1- الفاصل الأول بين نظام الإسلام الزراعي وقانون الإصلاح الزراعي الوضعي هو: تحديد
كمية الإعمار وتقليص العمران، فإنّ الإسلام يبيح عمارة الأرض بالزرع، والبناء، من
غير تحديد لمقدار العمارة، فهو يدع الناس يبنون، ويزرعون مهما تمكنوا على البناء
والزراعة، وأي قدر يستطيعون، ما لم يكن فيه هضم لحقوق الآخرين.
وعليه: فلا ينبري الإسلام في وقت من الأوقات ليمنع شخصاً عن البناء والزراعة وإن
عمّر آلاف الكيلو مترات من الأرض.
بل الإسلام يشجع هكذا إنسان، ويؤيده، ويمدّه بالعون، لتخضر الأرض بالزرع، وتملأ
بالبناء ، فترخص الأسعار، ويعيش الجميع في هناء..
وقد أسلفنا في أوائل الكتاب بعضاً من الأحاديث الواردة في تشجيع الزارعين، مثل حديث
الإمام الصادق (عليه السلام) كالتالي:
«يزرعون طيباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً، وأقربهم
منزلة، يدعون المباركين»(1) وغير ذلك.
ولكن الإصلاح الزراعي المستورد لا يبيح للفرد أنْ يزرع إلاّ مقداراً محدوداً وإن
كان له نشاط في تعمير أضعاف ذلك المقدار.
أنظر التعهدات والمواد التالية:
يقول الدكتور عبدالصاحب علوان استاذ الإقتصاد الزراعي، المساعد العام ونائب عميد
كلية الزراعة في جامعة بغداد سابقاً مايلي:
لقد نصّ قانون الإصلاح الزراعي المصري رقم ـ 178 ـ لسنة 1952 على أنّ : «توزع
الأراضي المستولى عليها في كلّ قرية على صغار الفلاحين بحيث يكون لكل منهم ملكية
صغيرة لا تقل عن فدانين، ولا تزيد على خمسة أفدنة(2) تبعاً لجودة الأرض».
أما قانون الإصلاح الزراعي في سوريا لسنة 1958 فقد نصَّ على أنّه: «توزّع الأراضي
المستولى عليها في كلِّ قريةٍ على الفلاحين، بحيث يكون لكلِّ منهم ملكية صغيرة لا
تقل عن ثمانية هكتارات...»(3).
ونصّ قانون الإصلاح الزراعي العراقي رقم ـ 30 ـ لسنة 1958 في المادة الحادية عشر
منه على ما يلي:
«توزع الأرض المستولى عليها: ويكون التوزيع على الفلاحين بحيث تكون لكل منهم ملكية
صغيرة لا تقل عن ثلاثين دونماً(4)...».
وفي إيطاليا كان الحد الأدنى المقرر للتوزيع يتراوح بين سبعة هكتارات إلى ستة عشر
هكتاراً».
«وتترواح مساحة الملكية الموزعة ـ في فنلندة ـ بين خمسة عشر إلى سبعة وثلاثين
فداناً».
«ويبلغ متوسط المساحة الموزعة ـ في يوغسلافيا ـ بحوالي أربعة عشر فداناً».
«وفي چيكوسلوفاكيا احتفظت الدولة بحوالي ثلثي مساحة أرضها للمزارع الحكومية،
وللإستثمارات التعاونية، ووزعت الثلث الباقي بوحدات إستثمارية مساحتها خمسة هكتارات
في أراضي البنجر، وثمانية هكتارات في المناطق المزروعة بالبطاطة، وخمسة عشر هكتاراً
في أراضي المراعي...».
«وفي بولندة صدر قانون (الإصلاح الزراعي) في سنة 1944 على أساس مماثل للأسس التي
شرعت بموجبها قوانين الإصلاح في چيكوسلوفكيا...».
