مالاً كافياً دون أن يأخذ منه بدلاً.
وقد المع القرآن الحكيم إلى ذلك في عموم قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ...)(1)
فالزكوات أحد مصارفها: سبيل الله، وهو كل عمل خيري يحبّه الله ويتقرب به إلى الله تعالى.
وهذا العمل ـ وهو: إعطاء المال لمن كانت له قوة الزرع والبناء لكنه ليس عنده مال ـ عمل خيري يتقرّب به إلى الله.
بينما نرى قانون الإصلاح الزراعي الوضعي يفرض في كثير من المناطق على المزارعين والفلاحين ثمن الأراضي التي يعطيها إليهم ويضايقهم بمطالبتهم يقول الدكتور العلوان في كتابه الآنف: «ويتوجب على المنتفعين من الإصلاح الزراعي أن يدفعوا مبلغاً رمزياً ضئيلاً كتعويض لما حصلوا عليه»(2).
ولنا أن نتسائل: لماذا يأخذون المبلغ الرمزي الضئيل من المزارعين هل أنّهم يحتاجون إليه؟
لكن الجواب ـ على ما اعتقد ـ هو أنّ الواضعين لقانون الإصلاح الزراعي هكذا ساروا، ونحن أيضاً نسير كما ساروا، سواء أكان سيرهم صحيحاً نافعاً للبلاد، أم خطأ ً مضراً بالإقتصاد؟
فكأنا فقراء محتاجون حتّى استيراد الأنظمة والقوانين! مع العلم أن لنا نظاماً ـ كالإسلام ـ لو أتبعناه لاستطعنا أن نجعل من الأرض مزرعة واحدة خضراء دكناء، لا تكاد تجد فيها شبراً واحداً خال من الزرع والعمران وقد ذكرت بعض المجلاّت بعض القصص عن كيفية مطالبة الدولة أقساط ثمن الأرض وأنّ قانون الإصلاح الزراعي حينما نفذ في بعض البلاد الإسلامية كان ذلك سبباً لمطاردة بعض الفلاحين والمزارعين من أجل تقاضي الحكومة مبلغاً ضئيلاً ـ بحسب كتاب الدراسات ـ بدلاً عما أعطت لهم من الأراضي.


من قصص الإصلاح الزراعي

وإليك والقصة التالية:
وزّعت الحكومة «الكذائية» أراضي على الفلاحين فكان لكل واحد منهم ملكية صغيرة...
ملكوا الأراضي، ثمّ دفعت الحكومة لكل منهم شيئاً قليلاً من البذور، فقام المزارعون ـ الملاكون الجدد ـ بالزرع ودفن البذور في الأرض ...
فما مضت أيام إلاّ وإذا بعمال الإصلاح الزراعي يفاجئونهم ليطالبوهم بقسط من المبلغ.
جاء المزارع إلى زوجته قائلاً: اخرجي ماعندك من النقود فقد آن وقت دفع القسط الاول من المبلغ.
قلت لهم: اننا بعد لم نزرع فامهلونا حتّى نزرع ونحصد.
قالوا: لا يمكن قد حان آوان دفع القسط الأول.
فأخرجت ما كان عندها من النقود إلى عمال الإصلاح الزراعي.
وبعد أيام عن هذه الواقعة ـ وقبل أن يحصد الزرع ـ فاجئهم وفد آخر من عمال الإصلاح الزراعي يطالبونهم بالقسط الثاني من المبلغ.
قالت زوجة الفلاح لزوجها: ليس لنا شيء من النقود، وقد دفعنا إليهم كل نقودنا في المرة الاولى.
فقال لها: إننا اليوم أصبحنا من الملاكين والمالك قد ينتفع وقد يتضرر، فلنودع أثاثنا عند بعض الجيران ونأخذ منهم نقوداً ندفعها إلى هؤلاء علّنا ـ وقت الحصاد ـ نسدد ديوننا، ونزيد.
وضعوا أثاثهم رهناً عند بعض الجيران وأخذوا منهم نقوداً، ودفعوها عن القسط الثاني من الأرض التي امتلكوها.
فما مضى إلاّ أيام وإذا بهم يرون رجالاً آخرين من عمال الإصلاح الزراعي من بعيد متوجهين إلى أراضيهم.
فجاء الرجل إلى زوجته يخبرها النبأ.
فقالت: ما الذي أنت صانع؟
قال: إنّ هؤلاء ان أتونا فليس عندنا نقود ندفعها إليهم، ولا أثاث نجعلها رهناً عند الجيران، فلا شك أنّهم يطالبوننا بالقسط الثالث فإذا لم ندفع لهم، فهم يأخذوننا إلى السجن فنكون قد أفنينا نقودنا وأثاثنا، وسجنا بعدهما، فالرأي: ان نفر حتّى لانسجن!!
فركب الفلاح دابته، وأردف زوجته خلفه، وساروا حتّى وصلوا ـ في أثناء الطريق ـ إلى عمال الإصلاح الزراعي، فسأل العمال عن الرجل وزوجته اين أرض فلان ـ يقصدون نفس هذا الراكب؟
فقالا لهم: هناك، وأشار إلى خلفهم.
فتوجه العمال إلى تلك الأرض، وأسرع الفلاح وزوجته بدابتها لكي لا يرجع العمال عليها ... !!!»
هذه القصة ذكرتها بعض المجلات ضمن قصصها الطريفة في هذا المجال، وهي وان كانت قصة والقصة قد تحتوي على نوع من المبالغة والزيادة على واقعها، ولكن نتيجة الفلاحين في ظلِّ قانون الإصلاح الزراعي الوضعي، هي هذه وليس أفضل منها.
اما الإسلام ـ الحكيم في نظامه ـ فانّه لا يأخذ بدلاً عن الأراضي شيئاً، مع أنّه يساعد الفقراء والمعدمين بالمال وسائر الإمكانات مجاناً وبلا عوض لكي يقوموا بزراعة الأرض وعمرانها.
فكم الفرق؟


(1) دراسات في الإصلاح الزراعي: ص218.
(2) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (215).