4- الفاصل الرابع بين نظام الإسلام للزراعة، وقانون الإصلاح الزراعي الوضعي هو :
أن الإسلام لا يلزم مَن يريد إحياء الأرض بقيود مثـبّطة ومانعة عن العمل والتقدم،
كالتي يلزمها القانون الوضعي للإصلاح الزراعي، مثل: تقديم طلب بذلك إلى الدولة،
ومراجعة الداوئر المعنيّة بالأمر، واجتياز العقبات الموجودة في الطريق، والإنتظار
المشين الذي يطول أحياناً مدة سنوات، فالأرض لله والناس عباد الله، ومَنْ سبق إلى
أرض فأحياها فهي له قضاء من الله ورسوله.
فليست هناك ـ في الإسلام ـ دوائر خاصة لإحياء الأراضي بحيث يجب على كلِّ مَنْ أراد
الاحياء مراجعتها، وتقديم الطلب إليها، للحصول على اجازة بما يريد أن يحيي، والذهاب
والإياب، واللف والدوران، وبذل الجهود والأموال، ودفع الرسوم والضرائب، وتبديد
الطاقات والقدرات، وغير ذلك.
فالشخص في الآن الذي ينوي فيه إحياء ميتة لا مالك لها يستطيع في نفس الوقت وبلا أيّ
مانع من القيام بالزرع أو البناء دون اية مراجعة، أو أي تعب ونصب أو اية رسوم
وضرائب أو غير ذلك.
ففي وسيلة النجاة قال قدس سره:
«الموات أرض العطلة التي لا ينتفع بها، إما لإنقطاع الماء عنها، أو لإستيلاء
المياه، والرمول، أو السبخ، أو الأحجار عليها، أو لإستيجامها والتفاف القصب
والأشجار بها، أو لغير ذلك.
وهو على قسمين:
الأوّل: الموات بالأصل، وهو ما لم يعلم مسبوقيته بالملك والإحياء، أو علم
عدم مسبوقيته بهما، كأكثر المفاوز، والبراري، والبوادي، وصفحات الجبال، وأذيالها
ونحوها.
الثاني: الموات بالعارض، وهو ما عرض عليه الخراب والموتان بعد الحياة
والعمران، كالأراضي الدارسة التي بها آثار المرور والأنهار، والقرى الخربة التي
بقيت منها رسوم العمارة»
ثمّ أردف ذلك بقوله: «الموات بالأصل ... يجوز في زمان الغيبة لكلِّ أحد إحيائه ...
والقيام بعمارته، ويملكه المحيي على الأقوى».
ثمّ أضاف قائلاً: الموات بالعارض ... ما باد عنها أهلها، وصارت بسبب مرور الزمان
وتقادم الأيام بلا مالك ... فهو بحكم الموات بالأصل في كونه من الأنفال، وأنّه يجوز
إحيائه، ويمكله المحيي، ولا يحتاج إلى الأذن من حاكم الشرع، أو الشراء منه، بل
يملكها المحيي والمعمر بنفس الاحياء والتعمير».
هذا كلّه عند الإسلام.
اما في ظل الإصلاح الزراعي الوضعي، فليس من الممكن القيام بالزرع، والغرس وغيرهما
إلاّ بعد عقبات وعقبات ومشكلات وويلات، مثل: تقدم طلب لإدارة الاحياء، بما في ذلك
من تعقيدات حتّى بالنسبة للسقي وأخذ الماء للزرع(1).
والصبر اشهراً واشهراً ، حتّى تخرج النتيجة.
والطواف على دوائر متنوعة ومختلفة.
والتذلل أمام موظفين لايتحسسون موقف المراجعين واضطرارهم، مضافاً إلى ماهنالك من
تبديد جهود وصرف أموال، وافناء طاقات، وغير ذلك من أنواع المصائب التي يعانيها مَنْ
أراد إحياء قطعة من الأرض في ظلِّ نظام قانون الإصلاح الزراعي الوضعي.
لقد كان هذا أحد العوامل المهمة في فشل قانون الإصلاح الزراعي الوضعي في بعض الدول،
وذلك لأنّ الناس كانوا يرون أنّ الأموال والجهود التي يبذلونها في سبيل تحصيل قطعة
من الأرض، هي أكثر من الأرض التي ينالونها ويحصلون عليها، ولذلك كان كثير منهم لا
يتقدمون ـ بتاتاً ـ إلى تقديم طلب في هذا المجال.
يقول الاستاذ عبد الصاحب العلوان في كتابه «دراسات في الإصلاح الزراعي» مايلي:
«وقد تعثرت عملية الإصلاح الزراعي بسبب الإجراءات المعقدة التي وضعت لتنفيذه».
ثمّ يسرد قائلاً: «ولأجل إعادة الأرض إلى أهالي القرية ـ أي : لكي تمنح الحكومة
أهالي القرية القيام بالزرع والغرس ـ لابدَّ من تقديم طلب إلى الحكومة، فإن لم
يقدّم الطلب فلا يجري الاستيلاء».
ثمّ يردف قائلاً: «وقد تأخرت قرى كثيرة عن تقديم الطلب بسبب الإجراءات المعقدة التي
يستلزمها».
فاذا كان تقديم الطلب يستلزم تعاقيد يفرّ عنها الناس، فكيف تعمّر الأرض؟ وكيف تنتشر
الحقول والمزارع، والجنان والبساتين؟
ولذا أصبحنا نرى الأراضي في ظلِّ قانون الإصلاح الزراعي الوضعي، صحاري ومفاوز،
خالية من الزرع والعمران بينما كنا في ظلِّ نظام إحياء الأرض الإسلامي حينما نرمي
ببصرنا إلى الأرض، نراها على أثر وسعة المزارع والعمران، مخضرّة كخضرة السماء، فلا
تكاد تجد أراضي بائرة لا زرع فيها، ولا عمارة بها بفضل أحكام الإسلام؛ وبسبب نظامه
الحكيم في إحياء الموات.