«وفي هنغاريا (المجر) أخذ بنظر الإعتبار عند التوزيع موقع الأرض ونوعيتها، ونوع
الزراعة المطبقة فيها، ففي الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية لم تزد المساحة
الموزعة عن خمسة عشر فداناً، وفي أراضي البساتين لن تزد عن ثلاثة أفدنة...».
«وفي المكسيك تزرع الأراضي الزراعية بمعدل ثمانية هكتارات من الأراضي المروية (أي:
التي تروي بنفسها من الأرض فلا تحتاج إلى ماء قليل) وثلاثين هكتاراً من الأراضي
الأخرى (أي : الجافة) لكل عائلة...».
«وفي كوبا نص قانون الإصلاح الزراعي الكوبي الصادر في 17 مايس سنة 1959 على أن يكون
الحد الأدنى للمساحة الموزعة على الفلاحين : كاباليرياين اثنين (أي : ما يعدل ستة
وستين فداناً...»(5).
هذه مواد متقطفة عن قوانين الإصلاح الزراعي في بعض البلاد، قد رأيت أنّها جميعاً ـ
بلسان واحد ـ تحدد مقدار الزراعة المسموحة للفلاحين، والزارعين، سواء في ذلك البلاد
الإسلامية منها، وغير الإسلامية؟
إنما الفرق في مقدار التحديد، فمصر بين فدانين وخمسة أفدنة، وسوريا بين ثمانية
هكتارات فما فوقها بقليل، والعراق بين ثلاثين دونماً وستين دونماً، وإيطاليا بين
ستة هكتارات وستة عشر هكتاراً، وفي فنلندة بين خمسة عشر فداناً إلى سبعة وثلاثين
فداناً، وهكذا، وهكذا.
وعلى نفس هذا النمط يكون الإصلاح الزراعي الوضعي في بقية البلاد، فكل بلد دخله هذا القانون الوضعي كان أحد مواد تحديد مقدار الأرض المعطاة للفلاح أو الزارع، وهذا هو من الأخطاء الجسيمة التي اشتمل عليها هذا القانون وهذه النقطة : هي «تحديد كمية الإعمار والزرع» محطة توليد مفاسد كثيرة تؤدي بالزرع والزارعين، وتُسقط البلاد في حضيض التقهقر الإقتصادي، ونشير فيما يلي إلى بعضها.
أولاً: تعطيل الأراضي وتجميد الطاقات البشرية من التقدم والإعمار، فأنّ الناس
يختلفون كثيراً في مقدار القوة، والنشاط والإستعداد فهناك شخص يستطيع أن يعمل في كل
يوم ست عشر ساعة دون أن يصيبه كلل، أو يلحقه أذى. . بينما ترى بعض الناس لو عمل في
اليوم الواحد خمس ساعات أردى به المرض في الفراش.
وهكذا قد يكون إنسان متوقداً نشطاً في حين أنّه يوجد إنسان ليس له من التوقّد
والنشاط إلاّ الشيء الضئيل !
فإعطاء سبعة هكتارات (أي ما يعادل 000/70 متراً مربعاً) من الأرض لعائلة تستطيع أنْ
تزرع، وتقدر أن تعمر من الأرض أضعاف ذلك في السنة ظلم مجحف، وتعطيل لطاقات كثيرة
دون مبرّر، وتبديد لنشاط متوقد دون سبب.
كما أنّ منح سبعة هكتارات من الأرض لعائلة لا تتمكن من الإعمار والزرع فوق هكتارين
أو ثلاثة هكتارات في السنة تعطيل للأرض، وتبذير لها، وإحتكار لخيراتها ومنافعها.
إذن فمن الجفاء وعدم الحكمة تحديد الأرض المعطاة للزراعة والغرس وغيرهما.
ولكن قانون الإصلاح الزراعي لا يبيح للشخص أنْ يزرع أكثر مما وزع عليه من الأراضي،
وإن كانت إمكاناته كفيلة بإحياء أضعاف ما أ ُعطي من الأرض، بل يغرّم ويعاقب عقوبة
شديدة لو فعل ذلك.
