الفاصل الثالث

تخصيص الأرض بأوليات موهومة

3- والفاصل الثالث بين نظام الزراعة في الإسلام، وبين قانون الإصلاح الزراعي الوضعي هو: تخصيص الأرض بأوليات موهومة غير واقعية، مما يعرقل تقدّم الزراعة وتطوّرها، فأنّ الإسلام لا يرى لأحد أولوية على آخر في عمارة أرض بالزراعة أو النباء؟
فالناس ـ بنظر الإسلام ـ سواسية كأسنان المشط، وكلُّ مَنْ سبق إلى أرض ميتة فأحياها فهو أحق بها من غيره، كما صرّحت بذلك الأحاديث الشريفة، ومنها حديث الإمام الباقر (عليه السلام):
«أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمّروها فهو أحق بها»(1).
وهذا هو أحد الأسباب التي تمكن الإسلام عبرها من تبديل الفيافي الشاسعة الجرداء، والصحارى الواسعة الملساء إلى جنان ومزارع،، وحقول وبساتين، ولم يحتكر الإسلام أرضاً لقوم ـ لا سيتفيدون منها ـ مادام هناك مَنْ يستثمرها ويزرعها، ويقوم بإحيائها.
ولكن قانون الإصلاح الزراعي الوضعي يرى لبعض الناس أولوية على الباقين بالنسبة لإحياء بعض الأراضي سواء قام مَنْ هو أولى بالزراعة والاحياء أم لم يقم بها وإنما ترك الأرض قاحلة ميتة.


بنود ومواد في الأولويات الوضعية

اقرأ معي المواد التالية، والبنود الآتية من الأولويات الموهومة في قانون الإصلاح الزراعي الوضعي في بعض البلاد:
«لقد روعي في ـ فنلندة ـ عند توزيع الأراضي المستولى عليها أنْ تكون الأولوية ممّن فقد أرضاً كان يمتلكها أو يستأجرها في المناطق التي استقطعت من ـ فنلندة ـ عند تقدير الحدود بعد الحرب العالمية الاخيرة.
ويأتي في الدرجة الثانية ـ في التوزيع ـ المسرّحون من الخدمة العسكرية واليتامى الذين فقدوا ذويهم في الحرب العالمية.
ويأتي بعد هؤلاء جميعاً: المستأجرون، والعمال الزراعيون ممن كانوا بغير عمل»(2).
«وفي ـ يوغسلافيا ـ قد اُعطيت الأولوية للزارعين الذين كانوا في الخدمة العسكرية. والمحاربين القدماء وعوائل الأسرى»(3).
«وفي ـ كوبا ـ توزع الأراضي على المزارعين المعدمين والعمال الزراعيين الذين يعملون ويسكنون في نفس الأرض الموزّعة، وإلى المزارعين المعدمين الآخرين في المناطق الاخرى التي لا توجد فيها أراضي كافية للتوزيع...
ويفضلّ من بين هؤلاء جميعاً:
مَنْ كان من جنود الثورة وضباطها.
أو كان من ضحايا الحرب.
أو من الذين كانت الحكومة السابقة ساخطة عليه.
أو من اليتامى الذين فقدوا ذويهم في الثورة ضد حكم الطغاة»(4).
«وفي ـ مصر ـ تكون الأولوية لمَن كان يزرع الأرض فعلاً مستأجراً أو مزارعاً .
ثمَّ لمن هو أكثر عائلة من أهل القرية.
ثمّ لمن هو أقل مالاً منهم.
ثمّ لغير أهل القرية»(5).
«وفي ـ العراق ـ تكون الأولوية لمن كان يزرع الأراضي فعلاً ـ مستأجراً، أو مشاركاً، أو مزارعاً ـ .
ثمّ لمن هو أكثر عائلة.
ولمن هو أقل مالاً من أهل المنطقة.
ثمّ لغير أهل المنطقة»(6).


أقوال وتصريحات

فهذه الأقوال والتصريحات ـ والعشرات من غيرها لمختلف دول العالم ـ تقر مادة التوزيع على الأولى فالأولى من الناس. ورأيت كيف كانت هذه النصوص تطلق الاولوية لبعض سائر الناس من دون تقييدها بالاحياء والزراعة؟
فمثلاً : مَنْ هو أكثر عائلة أولى من غيره، وإن كان لا يقوم باحياء الأرض وان غيره مستعداً للقيام بالزراعة والغرس.
وأهل القرية أو أهل المنطقة أولى من غيرهم، سواء قاموا بالاحياء أم لا، وسواء كان غيرهم جاهزاً للاحياء أم لا !
وفي بعض الدول يصرّح قانون الإصلاح الزراعي الوضعي بوجوب السير على هذا الترتيب في توزيع الأراضي، وأنّه ليس لأحد الحق في خرق هذه الأولوية، وإعطاء الأرض لأناس مادام هناك مَنْ يصرّح القانون بأولويته من غيره، وتقدمه على سواه.
يقول قانون الإصلاح الزراعي العراقي في هذا المجال: «وهذا الترتيب (يعني : الترتيب الذي قدّم بعضاً على آخرين) ينبغي الأخذ به ولا مجال للجان التوزيع الاجتهاد في تفسير هذا النص»(7).
وقد كان فشل الإصلاح الزراعي في بعض المناطق، وبوار كثير من الاراضي، نتيجة لهذه المادة من هذا القانون الوضعي.
وذلك، لأنّ الأراضي كانت توزّع على المزارعين والفلاحين وغيرهم بحسب هذا القانون الوضعي وأولوياته الموهومة، من دون مطابقته للهدف المقصود من التوزيع الذي هو إحياء الأراضي بالزراعة، فكانت توزّع مثلا: لهذا ثلاثة هكتارات، ولذاك أربعة هكتارات، وللآخر خمسة هكتارات، وهكذا من دون ضمانات تلزمهم باحيائها، فيترهّل كثير منهم ويكسل ولم يقم بإحياء حصته من الأرض، فتبقى بواراً خالية من زرع وغرس، إذ ليس لأحد غيره الحق في القيام بإحيائها، وعمارتها.
بينما لو كان الإصلاح الزراعي ينظّم وفق منهاج الإسلام في إحياء الأراضي لم يكن يواجه هذه المشكلة.
فإنّ الإسلام ـ كما سبق ـ لا يمنح مقداراً من الأرض لشخص معين سواء أحياها أم تركها، وإنما يمنحها له بشرط إحيائها ليكون ذلك ضماناً من جهة وتحفيزاً من جهة اخرى لاحيائها، فأنّه يقول: «أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمروها، فهم أحق بها».
وعليه: فكلُّ إنسان في نظام الإسلام الزراعي يملك من الأرض بالمقدار الذي يحييها ويعمرها، لا غير.
هذا، ولكي لا يبقى شبر من الأرض ميتاً خالياً من الزرع والعمارة لا يبيح الإسلام للشخص أنْ يحدث سوراً وحصاراً حول أرض ويدع إحياءها ماد ام هناك مَنْ يريد النهوض باحيائها.
ولو فعل شخص ذلك أجبره الحاكم الشرعي على الإحياء، أو رفع اليد عنها ليحيي عباد الله أرض الله.


مسائل وأحكام

قال في هذا المجال الإمام الفقيد آية الله العظمى السيد أبو الحسن قد سرّه في وسيلة النجاة ما يلي:
«ليس للمحجّر (أي الذي وضع احجاراً في أطراف أرض لتكون علامة على أنْ يريد احياءها) تعطيل الموات المحجر عليه والاهمال في التعمر، بل اللازم أن يشتغل بالعمارة عقب التحجير، فإنْ أهمل وطالت المدة وأراد شخص آخر إحياءه، فالأحوط أن يرفع الأمر إلى الحاكم مع وجوده وبسط يده، فـيُلزم المحجّر بأحد أمرين: أما العمارة ، أو رفع يده عنه ليعمرّه غيره، إلاّ أن يبدي عذراً موجهاً، مثل : إنتظار وقت صالح له، أو إصلاح الآلة، وحضور العَمَلة، وليس من العذر عدم التمكن من تهيئة الأسباب لفقره، فلا يمهل إنتظاراً للغنى والتمكن، بل يمهل مدة يزول فيها العذرالموجه، فإذا مضت المدّة ولم يشتغل بالعمارة بطل حقه وجاز لغيره القيام بالعمارة، وإذا لم يكن حاكم يقوم بهذه الشؤون(8) فالظاهر: أنّه يسقط حقه ـ أيضاً ـ لو أهمل في التعمير، وطال الاهمال مدة طويلة يعدّ مثله في العرف تعطيلاً، فيجوز لغيره إحياءه وليس له منعه».
فهل بعدهذا يبقى في ظلِّ نظام إحياء الأرض الإسلامي قطعة من الأرض بائرة وهناك مَنْ يريد عمرانها؟
كلا ثمّ كلا .


(1) وسائل الشيعة، كتاب « احياءالموات».
(2) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (212).
(3) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (213).
(4) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (218).
(5) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (218).
(6) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (220).
(7) دراسات في الإصلاح الزراعي ص (220).
(8) كما في هذه الأزمان التي أزاح المستعمرون فيها العلماء عن مجالات الحكم وأبعدوهم عن القيادة السياسية، فأصبح العالم الديني الذي هو الحاكم من منظار الإسلام لا يُسمع له كلام. ولو أراد المداخلة في هذه الشؤون والحكم بما أنزل الله فهناك الويل عليه والعذاب له من سجن وتعذيب، ونفي وتشريد، كما يعلم ذلك الجميع.