أنظر إلى التصريح التالي من قانون الإصلاح الزراعي العراقي رقم (30) لسنة 1958م.
«المادة السادسة والأربعون: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة شهور، وبالغرامة التي
لا تتجاوز مأتي دينار، أو باحدى هاتين العقوبتين: كل طرف في علاقة زراعية إستولى
عمداً على حصص تزيد عن الحصص المقررة له قانوناً(6)».
إنّ الإستيلاء غير العدواني إذا كان لأجل الإعمار والزرع والاحياء فمن الواجب على
السلطة المسؤولة التقدير من هكذا إنسان يعمل أكثر من المتعارف، والتشجيع له وترغيبه
بتقديم المِنح والجوائز إليه.
فلا يصح تطبيق هذه المادة على إطلاقها من دون تقييدها بكون الإستيلاء عدوانياً أو
من دون قصد الأحياء.
ثانياً: اخماد نشاط الزراعة عند المزارعين من أصحاب الأراضي الزراعية، فأنّ هناك
خطأ ً أخر ينجم عن هذا التحديد، في حين أنّ الإسلام عالج هذا الخطأ ـ أيضاً ـ بعدم
التحديد:
وهو أنّ الشخص إذا عرف أنّ له هذا المقدار من الأرض، وأنّها ملك له سواء قام
بإعمارها وزرعها أم تركها بائرة جرداء بلا إعمار وزرع، فلا شك أنّه يسوّف في القيام
بزراعتها وإعمارها والإستفادة منها، فتمر السنون والأعوام وهو لم يستفد إلاّ من بعض
تلك القطعة، وفي ذلك يكون أكبر ضرر قاصم في الإقتصاد.
اما إذا عرف الشخص أنّه بقدر ما يزرع من الأرض يملكها سواء كان قليلاً، أم كثيراً
فأنّه يكون حافزاً له على أن يزرع قدراً أكبر من الأرض.
مثلاً : إذا علم أنّه لو زرع هكتاراً واحداً من الأرض ملك هكتاراً واحداً فقط ولا
يملك أكثر من هكتار، بينما لو زرع ألف هكتار يملكها برمتها، فأنّه لا ريب في أنّه
يعمل دائباً ويزرع ويغرس دائماً، وذلك للإستزادة من تملّك الأرض، فترى الشخص الواحد
يزرع ويغرس في الأرض أضعاف ما كان يزرعه ويغرس فيه لو كانت قطعته الخاصة به معلومة
الحدود، محصورة المقدار.
وفي ظل إلغاء التحديد ـ هذا ـ تزداد الزراعة يوماً فيوماً وتعمر الأرض بالمزارع
المترامية الأطراف الشاسعة الواسعة..
وفي أثرها يكون إنتعاش الإقتصاد، واستئصال الفقر والجوع، واتساع المحاصيل
والمنتجات، وإنخفاض الأسعار، وارتفاع الغلاء.
وحيث كان الإسلام حكيماً ويحيط منذ بدئه وذلك قبل أربعة عشر قرناً بهذا الخطأ
الكبير في التحديد، ألغى تحديد الأراضي للزراعة والبناء على حدٍّ سواء وجائت
الأحاديث الشريفة تصرّح باباحة الأرض لمن عمّرها دون أي قيد أو تحديد. وقد سبق في
أوّل الكتاب بعض تلك الأحاديث التي كان منها حديث الرسول الأعظم (صلّى الله عليه
وآله وسلم): «موتان الأرض لله ورسوله فمن أحي منها شيئاً فهو له».
فلم يحدد (صلّى الله عليه وآله) مقدار الاحياء.
وبهذه الإلتفاتة الذكية الحكيمة ـ إلغاء تحديد الزراعة والبناء ـ تمكن الإسلام من
تشغيل الطاقات في رفع المستوى الإقتصادي في الوقت الذي لم يبذر في سبيل ذلك شبراً
من الأرض يذهب هباءاً.
ثالثاً: مشكلة التعديل المتسبّب لعدم الإستقرار في الحصص الموزّعة على المزارعين
وتزلزل مقاديرها لديهم، فأنّ تاريخ ـ الإصلاح الزراعي ـ يثبت وجود خطأ ثالث نتيجة
لتحديد الأراضي وهو مشكلة التعديل، والزيادة والتنقيص.
فهم يحددون المقدار المعطى للأفراد من الأرض يحددونه بحدود ثمّ لا تمر شهور عن
تنفيذ نظام الإصلاح الزراعي إلاّ وتتمثل أمامهم هذه المشكلة وهي أنّ المقدار المحدد
زائد بالنسبة لبعض الأفراد وقليل بالنسبة لآخرين، فيقومون بالتعديل والتنقيص من
بعض، والزيادة على بعض ؟
وهل تحسم المشكلة هنا ؟
كلا !
فبعد التعديل ـ أيضاً ـ يفاجئهم خطأ في نفس التعديل، فينهضون بإجراء تعديل لذلك
التعديل.
وهكذا تبقى عمليات التعديل تجري، بالتزويد والتنقيص مادام الإصلاح الزراعي قائماً
على قدم وساق.
ومن أجل هذا ـ وغيره ـ وضعت وزارة خاصة بتوابعها الكثيرة، وأعبائها الباهضة لذلك،
وسميت باسم: وزارة الإصلاح الزراعي.
وفي بعض المناطق بلغ إتساع الخرق حداً لم يكد يصلح بالتعديل الجزئي للأراضي الموزعة
على الأفراد، مما جعلت الحكومة تلتجئ إلى تعديل أصل المقدار المحدّد من جذره.
ثمّ أنّه بعدما أجرى التعديل الكلّي في التحديد الجديد، ووزعت الاراضي للمرة
الثانية ـ بعد التعديل الكلّي ـ لم تمرّ أيام إلاّ وشعرت الحكومة بفساد التعديل
الجديد، فقامت للمرة الثالثة بتوزيع الأراضي بعد إجراء التعديل الكلّي عليها ـ
ثانياً ـ كل ذلك في ظرف سنتين أو ثلاث سنوات.
يقول الاستاذ: عبد الصاحب العلوان في كتابه: «توزيع الأراضي الزراعية ـ العائدة
للقرى ـ إلى أهالي القرية بمعدل أربعة هكتارات لكلِّ شخص في الأراضي المروية إرواءً
طبيعياً كافياً، وثمانية هكتارات في الأراضي المطرية (الجافة).
وثم عدل القانون فأصبحت الوحدة الموزعة ستة هكتارات في الأراضي المروية واثني عشر
هكتارات في الأراضي الديمية.
ثمّ عدل مرة اخرى في سنة 1945م فأصبح التوزيع الجديد بمعدل ثمانية هكتارات من
الأراضي المروية وثلاثين هكتاراً من الأراضي الاخرى لكل عائلة(7)».
مع أنّ هذه التعديلات اُجريت في الإصلاح الزراعي في بلاد المكسيك التي تعتبر في
طليعة البلاد الراقية الخاضعة للإصلاحات الزراعية العالمية يقول الاستاذ العلوان
نفسه وفي كتابه الآنف: «يُعتبر الإصلاح الزراعي المكسيكي من الإصلاحات الزراعية
المهمة المشهورة(8)».
فإذا كان الإصلاح الزراعي المشهور بالأهمية تجري عليه يد التعديل مرتين في مدة
سنتين أو ثلاث سنوات فكيف بالإصلاحات الزراعية غير المهمة؟
أنّها ـ بلا ريب ـ تكون أحوج إلى التعديل سواء عدلت أم لا تعدل فكيف يعتمد عليها؟